الدين الحق

البطاقه الشخصيه لخير
البشر و التي تهم كل مسلم و
مسلمة
1-اسمه ونسبه :
هو محمد بن عبدا لله بن عبد المطلب,من قبيلة
قريش,ينتهي نسبه إلى قبيلة عدنا ثم إلى إسماعيل بن
إبراهيم عليهما السلام 0
2-ولادته:
ولد صلى الله عليه وسلم في مكة بشعب بني هاشم صبيحة
يوم الاثنين 12ربيع الأول من عام الفيل الموافق
20أبريل عام 571- قبل الهجرة بثلاث وخمسين سنة 0
3-هجرته:
هاجر صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة
في يوم الاثنين 27 من شهر صفر عام 14 للبعثة المباركة
الموافق 12 سبتمبر عام 622م ووصل إلى المدينة المنورة
في يوم الاثنين 12 ربيع الأول عام 14 للبعثة الموافق
26 سبتمبر عام 622 .
وقيل وصل إلى المدينة المنورة في يوم الاثنين 8ربيع
الأول عام 14 للبعثة الموافق 23 سبتمبر عام 622م ولعل
هذا الاختلاف ناتج عن مدة الثلاثة أيام التي مكثها في
الغار
4- وفاته :
توفى صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين 12 ربيع
الأول عام 11للهجرة الموافق 8 يونية عام 632 وذلك في
المدينة المنورة ودفن في حجرة عائشة رضي الله عنها
,جنوب شرق المسجد النبوي.
5 كنيته : أبو القاسم
6- أسماؤه وصفاته وألقابه:
محمد,احمد,الماحي,العاقب , الحاشر,الخاتم,المقتفي ,نبي
الرحمة,البشير,النذير
,الأمين,الصادق,المصطفى,طه,يس,السراج,المنير,رؤوف,
رحيم ,واوصاف أخرى كثيرة
7-زوجاته:
1-خديجة بنت خويلد
2- سوده بنت زمعة
3- عائشة بنت أبى بكر الصديق
4- حفصة بنت عمر بن الخطاب
5- زينب بنت خزيمة
6- هند بنت أبي أمية(ام سلمة)
7- زينب بنت جحش
8- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان
9- ميمونة بنت الحارث
10- جويرية بنت الحارث
11- صفية بنت حيي بن أخطب
12- مارية القطبية
13- ريحانة بنت زيد من بني النظير
8-أولاده:
1-القاسم
2-عبدالله
3-إبراهيم
4-زينب
5-رقية
6-أم كلثوم
7-فاطمة
جميعهم من ام المؤمنين خديجة بنت خويلد ماعدا إبراهيم
فهو من مارية القطبية
9-أخواله:
أخواله : بنو زهرة, وبنو عدي بن النجار
10-عمـــــــلــــه:
كان صلى الله عليه وسلم قبل البعثة يرعى الغنم ثم عمل
بالتجارة وبعد البعثة تفرغ لامر الدعوة والجهاد
11-أبوه من الرضاعة:
هو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة 000من هوازن
12- أمــــه:
هي آمنة بنت وهب من بني زهرة
13- مرضعاته:
1-أ مــــه
2- ثوبية (جارية أبي لهب )
3- حليمة السعدية
14- أخوته من الرضاعة:
عبدالله بن الحارث ,أنيسة بنت الحارث, وحذافة بنت
الحارث (الشيماء)
15- أخوته من النسب
ليس له اخوة من النسب بل كان وحيد أبويه
أعمامه وعماته
1-الحارث بن عبد المطلب
2- أبو طالب واسمه عبدمناف
3- حمزة
4- أبو لهب واسمه عبد العزى
5- العباس
6- الزبير
7- حجلا
8- المقوم
9- ضرار
عمــــــــــاته ست :
1-صفية
2- البيضاء
3- عاتكة
4-أميمة
5-أروى
6- بره
17-أصهاره
1-العاص بن الربيع زوج زينب
2-عتبة بن أبى لهب تزوج رقية ثم طلقها
3- عتيبة بن أبى لهب تزوج ام كلثوم ثم طلقها
4- عثمان بن عفان تزوج رقية ثم ماتت فتزوج أم كلثوم
5- علي بن أبى طالب تزوج فاطمة الزهراء
18- صاحبه:
هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه واسمه عبدالله بن أبى
قحافة
19- سبطاه:
هم الحسن والحسين أبناء أبنته فاطمة
20-أمين سره :
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
21- حواريه:
الزبير بن العوام رضي الله عنه
22- حبــه:
زيد بن الحارثة رضي الله عنه
23- ابن حبه:
أسامة بن زيد بن الحارث ويطلق عليه أيضا حبه وابن حبه
24 شعراؤه :
حسان بن ثابت , عبدالله بن رواحه, كعب بن مالك
25-
خـــــــدمـــــــــــــــــه:
1-أنس بن مالك
2- هند وأسماء أبناء حارثة الاسلمي
3- أبو هريرة , سلمى, خضرة
4-رضوى
5- ميمونة بنت سعد
6-بركة أم أيمن
7- أنجشة
8- شقران
9- سفينة(مهران) ثوبان
10- يسار النوبي
11-رباح,أسلم (أبو رافع) فضالة
12-مدعم
13-رافع
14 -كركرة
26- حاضنته:
هي بركة أم ايمن
قابلته:
القابلة التي قامت على ولادته صلى الله عليه وسلم هي
الشفاء والدة عبد الرحمن بن عوف
27- كافــــــــلــه:
كفله جده عبد المطلب ,وبعد وفاته عمه أبو طالب
28- عمره:
توفى صلى الله عليه وسلم وعمره 63عاما
29- ساعيه:
هو عمرو بن أمية الضمري
30- حارسه:
محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه
31- فارسه:
أبوقتادة الأنصاري رضي الله عنه
32- المؤذنون في عهده
1-بلال بن رباح
2-عبدالله بن أم كلثوم
3-أبومحذوره واسمه أوس بن معير الجمحي , اسلم بعد حنين
وتوفى
عام 59هـ
33- حجاته:
حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحده وهي حجة الوداع
عام 10هـ
34- عمراته :
اعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عمرات هن:
1-عمرة الحديبة عام 6هـ
2-عمرة القضاء عام7هـ
3-وعمرة الجعرانه عام 8هـ
4-وعمرته التي قرنها مع حجته عام 10هـ وكانت جميع تلك
العمر في شهر ذي القعدة
35-أسماء سيوفه :
1-ذوالفقار
2-بتار
3-الحيف
4-رسوب
5-المخدم
6-مأثور(وهو السيف الذي ورثه عن والده )
7-العضب
8-القضيب
36-أسماء أقواسه:
1-الزوراء
2-الروحاء
3-الصفراء
4-الكتوم
5- السداد
37- أسماء دروعه :
ذات الفضول (وهي التي رهنها عند اليهود) ذات
الوشاح,ذات الحواشي , السعدية , فضة, البتراء ,الخرنق
بكسر الخاء
38-أسماء خيوله:
1-السكب
2-المرتجز
3-اللحيف
4-اللزاز
5-الطرب
6-سبحة أو(سبخة بالخاء)
7-الورد
39- أسماء نوقه وجماله ودوابه
الأخرى:
كان له ناقة واحده هي القصواء وهي التي هاجر عليها من
مكة إلى المدينة وكانت تسمى الجدعاء والعضباء
وكان عنده حمار يقال له عفير
واخر يسمى يعفور
البغال :
بغلة اسمها دلدل أهداها له المقوقس هي والحمار عفير
وبغلة أخرى اسمها فضة أهداها له فروة بن عمرو الجذامي
ومعها الحمار يعفور وقد أهداها صلى الله عليه وسلم هذه
البغله (فضة) إلى أبي بكر الصديق
وكان عنده من منائح المعز سبعة هن :
1-عجوة
2-زمزم
3-سقيا
4-بركة
5-ورسة
6-أطلال
7-أطراف ومن النوق اللقائح ذات اللبن سبع لقائح.
40- رايته :
أسم رايته صلى الله عليه وسلم العقاب
41- أشباهه:
كان يشبه من الصحابة
1- الحسن بن على بن أبى طالب
2- جعفر بن أبى طالب رضي الله عنه
3- قثم بن عباس بن عبد المطلب
4- أبو سفيان بن الحارث
5- السائب بن عبيد بن عبد مناف
6- عبدالله بن جعفر بن أبي طالب
42- كتابه:
كان هناك كتاب للرسول صلى الله عليه وسلم يكتبون ما
ينزل من القران الكريم أشهرهم :
1- أبو بكر الصديق
2- عمر ابن الخطاب
3- عثمان بن عفان
4- علي بن أبى طالب
5-معاذ بن جبل
6- زيد بن ثابت
7- معاوية بن أبى سفيان
8- ابي بن كعب
9- عبدالله بن مسعود
10- خالد بن الوليد
11- ثابت بن قيس
12- أبان ابن سعيد
وقد ذكر الحافظ العراقي اثنين واربعين كاتبا من كتاب
الوحي 0
الألولن المفضله لديه:
الأ خضــــــر
ت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو
المطلب،وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة،
فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمى؛ لسنِّه
وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من
أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من
ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى
الله عليه وسلم. وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة:
(لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لى
به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت).
وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية
تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف: إن رجلًا من زُبَيْد
قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمى، وحبس
عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار ومخزومًا،
وجُمَحًا وسَهْمًا وعَدِيّا فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي
قُبَيْس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعًا صوته، فمشى
في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك؟ حتى
اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فعقدوا الحلف ثم
قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي.
*حياة الكدح :
ولم يكن له صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا
أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنمًا، رعاها في بني سعد،
وفي مكة لأهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل
التجارة حين شب،فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي
السائب المخزومي فكان خير شريك له، لا يدارى ولا يمارى،
وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال: مرحبًا بأخي وشريكي.
وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرًا إلى الشام في مال
خديجة رضي الله عنها قال ابن إسحاق: كانت خديجة بنت
خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها،
وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا،
فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من
صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه
أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت
تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله
رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك،
وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام.
*زواجه بخديجة :
ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة
ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأي فيه صلى
الله عليه وسلم من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح،
ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة ـ وكان
السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبي عليهم ذلك ـ
فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه
ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضى
بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه،
وعلى إثر ذلك تم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر،
وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بَكْرة.
وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء
قومها نسبًا وثروة وعقلًا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها سوى إبراهيم،ولدت
له: أولًا القاسم ـ وبه كان يكنى ـ ثم زينب، ورقية، وأم
كلثوم، وفاطمة، وعبد الله. وكان عبد الله يلقب بالطيب
والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن
الإسلام فأسلمن وهاجرن،إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته
صلى الله عليه وسلم سوى فاطمة رضي الله عنها، فقد تأخرت
بعده ستة أشهر ثم لحقت به.
*بناء الكعبة وقضية التحكيم :
ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وسلم قامت قريش
ببناء الكعبة؛ وذلك لأن الكعبة كانت رَضْمًا فوق القامة،
ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن
لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها،
وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ باعتبارها أثرًا قديما ـ للعوادى
التي أدهت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى الله
عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت
الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى
تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا
في بنائها إلا طيبًا، فلا يدخلون فيها مهر بغى ولا بيع
ربًا ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ
بها الوليد بن المغيرة المخزومى، فأخذ المعول وقال:
اللّهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم
يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم يزالوا
في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في
البناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها.
فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى
البناء بناء رومي اسمه: باقوم. ولما بلغ البنيان موضع
الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه،
واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول
إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة
المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل
عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين،
رضيناه، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب
رداء فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن
يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا
أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف
رضى به القوم.
وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا
من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها
من الأرض؛ لئلا يدخلها إلا من أرادوا، ولما بلغ البناء
خمسة عشر ذراعًا سقفوه على ستة أعمدة.
وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقريبًا، يبلغ
ارتفاعه 15 مترًا، وطول ضلعه الذي فيه الحجر الأسود
والمقابل له 10 أمتار، والحجر موضوع على ارتفاع 1.50متر
من أرضية المطاف. والضلع الذي فيه الباب والمقابل له
12مترًا، وبابها على ارتفاع مترين من الأرض، ويحيط بها من
الخارج قصبة من البناء أسفلها، متوسط ارتفاعها 0.25مترًا
ومتوسط عرضها 0.30 مترًا وتسمى بالشاذروان، وهي من أصل
البيت لكن قريشًا تركتها.
*السيرة الإجمالية قبل النبوة :
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع في نشأته خير ما في
طبقات الناس من ميزات، وكان طرازًا رفيعًا من الفكر
الصائب، والنظر السديد، ونال حظًا وافرًا من حسن الفطنة
وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان يستعين بصمته
الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع
بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشئون الناس
وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة، ونأي عنها، ثم
عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حسنًا شارك
فيه وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، فكان لا يشرب الخمر، ولا
يأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا
احتفالًا، بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات
الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر
على سماع الحلف باللات والعزى.
ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس
لاستطلاع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد
غير المحمودة ـ تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه
وبينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هممت
بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل
ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به
حتى أكرمنى برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم
بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما
يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار
بمكة سمعت عزفًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان
بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذنـى فنمت، فما أيقظني
إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته، ثم قلت
ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول
ليلة... ثم ما هممت بسوء).
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما بنيت الكعبة
ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة، فقال
عباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك
يقيقك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء
ثم أفاق، فقال: (إزاري، إزاري) فشد عليه إزاره.
وفي رواية: فما رؤيت له عورة بعد ذلك.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة
وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة،
وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم
حديثًا، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفسًا وأكرمهم خيرًا،
وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه
قومه: [الأمين] لما جمع فيه من الأحوال الصالحة
والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي
الله عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين
على نوائب الحق.
حياة النبـوة و
الرسـالة والدعـوة
*النبــوة والدعــوة - العهـد المكـي :
تنقسم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن شرفه الله
بالنبوة والرسالة إلى عهدين يمتاز أحدهما عن الآخـر تمـام
الامتياز، وهما:
1 ـ العهد المكي، ثلاث عشرة سنة تقريبًا.
2 ـ العهد المدني، عشر سنوات كاملة.
ثم يشتمل كل من العهدين على عدة مراحل، لكل مرحلة منها
خصائص تمتاز بها عن غيرها، يظهر ذلك جليًا بعد النظر
الدقيق في الظروف التي مرت بها الدعوة خلال العهدين.
ويمكن تقسيم العهد المكي إلى ثلاث
مراحل:
1 ـ مرحلة الدعوة السرية، ثلاث
سنوات.
2 ـ مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة،
من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى هجرته صلى الله عليه
وسلم إلى المدينة.
3 ـ
مرحلة الدعوة خارج مكة وفشوها فيهم، من أواخر السنة
العاشرة من النبوة. وقد شملت العهد المدني وامتدت إلى
آخر حياته صلى الله عليه وسلم.
أما مراحل العهد المدني فسيجيء تفصيلها في موضعه.
