بسم الله الرحمن الرحيم
بني إسرائيل و اليهود
في القرآن الكريم
[الجزء الأول]
ما
بين يعقوب وموسى عليهما السلام
(الحلقة الأولى)
أحاول هنا وبالإستعانة بصريح الآيات القرآنية وبعض التحليل المنطقي إثبات أن هناك فرق كبير بين (بني إسرائيل) وبين (اليهود) من حيث الانتماء العرقي... وإنه وإن كان كل شخص من بني إسرائيل يفترص فيه أن يكون يهوديا ؛ فإن كل يهودي ليس شرطا أن يكون من بني إسرائيل..... وهو ما يقودنا أيضا إلى تعرية اليهود من إدعائهم بالسامية والتي لا يحق سوى لنسل يعقوب عليه السلام (بني إسرائيل) التعلق بها والإنتساب إليها.
بني إسرائيل هم أبناء
يعقوب عليه السلام (وإسمه إسرائيل) وعددهم 12 ولد ذكر أسماؤهم حسب السن هي: روبيل /
شمعون / لاوي / يهوذا / دان / نيفتالي / جاد / أشير / إيساخر / زابلون / يوسف عليه
السلام / بنيامين.
وأطلق على هؤلاء الأبناء فيما بعد مسمى (الأسباط) . ومن نسل هؤلاء الأسباط جاءت
شعوب بني إسرائيل المشار إليها في القرآن الكريم.
وتجدر الإشارة إلى أنه ومن بين هؤلاء الأسباط بني يعقوب (إسرائيل) من صلبه مباشرة
لا يوجد سوى نبي واحد هو يوسف عليه السلام... ولكن جاء من نسلهم فيما بعد أنبياء
كثر وجاء من أولي العزم المرسلين موسى وعيسى عليهما السلام.
وأما الأنبياء الذين
من نسل إبراهيم الخليل عليه السلام فقد كان بعضهم من نسل إسرائيل عليه السلام
والبعض الأخر من نسل تؤامه العيص ..... ويعقوب (إسرائيل) و العيص كلاهما أبناء إسحق
ولكن النبوة تحققت ليعقوب عليه السلام دون تؤامه العيص.... ومن ألأنبياء الذين
جاءوا من صلب العيص أيوب عليه السلام.
وكان هناك أنبياء ممن جاء من نسل أبناء آخرين لإبراهيم الخليل ومنهم شعيب عليه
السلام الذي ينحدر من صلب مدين بن إبراهيم الخليل .
ومن نسل وصلب اسماعيل بن الخليل عليهما السلام جاء أشرف الخلق ومن أشرقت الأرض
بمولده وبرسالته رسولنا العظيم صاحب الشفاعة والحبيب المصطفى الخاتم محمد بن عبد
الله صلى الله عليه وسلم.
وكان إبراهيم عليه السلام بعد وفاة السيدة سارة قد تزوج من كل من قنطورا بنت يقطين
الفلسطينية (الكنعانية) وحجون بنت أمين فولد له 11 ولدا هم : مدين (جد شعيب عليه
السلام) / زمران / سرح / يقشان / نشق / كيسان / سورج / أميم / لوطان / نافس / وهناك
آخر مجهول الإسم .
وعليه يكون جملة أولاد إبراهيم عليه السلام الذكور 13 ولدا.
وأما آل عمران فهم أيضا من نسل إبراهيم ولكن جاء ذكرهم من بين من اصطفاهم الله عز
وجل على العالمين على انفراد للخصوصية التي تفرد بها مولد عيسى المسيح عليه السلام
من دون أب . وكانت أمه هي السيدة مريم العذراء بنت عمران . .... وعمران هو إبن باشم
بن أمون وينتهي نسبه إلى داود عليه السلام الذي ينتهي نسبه إلى إسرائيل (يعقوب) بن
إسحق بن إبراهيم عليهم السلام.
أما اليهود فهم خليط من الأجناس والأعراق أمنوا (إلى جانب بني إسرائيل) برسالة موسى عليه السلام في مصر واتبعوه قائلين له (هـدنا معـك) إلى الحق .. وهدنا بمعنى عدنا .... وهذا الخليط من الأجناس كان بعضه قبطي من أهل مصر وأكثرهم من الأجانب الوافدين إلى مصر الفرعونية إما طلبا للرزق أو يصفة رقيق مستجلبين من أسواق النخاسة للعمل في مهن لا يقبل عليها القبطي ... وفي طبقة العبيد هؤلاء الأبيض والأسود والوثني وأبرزهم السامري (من العراق) الذي كان يعبد الأبقار فصنع لهم العجل الذي عبدوه في فترة غياب موسى عليه السلام مدة أربعين يوما ذهب فيها للقاء ربه .... ومنهم الأحباش وعبدة النار وهلم جرا ..... وهؤلاء خرج معظمهم تقريبا من مصر في معية موسى عليه السلام للتخلص من قيود الإسترقاق والعبودية ........ ومن نسل هؤلاء الخليط جاء من اصطلح على تسميتهم لاحقا باليهود .... ومنهم كذلك أجناس أخرى ممن آمن برسالته لاحقا في الشام والعراق واليمن وعامة المشرق بعد خروجه من مصر وخلال فترات التيه ثم الشتات وهجرتهم للإقامة شراذم وأشلاء في كل بلدان العالم خلال العصر الحديث.
إذن وبمرور السنوات وتعاقب الأجيال 4000 عام ميلادي تقريبا أو يزيد ما بين بعثة
موسى عليه السلام وحتى تاريخه اختلط حابل هؤلاء بنابلهم أولئك وغض العامة البحث
والاستقصاء في التفاصيل فلم يعد العامة والبسطاء في العالم يعرف غير اليهود أتباع
الديانة اليهودية التي نزلت بها التوراة . ومضى الأمر على هذا المنوال إلى أن جاء
اليهودي الألماني هرتزل فابتدع الصهيونية ونادى بتحقيق حلم اليهود في وطن واحد
يجمعهم واستقر الراي على تسمية هذا الموطن بدولة (إسرائيل) .. أي دولة (يعقوب) والد
(يوسف) عليهما السلام حتى يكون لها بعدا وعمقا دينيا... أو كأنه يريد أن يعطي
انطباعا للآخر بأن كل اليهود إنما هم بنو إسرائيل .. وقد صدقه في ذلك العديد بل
وربما (الأعداء) قبل الأصدقاء.... و(المتضررين) قبل المنتفعين.
وفي واقع الأمر فإنه وقبل بزوغ فجر الإسلام وتنزيل القرآن الكريم وما صاحب ذلك من
انتشار الوعي والمعرفة والثقافة وسط العرب وأهل المشرق عامة لاسيما أهل فارس منهم .
ولم يكن حتى العرب يخاطبون أو يعرفون هؤلاء إلا بمسمى (اليهود) .... وكذلك فإن
العالم أجمع من غير المسلمين لاسيما العامة لا يعرفون حتى في زماننا الحاضر هؤلاء
إلا بمسمى (اليهود) .. ولا وجود لمسمى (بني إسرائيل) في الذاكرة العامة للبشر سوى
تلك التي لدى المسلمين والذين للأسف وبعد 1400 سنة من البعثة المحمدية نرى معظم
العامة من المسلمين لا يفرقون بين (بني إسرائيل) وبين (اليهود).
وربما لأجل ذلك اختلط الأمر على البعض فظن أن اليهود هم بالضرورة بنو إسرائيل ..
.. وكان البعض ولا يزال يتساءل في دهشة وإستغراب عما إذا كان يهودا يتعمدون قتل
المدنيين الفلسطينيين بغرض سرقة أعضائهم البشرية والمتاجرة فيها أو قتلة ومجرمين
وقادة عصابات وسفاحين بدم بارد من أمثال مناحم بيجين وشارون وغولدا مائير وموشي
ديان وكاهانا وشيمون بيريز وليبرمان ونتنياهو وإيهود باراك وهلم جرا هم حقا من نسل
بني إسرائيل ؟؟. .....
ولعل في هذا التوضيح
الذي تم بشأن الفرق بين بني إسرائيل واليهود ما يشفي الغليل ويجيب على مثل هذه
التساؤلات المنطقية.
.............
وقد أبان لنا القرآن الكريم وعلى نحو لايدع مجالا للشك أن اليهودية كديانة إنما
جاءت مواكبة لنهوض موسى عليه السلام بالرسالة وتبشيره بها .. بل أن المثير للدهشة
أن التوراة لم تنزل على موسى إلا بعد أن آمن وتهود بني إسرائيل في مصر واتبعوه
واتبعه غيرهم من أجناس وأعراق متناثرة كانوا موجودين في مصر كما سبق وذكرنا .....
ولأجل ذلك يقول عز وجل : "أم تقولون إن إبراهيم
وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط كانوا هــودا أو نصارى" البقرة (140).
بني إسرائيل
و اليهود
في القرآن الكريم
الجزء الأول
ما بين يعقوب وموسى عليهما السلام
(الحلقة الثانية)
ملخص الحلقة الأولى:
ذكرنا في الحلقة
الأولى أن القرآن الكريم قد أبان لنا وعلى نحو لايدع مجالا للشك أن اليهودية كديانة
إنما جاءت مواكبة لنهوض موسى عليه السلام بالرسالة وتبشيره بها .. بل أن التوراة لم
تتنزل على موسى عليه السلام إلا بعد أن أنجى الله عز وجل بني إسرائيل واليهود من
فرعون مصر وعبروا البحر وأثناء عبادتهم العجل ..... أي أنه لا رابط لليهودية نهائيا
بإبراهيم وإسحق ويعقوب وبني إسرائيل (الأسباط) الذين كانوا في حقيقة الأمر على دين
إبراهيم وهو الإسلام بمعنى الحنيفية السمحاء ..... ولأجل ذلك يقول عز وجل : "أم
تقولون إن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط كانوا هــودا أو نصارى" البقرة
(140).
.................
وأما موسى عليه السلام والأسباط فليس هناك نص قرآني على أنه يهودي ... وبالتالي
يكون موسى عليه السلام نفسه وبالتيعية مسلم من (بني إسرائيل) ولا يجوز أن نطلق عليه
مسمى (يهودي) وذلك لسبب بسيط هو أن الدين عند الله الإسلام وليس اليهودية
والنصرانية بأية حال من الأحوال والثابت في الأثر الصحيح أن موسى عليه السلام قد
أسلم وطلب من الله عز وجل أن يكتبه في زمرة أتباع سيد الخلق محمد بن عبد الله صلى
الله عليه وسلم ....
وإتساقا مع هذا النسق جاء في الآية رقم (133) من سورة البقرة : (أم كنتم شهداء إذ
حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك
إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) .... وقيل في التفسير إنه دين
الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء جميعا عليهم السلام وعلى رسولنا أفضل الصلاة
والسلام.
وقد أخذ بعض العقلاء من هذه الآية معاني أخرى تتعلق بصلة الرحم وتقديس أواصر الدم
وهي أن الجد أب والعم أب . وقد حرص القرآن أكثر فقدم العم (إسماعيل) على الوالد
(إسحاق) والجد المباشر هنا في آل إسرائيل ، ولأنه هو الأكبر من أولاد إبراهيم من
جهة أخرى.
وفي نص الآية رقم (62) من سورة
البقرة ما يشفي غليل كل باحث عن الفرق بين مسمى (بني إسرائيل) و (اليهود) ..... حيث
يقول المولى عز وجل : "إن الذين آمنوا والذين هــادوا والنصارى والصابئين من آمن
بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"
إن النص على هؤلاء بأنهم (هــادوا) هو على وزن (فعلوا) ... أي بمعنى أن اليهودية
هنا (إختيار) وليس عرق أو أصل ونسب..... ومن ثم فاليهودي على العكس من (بني
إسرائيل) قد يكون عربيا وفارسيا وروميا وحبشيا ومغربيا وألمانيا وتركيا وروسيا
..... وهكذا دواليك..... ومن هنا يتضح أنه لا يعني أن تكون (ساميا) لمجرد أنك
يهودي.
والآيات الدالة على التفريق بين اليهود وبين بني إسرائيل عديدة ... فمنها كذلك قوله
عز وجل في الآية رقم (83) من سورة البقرة التي خاطب الله عز وجل في الآيات السابقة
لها اليهود بوصفهم (قوم موسى) كما خاطب أهل قرى سدوم من قـبله بوصفهم (قوم لوط) رغم
أن لوط لا ينتمي إليهم من الناحية العرقية وإنما كان متزوجا منهم فحسب مما يدل على
أن مخاطبة اليهود بقوم موسى لا تعني أنه ينتمي إليهم عرقيا .... لقد جاءت الآية رقم
(83) المشار إليها تخاطب اليهود إذن بالقول: "وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا
تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس
حسنا وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون)
لاحظ هنا أن صدر الآية يذكر المخاطببين (قوم موسى) بأن الله عز وجل قد أخذ ميثاق
بني إسرائيل ..... ثم وفي آخر الآية يخاطب الله عز وجل اليهود مباشرة بقوله : (ثم
توليتم إلا قليلا منكم) ..... وبمعنى أوضح أنه فرق هنا بين بني إسرائيل وبين اليهود
بشكل واضح .. أي كأنه يقول لهم "ثم توليتم" (أنتم) أيها اليهود إلا قليلا منكم.