* في ظلال النبوة والرسالة :
*في غار حراء :
لما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم الأربعين، وكانت
تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه،
حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السَّوِيق والماء، ويذهب إلى
غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة ـ وهو
غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع
من ذراع الحديد ـ فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في
العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها
من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد
الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق
واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه.
وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من
تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضَجَّة
الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تحول
لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحمل
الأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط
التاريخ... دبر الله له هذه العزلة قبل تكليفه
بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من
الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من
غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن
الله.
*جبريل ينزل بالوحي :
ولما تكامل له أربعون سنة ـ وهي رأس الكمال، وقيل: ولها
تبعث الرسل ـ بدأت طلائع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن
حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا
الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى
مضت على ذلك ستة أشهر ـ ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه
الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ـ فلما كان
رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وسلم بحراء
شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة،
وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن.
وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد
ذلك اليوم بأنه كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر
رمضان ليلًا، وقد وافق 10 أغسطس سنة 610 م، وكان عمره صلى
الله عليه وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية، وستة
أشهر، و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر
وعشرين يومًا.
ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي الله عنها تروى لنا قصة هذه
الوقعة التي كانت نقطة بداية النبوة، وأخذت تفتح دياجير
ظلمات الكفر والضلال حتى غيرت مجرى الحياة، وعدلت خط
التاريخ، قالت عائشة رضي الله عنها.
أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي
الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل
فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار
حراء، فيَتَحَنَّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد
قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة
فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه
الملك فقال: اقرأ: قال: (ما أنا بقارئ)، قال:
(فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال:
اقرأ، قلت: مـا أنـا بقـارئ، قـال: فأخذنى فغطنى
الثانية حتى بلـغ منـى الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ،
فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثـم أرسلـني
فـقـال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرَمُ}[العلق:1: 3])، فرجع بها رسول
الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت
خويلد فقال: (زَمِّلُونى زملونى)، فزملوه حتى ذهب
عنه الروع، فقال لخديجة: (ما لي؟) فأخبرها الخبر،
(لقد خشيت على نفسي)، فقالت خديجة: كلا، والله ما
يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب
المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به
خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن
عم خديجة ـ وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب
العبرانى، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن
يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي ـ فقالت له خديجة: يابن
عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي، ماذا
ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأي،
فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا
ليتني فيها جَذَعا، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجيّ هم؟)
قال:نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِىَ، وإن
يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن
توفي، وفَتَر الوحى.
*فَتْرَة الوحى :
أما مدة فترة الوحى فاختلفوا فيها على عدة أقوال.
والصحيح أنها كانت أيامًا، وقد روى ابن سعد عن ابن عباس
ما يفيد ذلك. وأما ما اشتهر من أنها دامت ثلاث سنوات
أو سنتين ونصفًا فليس بصحيح.
وقد ظهر لى شىء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي
أقوال أهل العلم. ولم أر من تعرض له منهم، وهو أن هذه
الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا، وهو شهر رمضان من كل سنة،
وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة،وأن سنة النبوة كانت هي
آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر
رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا ـ أي لأول يوم من
شهر شوال ـ ويعود إلى البيت.
وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على أن الوحى الذي
نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل وهو
صلى الله عليه وسلم راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام
الشهر.
أقول: فهذا يفيد أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه
وسلم بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد
نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحى؛ لأنه كان
آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول الوحى كان في
ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أن
فترة الوحى كانت لعشرة أيام فقط. وأن الوحى نزل بعدها
صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من
النبوة. ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من
رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال
بالعيد السعيد، والله أعلم.
وقد بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام الفترة
كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري
في كتاب التعبير ما نصه:
وفتر الوحي فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما
بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كى يتردى من رءوس شواهق
الجبال، فكلما أوْفي بذِرْوَة جبل لكى يلقى نفسه منه
تَبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا،
فيسكن لذلك جأشه، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه
فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفي بذروة الجبل تبدى له
جبريل فقال له مثل ذلك.
*جبريل ينزل بالوحي
مرة ثانية :
قال ابن حجر: وكان ذلك [أي انقطاع الوحي أيامًا]؛
ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل
له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجىء
الوحى أكرمه الله بالوحي مرة ثانية. قال: صلى الله
عليه وسلم:
(جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جوارى هبطت [فلما
استبطنت الوادي] فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا،
ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا،
ونظرت خلفي فلم أرشيئًا، فرفعت رأسى فرأيت شيئًا،
[فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين
السماء والأرض، فَجُئِثْتُ منه رعبًا حتى هويت إلى
الأرض] فأتيت خديجة فقلت: [زملوني، زملوني]،
دثرونى، وصبوا على ماء باردًا)، قال: (فدثرونى
وصبوا على ماء باردًا، فنزلت: {يَا أَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}
[المدثر: 1: 5]) وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم
حمى الوحى بعد وتتابع.
وهذه الآيات هي مبدأ رسالته صلى الله عليه وسلم وهي
متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحى. وتشتمل على نوعين
من التكليف مع بيان ما يترتب عليه:
النوع الأول: تكليفه صلى
الله عليه وسلم بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى:
{قُمْ فَأَنذِرْ} فإن معناه: حذر الناس من عذاب
الله إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغى والضلال وعبادة
غير الله المتعال، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق
و الأفعال.
النوع الثاني: تكليفه صلى
الله عليه وسلم بتطبيق أوامر الله سبحانه وتعالى على
ذاته، والالتزام بها في نفسه؛ ليحرز بذلك مرضاة الله،
ويصير أسوة حسنة لمن آمن بالله وذلك في بقية الآيات.
فقوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} معناه: خصه
بالتعظيم، ولا تشرك به في ذلك أحدًا. وقوله:
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} المقصود الظاهر منه:
تطهير الثياب والجسد، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين
يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا. وإذا كان هذا التطهر
مطلوبًا فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمال
والأخـلاق أولـى بالطـلب، وقولــه: {وَالرُّجْزَ
فَاهْجُرْ} معناه: ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه،
وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته. وقوله: {وَلَا
تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} أي: لا تحسن إحسانًا تريد
أجره من الناس أو تريد له جزاء أفضل في هذه الدنيا.
أما الآية الأخيرة ففيها تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه
حين يفارقهم في الدين ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده
وبتحذيرهم من عذابه وبطشه، فقال: {وَلِرَبِّكَ
فَاصْبِرْ}، ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوى ـ
في صوت الكبير المتعال ـ بانتداب النبي صلى الله عليه
وسلم لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر
والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة: {يَا أَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ}، كأنه قيل: إن الذي
يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي تحمل هذا
العبء الكبير فما لك والنوم؟ وما لك والراحة؟ وما لك
والفراش الدافئ؟ والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح!
قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك،
قم للجهد والنصب، والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم
والراحة، وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل، والجهاد
الطويل الشاق، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد.
إنها كلمة عظيمة رهيبة تنزعه صلى الله عليه وسلم من دفء
الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في
الخضم، بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر
الناس وفي واقع الحياة سواء.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظل قائمًا بعدها
أكثر من عشرين عامًا؛ لم يسترح ولم يسكن، ولم يعـش لنفسه
ولا لأهله. قام وظل قائمًا على دعوة الله، يحمل على
عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الأمانة
الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة
كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، عاش في
المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا؛ لا يلهيه
شأن عن شأن في خلال هذا الأمد منذ أن سمع النداء العلوى
الجليل، وتلقى منه التكليف الرهيب... جزاه الله
عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.
وليست الأوراق الآتية إلا صورة مصغرة بسيطة من هذا
الجهاد الطويل الشاق الذي قام به رسول الله صلى الله
عليه وسلم خلال هذا الأمد.
*أقسام الوحى :
وقبل الدخول في موضوع هذا الجهاد أرى من الأحسن أن
أستطرد إلى بيان أقسام الوحى ومراتبه. قال ابن القيم،
وهو يذكر تلك المراتب:
إحداها: الرؤيا الصادقة،
وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم.
الثانية: ما كان يلقيه
الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي صلى
الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعى أنه لن
تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في
الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية
الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته).
الثالثة: إنه صلى الله
عليه وسلم كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتى يَعِىَ
عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة
أحيانًا.
الرابعة: أنه كان يأتيه
في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيلتبس به الملك،
حتى أن جبينه ليتَفَصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد،
وحتى أن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد
جاء الوحى مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت
عليه حتى كادت ترضها.
الخامسة: إنه يرى الملك
في صورته التي خلق عليها، فيوحى إليه ما شاء الله أن
يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة
النجم.
السادسة: ما أوحاه الله
إليه، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة
وغيرها.
السابعة: كلام الله له
منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم الله موسى بن عمران،
وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن.
وثبوتها لنبينا صلى الله عليه وسلم هو في حديث
الإسراء.
وقـد زاد بعضهم مرتبة ثامنة؛ وهي تكليم الله له كفاحًا
من غير حجاب، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف. انتهي
مع تلخيص يسير في بيان المرتبة الأولى والثامنة.
* إسلام حمزة رضي
الله عنه :
خلال هذا الجو الملبد بغيوم الظلم والعدوان ظهر برق
أضاء الطريق، وهو إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله
عنه أسلم في أواخر السنة السادسة
من النبوة، والأغلب أنه أسلم في
شهر ذى الحجة.
وسبب إسلامه: أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله
عليه وسلم يومًا عند الصفا فآذاه ونال منه، ورسول
الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يكلمه، ثم ضربه
أبو جهل بحجر في رأسه فَشَجَّهُ حتى نزف منه الدم،
ثم انصرف عنه إلى نادى قريش عند الكعبة، فجلس
معهم، وكانت مولاة لعبد الله بن جُدْعَان في مسكن
لها على الصفا ترى ذلك، وأقبل حمزة من القَنَص
مُتَوَشِّحًا قوسه، فأخبرته المولاة بما رأت من
أبي جهل، فغضب حمزة ـ وكان أعز فتى في قريش وأشده
شكيمة ـ فخرج يسعى، لم يقف لأحد؛ معدًا لأبي جهل
إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد قام على
رأسه، وقال له: يا مُصَفِّرَ اسْتَه، تشتم ابن
أخي وأنا على دينه ؟ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة
منكرة، فثار رجال من بني مخزوم ـ حى أبي جهل ـ
وثار بنو هاشم ـ حي حمزة ـ فقال أبو جهل: دعوا
أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا.
وكان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل، أبي أن يهان
مولاه، ثم شرح الله صدره فاستمسك بالعروة الوثقى،
واعتز به المسلمون أيما اعتزاز.
* إسلام عمر بن الخطاب رضي
الله عنه :
وخلال هذا الجو الملبد بغيوم الظلم والعدوان أضاء
برق آخر أشد بريقًا وإضاءة من الأول، ألا وهو
إسلام عمر بن الخطاب، أسلم في ذى الحجـة سـنة سـت
مـن النبـوة. بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة رضي
الله عنه وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا
الله تعالى لإسلامه. فقد أخرج الترمذى عن ابن
عمر، وصححه، وأخرج الطبراني عن ابن مسعود وأنس أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللّهم أعز
الإسلام بأحب الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب أو
بأبي جهل بن هشام) فكان أحبهما إلى الله عمر رضي
الله عنه.
وبعد إدارة النظر في جميع الروايات التي رويت في
إسلامه يبدو أن نزول الإسلام في قلبه كان
تدريجيًا، ولكن قبل أن نسوق خلاصتها نرى أن نشير
إلى ما كان يتمتع به رضي الله عنه من العواطف
والمشاعر.
كان رضي الله عنه معروفًا بحدة الطبع وقوة
الشكيمة، وطالما لقى المسلمون منه ألوان الأذى،
والظاهر أنه كانت تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة؛
احترامه للتقاليد التي سنها الآباء والأجداد
وتحمسه لها، ثم إعجابه بصلابة المسلمين،
وباحتمالهم البلاء في سبيل العقيدة، ثم الشكوك
التي كانت تساوره ـ كأي عاقل ـ في أن ما يدعو إليه
الإسلام قد يكون أجل وأزكى من غيره، ولهذا ما إن
يَثُور حتى يَخُور.
وخلاصة الروايات ـ مع الجمع بينها ـ في إسلامه رضي
الله عنه: أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته،
فجاء إلى الحرم، ودخل في ستر الكعبة، والنبي صلى
الله عليه وسلم قائم يصلي، وقد استفتح سورة
{الْحَاقَّةُ}،فجعل عمر يستمع إلى القرآن،
ويعجب من تأليفه، قال: فقلت ـ أي في نفسي: هذا
والله شاعر، كما قالت قريش، قال: فقرأ
{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ
بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ}
[الحاقة:40، 41] قال: قلت: كاهن.
قال:{ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا
تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ
الْعَالَمِينَ} إلى آخر السورة [الحاقة:42،
43] . قال: فوقع الإسلام في قلبي.
كان هذا أول وقوع نواة الإسلام في قلبه، لكن كانت
قشرة النزعات الجاهلية، وعصبية التقليد، والتعاظم
بدين الآباء هي غالبـة على مخ الحقيقة التي كان
يتهمس بها قلبه، فبقى مجدًا في عمله ضد الإسلام
غير مكترث بالشعور الذي يكمن وراء هذه القشرة.
وكان من حدة طبعه وفرط عداوته لرسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه خرج يومًا متوشحًا سيفه يريد القضاء
على النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه نعيم بن عبد
الله النحام العدوي، أو رجل من بني زهرة، أو رجل
من بني مخزوم فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال:
أريد أن أقتل محمدًا. قال: كيف تأمن من بني
هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدًا؟ فقال له
عمر: ما أراك إلا قد صبوت، وتركت دينك الذي كنت
عليه، قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر! إن
أختك وخَتَنَكَ قد صبوا، وتركا دينك الذي أنت
عليه، فمشى عمر دامرًا حتى أتاهما، وعندهما خباب
بن الأرت، معه صحيفة فيها: [طه] يقرئهما
إياها ـ وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن ـ فلما
سمع خباب حس عمر توارى في البيت، وسترت فاطمة ـ
أخت عمر ـ الصحيفة. وكان قد سمع عمر حين دنا من
البيت قراءة خباب إليهما، فلما دخل عليهما قال:
ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ فقالا: ما
عدا حديثًا تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد
صبوتما. فقال له ختنه: يا عمر، أرأيت إن كان
الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ
شديدًا. فجاءت أخته فرفعته عن زوجها، فنفحها
نفحة بيده، فدمى وجهها ـ وفي رواية ابن إسحاق أنه
ضربها فشجها ـ فقالت، وهي غضبى: يا عمر، إن كان
الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد
أن محمدًا رسول الله.
فلما يئس عمر، ورأي ما بأخته من الدم ندم واستحيا،
وقال: أعطونى هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه،
فقالت أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون،
فقم فاغتسل، فقام فاغتسل، ثم أخذ الكتاب، فقرأ:
{بسم الله الرحمن الرحيم} فقال: أسماء طيبة
طاهرة. ثم قرأ [طه] حتى انتهي إلى قوله:
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ
لِذِكْرِي} [طه:14] فقال: ما أحسن هذا
الكلام وأكرمه؟ دلوني على محمد.
فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال: أبشر
يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة الرسول صلى الله
عليه وسلم لك ليلة الخميس: (اللّهم أعز
الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام)،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار التي في
أصل الصفا.
فأخذ عمر سيفه، فتوشحه، ثم انطلق حتى أتى الدار،
فضرب الباب، فقام رجل ينظر من خلل الباب، فرآه
متوشحًا السيف، فأخبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم، واستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم ؟
قالوا: عمر؟ فقال: وعمر؟ افتحوا له الباب،
فإن كان جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان جاء
يريد شرًا قتلناه بسيفه، ورسول الله صلى الله عليه
وسلم داخل يوحى إليه، فخرج إلى عمر حتى لقيه في
الحجرة، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، ثم جبذه
جبذة شديدة فقال: (أما أنت منتهيًا يا عمر حتى
ينزل الله بك من الخزى والنكال ما نزل بالوليد بن
المغيرة؟ اللهم، هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز
الإسلام بعمر بن الخطاب)، فقال عمر: أشهد أن
لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. وأسلم، فكبر
أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد.
كان عمر رضي الله عنه ذا شكيمة لا يرام، وقد أثار
إسلامه ضجة بين المشركين، وشعورا لهم بالذلة
والهوان، وكسا المسلمين عزة وشرفًا وسرورًا.
روى ابن إسحاق بسنده عن عمر قال: لما أسلمت
تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه
وسلم عداوة، قال: قلت: أبو جهل، فأتيت حتى
ضربت عليه بابه، فخرج إلىّ، وقال: أهلًا وسهلًا،
ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك إني قد آمنت بالله
وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به. قال: فضرب
الباب في وجهي، وقال: قبحك الله، وقبح ما جئت
به.
وذكر ابن الجوزي أن عمر رضي الله عنه قال: كان
الرجل إذا أسلم تعلق به الرجال، فيضربونه ويضربهم،
فجئت ـ أي حين أسلمت ـ إلى خالى ـ وهو العاصى بن
هاشم ـ فأعلمته فدخل البيت، قال: وذهبت إلى رجل
من كبراء قريش ـ لعله أبو جهل ـ فأعلمته فدخل
البيت.
وفي رواية لابن إسحاق، عن
نافع، عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر بن
الخطاب لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل
مكة أنشأ للحديث؟ فقالوا: جميل بن معمر
الجمحى. فخرج إليه وأنا معه، أعقل ما أرى
وأسمع، فأتاه، فقال: ياجميل، إني قد أسلمت،
قال: فو الله ما رد عليه كلمة حتى قام
عامدًا إلى المسجد فنادى [بأعلى صوته]
أن: يا قريش، إن ابن الخطاب قد صبأ. فقال
عمر ـ وهو خلفه: كذب، ولكنى قد أسلمت
[وآمنت بالله وصدقت رسوله]، فثاروا إليه
فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على
رءوسهم، وطَلَح ـ أي أعيا ـ عمر، فقعد، وقاموا
على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم،
فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد
تركناها لكم أو تركتموها لنا.
وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون
قتله.روى البخاري عن عبد الله بن عمر
قال:بينما هو ـ أي عمر ـ في الدار خائفًا إذ
جاءه العاص بن وائل السهمى أبو عمرو،وعليه حلة
حبرة وقميص مكفوف بحرير ـ وهو من بني سهم، وهم
حلفاؤنا في الجاهلية ـ فقال له: ما لك؟
قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت،
قال: لا سبيل إليك ـ بعد أن قالها أمنت ـ
فخرج العاص، فلقى الناس قد سال بهم الوادي،
فقال: أين تريدون؟ فقالوا: هذا ابن
الخطاب الذي قد صبأ، قال: لا سبيل إليه،
فَكَرَّ الناس. وفي لفظ في رواية ابن
إسحاق: والله، لكأنما كانوا ثوبًا كُشِطَ
عنه.
هذا بالنسبة إلى المشركين، أما بالنسبة إلى
المسلمين فروى مجاهد عن ابن عباس قال: سألت
عمر بن الخطاب: لأي شيء سميت الفاروق؟
قال: أسلم حمزة قبلى بثلاثة أيام ـ ثم قص
عليه قصة إسلامه. وقال في آخره: قلت ـ أي
حين أسلمت: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن
متنا وإن حيينا؟ قال: (بلى، والذي نفسي
بيده، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم)،
قال: قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك
بالحق لنخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزة في
أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين،
حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إلىّ قريش
وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها،
فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم
(الفاروق) يومئذ.
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ما كنا
نقدر أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر.
وعن صهيب بن
سنان الرومى رضي الله عنه قال: لما أسلم عمر
ظهر الإسلام، ودعى إليه علانية، وجلسنا حول
البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ
علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتى به.
وعن عبد الله بن مسعود قال: ما زلنا أعزة
منذ أسلم عمر.
* ممثل قريش بين يدي
الرسول صلى الله عليه وسلم :
وبعد إسلام هذين البطلين الجليلين ـ حمزة بن
عبد المطلب وعمـر بن الخطاب رضي الله عنهما
أخذت السحائب تتقشع، وأفاق المشركون عن سكرهم
في تنكيلهم بالمسلمين، وغيروا تفكيرهم في
معاملتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم
والمؤمنين، واختاروا أسلوب المساومات وتقديم
الرغائب والمغريات، ولم يدر هؤلاء المساكين أن
كل ما تطلع عليه الشمس لا يساوي جناح بعوضة
أمام دين الله والدعوة إليه، فخابوا وفشلوا
فيما أرادوا.
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد عن محمد
بن كعب القرظى قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة،
وكان سيدًا، قال يومًا ـ وهو في نادى قريش،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد
وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد
فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها،
فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم
حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون، فقالوا:
بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه، فقام
إليه عتبة،حتى جلس إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال: يابن أخي، إنك منا حيث قد
علمت من السِّطَةِ في العشيرة، والمكان في
النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به
جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم
ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى
أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها
بعضها. قال: فقال رسول صلى الله عليه
وسلم: (قل يا أبا الوليد أسمع).
قال: يابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به
من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى
تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا
سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت
تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي
يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا
لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه،
فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه
ـ أو كما قال له ـ حتى إذا فرغ عتبة ورسول
الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال:
(أقد فرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم،
قال: (فاسمع منى)، قال:أفعل، فقال:
{ بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنزِيلٌ مِّنَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ
آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ
أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا
تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت:1:
5]. ثم مضى رسول الله فيها، يقرؤها
عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت له، وألقى
يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم
انتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
السجدة منها فسجد ثم قال: (قد سمعت يا أبا
الوليد ما سمعت، فأنت وذاك).
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض:
نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه
الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما
وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت
قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو
بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر
قريش، أطيعونى واجعلوها بي، وخلوا بين هذا
الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن
لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب
فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه
ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به،
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه،
قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
وفي روايات أخرى: أن عتبة استمع حتى إذا بلغ
الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:
{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ
صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ
وَثَمُودَ} [فصلت:13] قال: حسبك،
حسبك، ووضع يده على فم رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وناشده بالرحم أن يكف، وذلك مخافة
أن يقع النذير، ثم قام إلى القوم فقال ما
قال.
*رؤساء
قريش يفاوضون رسول الله صلى الله عليه وسلم
:
وكأن رجاء قريش لم ينقطع بما أجاب به النبي
صلى الله عليه وسلم عتبة على اقتراحاته؛
لأنه لم يكن صريحًا في الرفض أو القبول، بل
تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم آيات لم
يفهمها عتبة، ورجع من حيث جاء، فتشاور رؤساء
قريش فيما بينهم وفكروا في كل جوانب القضية،
ودرسوا كل المواقف بروية وتريث، ثم اجتمعوا
يومًا عند ظهر الكعبة بعد غروب الشمس،
وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
يدعونه، فجاء مسرعًا يرجو خيرًا، فلما جلس
إليهم قالوا له مثل ما قال عتبة، وعرضوا
عليه نفس المطالب التي عرضها عتبة. وكأنهم
ظنوا أنه لم يثق بجدية هذا العرض حين عرض
عتبة وحده، فإذا عرضوا هم أجمعون يثق ويقبل،
ولكن قال لهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ما بي ما تَقُولُون، ما
جِئْتُكُم بما جِئْتُكُم بِه أَطْلُب
أَمْوَالكُم ولا الشَّرف فيكم، ولا المُلْكَ
عليكم، ولكنّ الله بَعَثَنِى إلَيْكُم
رَسُولًا، وَ أَنْزَلَ علىَّ كِتابًا،
وأَمَرَنِى أنْ أَكُونَ لَكُم بَشِيرًا
وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُم رِسَالاتِ ربي،
وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فإِنْ تَقْبَلُوا مِنّى
ما جِئْتُكُم بِه فَهُوَ حَظُّكُم في
الدُنيا والآخرة، وإنْ تَرُدُّوا علىّ
أَصْبِر لأمْرِ الله ِ حتّى يَحْكُم الله ُ
بَيْنِى وَ بَيْـنَكُم). أو كما قال.
فانتقلوا إلى نقطة أخرى، وطلبوا منه أن يسأل
ربه أن يسير عنهم الجبال، ويبسط لهم البلاد،
ويفجر فيها الأنهار، ويحيى لهم الموتى ـ ولا
سيما قصى بن كلاب ـ فإن صدقوه يؤمنون به.
فأجاب بنفس ما سبق من الجواب.
فانتقلوا إلى نقطة ثالثة، وطلبوا منه أن
يسأل ربه أن يبعث له ملكًا يصدقه، ويراجعونه
فيه، وأن يجعل له جنات وكنوزًا وقصورًا من
ذهب وفضة، فأجابهم بنفس الجواب.
فانتقلوا إلى نقطة رابعة، وطلبوا منه
العذاب: أن يسقط عليهم السماء كسفًا، كما
يقول ويتوعد، فقال: (ذلك إلى الله، إن
شاء فعل). فقالوا: أما علم ربك أنا
سنجلس معك، ونسألك ونطلب منك، حتى يعلمك ما
تراجعنا به، وما هو صانع بنا إذا لم نقبل.
وأخيرًا هددوه أشد التهديد، وقالوا:أما
والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو
تهلكنا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم
عنهم، وانصرف إلى أهله حزينًا أسفا لما فاته
ما طمع من قومه.
*عزم أبي جهل على قتل
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
عنهم خاطبهم أبو جهل في كبريائه وقال: يا
معشر قريش، إن محمدًا قد أبي إلا ما ترون من
عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا،
وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له
بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت
به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى،
فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم،
قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فامض
لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم
جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره،
وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان
يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في
أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل
الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع
منهزمًا ممتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه
على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه
رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا
الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت
لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه
فَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رأيت مثل
هَامَتِه، ولا مثل قَصَرَتِه ولا أنيابه
لفحل قط، فَهَمَّ بى أن يأكلنى.
قال ابن إسحاق: فذكر لى أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (ذلك جبريل عليه
السلام لو دنا لأخذه)
*مساومات وتنازلات :
ولما فشلت قريش في مفاوضتهم المبنية على
الإغراء والترغيب، والتهديد والترهيب، وخاب
أبو جهل فيما أبداه من الرعونة وقصد الفتك،
تيقظت فيهم رغبة الوصول إلى حل حصيف ينقذهم
عما هم فيه، ولم يكونوا يجزمون أن النبي صلى
الله عليه وسلم على باطل، بل كانوا ـ كما
قال الله تعالى {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ
مُرِيبٍ} [الشورى:14]. فرأوا أن
يساوموه صلى الله عليه وسلم في أمور الدين،
ويلتقوا به في منتصف الطريق، فيتركوا بعض ما
هم عليه، ويطالبوا النبي صلى الله عليه وسلم
بترك بعض ما هو عليه، وظنوا أنهم بهذا
الطريق سيصيبون الحق، إن كان ما يدعو إليه
النبي صلى الله عليه وسلم حقًا.
روى ابن إسحاق بسنده، قال: اعترض رسول
الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو يطوف بالكعبة
ـ الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى
والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن
وائل السهمى ـ وكانوا ذوى أسنان في قومهم ـ
فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد،
وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر،
فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد
أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما
تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله
تعالى فيهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ} السورة كلها.
وأخرج عَبْدُ بن حُمَـيْد وغيره عن ابن عباس
أن قريشًا قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا
إلهك. فأنزل الله: {قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ} السورة كلها وأخرج ابن
جرير وغيره عنه أن قريشًا قالوا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم: تعبد آلهتنا سنة،
ونعبد إلهك سنة،فأنزل الله:{قُلْ
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ
أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر:64]
ولما حسم الله تعالى هذه المفاوضة المضحكة
بهذه المفاصلة الجازمة لم تيأس قريش كل
اليأس، بل أبدوا مزيدًا من التنازل بشرط أن
يجرى النبي صلى الله عليه وسلم بعض التعديل
فيما جاء به من التعليمات، فقالوا:
{ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ
بَدِّلْهُ}، فقطع الله هذا السبيل أيضًا
بإنزال ما يرد به النبي صلى الله عليه وسلم
عليهم فقال: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ
أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ
أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس:15] ونبه على
عظم خطورة هذا العمل بقوله:{ وَإِن
كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا
غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً
وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ
تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذاً
لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ
الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا
نَصِيرًا} [الإسراء:73: 75].
حيرة قريش وتفكيرهم
الجاد واتصالهم باليهود
دعونى إليه من أحد؟
قال: نعم، ثم سمى له القوم، فاجتمعوا
عند الحَجُون، وتعاقدوا على القيام بنقض
الصحيفة، وقال زهير: أنا أبدأكم فأكون
أول من يتكلم.
فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير
عليه حلة، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على
الناس، فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام
ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا
يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه
الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل ـ وكان في ناحية المسجد:
كذبت، والله لا تشق.
فقال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب،
مارضينا كتابتها حيث كتبت.
قال أبو البخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما
كتب فيها، ولا نقر به.
قال المطعم بن عدى: صدقتما، وكذب من قال
غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب
فيها.
وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك.
فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل،
وتُشُووِر فيه بغير هذا المكان.
وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، إنما
جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله صلى
الله عليه وسلم على أمر الصحيفة، وأنه
أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من
جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل،
فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن
ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا
خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم
عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا: قد أنصفت.
وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي
جهل، قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد
الأرضة قد أكلتها إلا (باسمك اللهم)،
وما كان فيها من اسم الله فإنها لم
تأكله.
ثم نقض الصحيفة وخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم ومن معه من الشعب، وقد رأي
المشركون آية عظيمة من آيات نبوته، ولكنهم
ـ كما أخبر الله عنهم {وَإِن يَرَوْا
آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ
مُّسْتَمِرٌّ} [القمر:2] ـ أعرضوا
عن هذه الآية وازدادوا كفرًا إلى كفرهم .