كذلك تقول الآية رقم (135) من سورة البقرة : (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا )
.... وهو ما بعزز أن اليهودية إنما هي كالنصرانية وكذلك الإسلام ديانات يكتسب من
يتبعها مسماها فيقال يهودي ونصراني ومسلم .... وطالما أن بإمكان الفرد أن (يكون)
يهوديا فلا معنى للزعم بأن اليهودي هو بالضرورة من نسل بني إسرائيل لأن الإنسان لا
يختار أهله وعرقه.
ثم يقول الله عز وجل في الآية رقم (65) من سورة آل عمران : (يا أهل الكتاب لم
تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون) ...
والمعروف أن بني إسرائيل بإمكانهم أن يحتجوا بأن إبراهيم عليه السلام جدهم ... ولكن
الله عز وجل هنا يقطع الطريق على أهل الكتاب من يهود ونصارى وليس على بني إسرائيل
في مسألة الاحتجاج بإبراهيم عليه السلام (مطلقا) سواء أشمل ذلك النسب أو الإتباع
الديني ... فلو كانت اليهود هم بالضرورة بني إسرائيل لما جاء نفي التبعية لإبراهيم
عليه السلام هنا على هذا الوجه من التعميم القاطع المطلق.
ولأجل ذلك تجد أن القرآن الكريم حين يتطرق إلى سيرة موسى عليه السلام يتحدث تارة عن
(أتباعه اليهود) وتارة عن (بني إسرائيل) وتارة أخرى عن
(قوم موسى).
كذلك قابل القرآن الكريم بين اليهود والنصارى ولم يقابل بين بني إسرائيل والنصارى
مما يعزز أن اليهودية إنما هي محض ديانة كالنصرانية أتباعها ينحدرون من شعوب وقبائل
وجهات شتى .... وفي ذلك يقول المولى عز وجل : "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء
وقالت النصارى ليست اليهود على شيء " – 113 سورة البقرة.
إن هذا النفي لانتساب اليهود إلى إسرائيل عليه السلام إنما يحمل معه قطعا نفي
انتساب اليهود على علاتهم إلى إبراهيم عليه السلام وكذلك سام بن نوح وحيث لا يحق
سوى لبني إسرائيل وحدهم الإدعاء بإنتسابهم إلى إبراهيم الخليل عرقيا وكذلك سام بن
نوح عليه السلام إذن.
كذلك وهو الأهم وقبل أن يفيد ذلك بأن انتماء اليهود لسام بن نوح هو محض هراء فإنه
ينفي إدعاء اليهود بأن لهم حق تاريخي في أرض فلسطين.
وهو ما يعزز من جانب آخر أن اليهود ليسوا شعبا واحدا ينحدر من عرق واحد بل هم في
حقيقة الأمر أخلاط وشذاذ آفاق فيهم من كل جنس مجموعة ومن كل لون فصيلة ينتمي بعضهم
إلى سام وبعضهم كالفلاشا إلى حام والبعض الآخر إلى يافث أبناء نوح بعد الطوفان.
وهو أيضا ما ينفي إدعاء اليهود بأنهم شعب الله المختار أو أن الله قد فضلهم على
العالمين لأن التفضيل إنما كان (لبني إسرائيل) .... والتفضيل لبني إسرائيل الذي جاء
في قوله عز وجل: "يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وأني فضلتكم على
العالمين" 47 البقرة. إنما هو تفضيل لهم على غيرهم في زمانهم ليس إلا بأن بعث فيهم
موسى عليه السلام لينقذهم من براثن فرعون ويخرجهم من العبودية إلى الحرية. وبأن جعل
من نسلهم الكثير من الأنبياء والصالحين. وهو تفضيل خاص لكل من ينتمي نسبا ليعقوب
عليه السلام (بني إسرائيل) ولا يتعداه إلى غيرهم من أخلاط اليهود.......
ووفقا لذلك ومصداقا لقول الله عز وجل ؛ فإننا نحن المسلمون قد ورثنا هذا الشرف
وسنظل نلتحف به إلى ما بعد قيام الساعة وذلك في قوله عز وجل : "كنتم خير أمة أخرجت
للناس" ...... أي أن الخير هنا شمل جميع أتباع الديانة الإسلامية على مختلف أعراقهم
وألوانهم عربا كانوا أو عجم من شنغهاي شرقا إلى الدار البيضاء غربا . وبالتالي فإن
المقارنة هنا تكون بين عموم التفضيل لأمة الإسلام من جهة ، وخصوصية واقتصار التفضيل
على (بني إسرائيل) نسبا دون عامة اليهود من جهة أخرى . وهو ما يعني أن التفضيل لأمة
الإسلام يشمل كافة الأمة الإسلامية دون اشتراط النسب.
وأما الاصطفاء فقد حدده القرآن الكريم تحديدا قاطعا لا لبس فيه وذلك إنما كان
لأفراد وآل حددهم الله عز وجل في سورة آل عمران عند قوله "إن الله اصطفى آدم ونوحا
وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين".
وعلى اية حال فإنه حتى من كان من نسل بني إسرائيل في مصر فإن الله عز وجل وبنص القرآن الكريم لا يبرئهم جميعهم من النقائص وذلك حين يقول في محكم تنزيله: "وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين" (112) "وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين" (113) الصافات.
خلاصة القول إذن إن
هناك اختلاف كبير وشاسع بين (بني إسرائيل) و (اليهود) ... فبني إسرائيل هم ابناء
إسرائيل (يعقوب) . أما اليهود فهم عامة من آمن بموسى عليه السلام وخرجوا معه أو لم
يخرجوا من مصر ... وهم على هذا النحو أي اليهود إنما خليط من كافة الأجناس التي
كانت تسكن مصر في زمان موسى عليه السلام بالإضافة إلى من اعتنق اليهودية لاحقا ولا
يزال حتى تاريخه من شعوب أخرى في الجزيرة العربية وأفريقيا وآسيا وأوروبا والعالم
الجديد أجمعين.
وأما الذين آمنوا برسالة موسى في مصر (من غير بني إسرائيل) فقد كان أكثرهم من طبقة
المستعبدين والمغبونين والرقيق ومن كان يرزح تحت نظام السخرة الذي كان شائعا في مصر
الفرعونية فكان العامل يساق بين فترة وأخرى للعمل في مزارع الفرعون أو بناء الأهرام
والقصور والمعابد والطرق وغيرها دون أجر سوى قليل من طعام يسد الرمق ....
وبالطبع فإن هذا لا يقدح في رسالة الأنبياء لأنه وبالفعل تجد أغلب من يتبعهم ويؤمن
برسالتهم إنما هم الضعفاء والمظلومين والمغبونين الذين يلتمسون في الرسالة السماوية
الحق والعدل ورفع الظلم والمساواة بين كافة البشر. وبالمقابل تجد ألد أعدائهم ومن
يكفر بهم إنما هم الأثرياء الذين يخافون على ضياع ثرواتهم التي جمعوها من عرق الناس
وجعلت منهم السادة ولو إلى حين .. وكذلك الظالم من الملوك والحكام.
بني إسرائيل و اليهود
في القرآن الكريم
(الجزء الأول)
الحلقة 4
(أم تقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هـودا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله) البقرة (140).
يعقوب عليه السلام هو إسرائيل . والأسباط هم بني إسرائيل.
أما اليهود فهم أتباع ديانة ولا يشترط علاقة رحم أو دم لليهود ببني إسرائيل.
مصعب المشرّف
عــلاقة إسرائيل (يعقوب) ببيت المقدس
بعد خروج يعقوب عليه السلام من أرض خاله ووالد زوجتيه (لبان) الكائنة في (حران) وفق ما تقدم ذكره في حلقات ماضية . اتجه جنوبا نحو أرض الكنعانيين (الفلسطينيين) وتحديدا جبال (ساعير) حيث يقيم والده اسحق عليه السلام وأمه وأخيه اللعيص ....
مرور يعقوب عليه السلام على قوم شحيم
وفي طريقه مر على قرية شحيم التي تقع حاليا جنوب شرق لبنان وهي قرية كنعانية كان على رأس قومها رجل كنعاني يسمى شحيم بن حمور فاشترى منه يعقوب عليه السلام مزرعة بمائة نعجة وأقام بها خيامه ومضاربه لإيواء أسرته.
ومع أهل هذه القرية حدثت حادثة لا يعرف ما إذا كانت بعد عودة يعقوب عليه السلام للاستقرار في مزرعته التي اشتراها من زعيمها أم أنها حدثت قبل وصوله إلى جبال ساعير ؟؟؟
وتتلخص القصة أن شحيم بن حمور الكنعاني هذا وقومه كانوا يعبدون الأصنام وأن شحيم بن ناحور أعجب ببنت يعقوب عايه السلام الوحيدة (وإسمها دينا) فاختطفها وأدخلها منزله عنوة .. ثم جاء أبيه حمور وقومه فخطبوها من يعقوب وإخوتها زوجة لشحيم .....
أضمر يعقوب وأبنائه الانتقام لشرفهم من شحيم وأبيه وقومهما لما فعلوه بعرضهم فأظهروا الموافقة ولكن اشترطوا عليهم أن يختتنوا لأنهم مسلمين ولا يصاهرون بالتالي قوما غلف .... فوافق شحيم وقومه على هذا الشرط واختتنوا فلما كان اليوم الثالث من اختتانهم سلط الله عز وجل عليهم جروح الختان فالتهبت واشتدت بهم الآلام وباتوا لا يعرفون المشرق من المغرب والضياء من الظلمة ، وعند ذلك شد عليهم يعقوب عليه السلام وأبنائه وأتباعه وعبيده بالسيوف والخناجر فذبحوهم وأبادوهم عن بكرة ابيهم.
بناء يعقوب يعقوب عليه السلام بيت المقدس
ثم باشر يعقوب عليه السلام تنفيذ الرؤيا التي أراها له الله عز وجل في منامه (ورؤيا الأنبياء حق) فتوجه إلى منطقة بيت المقدس وابتنى مذبحا في أورشليم عند الصخرة التي نام عليها بعد مغادرته أرض والده اسحق متجها نحو بلاد خاله لابان . وأطلق يعقوب عليه السلام على هذا المذبح إسم (إيل إسرائيل) .. ومعناه إله إسرائيل .... وقد أصبح هذا المذبح بعد ذلك بيت المقدس الحالي وشهد التجديد والتوسعة الأولى فيما بعد على يد سليمان بن داود عليهما السلام. وقد شهد في العهد الإسلامي كذلك تجديدات وتوسعة وترميمات وظل على هذا النحو أبان السلطة العثمانية ثم تولى الأردن أمر رعايته بعد حرب 1948م ولكن بعد حرب يونيو 1967م وقع في قبضة اليهود ولايزل حتى تاريخه . وهم الآن يعبثون بأساسات المسجد الأقصى بغرض هدمة بحجة البحث عن هيكل سليمان عليه السلام.
مكان إقامة إسرائيل عليه السلام
بعد تلك الحادثة التي جرت له مع شحيم وقومه ثم بناء بيت المقدس في أورشليم لم يواصل إسرائيل عليه السلام الإقامة في أورشليم فذهب للإقامة حيث القرية التي كان يقيم بها الخليل ابراهيم ويقيم يها والده اسحق عليه السلام وهي قرية (حبرون) التي تقع في أرض الكنعانيين (الفلسطينيين) .. وبقي إلى جوار والده بارا به ويواليه بالعناية بعد أن تقدم به العمر . ثم مرض اسحق عليه السلام وانتقل إلى جوار ربه وتم دفنه إلى جوار والديه في مغارة عفرون.
ولا يتطرق التاريخ كثيرا إلى سرد ما آل إليه أمر العيص بن اسحق عليه السلام بعد وفاة والده .. وهل ظل مقيما في حبرون أم أنه هاجر بعد وفاته إلى الشمال وحيث يقال أنه ينحدر من نسله الرومان (الإيطاليين فيما بعـد) والأغريق وبعض من سكان أوروبا الحالية وإلى نسله بنتمي النبي أيوب عليه السلام.
مولد بنيامين
بنيامين (شقيق يوسف عليه السلام) هو الوحيد من الأسباط (بني إسرائيل) الذي ولد في أرض فلسطين وكان هو آخر من رزق به يعقوب عليه السلام وبذلك أصبح عدد أولاده الذكور 12 .. ويزعم أهل الكتاب أن والدته راحيل توفيت خلال ولادته وقيل غير ذلك حيث احتج هؤلاء أن راحيل قدمت مع إسرائيل وبنيه وقومهم إلى مصر واستشهدوا بقوله عز وجل : (فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) 99 سورة يوسف ثم قوله عز وجل : (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ) من الآية رقم (100) في نفس السورة. .. والله أعلم وهذا على كل حال يقع من ضمن ما لاينفع معرفته ولا يضر الجهل به.