*آخر وفد قريش إلي أبي
طالب :
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الشعب، وجعل يعمل على شاكلته، وقريش وإن
كانوا قد تركوا القطيعة، لكنهم لم يزالوا
عاملين على شاكلتهم من الضغط على المسلمين
والصد عن سبيل الله، وأما أبو طالب فهو لم
يزل يحوط ابن أخيه، لكنه كان قد جاوز
الثمانين من سنه، وكانت الآلام والحوادث
الضخمة المتوالية منذ سنوات ـ لاسيما حصار
الشعب ـ قد وهنت وضعفت مفاصله وكسرت صلبه،
فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر
معدودات، وإذا هو يلاحقه المرض ويلح به،
وحينئذ خاف المشركون سوء سمعتهم في العرب
إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن أخيه،
فحاولوا مرة أخرى أن يفاوضوا النبي صلى
الله عليه وسلم بين يديه، ويعطوا بعض ما
لم يرضوا إعطاءه قبل ذلك. فقاموا بوفادة
هي آخر وفادتهم إلى أبي طالب.
قال ابن إسحاق وغيره: لما اشتكى أبو
طالب، وبلغ قريشًا ثقله، قالت قريش بعضها
لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا
أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا
بنا إلى أبي طالب، فليأخذ على ابن أخيه،
وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا
أمرنا، وفي لفظ: فإنا نخاف أن يموت هذا
الشيخ فيكون إليه شيء فتعيرنا به العرب،
يقولون: تركوه حتى إذا مات عمه
تناولوه.
مشوا إلى أبي طالب فكلموه، وهم أشراف
قومه؛ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة،
وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو
سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم ـ وهم
خمسة وعشرون تقريبًا ـ فقالوا: يا أبا
طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما
ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا
وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا، وخذ لنا
منه؛ ليكف عنا ونكف عنه، وليدعـنا وديننا
وندعه ودينه، فبعث أبو طالب، فجاءه
فقال: يابن أخي، هؤلاء أشراف قومك، قد
اجتمعوا لك ليعطوك، وليأخذوا منك، ثم
أخبـره بالذي قالوا له وعرضوا عليه من عدم
تعرض كل فريق للآخر. فقال لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم إن
أعطيتكم كلمة تكلمتم بها، ملكتم بها
العرب، ودانت لكم بها العجم) ، وفي لفظ
أنه قال مخاطبًا لأبي طالب: (إني
أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم
بها العرب، وتؤدى إليهم بها العجم
الجزية)، وفي لفظ آخر قال: (أي عم،
أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟)
قال: وإلام تدعوهم؟ قال: (أدعوهم
إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب،
ويملكون بها العجم)، ولفظ رواية ابن
إسحاق: (كلمة واحدة تعطونها تملكون
بها العرب، وتدين لكم بها العجم)، فلما
قال هذه المقالة توقفوا وتحيروا ولم
يعرفوا كيف يرفضون هذه الكلمة الواحدة
النافعة إلى هذه الغاية والحد. ثم قال
أبو جهل: ما هي؟ وأبيك لنعطيكها وعشر
أمثالها، قال: تقولون: (لا إله إلا
الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه).
فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا
محمد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن
أمرك لعجب.
ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا
الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا
وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله
بينكم وبينه، ثم تفرقوا.
وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: {ص
وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ
كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن
قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ
وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ
مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا
سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ
إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ
عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ
أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى
آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ
مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ
الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا
اخْتِلَاقٌ} [ص:1: 7].
عــام الحـــزن
*وفاة أبي طالب :
ألح المرض بأبي طالب، فلم يلبث أن وافته
المنية، وكانت وفاته في رجب سنة عشر من
النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر.
وقيل: توفي في رمضان قبل وفاة خديجة رضي
الله عنها بثلاثة أيام.
وفي الصحيح عن المسيب: أن أبا طالب لما
حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله
عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال: (أي
عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك
بها عند الله) فقال أبو جهل وعبد الله
بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة
عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال
آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(لأستغفرن لك ما لم أنه عنـه)،
فـنزلت:{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ
لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي
قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ
أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}
[التوبة:113] ونزلت: {إِنَّكَ
لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}
[القصص: 56].
ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب
من الحياطة والمنع، فقد كان الحصن الذي
احتمت به الدعوة الإسلامية من هجمات
الكبراء والسفهاء، ولكنه بقى على ملة
الأشياخ من أجداده، فلم يفلح كل الفلاح.
ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، قال
للنبى صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن
عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:
(هو في ضَحْضَاح من نار، ولولا أنا لكان
في الدرك الأسفل من النار)
وعن أبي سعيد الخدرى أنه سمع النبي صلى
الله عليه وسلم ـ وذكر عنده عمه ـ فقال:
(لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل
في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه)
*خديجة إلى رحمة الله
:
وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة
أيام ـ على اختلاف القولين ـ توفيت أم
المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها
وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة
العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة
على أشهر الأقوال، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره.
إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقيت معه
ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في
أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته،
وتشاركه في مغارم الجهاد المر،وتواسيه
بنفسها ومالها، يقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (آمنت بى حين كفر بى
الناس، وصدقتنى حين كذبني الناس، وأشركتنى
في مالها حين حرمنى الناس، ورزقنى الله
ولدها وحرم ولد غيرها)
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: أتى جبريل
النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا
رسول الله، هـذه خديجة قـد أتت، معها إناء
فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك
فاقـرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت
في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا
نَصَبَ.
*تراكم الأحزان :
وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى
الله عليه وسلم اشتدت على أصحابه حتى
التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه
إلى الهجرة عن مكة، فخرج حتى بلغ بَرْك
الغِمَاد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن
الدُّغُنَّة في جواره.
وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام
معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تزل
تتوالى عليه المصائب من قومه. فإنهم
تجرأوا عليه وكاشفوه بالنكال والأذى بعد
موت أبي طالب، فازداد غمًا على غم، حتى
يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجـاء أن
يستجيبوا لدعوتـه، أو يؤووه وينصـروه على
قومــه، فلم يـر مـن يؤوى ولم يـر ناصرًا،
بل آذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله
قومـه.
قال ابن إسحاق: لما هلك أبو طالب نالت
قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب،
حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على
رأسه ترابًا، ودخل بيته والتراب على رأسه،
فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه
التراب وهي تبكى، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول لها: (لا تبكى يابنية،
فإن الله مانع أباك). قال: ويقول
بين ذلك: (ما نالت منى قريش شيئًا
أكرهه حتى مات أبو طالب).
ولأجل توالى مثل هذه الآلام في هذا العام
سمى بعام الحزن، وعرف به في السيرة
والتاريخ.
*الزواج بسودة رضي
الله عنها :
وفي شوال من هذه السنة ـ سنة 10 من النبوة
ـ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة
بنت زمعة، كانت ممن أسلم قديمًا وهاجرت
الهجرة الثانية إلى الحبشة، وكان زوجها
السكران بن عمرو، وكان قد أسلم وهاجر
معها، فمات بأرض الحبشة، أو بعد الرجوع
إلى مكة، فلما حلت خطبها رسول الله صلى
الله عليه وسلم وتزوجها، وكانت أول امرأة
تزوجها بعد وفاة خديجة، وكانت قد وهبت
نوبتها لعائشة رضي الله عنها أخيرًا.
*عوامل الصبر والثبات
:
وهنا يقف الحليم حيران، ويتساءل عقلاء
الرجال فيما بينهم: ما هي الأسباب
والعوامل التي بلغت بالمسلمين إلى هذه
الغاية القصوى، والحد المعجز من الثبات؟
كيف صبروا على هذه الاضطهادات التي تقشعر
لسماعها الجلود، وترجف لها الأفئدة؟
ونظرًا إلى هذا الذي يتخالج القلوب نرى أن
نشير إلى بعض هذه العوامل والأسباب إشارة
عابرة بسيطة:
1 ـ الإيمــان بالله:
إن السبب الرئيسي في ذلك أولًا وبالذات هو
الإيمان بالله وحده ومعرفته حق المعرفة،
فالإيمان الجازم إذا خالطت بشاشته القلوب
يزن الجبال ولا يطيش، وإن صاحب هذا
الإيمان المحكم وهذا اليقين الجازم يرى
متاعب الدنيا مهما كثرت وكبرت وتفاقمت
واشتدت ـ يراها في جنب إيمانه ـ طحالب
عائمة فوق سَيْل جارف جاء ليكسر السدود
المنيعة والقلاع الحصينة، فلا يبالى بشيء
من تلك المتاعب أمام ما يجده من حلاوة
إيمانه، وطراوة إذعانه، وبشاشة يقينه {
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء
وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الأَرْضِ} [الرعد:17].
ويتفرع من هذا السبب
الوحيد أسباب أخرى تقوى هذا الثبات
والمصابرة وهي:
2 ـ قيادة تهوى إليها
الأفئدة:
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو
القائد الأعلى للأمة الإسلامية، بل
وللبشرية جمعاء ـ يتمتع من جمال الخلق،
وكمال النفس، ومكارم الأخلاق، والشيم
النبيلة، والشمائل الكريمة، بما تتجاذب
إليه القلوب وتتفإني دونه النفوس، وكانت
أنصبته من الكمال الذي يحبَّبُ لم يرزق
بمثلها بشر. وكان على أعلى قمة من الشرف
والنبل والخير والفضل. وكان من العفة
والأمانة والصدق، ومن جميع سبل الخير على
ما لم يتمار ولم يشك فيه أعداؤه فضلًا عن
محبيه ورفقائه، لا تصدر منه كلمة إلا
ويستيقنون صدقها.
اجتمع ثلاثة نفر من قريش، وكان قد استمع
كل واحد منهم إلى القرآن سرًا عن صاحبيه،
ثم انكشف سرهم، فسأل أحدهم أبا
جهل ـ وكان
من أولئك الثلاثة: ما رأيك فيما سمعت من
محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن
وبنو عبد مناف الشرف؛ أطعموا فأطعمنا،
وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا
تحاذينا على الركب، وكنا كَفَرَسىْ رِهَان
قالوا: لنا نبى يأتيه الوحى من السماء،
فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا،
ولا نصدقه.
وكان أبو جهل يقول: يا محمد، إنا لا
نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل
الله:{ فَإِنَّهُمْ لاَ
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ
بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ}
[الأنعام:33].
وغمزه صلى الله عليه وسلم الكفار يومًا
ثلاث مرات فقال في الثالثة: (يا معشر
قريش، جئتكم بالذبح)، فأخذتهم تلك
الكلمة حتى إن أشدهم عداوة يرفؤه بأحسن ما
يجد عنده.
ولما ألقوا عليه سَلاَ جَزُورٍ وهو ساجد،
دعا عليهم، فذهب عنهم الضحك، وساورهم الهم
والقلق، وأيقنوا أنهم هالكون.
ودعا على عتبة بن أبي لهب فلم يزل على
يقين من لقاء ما دعا به عليه حتى إنه حين
رأي الأسد قال: قتلنى والله ـ محمد ـ
وهو بمكة.
وكان أبي بن خلف يتوعده بالقتل. فقال:
(بل أنا أقتلك إن شاء الله)، فلما طعن
أبيًا في عنقه يوم أحد ـ وكان خدشًا غير
كبير ـ كان أبي يقول: إنه قد كان قال لى
بمكة: أنا أقتلك، فو الله لو بصق على
لقتلني ـ وسيأتي.
م على العود إلى مكة، وعلى القيام
باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله
الخالدة بنشاط جديد وبجد وحماس.
وحينئذ قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد
أخرجوك؟ يعنى قريشًا، فقال: (يا زيد، إن الله جاعل
لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر
نبيه). وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا
دنا من مكة مكث بحِرَاء، وبعث رجلًا من خزاعة إلى الأخنس
بن شَرِيق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير ،
فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال سهيل: إن بني عامر لا
تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدى، فقال
المطعم: نعم ، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه ، فقال:
البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت
محمدًا، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن
ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن
حارثة حتى انتهي إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدى
على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا
فلا يهجه أحد منكم، وانتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى الركن فاستلمه، وطاف بالبيت، وصلى ركعتين، وانصرف
إلى بيته، ومطعم بن عدى وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل
بيته.
وقيل: إن أبا جهل سأل مطعمًا: أمجير أنت أم متابع ـ
مسلم؟. قال: بل مجير. قال: قد أجرنا من
أجرت.
وقد حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم للمطعم هذا
الصنيع، فقال في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدى
حيًا ثم كلمنى في هؤلاء النتنى لتركتهم له).
*عرض الإسلام علي القبائل والأفراد :
في ذى القعدة سنة عشر من النبوة ـ في أواخر يونيو أو
أوائل يوليو سنة 619 م ـ عاد رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى مكة؛ ليستأنف عرض الإسلام على القبائل
والأفراد، ولاقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة
رجالا، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق لأداء فريضة
الحج، وليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام
معلومات، فانتهز رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه
الفرصة، فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم
إليه ، كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة ،
وقد بدأ يطلب منهم من هذه السنة ـ العاشرة ـ أن يؤووه
وينصروه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثه الله به.
*القبائل التي عرض عليها الإسلام :
قال الزهرى: وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم وعرض نفسه
عليهم: بنو عامر بن صَعْصَعَة، ومُحَارِب بن خَصَفَة،
وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعَبْس، وبنو نصر،
وبنو البَكَّاء، وكندة، وxxx، والحارث بن كعب، وعُذْرَة،
والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد.
وهذه القبائل التي سماها الزهرى لم يكن عرض الإسلام
عليها في سنة واحدة ولا في موسم واحد، بل إنما كان ما
بين السنة الرابعة من النبوة إلى آخر موسم قبل الهجرة.
ولا يمكن تسمية سنة معينة لعرض الإسلام على قبيلة معينة،
ولكن الأكثر كان في السنة العاشرة.
أما كيفية عرض الإسلام على هذه القبائل، وكيف كانت
ردودهم على هذا العرض فقد ذكرها ابن إسحاق، ونلخصها فيما
يلي:
1 ـ بنو عبد الله: أتى
النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطن منهم يقال لهم: بنو
عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه
ليقول لهم: (يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم
أبيكم)، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
2 ـ بنو حنيفة: أتاهم في منازلهم فدعاهم إلى
الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه
ردًا منهم.
3 ـ وأتى إلى بني عامر بن صعصعة: فدعاهم إلى
الله، وعرض عليهم نفسه، فقال بَيْحَرَة بن فِرَاس [رجل
منهم]: والله، لو إني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت
به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم
أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟
قال: (الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء)، فقال له:
أفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان
الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه.
ولما رجعت بنو عامر تحدثوا إلى شيخ لهم لم يواف الموسم
لكبر سنه، وقالوا له: جاءنا فتى من قريش من بني عبد
المطلب يزعم أنه نبى، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه،
ونخرج به إلى بلادنا، فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم
قال: يا بني عامر وهل لها من تَلاَف؟ هل لذُنَابَاها
من مَطْلَب؟ والذي نفس فلان بيده ما تَقَوَّلَها
إسماعيلى قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم؟.