بني إسرائيل و اليهود
في القرآن الكريم
الحلقة الخامسة والأخيرة
من الجزء الأول
مصعب المشرّف
دخــــول بني إسرائيل مـصـــر
انتقال يوسف بن يعقوب عليهما السلام إلى مصر
من هم الأسباط ؟
يجب الحرص عليها حتى لا يختلط الحابل بالنابل ويعتقد البعض أن اليهود (من شذاذ الآفاق وعلى علاتهم) هم بني إسرائيل.
ومصداقا لذلك يقول الله عز وجل في محكم كتابه من الآية 140 في سورة البقرة: "أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى" ....... ثم يقرر الله عز وجل أن تلك أمة قد انقضت وذلك في قوله في الآية التالية لها وهي رقم (141) من نفس السورة " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون".
تجدر الإشارة أولا إلى أن الأسباط المشار إليهم في القرآن الكريم إنما هم في حقيقة الأمر أولاد يعقوب بن إسحاق عليهما السلام ... وعددهم 12 ولد ذكر بمن فيهم يوسف عليه السلام الذي هو النبي الوحيد من بينهم ..... وأما بني إسرائيل فيما بعد فهم فقط كل من ينتمي نسبا وعرقا ابا عن جد إلى هؤلاء الأسباط .. أو بمعنى أوضح أبناؤهم وأبناء أبنائهم وهكذا دواليك إلى يوم يبعثون ...... هذه حقيقة ونقطة في غاية الأهمية.
كان يعقوب عليه السلام يحب إبنه يوسف عليه السلام حبا شديدا لما توسم فيه من دلالات النبوة والخير منذ صغره. وكون أمه (راحيل) كانت الأحب إلى قلبه دونا عن غيرها من نسائه والمؤشر على ذلك أن محبته الخاصة هذه امتدت فشملت ايضا إبنها بنيامين شقيق يوسف عليه السلام.
اغتاظ بقية الإخوة غير الشقاء من هذه المحبة التي يخص بها أبيهم أخيهم يوسف عليه السلام فتآمروا عليه واستقر رأيهم على إلقائه في عمق بئر ماء ليلتقطه بعض تجار القوافل فيأخذونه وبذلك يتفرغ لهم يعقوب عليه السلام ثم يتوبوا لله بعد ذلك عن فعلتهم ..... وفي ذلك يقول الله عز وجل في محكم تنزيله: "لقد كان لكم في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) إذ قالوا ليوسف وأخوه احب إلى ابينا منا ونحن عصبة إن ابانا لفي ضلال مبين (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه ابيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9) قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف والقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين(10) سورة يوسف.
مضى تنفيذ الخطة كما أراد لها إخوة يوسف عليه السلام فألقوا به في قاع البئر وظل فترة حتى مرت قافلة متجهة إلى مصر فأرسلوا اثنين منهم لجلب الماء وحين رموا بدلوهم تعلق يوسف عليه السلام بالحبل فأخرجوه وكان طفلا فتملكه الخوف ولم يستطع أن يخبرهم عن نفسه وحقيقة ماجرى .... وكان إخوته يراقبون ما يجري من بعيد من واقع ان المجرم يحوم دائما حول جريمته حتى يطمئن غلى تخطيطه ونتائج وعواقب ما ارتكب من جرم .... ولأجل ذلك وبعد إخراج التاجران له من البئر جاء إخوة يوسف عليه السلام يطلبونه مدعين أنه من عبيدهم الهاربين فساومهم التاجران على بيعه لهم فباعوه بثمن بخس (دراهم معدودة) زاهدين فيه .. كل ذاك حدث ويوسف عليه السلام لا يستطيع أن يعترض لأنه كان صغيرا وخاف أن يقتله إخوته إن فاه بكلمة ..... ولم لا وهم الذين تآمروا على ذلك من قبل حتى رضوا بإلقائه في غيابة الجب.
انتقال يوسف عليه السلام إلى مصر
وفق ما هو معروف لدى الجميع فقد كان الذي باع يوسف عليه السلام بمصر إسمه "مالك بن زعـر" وأن الذي اشتراه إسمه "إطفير بن روحيب" وهو عزيز مصر (وزير الملك) أو كبير الوزراء وقيل المؤتمن على خزائن الملك .
إذن إشترى عزيز مصر يوسف عليه السلام بمبلغ 20 دينار ذهبي وأتى به لزوجته (وإسمها راعيل بنت رماييل .. ولقبها زليخا) وأوصاها به خيرا قائلا لها (أكرمي مثواه) يقصد أن تحسن إليه و (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) لأنهما لم يرزقا بذرية من زواجهما .. وقد قيل أن راعيل (زليخا) إمرأة العزيز كانت بنت أخت ملك مصر آنذاك وإسمه (الريان بن الوليد) وانها كانت ىية من الجمال في مقتبل شبابها حين زوجها خالها الملك من وزيره الذي كان يكبرها كثيرا في السن وانه كان لا يأتي النساء لمرض اصابه او لكبر سنه ... ومن هنا كان إحساس زليخا بالحرمان ابتداء ..... وهو ما سيأتي الإشارة إليه لاحقا حين نتطرق إلى زواجها من يوسف عليه السلام وما دار بينهما من عتاب عند دخوله بها.
ظل يوسف عليه السلام يترعرع ويشب تحت أعين زليخا (ولم يكن الفارق في السن بينهما كبيرا) حتى نظرت إليه يوما فإذا هو ملاك في شكل إنسان يرفل في شرخ الصبا والشباب وقد أعطاه الله عز وجل نصف جمال أهل الأرض قاطبة فوله قلبها به وكاد يتقطع ... وتعلقت واشتهته لنفسها حتى إذا نفذ تزينت وأخرجت العبيد والحشم من الدار وأحكمت غلق الأبواب والنوافذ وقالت (هيت لك) .. أي أنني تهيأت وتزينت لك حتى تمارس معي وتطارحني الشهوة فهيا بنا .... فاستعصم المعصوم نبي الله الكريم عليه السلام عن الحرام . ودار بينهما حوار كاد بعده يوسف عليه السلام أن يضربها وتمادت هي لرفضه فكادت ان تضربه إذ كيف يرفض عبدها تنفيذ أوامرها ؟؟؟ .... ولكن يوسف عليه السلام تدارك الأمر فهو في كل الأحوال عبد مملوك لديها ولها مطلق التصرف فيه وهي بنت احت الملك وزوجة الوزير الأول وبالتالي فأفضل ما يمكنه اللجوء إليه في هذه اللحظة وذاك الحال أن يهرب منها وهي لاتزال تحاصره فولى عنها مدبرا وركض مهرولا نحو الباب يريد الإفلات منها فأمسكته من قميصه فمزقته من الخلف ....
قيل وأن زوجها عزيز مصر تصادف أن كان في تلك اللحظة على عتبة الدار حيث يقيم هو وزوجته ففوجيء بيوسف عليه السلام ومن خلفه زليخا ... فسارعت زليخا إلى إيهام زوجها بأن يوسف عليه السلام أراد (بها سوءا) أو بما معناه أنه اراد اغتصابها رغما عنها وأنها قاومته.
أنكر يوسف عليه السلام إدعاء زليخا فاحتكم زوجها عزيز مصر إلى رجل من أهلها فأفتى بأن ينظر إلى قميص يوسف عليه السلام فإن كان قد تمزق من الأمام فهو الذي أرادها وإن كان قــد تمزق من الخلف فهي التي أرادته ..... ثم حين اكتشف أن القميص قد تمزق من الخلف عرف أنها هي التي ارادته فوصف عامة النساء بقوله أن كيدهن عظيم .... وكان علينا ان نستغرب هنا وصف قريبها لمجمل النساء بالكيد دون أن يصل إلأى مرحلة إتهام زليخا بالعهر او الخيانة .... فما هو السر في ذلك؟؟؟
.............. والكيد في اللغة هو الخبث والمكر .... فهل كان يزجر خبانتها هنا أم يستهجن اتهامها الزور لفتاها يوسف عليه السلام؟؟
أدرك إطفير عزيز مصر أن يوسف بريء من محاولة اغتصاب سيدته فطلب من يوسف أن يكتم الأمر ولا يتحدث به إلى أحد وذلك عند قوله عز وجل : (يوسف أعرض عن هذا) .. .. ومع ذلك لم يحاول عزيز مصر محاسبة زوجته زليخا أو تطليقها وذلك لعدة أسباب:
1) أنه خشي الفضيحة كزوج لم يفلح في أن يملأ عين زوجته فراحت تطلب غيره من الشباب والفتيان .
2) ربما كان مسموحا في شرعتهم أن تتصرف المراة في عبدها كما تشاء .. تماما كما كان يفعل الناس في عبيدهم بل وكان العربي له مطلق الحق في مضاجعة جاريته ومن يمتلك من الرقيق كيفما شاء وله حق إهاء بعضهم إلى اصدقائه وتبادلهن وتداولهن فيما بينهم.
3) ربما خاف على منصبه الرفيع بسبب أن زوجته زليخا إنما كانت بنت أخت الملك .
4) أما الذي رشح بعد فترة وصرحت به زليخا ليوسف عليه السلام لاحقا حين أصبح هو عزيز مصر وتزوجها ... اتضح أن إطفير (عزيز مصر) لم تكن له همة إلى النساء بل كان مصابا بداء العنة وهو عدم القدرة على الانتصاب .... بل يقال أن يوسف عليه السلام حين تزوج زليخا لاحقا ودخل بها وجدها عذراء.
أما سبب تطور الأمر وإدخال يوسف عليه السلام السجن فهو أن زليخا ظلت سادرة في غيها وهيامها به فلم ترعوي وهي لا تنفك تراود يوسف عليه السلام عن نفسه فافتضح أمرها وتسامعت صديقاتها وقريباتها من النساء بالأمر فانتشر خبر عشقها ليوسف عليه السلام في المدينة . فلما علمت هي بذلك دعتهن إلى بيتها وأعطت كل واحدة سكينا وتفاحة في يدها ثم امرت يوسف عليه السلام أن يخرج إليهن فعندما رأينه مشرقا كالشمس ذهلن من شدة حسنه وجماله عليه السلام فقلن ما هذا بشر ولكنه ملك من الملائكة ودون أن يشعرن صارت كل واحدة منهن تقطع في لحم يدها بالسكين وهي تظن أنها تقطع التفاحة ....
وعندها أمرت زليخا يوسف عليه السلام بالإنصراف فانتبهت النساء إلى ما جرى منهن لأيديهن وأحسسن بألم الجراح فسخرت منهن زليخا وقالت لهن : هل عرفتن الآن أنني لم أكن مخطئة حين عشقته وراودته ؟؟ ثم أقسمت أنه إن لم يستجيب لها فسترمي به في السجن .... وهذا ما جرى بعد ذلك تحت سمع وبصر عزيز مصر الذي لم يكن ليجرؤ على إغضاب زوجته بنت أخت الملك .. وآثر يوسف عليه السلام دخول السجن من أن يرتكب الفاحشة أو الحرام .
الشيء المثير للتساؤل هنا هو كيف تجرأت زليخا زوجة عزيز مصر واعلنت صراحة على ملأ النساء من الأميرات والوجيهات ان يوسف عليه السلام إذا لم يطيعها في رغبتها ان يصبح عشيقها فسوف ترمي به في السجن؟؟؟
الآية رقم (32) من سورة يوسف توثق ذلك دون لبس حيث يقول عز وجل: (قالت فذلكن الذي لمتني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن وليكونن من الصاغرين)
ثم لماذا أعلنت ذلك على ملأ الأميرات وسيدات المدينة ولم تعلنه امام زوجها واقاربها من الرجال؟؟
لايوجد في كتب التفسير التي إطلعت عليها ما يشير إلى التطرق من قريب او بعيد للخوض في شرح هذه الاية الكريمة لأن المسالة هنا تبدو غريبة....
التفسير الوحيد أن في هذه الآية الكريمة مدح وإطراء ليوسف عليه السلام ما بعده إطراء من رب العزة ومصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام حين وصف يوسف عليها السلام بأنه الكريم إبن الكريم إبن الكريم إبن الكريم.
1) لقد كان يوسف عليه السلام في حقيقة الأمر عبدا مملوكا لزليخا وليس لزوجها عزيز مصر لأنه حين إشتراه وجاء به أهداه لها... فهو (فتاها).
2) يبدو أن اتخاذ الأميرات من عبيدهن عشاق في ذلك العهد من عهود مصر كان أمرا شائعا لا جرم فيه ومتداول بينهن من واقع ان العبد مملوكا لسيده جسدا وروحا.
3) فإذا كان الأمر كذلك وإذا اخذنا في الاعتبار أن يوسف عليه السلام حين جاءوا به إلى مصر وادخلوه إلى قصور الملوك كان طفلا صغيرا وبالتالي يفترض أن ينشا على عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم ومثلهم فلا يرفض تلبية رغبات سيدته.
4) ولكن الواقع ان يوسف عليه السلام وهو العبد المملوك وفي ظل القناعات النفسية المشار إليها أعلاه بستعصم ويرفض ويرى في هذا الأمر ممارسة للزنا وخيانة لزوجها إطفير (عزيز مصر) الذي أحسن إليه . في حين كانت سيدته زليخا ترى فيه حقا من ابسط حقوقها وفق ما هو متعارف ومتداول في زمانها من معايير غير مستهجنة ...... إنها إذن انوار النبوة التي جعلته يستعصم عن تلبية أمر كان سائدا في خدور القصور الملكية في ذلك الزمان.