*المؤمنون من غير أهل مكة :
وكما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام على
القبائل والوفود، عرض على الأفراد والأشخاص، وحصل من بعضهم
على ردود صالحة، وآمن به عدة رجال بعد هذا الموسم بقليل،
وهاك نبذة منهم:
1 ـ سويد بن الصامت:
كان شاعرًا لبيبًا، من سكان يثرب، يسميه قومه [الكامل]
لجلده وشعره وشرفه ونسبه، جاء مكة حاجًا أو معتمرًا، فدعاه
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: لعل
الذي معك مثل الذي معى. فقال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (وما الذي معك؟) قال: حكمة لقمان.
قال: (اعرضها عليَّ). فعرضها، فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (إن هذا لكلام حسن، والذي معى
أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله تعالى عليّ، هو هدى ونور)،
فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى
الإسلام، فأسلم، وقال: إن هذا لقول حسن. فلما قدم
المدينة لم يلبث أن قتل في وقعة بين الأوس والخزرج قبل يوم
بعاث. والأغلب أنه أسلم في أوائل السنة الحادية عشرة من
النبوة.
2 ـ إياس بن معاذ:
كان غلامًا حدثا من سكان يثرب، قدم في وفد من الأوس، جاءوا
يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، وذلك قبيل
حـرب بعاث في أوائل سنة 11 من النبوة؛ إذ كانت نيران
العداوة متقدة في يثرب بين القبيلتين ـ وكان الأوس أقل
عددًا من الخزرج ـ فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمقدمهم جاءهم، فجلس إليهم، وقال لهم: (هل لكم في خير
مما جئتم له؟) فقالوا: وما ذاك؟ قال: (أنا
رسول الله، بعثنى إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله
ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليّ الكتاب)، ثم ذكر لهم
الإسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ: أي
قوم، هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر أنس بن
رافع ـ رجل من الوفد ـ حفنة من تراب البطحاء فرمى بها وجه
إياس، وقال: دعنا فلعمرى لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس،
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرفوا إلى المدينة
من غير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش.
وبعد رجوعهم إلى يثرب لم يلبث إياس أن هلك، وكان يهلل
ويكبر ويحمد ويسبح عند موته، فلا يشكون أنه مات مسلمًا.
3 ـ أبو ذر الغفاري:
وكان من سكان نواحي يثرب، ولعله لما بلغ إلى يثرب خبر مبعث
النبي صلى الله عليه وسلم بسويد بن الصامت وإياس بن معاذ،
وقع في أذن أبي ذر أيضًا، وصار سببًا لإسلامه.
روى البخاري عن ابن عباس قال: قال أبو ذر: كنت رجلًا
من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبى، فقلت
لأخي: انطلق إلى هذا الرجل وكلمه، وائتنى بخبره، فانطلق
فلقيه، ثم رجع، فقلت: ما عندك؟ فقال: والله، لقد
رأيت رجلًا يأمر بالخير، وينهي عن الشر، فقلت له: لم
تشفنى من الخبر، فأخذت جرابًا وعصا، ثم أقبلت إلى مكة،
فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم
وأكون في المسجد. قال: فمر بى عليّ. فقال: كأن
الرجل غريب؟ قال: قلت: نعم. فقال: فانطلق إلى
المنزل، فانطلقت معه لا يسألنى عن شيء ولا أسأله ولا
أخبره. فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد
يخبرنى عنه بشيء. قال: فمر بى عليّ فقال: أما نال
للرجل يعرف منزله بعد؟ قال: قلت: لا. قال:
فانطلق معي، قال: فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه
البلدة؟ قال: قلت له:إن كتمت عليّ أخبرتك، قال:
فإني أفعل، قال: قلت له: بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل
يزعم أنه نبى الله، فأرسلت أخي يكلمه فرجع ولم يشفنى من
الخبر، فأردت أن ألقاه.
فقال له: أما إنك قد رشدت. هذا وجهي إليه، ادخل حيث
أدخل فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كإني
أصلح نعلى، وامض أنت. فمضى ومضيت معه حتى دخل، ودخلت معه
على النبي صلى الله عليه وسلم.فقلت له:اعرض عليّ
الإسلام. فعرضه، فأسلمت مكإني ، فقال لي: (يا أبا
ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا
فأقبل). فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين
أظهرهم، فجئت إلى المسجد، وقريش فيه ، فقلت: يا معشر
قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده
ورسوله ، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا، فضربت
لأموت، فأدركنى العباس فأكب عليّ، ثم أقبل عليهم فقال:
ويلكم تقتلون رجلًا من غفار؟ ومتجركم وممركم على غفار،
فأقلعوا عنى. فلما أن أصبحت الغد، رجعت، فقلت مثل ما قلت
بالأمس. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصنع بي ما صنع
بالأمس، فأدركني العباس، فأكب عليّ وقال مثل مقالته
بالأمس.
4 ـ طُفَيْل بن عمرو الدَّوْسى:
كان رجلًا شريفًا، شاعرًا لبيبًا، رئيس
قبيلة دوس، وكانت لقبيلته إمارة أو شبه إمارة في بعض
نواحى اليمن، قدم مكة في عام 11 من النبوة، فاستقبله
أهلها قبل وصوله إليها، وبذلوا له أجل تحية وأكرم تقدير،
وقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي
بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا،
وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل
وأخيه ، وبين الرجل وزوجـه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما
قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئًا.
يقول طفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه
شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت أذنى حين غدوت إلى المسجد
كُرْسُفًا؛ فرقًا من أن يبلغنى شيء من قوله، قال:
فغدوت إلى المسجد فإذا هو قائم يصلى عند الكعبة، فقمت
قريبًا منه، فأبي الله إلا أن يسمعنى بعض قوله، فسمعت
كلامًا حسنًا، فقلت في نفسى: واثكل أمي، والله إني رجل
لبيب شاعر؛ ما يخفي عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن
أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان حسنًا قبلته، وإن
كان قبيحًا تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فاتبعته،
حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فعرضت عليه قصة مقدمى،
وتخويف الناس إياي، وسد الأذن بالكرسف، ثم سماع بعض
كلامه، وقلت له: اعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ الإسلام،
وتلا عليّ القرآن. فوالله ما سمعت قولًا قط أحسن منه،
ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت
له: إني مطاع في قومى، وراجع إليهم، وداعيهم إلى
الإسلام، فادع الله أن يجعل لى آية، فدعا.
وكانت آيته أنه لما دنا من قومه جعل الله نورًا في وجهه
مثل المصباح، فقال: اللهم في غير وجهي. أخشى أن
يقولوا: هذه مثلة، فتحول النور إلى سوطه، فدعا أباه
وزوجته إلى الإسلام فأسلما، وأبطأ عليه قومه في الإسلام،
لكن لم يزل بهم حتى هاجر بعد الخندق، ومعه سبعون أو
ثمانون بيتًا من قومه، وقد أبلى في الإسلام بلاء حسنًا،
وقتل شهيدًا يوم اليمامة.
5 ـ ضِمَاد الأزدى:
كان من أزْدِ شَنُوءَة من اليمن، وكان يرقى من هذا
الريح، قدم مكة فسمع سفهاءها يقولون: إن محمدًا مجنون،
فقال: لو إني أتيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدى،
فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقى من هذا الريح، فهل
لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الحمد
لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله
فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد).
فقال: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول
الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك
هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على
الإسلام، فبايعه.
*ست نسمات طيبة من أهل يثرب :
وفي موسم الحج من سنة 11 من النبوة ـ يوليو سنة 620م ـ
وجدت الدعوة الإسلامية بذورًا صالحة، سرعان ما تحولت إلى
شجرات باسقات، اتقى المسلمون في ظلالها الوارفة لفحات
الظلم والعدوان حتى تغير مجرى الأحداث وتحول خط
التاريخ.
وكان من حكمته صلى الله عليه وسلم إزاء ما كان يلقى من
أهل مكة من التكذيب والصد عن سبيل الله أنه كان يخرج إلى
القبائل في ظلام الليل، حتى لا يحول بينه وبينهم أحد من
أهل مكة المشركين.
فخرج ليلة ومعه أبو بكر وعلى، فمر على منازل ذُهْل
وشيبان بن ثعلبة ، وكلمهم في الإسلام. وقد دارت بين
أبي بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردود طريفة، وأجاب بنو
شيبان بأرجى الأجوبة، غير أنهم توقفوا في قبول
الإسلام.
ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقبة منى، فسمع
أصوات رجال يتكلمون فعمدهم حتى لحقهم، وكانوا ستة نفر من
شباب يثرب كلهم من الخزرج، وهم:
1 ـ أسعد بن زُرَارة [من بني
النجار].
2 ـ عوف بن الحارث بن رفاعة ابن عَفْراء [من بني
النجار].
3 ـ رافع بن مالك بن العَجْلان [من بني زُرَيْق].
4 ـ قُطْبَة بن عامر بن حديدة [من بني سلمة].
5 ـ عُقْبَة بن عامر بن نابي [من بني حَرَام بن كعب
].
6 ـ جابر بن عبد الله بن رِئاب [من بني عبيد بن غَنْم
].
وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من
يهود المدينة، إذا كان بينهم شيء، أن نبيًا من الأنبياء
مبعوث في هذا الزمان سيخرج، فنتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد
وإرم.
فلما لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:
(من أنتم؟) قالوا: نفر من الخزرج، قال: (من
موالى اليهود؟) أي حلفائهم، قالوا: نعم. قال:
(أفلا تجلسون أكلمكم؟) قالوا: بلى، فجلسوا معه،
فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله عز وجل،
وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله
يا قوم، إنه للنبى الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم
إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته، وأسلموا.
وكانوا من عقلاء يثرب، أنهكتهم الحرب الأهلية التي مضت
قريبًا، والتي لا يزال لهيبها مستعرًا، فأملوا أن تكون
دعوته سببًا لوضع الحرب، فقالوا: إنا قد تركنا قومنا
ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن
يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض
عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله
عليك فلا رجل أعز منك.
ولما رجع هؤلاء إلى المدينة حملوا إليها رسالة الإسلام،
حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيه ذكر رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
*استطراد ـ زواج رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعائشة :
وفي شوال من هذه السنة ـ سنة 11 من
النبوة ـ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة
الصديقة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين وبني بها
بالمدينة في شوال في السنة الأولى من الهجرة وهي بنت تسع
سنين.
الإســراء والمعــراج
وبينما النبي صلى الله عليه وسلم يمـر بهذه المرحلة، وأخذت
الدعوة تشق طريقًا بين النجاح والاضطهـاد، وبـدأت نجـوم
الأمل تتلمح في آفاق بعيدة، وقع حادث الإسراء والمعـراج.
واختلف في تعيين زمنه على أقوال شتى:
1 ـ فقيل: كان الإسراء في السنة التي أكرمه الله فيها
بالنبوة، واختاره الطبرى.
2 ـ وقيل: كان بعد المبعث بخمس سنين، رجح ذلك النووى
والقرطبى.
3 ـ وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة 10 من
النبوة.
4 ـ وقيل: قبل الهجرة بستة عشر شهرًا، أي في رمضان سنة 12
من النبوة.
5 ـ وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، أي في المحرم سنة 13 من
النبوة.
6 ـ وقيل: قبل الهجرة بسنة، أي في ربيع الأول سنة 13 من
النبوة.
وَرُدَّتِ الأقوالُ الثلاثة الأول بأن خديجة رضي الله عنها
توفيت في رمضان سنة عشر من النبوة، وكانت وفاتها قبل أن تفرض
الصلوات الخمس. ولا خلاف أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة
الإسراء. أما الأقوال الثلاثة الباقية فلم أجد ما أرجح به
واحدًا منها، غير أن سياق سورة الإسراء يدل على أن الإسراء
متأخر جدًا.
وروى أئمة الحديث تفاصيل هذه الوقعة، وفيما يلي نسردها
بإيجاز:
قال ابن القيم: أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده
على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا على
البُرَاق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك،
وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد.
ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا،
فاستفتح له جبريل ففتح له، فرأي هنالك آدم أبا البشر، فسلم
عليه، فرحب به ورد عليه السلام، وأقر بنبوته، وأراه الله
أرواح السعداء عن يمينه، وأرواح الأشقياء عن يساره.
ثم عرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح له، فرأي فيها يحيى
بن زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما وسلم عليهما، فردا عليه
ورحبا به، وأقرّا بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأي فيها يوسف، فسلم عليه
فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأي فيها إدريس، فسلم عليه،
فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأي فيها هارون بن عمران،
فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقى فيها موسى بن عمران،
فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له: ما يبكيك ؟ فقال: أبكى؛
لأن غلامًا بعث من بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها
من أمتى.
ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقى فيها إبراهيم عليه
السلام، فسلم عليه، فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم رفع إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبْقُها مثل قِلاَل هَجَر،
وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، ثم غشيها فراش من ذهب، ونور
وألوان، فتغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من
حسنها. ثم رفع له البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم
سبعون ألف ملك ثم لا يعودون. ثم أدخل الجنة، فإذا فيها
حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك. وعرج به حتى ظهر لمستوى
يسمع فيه صَرِيف الأقلام.
ثم عرج به إلى الجبّار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين
أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة،
فرجع حتى مرّ على موسى فقال له: بم أمرك ربك؟ قال:
(بخمسين صلاة). قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى
ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل، كأنه يستشيره
في ذلك، فأشار: أن نعم إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به
الجبار تبارك وتعالى، وهو في مكانه ـ هذا لفظ البخاري في بعض
الطرق ـ فوضع عنه عشرًا، ثم أنزل حتى مر بموسى، فأخبره،
فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين
موسى وبين الله عز وجل، حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع
وسؤال التخفيف، فقال: (قد استحييت من ربي، ولكني أرضى
وأسلم)، فلما بعد نادى مناد: قد أمضيت فريضتى وخففت عن
عبادى. انتهي.
ثم ذكر ابن القيم خلافًا في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه
تبارك وتعالى، ثم ذكر كلامًا لابن تيمية بهذا الصدد، وحاصل
البحث أن الرؤية بالعين لم تثبت أصلًا، وهو قول لم يقله أحد
من الصحابة. وما نقل عن ابن عباس من رؤيته مطلقًا ورؤيته
بالفؤاد فالأول لا ينافي الثاني.
ثم قال: وأما قوله تعالى في سورة النجم: {ثُمَّ دَنَا
فَتَدَلَّى} [النجم:8] فهو غير الدنو الذي في قصة
الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما
قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه، وأما الدنو
والتدلى في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك
وتعالى وتدليه، ولا تعرض في سورة النجم لذلك، بل فيه أنه رآه
نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. وهذا هو جبريل، رآه محمد صلى
الله عليه وسلم على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند
سدرة المنتهى، والله أعلم. انتهى.
وقد جاء في بعض الطرق أن صدره صلى الله عليه وسلم شق في هذه
المرة أيضًا، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه
الـرحلة أمورًا عديدة:
عرض عليه اللبن والخمر، فاختار اللبن، فقيل: هديت الفطرة
أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك.
ورأي أربعة أنهار يخرجن من أصل سدرة
المنتهى: نهران ظاهران ونهران باطنان، فالظاهران هما:
النيل والفرات، عنصرهما. والباطنان: نهران في الجنة.