ثم يأتي تقدير يوسف عليه السلام للأمر من جهة أخرى من واقع أنه يطلب من ربه عز وجل (وهو مسلم على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب) أن يهديه الصواب ويبين له (حكم السماء) في هذا الأمر وليس (حكم البشر) والعادات والتقاليد الموروثة .... هذا هو ديدن الرسل والأنبياء عليهم السلام دائما ..... ويستغرب هنا أن هناك بعض التفسير غير الواضح لقوله عز وجل في الايات رقم (33) و (34) من سورة يوسف حيث يقول عز وجل: (قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34).
إذن بستفاد من سياق الآيتين أعلاه ان يوسف عليه السلام لم يكن يفكر في تغيير رايه على نحو ذاتي والانغماس في اللذات مع مالكته أو من تملكه بعدها او من تطلب منه زليخا مستقبلا ان يلبي رغبتها فيه من الصديقات على سبيل التداول والمجاملة .. بل هو يلجا إلى ربه هنا مستفسرا طالبا بيان الحد الفاصل بين العرف السائد في القصور الملكية وديدن النساء في علاقتهن بعبيدهن من مفهوم الملكية المطلقة التي أباحت لهن حق ممارسة الجنس مع من تهوى منهم دون أن يكون في ذلك عيب او تحريم سواء بالنسبة لها أو بالنسبة للعبد الذي تمتلكه ..... فإذا كانت السماء تتفق مع خصوصية هذا العرف السائد فكان بها ولن يجد عليه السلام عيبا في الإنصياع له بوصفه عبدا لهذه المراة تسري عليه قوانين القصور الملكية السائدة آنذاك مثله مثل غيره من العبيد .... او ان ترشده السماء إلى الحق .... وكان له ما أراد فاستجاب له ربه السميع العليم وصرف عنه كيدهن ؟؟ كيف ؟؟؟ لقد أعلمه العليم أن هذا العرف السائد باطل وزنا ..... فكان هذا هو معنى فصرف عنه كيدهن فلم يعد يجدي معه محاولاتهن للتوسط وإقناعه بأن ماتطلبه منه زليخا هو أمر جائز ومن ابسط حقوقها .....
ومن ثم يمكن الرد هنا على خزعبلات اليهود وإدعائهم بأن يوسف عليه السلام قد بدأت نفسه تحدثه بالاستجابة إلى رغبات زليخا من وحي طبيعته البشرية .. وهذا لا يجوز لدينا نحن المسلمين بل لا يحق لنا أن نفكر فيه من حيث المبدأ لأنه يمس قاعدة اساسية وقناعة راسخة لدينا بأن الرسل والأنبياء معصومون .... ومن ثم فعلى هذا يستوجب إعادة قراءة هذه الآيات الكريمة وفهمها على الوجه المنطقي الصحيح.
دخل يوسف عليه السلام السجن مظلوما وقضى به سبع سنوات ثم بعد أن استطاع تفسير رؤية ملك مصر (الريان) عن البقر العجاف التي تأكل البقر السمان قربه ملك مصر إليه ووافق على طلبه بأن يجعله القائم على مخازنه ثم أصبح عليه السلام عزيز مصر وزوجه الملك الريان من زليخا بنت أخته فولدت له ولدان هما (أفرايم) و (منسا)...
قيل وان يوسف عليه السلام عندما دخل بزوجته زليخا وجدها عذراء وأنه عاتبها لما فعلت آنفا فاعتذرت له بانها كانت شابة ومترفهة متقلبة في النعمة والدلال وتشكو الفراغ وعابدة أوثان وزوجها أكبر سنا منها بكثير ولا ياتي النساء فقبل اعتذارها وعاشت معه بقية عمرها وصلح الحال بينهما ودخلت في دين إبراهيم الإسلام الحنيفية السمحاء .
ولا يدرى هل وافق ذلك وفاة إطفير عزيز مصر زوج زليخا الأول أم أنه جرى تخييره في تطليقها فطلقها ولم تعد له بعد ذلك المكانة التي كان عليها في البلاط الملكي ؟.... والأرجح من وجهة نظري أنه مات عن زوجته زليخا فزوجها خالها ليوسف عليه السلام لأنه حاشا لرسول أو نبي معصوم أن يقبل بالتفريق عنوة بين زوج وزوجته لأجل أن يتزوج بها طمعا في بهرجة الحياة الدنيا .
دخول إسرائيل (يعقوب عليه السلام) وبنيه مصر
بعد أن مكن الله عز وجل ليوسف عليه السلام في مصر أرسل يستدعي والده إسرائيل عليه السلام وإخوته (بني إسرائيل) للقدوم إلى مصر والعيش بها بعد أن ذاقوا الأمرين من مجاعة وقحط أصاب بادية فلسطين . وكان ملك مصر وقتها (الريان ) وهو في الأصل من أبناء العماليق الذين قدموا مصر من فلسطين قد قرب إليه يوسف عليه السلام لما توسم فيه من العلم والخير وآمن برسالته ودخل في دين الإسلام الذي أرسل به إبراهيم عليه السلام. وكان إسرائيل عليه السلام وبنيه لايزالون على هديه. وشارك الملك وكبار رجال دولته يوسف عليه السلام في استقبال والده وأهله وكان عددهم على أرجح الروايات (70) شخصا هم جميع بني إسرائيل من الأبناء وأبناء وبنات الأبناء كما جاء معهم أتباعهم من العبيد.
والأرجح أن ملك مصر الريان قد أقطعهم أرضا في منطقة (بلبيس) الحالية شرق مصر ليقيموا بها .
وقد جمع يعقوب عليه السلام أبنائه حوله عنما أحس بقرب انتقاله إلى جوار ربه فأخذ عليهم العهد بعبادة الله عز وجل والتمسك بدين الحنيفية السمحاء . وفي ذلك يقول الله عز وجل من الآية 133 في سورة البقرة: "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون".
وبعد انتقال يعقوب عليه السلام إلى حوار ربه استأذن يوسف عليه السلام الملك الريان في السفر به إلى فلسطين لدفنه حسب وصيته في داخل مغارة عفرون .... المغارة التي سبق وأن تم دفن إبراهيم وإسحاق بها .