ولعل رؤية النيل والفرات كانت إشارة إلى تمكن الإسلام من
هذين القطرين، والله أعلم.
ورأى مالكًا خازن النار، وهو لا يضحك، وليس على وجهه بشر ولا
بشاشة، وكذلك رأي الجنة والنار.
ورأى أكلة أموال اليتامى ظلمًا لهم مشافر كمشافر الإبل،
يقذفون في أفواههم قطعًا من نار كالأفهار، فتخرج من
أدبارهم.
ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا
عن أماكنهم، ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار
فيطأونهم.
ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب، إلى جنبه لحم غث منتن،
يأكلون من الغث المنتن، ويتركون الطيب السمين.
ورأى النساء اللاتى يدخلن على الرجال من ليس من أولادهم،
رآهن معلقات بثديهن.
ورأى عيرًا من أهل مكة في الإياب والذهاب، وقد دلهم على بعير
نَدَّ لهم، وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون، ثم ترك
الإناء مغطى، وقد صار ذلك دليلًا على صدق دعواه في صباح ليلة
الإسراء.
قال ابن القيم: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في
قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى، فاشتد
تكذيبهم له وأذاهم واستضرارهم عليه، وسألوه أن يصف لهم بيت
المقدس، فجلاه الله له، حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته،
ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا، وأخبرهم عن عيرهم في
مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير
الذي يقدمها، وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورًا،
وأبي الظالمون إلا كفورًا .
يقال: سُمى أبو بكر رضي الله عنه صديقًا؛ لتصديقه هذه
الوقعة حين كذبها الناس.
وأوجز وأعظم ما ورد في تعليل هذه الرحلة هو قوله تعالى:
{لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1] وهذه
سنة الله في الأنبياء، قال: {وَكَذَلِكَ نُرِي
إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام:75]، وقال
لموسى عليه السلام: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا
الْكُبْرَى} [طه:23]، وقد بين مقصود هذه الإراءة
بقوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} فبعد استناد
علوم الأنبياء إلى رؤية الآيات يحصل لهم من عين اليقين ما لا
يقادر قدره، وليس الخبر كالمعاينة، فيتحملون في سبيل الله ما
لا يتحمل غيرهم، وتصير جميع قوات الدنيا عندهم كجناح بعوضة
لا يعبأون بها إذا ما تدول عليهم بالمحن والعذاب.
والحكم والأسرار التي تكمن وراء جزئيات هذه الرحلة إنما محل
بحثها كتب أسرار الشريعة، ولكن هنا حقائق بسيطة تتفجر من
ينابيع هذه الرحلة المباركة، وتتدفق إلى حدائق أزهار السيرة
النبوية ـ على صاحبها الصلاة والسلام والتحية ـ أرى أن أسجل
بعضًا منها بالإيجاز:
يرى القارئ في سورة الإسراء أن الله ذكر قصة الإسراء في آية
واحدة فقط، ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ثم نبههم
بأن هذا القرآن يهدى للتى هي أقوم، فربما يظن القارئ أن
الآيتين ليس بينهما ارتباط، والأمر ليس كذلك، فإن الله تعالى
يشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس؛
لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية؛ لما
ارتكبوا من الجرائم التي لا مجال بعدها لبقائهم على هذا
المنصب، وإن الله سينقل هذا المنصب فعلا إلى رسوله صلى الله
عليه وسلم ويجمع له مركزى الدعوة الإبراهيمية كليهما، فقد آن
أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة؛ من أمة ملأت
تاريخها بالغدر والخيانة والإثم والعدوان، إلى أمة تتدفق
بالبر والخيرات، ولا يزال رسولها يتمتع بوحى القرآن الذي
يهدى للتى هي أقوم.
ولكن كيف تنتقل هذه القيادة، والرسول يطوف في جبال مكة
مطرودًا بين الناس؟ هذا السؤال يكشف الغطاء عن حقيقة أخرى،
وهي أن عهدًا من هذه الدعوة الإسلامية قد أوشك إلى النهاية
والتمام، وسيبدأ عهد آخر جديد يختلف عن الأول في مجراه،
ولذلك نرى بعض الآيات تشتمل على إنذار سافر ووعيد شديد
بالنسبة إلى المشركين { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ
قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ
عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا وَكَمْ
أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى
بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا}
[الإسراء:16، 17] وبجنب هذه الآيات آيات أخرى تبين
للمسلمين قواعد الحضارة وبنودها ومبادئها التي يبتنى عليها
مجتمعهم الإسلامى، كأنهم قد أووا إلى أرض امتلكوا فيها
أمورهم من جميع النواحى، وكونوا وحدة متماسكة تدور عليها رحى
المجتمع، ففيه إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيجد
ملجأ ومأمنًا يستقر فيه أمره، ويصير مركزًا لبث دعوته في
أرجاء الدنيا. هذا سر من أسرار هذه الرحلة المباركة، يتصل
ببحثنا فآثرنا ذكره.
ولأجل هذه الحكمة وأمثالها نرى أن الإسراء إنما وقع إما قبيل
بيعة العقبة الأولى أو بين العقبتين، والله أعلم.
*بيعة العقبة الأولى :
قد ذكرنا أن ستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موسم الحج سنة 11
من النبوة، ووعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ
رسالته في قومهم.
وكان من جراء ذلك أن جاء في الموسم التالي ـ موسم الحج سنة
12 من النبوة، يوليو سنة 621م ـ اثنا عشر رجلًا، فيهم خمسة
من الستة الذين كانوا قد التقوا برسول الله صلى الله عليه
وسلم في العام السابق ـ والسادس الذي لم يحضر هو جابر بن عبد
الله بن رِئاب ـ وسبعة سواهم، وهم:
1 ـ معاذ بن الحارث، ابن عفراء من بني
النجار [من الخزرج]
2 ـ ذَكْوَان بن عبد القيس من بني زُرَيْق. [من
الخزرج]
3 ـ عبادة بن الصامت من بني غَنْم [من الخزرج]
4 ـ يزيد بن ثعلبة من حلفاء بني غنم [من الخزرج]
5 ـ العباس بن عُبَادة بن نَضْلَة من بني سالم [من
الخزرج]
6 ـ أبو الهَيْثَم بن التَّيَّهَان من بني عبد الأشهل [من
الأوس].
7 ـ عُوَيْم بن ساعدة من بني عمرو بن عَوْف [من
الأوس].
الأخيران من الأوس، والبقية كلهم من الخزرج.
التقى هؤلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى
فبايعوه بيعة النساء، أي وفق بيعتهن التي نزلت بعد
الحديبية.
روى البخاري عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا،
ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا
ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف،
فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب
به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره
الله، فأمـره إلى الله؛ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا
عـنه). قــال: فبايعته ـ وفي نسخة: فبايعناه ـ على
ذلك.
*سفير الإسلام في المدينة :
وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم بعث النبي صلى الله عليه
وسلم مع هؤلاء المبايعين أول سفير في يثرب؛ ليعلم المسلمين
فيها شرائع الإسلام، ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإسلام
بين الذين لم يزالوا على الشرك، واختار لهذه السفارة شابًا
من شباب الإسلام من السابقين الأولين، وهو مُصْعَب بن
عُمَيْر العبدرى رضي الله عنه.
*النجاح المغتبط :
نزل مصعب بن عمير على أسعد بن زُرَارة، وأخذا يبثان الإسلام
في أهل يثرب بجد وحماس، وكان مصعب يُعْرَف بالمقرئ.
ومن أروع ما يروى من نجاحه في الدعوة أن أسعد بن زرارة خرج
به يومًا يريد دار بني عبد الأشهل ودار بني ظَفَر، فدخلا في
حائط من حوائط بني ظفر، وجلسا على بئر يقال لها: بئر
مَرَق، واجتمع إليهما رجال من المسلمين ـ وسعد بن معاذ
وأُسَيْد بن حُضَيْر سيدا قومهما من بني عبد الأشهل يومئذ
على الشرك ـ فلما سمعا بذلك قال سعد لأسيد: اذهب إلى هذين
اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن
يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك
لكفيتك هذا.
فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب:
هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس
أكلمه. وجاء أسيد فوقف عليهما متشتمًا، وقال: ما جاء
بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما
بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت
أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، فقال: أنصفت، ثم
ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن.
قال: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في
إشراقه وتهلله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله؟ كيف تصنعون
إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
قالا له: تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى
ركعتين. فقام واغتسل، وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين، ثم
قال: إن ورائى رجلًا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه،
وسأرشده إليكما الآن ـ سعد بن معاذ ـ ثم أخذ حربته وانصرف
إلى سعد في قومه، وهم جلوس في ناديهم. فقال سعد: أحلف
بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.
فلما وقف أسيد على النادى قال له سعد: ما فعلت؟ فقال:
كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما
فقالا: نفعل ما أحببت.
وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ـ
وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ـ لِيُخْفِرُوك. فقام
سعد مغضبًا للذى ذكر له، فأخذ حربته، وخرج إليهما، فلما
رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما،
فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا
أمامة، لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رُمْتَ هذا منى،
تغشانا في دارنا بما نكره؟
وقـد كان أسعد قال لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه،
إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد، فقال مصعب لسعد بن معاذ:
أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك
ما تكره، قال: قد أنصفت، ثم ركز حربته فجلس. فعـرض
عليــه الإسلام، وقـرأ علـيه القـرآن، قـال: فعرفنـا والله
في وجهـه الإسلام قبـل أن يتكلم، في إشـراقه وتهلّله، ثـم
قـال: كيـف تصنـعون إذا أسلمتـم؟ قالا: تغتسل، وتطهر
ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ركعتين. ففعل ذلك.
ثم أخذ حربته فأقبل إلى نادى قومه، فلما رأوه قالوا: نحلف
بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمرى
فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة،
قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علىّ حرام حتى تؤمنوا بالله
ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة،
إلا رجل واحد ـ وهو الأُصَيْرِم ـ تأخر إسلامه إلى يوم أحد،
فأسلم ذلك اليوم وقاتل وقتل، ولم يسجد لله سجدة، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (عمل قليلًا وأجر كثيرًا).
وأقام مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام،
حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون،
إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخَطْمَة ووائل. كان
فيهم قيس بن الأسلت الشاعر ـ وكانوا يطيعونه ـ فوقف بهم عن
الإسلام حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة.
وقبل حلول موسم الحج التالى ـ أي حج السنة الثالثة عشرة ـ
عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم بشائر الفوز، ويقص عليه خبر قبائل يثرب، وما فيها من
مواهب الخير، وما لها من قوة ومنعة.
*بيعة العقبة الثانية :
في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة ـ يونيو سنة
622م ـ حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسًا من المسلمين
من أهل يثرب،جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل
هؤلاء المسلمون فيما بينهم ـ وهم لم يزالوا في يثرب أو
كانوا في الطريق: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه
وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟
فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم
اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في
أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة
الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام
الليل.
ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي
الذي حول مجرى الأيام في صراع الوثنية والإسلام. يقول
كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه:
خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت
الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها،
ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر، سيد من
ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا ـ وكنا نكتم من
معنا من قومنا من المشركين أمرنا ـ فكلمناه وقلنا له: يا
أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا
نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدًا. ثم دعوناه
إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه
وسلم إيانا العقبة، قال: فأسلم وشهد معنا العقبة وكان
نقيبًا.
قال كعب: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا
مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله
عليه وسلم، نتسلل تسلل القَطَا، مستخفين، حتى اجتمعنا في
الشِّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان
من نسائنا؛ نُسَيْبَة بنت كعب ـ أم عُمَارة ـ من بني مازن
بن النجار،وأسماء بنت عمرو ـ أم منيع ـ من بني سلمة.
فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
جاءنا، ومعه عمه: العباس بن عبد المطلب ـ وهو يومئذ على
دين قومه ـ إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له،
وكان أول متكلم.
*بداية المحادثة وتشريح العباس لخطورة
المسئولية :
وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لإبرام التحالف
الدينى والعسكرى، وكان أول المتكلمين هو العباس بن عبد
المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكلم ليشرح لهم ـ
بكل صراحة ـ خطورة المسئولية التي ستلقى على كواهلهم نتيجة
هذا التحالف. قال:
يا معشر الخزرج ـ وكان العرب يسمون الأنصار خزرجـًا،
خزرجـها وأوسـها كليهما ـ إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد
منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه،فهو في عز من
قومه ومنعة في بلده. وإنه قد أبي إلا الانحياز إليكم
واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه
إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن
كنتم ترون أنكم مُسْلِمُوه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم
فمن الآن فدعوه. فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول
الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
وهذا الجواب يدل على ما كانوا عليه من عزم صميم، وشجاعة
مؤمنة، وإخلاص كامل في تحمل هذه المسئولية العظيمة، وتحمل
عواقبها الخطيرة.
وألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بيانه، ثم تمت
البيعة.
*بنود البيعة :
وقد روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصلًا. قال جابر:
قلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال:
(على السمع والطاعة في النشاط والكسل.
وعلى النفقة في العسر واليسر.
وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم.
وعلى أن تنصرونى إذا قدمت إليكم، وتمنعونى مما تمنعون منه
أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة).
وفي رواية كعب ـ التي رواها ابن إسحاق ـ البند الأخير فقط
من هذه البنود، ففيه: قال كعب: فتكلم رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في
الإسلام، ثم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون
منه نسائكم وأبناءكم). فأخذ البراء ابن مَعْرُور بيده
ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع
أُزُرَنا منه، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء
الحرب وأهل الْحَلْقَة، ورثناها كابرًا عن كابر.
قال: فاعترض القول ـ والبراء يكلم رسول الله صلى الله
عليه وسلم ـ أبو الهيثم بن التَّيَّهَان، فقال: يا رسول
الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها ـ يعنى
اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله إن
ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
(بل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الْهَدْمُ، أنا منكم
وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم).
*التأكيد من خطورة البيعة :
وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على
الـشروع في عقدها قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في
مواسم سنتى 11 و 12 من النبوة، قام أحدهما تلو الآخر؛
ليؤكدا للقوم خطورة المسئولية، حتى لا يبايعوه إلا على
جلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية،
ويتأكدا من ذلك.
قال ابن إسحاق: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة
بن نَضْلَة: هل تدورن علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر
والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نَهََكَتْ
أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو
والله إن فعلتم خزى الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم
وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَة الأموال وقتل
الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخـرة.
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما
لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال:
(الجنة). قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
وفي رواية جابر [قال]: فقمنا نبايعه،فأخذ بيده أسعد
بن زرارة ـ وهو أصغر السبعين ـ فقال: رويدا يا أهل يثرب،
إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول
الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم،
وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم
على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر
لكم عند الله.
عقد البيعة :
وبعد إقرار بنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد
البيعة بالمصافحة، قال جابر ـ بعد أن حكى قول أسعد بن
زرارة ـ قال: فقالوا: يا أسعد، أمِطْ عنا يدك.
فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها.