عاد يوسف إلى مصر ومضت الحياة وأسلم العديد من اهل مصر وتحقق لبني إسرائيل خير وفير في مصر وصلح حالهم ... ثم انتقل يوسف عليه السلام إلى جوار ربه ودفن في منطقة بلبيس. كان يوسف عليه السلام يستذكر نبوة جده أبراهيم عليه السلام فأوصى بنيه وأهله أن يحملوه معهم عند خروجهم من مصر ويدفنوه مع أبيه واجداده في مغارة عفرون التي سبق واشتراها ابراهيم عليه السلام لتكون مدفنا له ولزوجته سارة .. فظل أحفاده يوصون أبائهم بوصية يوسف عليه السلام وكان له أخيرا ما أراد حيث حمله معه موسى عليه السلام ونفذ ماكان من وصيته بدفنه مع آبائه في فلسطين.
وبمرور السنوات تكاثر بني إسرائيل وتغيرت الأحوال وانتقل الملك إلى آخرين غيروا من دين يوسف عليه السلام حتى جاء رمسيس الثاني على ارجح الأحوال فنصبه الكهنة من أهل النفاق والمصالح إله على الخلق من قبط مصر فاستعبد بني إسرائيل وسخرهم في الأعمال الوضيعة التي كان يترفع قبط مصر من القيام بها . ثم همس له الكهنة أنهم يرون في كتبهم وطلاسمهم أنه سيولد في بني إسرائيل صبي يكون السبب في هلاكه وزوال ملكه ...... وحقيقة الأمر أن هذه لم تكن من بنات النجوم والسحر وكشف الغيب كما ادعى أولئك المشعوذون بل كان مما تواتر عن الخليل إبراهيم عليه السلام الذي أخبر بنيه أنه سيكون من نسل إسحاق نبي يهلك على يده أكثر ملوك مصر جبروتا وعتوا..... قيل فكان بني يعقوب عليه السلام بعد دخولهم مصر يتداولون نبوة جدهم إبراهيم عليه السلام ثم توارثها بنيهم وأحفادهم وكانوا على الأرجح يشيعونها وسط قبط مصر لاسيما بعد استعباد رمسيس الثاني لهم .... فالإرهاصات بزوال نظام حكم ونشوء آخر عادة ما تكون معالمها واضحة لدى كل مطلع حكيم . وقد بدأت إرهاصات مولد هذا النبي في بني إسرائيل تتضح شيئا فشيئا وقد أوصلهم جبروت رمسيس الثاني وظلمه إلى نقطة اللاعودة .. ثم ازداد غي رمسيس الثاني فأمر بأن يقتل كل مولود ذكر لبني إسرائيل حتى لا تتحقق هذه النبوة .. فكان الجواسيس والعيون تراقب نساء بني إسرائيل فكل من تبدأ عليها دلائل الحمل يتم تقييد إسمها ورصد نمو الجنين في بطنها وتحديد ميعاد مولده فيذهب إليه المفتشون فإذا وجدوا المولود أنثى تركوها وإذا وجدوه ذكرا أمروا الذباحين المرافقين لهم فذبحوه في مكانه.
وظل الحال على هذا المنوال وكان من ابتلاء بني إسرائل أن هذا الفرعون (رمسيس الثاني) امتد به العمر وقد كان عمره حين غرق 95 سنة.
وحين كثر الذبح في مواليد بني إسرائيل انتبه البعض من مستشاري فرعون فقالوا له لو أنك استمريت في قتل أولادهم الذكور على هذا النحو فسينقرضون ولن نجد من يقوم بما يؤدون لنا من أعمال . فاستقر الرأي بينه وبينهم أن يذبحوا المواليد الذكور سنة ويتركونهم سنة .... فكان هارون عليه السلام من بين المواليد الذكور الذين تمت ولادتهم في السنة التي لا يذبحون فيها فتركوه .... وحين حملت ام هارون بنبي الله موسى وكليمه عليه السلام أدركت انها ستلده في السنة التي يذبح فيها كل مولود ذكر فأخفت حملها عن الجواسيس والعيون ثم بعد ولادته احتارت كيف تخقيه فأوحى لها الله في روعها وتفكيرها ان تضعه في تابوت صغير وتربطه بحبل إلى جذع شجرة وتخفيه وسط نبات البردي والسعدة على ضفة النيل ... فكانت تتخفى وتتسلل ليلا لترضعه فتسحب الحبل من الماء وترضعه وتصلح من شأنه وتغسله ثم تعيده إلى التابوت .... وحين شاء الله عز وجل أغفلت أم موسى أن تحسن ربط الحبل إلى جذع الشجرة فانحل وأخذ طريقه في النيل فعثرت عليه جواري السيدة (آسيا) رضي الله عنها زوجة رمسيس الثاني. وحين أعطينه لسيدتهن وكشفت الغطاء عنه عرفت انه من بني إسرائيل لأنه كان مختونا ولم يكن سوى بني إسرائيل حتى ذلك الزمان من يختن أولاده لأنها سنة ورثوها من إبراهيم الخليل عليه السلام وكذلك كانت تفعل العرب المستعربة من بني إسماعيل.
ومن بين ما حبا به الله عز وجل رسوله وكليمه عليه السلام ، ان كل من كان يراه كان يحبه فأحبته زوجة رمسيس الثاني وبنته وجواريهم حبا عظيما وحين جاء رمسيس الثاني ليجلس مع زوجته طلبت منه ان يترك لها المولود ليكون غرة عين لهما لأنهما كانا لا يعيش لهما ولد ذكر فأعرض عنها رمسيس الثاني وقال لها : لاحاجة لي به ..... ولكنه في النهاية وتحت إلحاح زوجته وإبنته المدللة وافق على أن يعيش موسى عليه السلام في قصره ويتربى كأحد ابناء زوجته وليس كإبن له .... لأنه كما ذكرنا اعرض عنه بوجهه وقال لزوجته : لاحاجة لي به .... ومن ثم ينتفي زعم البعض بأن لرمسيس الثاني حق الأبوة بالتبني لموسى عليه السلام لأن التبني يكون على الخيار وحده وقد امتنع عنه فرعون ابتداء.
وهكذا بمولد موسى عليه السلام بدات صفحة جديدة في تاريخ مصر وبني إسرائيل .. وكما كان ليوسف عليه السلام دوره في إدخال ابيه إسرائيل وإخوته جميعا إلى مصر قيض الله عز وجل لموسى عليه السلام مهمة إخراجهم من مصر وكان بين دخول بني إسرائيل مصر وخروجهم منها قرابة 400 سنة.
ولا يفوتنا هنا أن نرصد لمجرد التذكير فقط أنه لا ذكر ولا وجود لمصطلح ومسمى (يهود) حتى هذه اللحظة.
نـهاية الجزء الأول
الحلقة رقم (5) والأخيرة