وحينئذ عرف أسعد مدى استعداد القوم للتضحية في هذا السبيل
وتأكد منه ـ وكان هو الداعية الكبير مع مصعب بن عمير ـ
فكان هو السابق إلى هذه البيعة. قال ابن إسحاق: فبنو
النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب
على يده. وبعد ذلك بدأت البيعة العامة، قال جابر:
فقمنا إليه رجلًا رجلًا فأخذ علينا البيعة، يعطينا بذلك
الجنة.
وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولًا. ما
صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أجنبية قط.
*اثنا عشر نقيبًا :
وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يختاروا اثنى عشر زعيمًا يكونون نقباء على قومهم، يكفلون
المسئولية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة، فقال للقوم:
أخرجوا إلىّ منكم اثنى عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما
فيهم.
فتم اختيارهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من
الأوس.وهاك أسماءهم:
نقباء الخزرج
1ـ أسعد بن زُرَارَة بن عدس.
2ـ سعد بن الرَّبِيع بن عمرو.
3ـ عبد الله بن رواحة بن ثعلبة.
4ـ رافع بن مالك بن العَجْلان.
5ـ البراء بن مَعْرُور بن صَخْر.
6ـ عبد الله بن عمرو بن حَرَام.
7ـ عبادة بن الصامت بن قيس.
8 ـ سعد بن عبادة بن دُلَيْم.
9ـ المنذر بن عمرو بن خُنَيْس.
نقباء الأوس
1ـ أُسَيْد بن حُضَيْر بن سِمَاك.
2ـ سعد بن خَيْثَمَة بن الحارث.
3ـ رفاعة بن عبد المنذر بن زبير.
ولما تم اختيار هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله
عليه وسلم ميثاقًا آخر بصفتهم رؤساء مسئولين.
قال لهم: (أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالـة
الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي) ـ يعنى
المسلمين ـ قالوا: نعم.
شيطان يكتشف المعاهدة
ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك الارفضاض،
اكتشفها أحد الشياطين؛ وحيث إن هذا الاكتشاف جاء في اللحظة
الأخيرة، ولم يكن يمكن إبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرًا،
ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب، قام ذلك الشيطان على
مرتفع من الأرض،وصاح بأنفذ صوت سمع قط: يا أهل الجَبَاجب
ـ المنازل ـ هل لكم في مُذَمَّم والصباة معه؟ قد اجتمعوا
على حربكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا أزَبُّ
العقبة، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك. ثم أمرهم أن
ينفضوا إلى رحالهم).
*استعداد الأنصار لضرب قريش :
وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة:
والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا
باسيافنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم نؤمر بذلك،
ولكن ارجعوا إلى رحالكم)، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا.
*قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب :
لما قـرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة، وساورتهم
القلاقل والأحزان؛ لأنهم كانوا على معرفة تامة بعواقب مثل
هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم، فما أن
أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى
أهل يثرب؛ ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة، قال
الوفد:
(يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا
هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه
والله ما من حى من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب
بيننا وبينهم منكم).
ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئًا عن هذه البيعة؛
لأنها تمت في سرية تامة في ظلام الليل، انبعث هؤلاء
المشركون يحلفون بالله: ما كان من شيء وما علمناه، حتى
أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، فجعل يقول: هذا باطل، وما
كان هذا،وما كان قومى ليفتاتوا على بمثل هذا، ولو كنت
بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني.
أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت، فلم
يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات.
ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين، فرجعوا خائبين.
*تأكد الخبر لدى قريش ومطاردة
المبايعين :
عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر، لكنهم
لم يزالوا يَتَنَطَّسُونه ـ يكثرون البحث عنه ويدققون
النظر فيه ـ حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح، والبيعة قد تمت
فعلًا. وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم، فسارع
فرسانهم بمطاردة اليثربيين، ولكن بعد فوات الأوان، إلا
أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر ابن عمرو
فطاردوهما، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا
القبض عليه، فربطوا يديه إلى عنقه بنِسْع رَحْلِه، وجعلوا
يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم
بن عدى والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم؛ إذ كان
سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار
حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فوصل
القوم جميعًا إلى المدينة.
هذه هي بيعة العقبة الثانية ـ التي تعرف ببيعة العقبة
الكبرى ـ وقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب والولاء،
والتناصر بين أشتات المؤمنين، والثقة والشجاعة والاستبسال
في هذا السبيل. فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه
المستضعف في مكة، ويتعصب له،ويغضب من ظالمه، وتجيش في
حناياه مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبه بالغيب في ذات
الله.
ولم تكن هذه المشاعر والعواطف نتيجة نزعة عابرة تزول على
مر الأيام، بل كان مصدرها هو الإيمان بالله وبرسوله
وبكتابه، إيمان لا يزول أمام أي قوة من قوات الظلم
والعدوان، إيمان إذا هبت ريحه جاءت بالعجائب في العقيدة
والعمل، وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على
أوراق الدهر أعمالًا، ويتركوا عليها آثارًا خلا عن نظائرها
الغابر والحاضر، وسوف يخلو المستقبل
*طلائـع الهجـرة :
وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح الإسلام في تأسيس
وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة ـ وهو أخطر كسب حصل
عليه الإسلام منذ بداية دعوته ـ أذن رسول الله صلى الله
عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن.
ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح، والتضحية
بالأموال، والنجاة بالشخص فحسب، مع الإشعار بأنه مستباح
منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو
مستقبل مبهم، لا يدرى ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان.
وبدأ المسلمون يهاجرون وهم يعرفون كل ذلك، وأخذ المشركون
يحولون بينهم وبين خروجهم؛ لما كانوا يحسون به من الخطر،
وهاك نماذج من ذلك:
1 ـ كان من أول المهاجرين أبو سلمة ـ هاجر قبل
العقبة الكبرى بسنة على ما قاله ابن إسحاق ـ وزوجته وابنه،
فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا
عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في
البلاد؟ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة
لرجلهم،فقالوا: لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من
صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به.
وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة.
وكانت أم سلمة رضي الله عنها و بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها
تخرج كل غداة بالأبطح تبكى حتى تمسى، ومضى على ذلك نحو
سنة، فرق لها أحد ذويها وقال: ألا تخرجون هذه
المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها:
الحقى بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد
المدينة ـ رحلة تبلغ حوالى خمسمائة كيلو متر تمر بين شواهق
الجبال ومهالك الأودية ـ وليس معها أحد من خلق الله. حتى
إذا كانت بالتَّنْعِيم لقيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة،
وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر
إلى قباء، قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة
الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة.
2 ـ وهاجر صُهَيْب بن سِنان الرومى بعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فلما أراد الهجرة قال له كفار قريش:
أتيتنا صعلوكًاا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم
تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك. فقال
لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى؟
قالوا: نعم، قال: فأني قد جعلت لكم مالى، فبلغ ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ربح صهيب، ربح
صهيب).
3 ـ وتواعد عمر بن الخطاب، وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام
بن العاص بن وائل
موضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف يصبحون عنده، ثم
يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما
هشام.
ولما قدما المدينة ونزلا بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث
إلى عياش ـ وأم الثلاثة واحدة، وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة ـ
فقالا له: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط، ولا تستظل
بشمس حتى تراك، فَرَقَّ لها. فقال له عمر: يا عياش،
إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم،
فوالله لو آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر
مكة لاستظلت، فأبي عياش إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه،
فقال له عمر: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتى هذه،
فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم
ريب فانج عليها.
فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو
جهل: يابن أمي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا
تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، فأناخ وأناخا ليتحول
عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم
دخلا به مكة نهارًا موثقًا، وقالا: يا أهل مكة، هكذا
فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا.
هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة
إذا علموا ذلك. ولكن على رغم ذلك خرج الناس أرسالًا يتبع
بعضهم بعضًا. وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة
الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبو بكر وعلى ـ أقاما بأمره لهما ـ وإلا من
احتبسه المشركون كرهًا، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه.
روى البخاري عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم للمسلمين: (أني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين
لابَتَيْن) ـ وهما الحرتان ـ فهاجر من هاجر قبل المدينة،
ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو
بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(على رِسْلِك، فأني أرجو أن يؤذن لي). فقال له أبو
بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: (نعم)، فحبس
أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه،
وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمَر ـ وهو الخَبَطُ ـ
أربعة أشهر.
*في دار الندوة [برلمان قريش] :
ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد تجهزوا وخرجوا، وحملوا وساقوا الذرارى والأطفال
والأموال إلى الأوس والخزرج أصابتهم الكآبة والحزن،
وساورهم القلق والهم بشكل لم يسبق له مثيل، فقد تجسد
أمامهم خطر حقيقى عظيم، أخذ يهدد كيانهم الوثني
والاقتصادي.
فقد كانوا يعلمون ما في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم من
غاية قوة التأثير مع كمال القيادة والإرشاد، وما في أصحابه
من العزيمة والاستقامة والفداء في سبيله، ثم ما في قبائل
الأوس والخزرج من القوة والمنعة، وما في عقلاء هاتين
القبيلتين من عواطف السلم والصلاح، والتداعي إلى نبذ
الأحقاد، ولاسيما بعد أن ذاقوا مرارة الحروب الأهلية طيلة
أعوام من الدهر.
كما كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي
بالنسبة إلى المحجة التجارية التى تمر بساحل البحر الأحمر
من اليمن إلى الشام. وقد كان أهل مكة يتاجرون إلى الشام
بقدر ربع مليون دينار ذهب سنويًا، سوى ما كان لأهل الطائف
وغيرها. ومعلوم أن مدار هذه التجارة كان على استقرار
الأمن في تلك الطريق.
فلا يخفي ما كان لقريش من الخطر البالغ في تمركز الدعوة
الإسلامية في يثرب، ومجابهة أهلها ضدهم.
شعر المشركون بتفاقم الخطر الذي كان يهدد كيانهم، فصاروا
يبحثون عن أنجح الوسائل لدفع هذا الخطر الذي مبعثه الوحيد
هو حامل لواء دعوة الإسلام محمدصلى الله عليه وسلم.
وفي يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق
12 من شهر سبتمبر سنة 622م ـ أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من
بيعة العقبة الكبرى ـ عقد برلمان مكة [دار الندوة] في
أوائل النهارأخطر اجتماع له في تاريخه، وتوافد إلى هذا
الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة حاسمة
تكفل القضاء سريعًا على حامل لواء الدعوة الإسلامية؛ وتقطع
تيار نورها عن الوجود نهائيًا. وكانت الوجوه البارزة في
هذا الاجتماع الخطير من نواب قبائل
قريش:
1 ـ أبو جهل بن هشام، عن قبيلة بني
مخزوم.
2، 3، 4ـ جبير بن مُطْعِم، وطُعَيْمَة بن عدى، والحارث بن
عامر، عن بني نَوْفَل بن عبد مناف.
5، 6، 7ـ شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، عن بني
عبد شمس بن عبد مناف.
8 ـ النَّضْر بن الحارث، عن بني عبد الدار.
9، 10، 11ـ أبو البَخْتَرِى بن هشام، وزَمْعَة بن الأسود،
وحَكِيم بن حِزَام، عن بني أسد بن عبد العزى.
12، 13ـ نُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج، عن بني سهم.
14ـ أمية بن خَلَف، عن بني جُمَح.
ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في
هيئة شيخ جليل، عليه بَتٌّ له، ووقف على الباب، فقالوا:
من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له
فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا
ونصحًا. قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم.
*النقاش البرلماني والإجماع على قرار
غاشم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم :
وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار
النقاش طويلًا. قال أبو الأسود: نخرجه من بين أظهرنا
وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد
أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
قال الشيخ النجدى: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا
حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى
به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حى من
العرب، ثم يسير بهم إليكم ـ بعد أن يتابعوه ـ حتى يطأكم
بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيًا غير
هذا.
قال أبو البخترى: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا،
ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله
ـ زهيرًا والنابغة ـ ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى
يصيبه ما أصابهم.
قال الشيخ النجدى: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن
حبستموه ـ كما تقولون ـ ليخرجن أمره من وراء الباب الذي
أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه
من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا
لكم برأي، فانظروا في غيره.
وبعد أن رفض البرلمان هذين الاقتراحين، قدم إليه اقتراح
آثم وافق عليه جميع أعضائه، تقدم به كبير مجرمى مكة أبو
جهل بن هشام. قال أبو جهل: والله إن لى فيه رأيًا ما
أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟
قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبا
وَسِيطًا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم
يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح
منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم
يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا
بالعَقْل، فعقلناه لهم.
قال الشيخ النجدى: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي
لا رأي غيره.
ووافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، ورجع
النواب إلى بيوتهم وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فورًا.
هجـرة النبـي صلى الله
عليه وسلم
*بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه
وتعالى :
من طبيعة مثل هذا الاجتماع السرية للغاية، وألا يبدو على
السطح الظاهر أي حركة تخالف اليوميات، وتغاير العادات
المستمرة، حتى لا يشم أحد رائحة التآمر والخطر، ولا يدور
في خلد أحد أن هناك غموضًا ينبئ عن الشر، وكان هذا مكرًا
من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى، فخيبهم
من حيث لا يشعرون. فقد نزل جبريل عليه السلام إلى النبي
صلى الله عليه وسلم بوحى من ربه تبارك وتعالى فأخبره
بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت
الهجرة، وبين له خطة الرد على قريش فقال: لا تبت هذه
الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح
الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه
مراحل الهجرة، قالت عائشة رضي الله عنها: بينما نحن جلوس
في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا
رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا، في ساعة لم يكن
يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمى، والله ما
جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.،
فاستأذن،فأذن له فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي
بكر: (أخرج مَنْ عندك). فقال أبو بكر: إنما هم
أهلك، بأبي أنت يا رسول الله. قال: (فأني قد أذن لى
في الخروج)، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول
الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم).
ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجىء
الليل. وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم
يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، أو لأي أمر آخر اتقاء مما
قررته قريش.
*تطويق منزل الرسول صلى الله عليه وسلم
:
أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد سرا لتنفيذ
الخطة المرسومة التى أبرمها برلمان مكة [دار الندوة]
صباحًا، واختير لذلك أحد عشر رئيسًا من
هؤلاء الأكابر، وهم:
1ـ أبو جهل بن هشام.
2ـ الحَكَم بن أبي العاص.
3ـ عُقْبَة بن أبي مُعَيْط.
4ـ النَّضْر بن الحارث.
5ـ أُمية بن خَلَف.
6ـ زَمْعَة بن الأسود.
7ـ طُعَيْمة بن عَدِىّ.
8 ـ أبو لهب.
9ـ أبي بن خلف.
10ـ نُبَيْه بن الحجاج.
11ـ أخوه مُنَبِّه بن الحجاج.
وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام في
أوائل الليل بعد صلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى
المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليًا رضي الله
عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده الحضرمي
الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه.
فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء، ونام عامة الناس جاء
المذكورون إلى بيته صلى الله عليه وسلم سرًا، واجتمعوا على
بابه يرصدونه، وهم يظنونه نائمًا حتى إذا قام وخرج وثبوا
عليه، ونفذوا ما قرروا فيه.
وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية،
حتى وقف أبو جهل وقفة الزهو والخيلاء، وقال مخاطبًا
لأصحابه المطوقين في سخرية واستهزاء: إن محمدًا يزعم
أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم
بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم
تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت
لكم نار تحرقون فيها.
وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل في وقت
خروجه صلى الله عليه وسلم من البيت، فباتوا متيقظين
ينتظرون ساعة الصفر، ولكن الله غالب على أمره، بيده ملكوت
السموات والأرض، يفعل ما يشاء، وهو يجير ولا يجـار عليه،
فقـد فعـل مـا خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما
بعد: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ
الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30].
*الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر بيته
:
وقد فشلت قريش في خطتهم فشلًا ذريعًا مع غاية التيقظ
والتنبه؛ إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت،
واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على
رءوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو:
{وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ
خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ
يُبْصِرُونَ} [يس:9]. فلم يبق منهم رجل إلا وقد
وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة
في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه
اليمن.
وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها
تجلت لهم الخيبة والفشل، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم،
ورآهم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا.
قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذر على رءوسكم
التراب، وانطلق لحاجته، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا
ينفضون التراب عن رءوسهم.
ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليًا، فقالوا: والله
إن هذا لمحمد نائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى
أصبحوا. وقام علىٌّ عن الفراش، فسقط في أيديهم، وسألوه
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا علم لي به.
*من الدار إلى الغار :
غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر
صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12/13 سبتمبر سنة 622م.
وأتى إلى دار رفيقه ـ وأمنّ الناس عليه في صحبته وماله ـ
أبي بكر رضي الله عنه. ثم غادر منزل الأخير من باب خلفي؛
ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشًا
سَتَجِدُّ في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار
لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسى المتجه شمالًا، فسلك
الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوب مكة،
والمتجه نحو اليمن، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ
إلى جبل يعرف بجبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب
المرتقى، ذو أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وقيل: بل كان يمشى في الطريق على أطراف قدميه
كى يخفي أثره فحفيت قدماه، وأيا ما كان فقد حمله أبو بكر
حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهي به إلى غار في
قمة الجبل عرف في التاريخ بغار ثور.
*إذ هما في الغار :
ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله لا تدخله حتى
أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد
في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان
فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في
حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك
مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دموعه
على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما لك
يا أبا بكر؟) قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فذهب ما يجده.
وكَمُنَا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت
وليلة الأحد. وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما.
قالت عائشة: وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن، فيُدْلِج من
عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا
يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط
الظلام، و [كان] يرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَة مولى
أبي بكر مِنْحَة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من
العشاء، فيبيتان في رِسْل ـ وهو لبن مِنْحَتِهما
ورَضيفِهما ـ حتى يَنْعِق بها عامر بن فُهَيْرَة بغَلَس،
يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث، وكان عامر بن
فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى
مكة ليُعَفي عليه.
أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله
صلى الله عليه وسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة. فأول ما
فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليًا، وسحبوه إلى الكعبة،
وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما.
ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر
وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا
لها: أين أبوك؟ قالت: لا أدرى والله أين أبي؟
فـرفع أبو جهل يـده ـ وكان فاحشًا خبيثًا ـ فلطم خـدها
لطمـة طـرح منها قرطها.
وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل
التي يمكن بها القبض على الرجلين، فوضعت جميع الطرق
النافذة من مكة [في جميع الجهات] تحت المراقبة المسلحة
الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل
كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنًا
من كان.
وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب،
وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون
جدوى وبغير عائدة.
وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على
أمره، روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال: كنت مع النبي
صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدام
القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره
رآنا. قال: (اسكت يا أبا بكر، اثنان، الله
ثالثهما)، وفي لفظ: (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله
ثالثهما).
وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم،
فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات
معدودة.
*في الطريق إلى المدينة :
وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت
ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون
جدوى، تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج
إلى المدينة.
وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُرَيْقِط الليثى، وكان
هاديًا خِرِّيتًا ـ ماهرًا بالطريق ـ وكان على دين كفار
قريش، وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار
ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلة الاثنين ـ
غرة ربيع الأول سنة 1هـ / 16 سبتمبر سنة 622م ـ جاءهما عبد
الله بن أريقط بالراحلتين، وكان قد قال أبو بكر للنبى صلى
الله عليه وسلم عند مشاورته في البيت: بأبي أنت يا رسول
الله، خذ إحدى راحلتى هاتين، وقرب إليه أفضلهما، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالثمن. وأتتهما أسماء بنت أبي
بكر رضي الله عنها بسُفْرَتِهما، ونسيت أن تجعل لها
عِصَامًا، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس لها
عصام، فشقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت
بالآخر فسميت: ذات النطاقين.
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله
عنه وارتحل معهما عامر بن فُهَيْرة، وأخذ بهم الدليل ـ عبد
الله بن أريقط ـ على طريق السواحل.
وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه
الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربًا نحو الساحل، حتى إذا وصل
إلى طريق لم يألفه الناس، اتجه شمالًا على مقربة من شاطئ
البحر الأحمر، وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا.
وقد ذكر ابن إسحاق المواضع التي مر بها رسول الله صلى الله
عليه وسلم في هذا الطريق، قال: لما خرج بهما الدليل سلك
بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق
أسفل من عُسْفَان، ثم سلك بهما على أسفل أمَج، ثم استجاز
بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قُدَيْدًا، ثم أجاز
بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الْخَرَّار، ثم سلك بهما
ثَنَّية الْمَرَّة، ثم سلك بهما لِقْفًا، ثم أجاز بهما
مَدْلَجَة لِقْف، ثم استبطن بهما مَدْلَجة مِجَاج، ثم سلك
بهما مَرْجِح مِجَاح، ثم تبطن بهما مَرْجِح من ذى
الغُضْوَيْن، ثم بطن ذى كَشْر، ثم أخذ بهما على
الْجَدَاجِد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن
أعدا مَدْلَجَة تِعْهِنَ، ثم على العَبَابيد، ثم أجاز بهما
الفَاجَة، ثم هبط بهما الْعَرْج، ثم سلك بهما ثنية
العَائِر ـ عن يمين رَكُوبة ـ حتى هبط بهما بطن رِئْم، ثم
قدم بهما على قُباء.
وهاك بعض ما وقع في الطريق
1ـ روى البخاري عن أبي بكر
الصديق رضي الله عنه قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى
قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا
صخرة طويلة، لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عنده،
وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانًا بيدى، ينام عليه،
وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك
ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل
بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت له:
لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة أو مكة.
قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب؟
قال: نعم. فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من التراب
والشعر والقَذَى، فحلب في قعب كُثْبة من لبن، ومعى إداوة
حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم، يرتوى منها، يشرب
ويتوضأ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه،
فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد
أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم
قال: (ألم يأن للرحيل؟) قلت: بلى، قال:
فارتحلنا.
2ـ وكان من دأب أبي بكر رضي
الله عنه أنه كان ردفًا للنبى صلى الله عليه وسلم، وكان
شيخًا يعرف، ونبى الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف،
فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا الرجل الذي بين
يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهدينى الطريق، فيحسب الحاسب
أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير.
3ـ وفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتى أم
مَعْبَد الخزاعية، وكان موقعهما بالمُشَلَّل من ناحية
قُدَيْد على بعد نحو 130 كيلو مترًا من مكة، وكانت أم معبد
امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة، ثم تطعم وتسقى من مر
بها، فسألاها: هل عندها شيء؟ فقالت: والله لو كان
عندنا شيء ما أعوزكم، القِرَى والشاء عازب، وكانت سَنَةٌ
شَهْباء.
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة،
فقال: (ما هذه الشاة يا أم معبد؟) قالت: شاة
خلفها الجهد عن الغنم، فقال: (هل بها من لبن؟)
قالت: هي أجهد من ذلك. فقال: (أتأذنين لى أن
أحلبها؟) قالت: نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبًا
فاحلبها. فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها،
وسمى الله ودعا، فتَفَاجَّتْ عليه ودَرَّتْ، فدعا بإناء
لها يَرْبِض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها،
فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه
ثانيًا، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا.
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن
هزلًا، فلما رأي اللبن عجب، فقال: من أين لك هذا؟
والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله إلا
أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا
وكذا، قال: أني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صِفِيه
لى يا أم معبد، فوصفته بصفاته الكريمة وصفًا بديعًا كأن
السامع ينظر إليه وهو أمامه ـ وسننقله في بيان صفاته صلى
الله عليه وسلم في أواخر الكتاب ـ فقال أبو معبد: والله
هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن
أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. وأصبح صوت بمكة
عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل:
جزى الله رب العرش خير جزائه ** رفيقين حَلاَّ خيمــتى أم
مَعْبـَــدِ
هـمـا نزلا بالبِـــرِّ وارتحــلا بــه ** وأفلح من أمسى
رفيق محمـــد
فيا لقُصَىّ مــا زَوَى الله عنكــم ** به من فعال لا
يُحَاذى وسُــؤْدُد
لِيَهْنِ بني كعـب مكــان فَتاتِهـــم ** ومقعدُهــا
للمؤمنـين بَمْرصَـــد
سَلُوا أختكم عن شاتهـا وإنائـهـا ** فإنكم إن تسألوا
الشـاة تَشْـهَـــد
قالت أسماء: ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات،
والناس يتبعونه ويسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من
أعلاها. قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة.
4ـ وتبعهما في الطريق سُرَاقة بن مالك. قال
سراقة: بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومى بني
مُدْلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال:
يا سراقة، أني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا
وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم
ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم
لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتى أن تخرج
فرسى، وهي من وراء أكَمَة، فتحبسها عَلَىَّ، وأخذت رمحى،
فخرجت به من ظهر البيت، فخَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرض،
وخَفَضْتُ عاليه، حتى أتيت فرسى فركبتها، فرَفَعْتُها
تُقَرِّب بى حتى دنوت منهم، فعَثَرَتْ بى فرسى فخررت عنها،
فقمت، فأهويت يدى إلى كنانتى، فاستخرجت منها الأزلام،
فاستقسمت بها، أضُرُّهُمْ أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت
فرسي ـ وعصيت الأزلام ـ تُقَرّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يلتفت، وأبو بكر
يكثر الالتفات ـ سَاخَتْ يدا فرسى في الأرض حتى بلغتا
الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تَكَدْ تخرج
يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في
السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره،
فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع في
نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمْرُ رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك
الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم
الزاد والمتاع فلم يَرْزَأني، ولم يسألأني إلا أن قال:
(أَخْفِ عنا)، فسألته أن يكتب لى كتاب أمْنٍ، فأمر
عامر بن فُهَيْرة، فكتب لى في رقعة من أدم، ثم مضى رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية عن أبي بكر قال: ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم
يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك بن جُعْشُم، على فرس
له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، فقال:
{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}
[التوبة:40].
ورجع سراقة فوجد الناس في الطلب فجعل يقول: قد استبرأت
لكم الخبر، قد كفيتم ما ها هنا. وكان أول النهار جاهدًا
عليهما، وآخره حارسًا لهما.
5 ـ وفي الطريق لقى النبي صلى الله عليه وسلم
بُريْدَة بن الحُصَيْب الأسلمى ومعه نحو ثمانين بيتًا،
فأسلم وأسلموا، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء
الآخرة فصلوا خلفه، وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحُد.
وعن عبد الله بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يتفاءل ولا يتطير، فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته
من بني سهم، فلقى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له:
(ممن أنت؟) قال: من أسلم، فقال: لأبي بكر:
سلمنا، ثم قال: (مِنْ بني مَنْ؟) قال: من بني
سهم. قال: (خرج سهمك)
6ـ ومر رسول الله صلى الله
عليه وسلم بأبي أوْس تميم بن حَجَر أو بأبي تميم أوس بن
حجر الأسلمى، بقحداوات بين الجُحْفَة وهَرْشَى ـ بالعرج ـ
وكان قد أبطأ عليه بعض ظهره، فكان هو وأبو بكر على جمل
واحد، فحمله أوس على فحل من إبله، وبعث معهما غلامًا له
اسمه مسعود، وقال: اسلك بهما حيث تعلم من محارم الطريق
ولا تفارقهما، فسلك بهما الطريق حتى أدخلهما المدينة، ثم
رد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسعودًا إلى سيده، وأمره
أن يأمر أوسًا أن يسم إبله في أعناقها قيد الفرس، وهو
حلقتان، ومد بينهما مدًا، فهي سمتهم. ولما أتى المشركون
يوم أحد أرسل أوس غلامه مسعود بن هُنَيْدَة من العَرْج على
قدميه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بهم. ذكره
ابن مَاكُولا عن الطبرى، وقد أسلم بعد قدوم رسول الله صلى
الله عليه وسلم المدينة، وكان يسكن العرج.
7ـ وفي الطريق ـ في بطن رِئْم ـ لقى رسول الله صلى
الله عليه وسلم الزبير، وهو في ركب من المسلمين، كانوا
تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبا بكر ثيابًا بياضًا.
* النزول بقباء:
وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة ـ وهي
السنة الأولى من الهجرة ـ الموافق 23 سبتمبر سنة 622م نزل
رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء.
قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى
الحَرَّة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا
بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أَوْفي رجل
من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم
السراب، فلم يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته: يا معاشر
العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى
السلاح. وتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر
الحرة.
قال ابن القيم: وسُمِعت الوَجْبَةُ والتكبير في بني عمرو
بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه،
فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله،
والسكينة تغشاه، والوحى ينزل عليه: {فَإِنَّ اللَّهَ
هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}
[التحريم:4].
قال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن
عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر
للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا، فطفق من
جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم
يحىى ـ وفي نسخة: يجىء ـ أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه
بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند
ذلك.
وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يومًا مشهودًا
لم تشهد المدينة مثله في تاريخها، وقد رأي اليهود صدق
بشارة حَبْقُوق النبي: إن الله جاء من التيمان، والقدوس
من جبال فاران.
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن
الهدم، وقيل: بل على سعد بن خَيْثَمَة، والأول أثبت.
ومكث على بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاثًا حتى أدى عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده
للناس، ثم هاجر ماشيًا على قدميه حتى لحقهما بقباء، ونزل
على كلثوم بن الهَدْم.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام:
الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. وأسس مسجد قباء
وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما
كان اليوم الخامس ـ يوم الجمعة ـ ركب بأمر الله له، وأبو
بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار ـ أخواله ـ فجاءوا متقلدين
سيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني
سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادى،
وكانوا مائة رجل.
*الدخول في المدينة :
ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة حتى دخل
المدينة ـ ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى
الله عليه وسلم، ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا ـ وكان يومًا
مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد
والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور:
طـلـع الــبـدر عـلـينا **مـن ثـنيــات الـوداع
وجـب الشـكـر علـينا ** مـــا دعــا لـلـه داع
أيـهـا المبــعــوث فـينا ** جـئـت بـالأمـر المطاع
والأنصار وإن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد
منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عليه،
فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته:
هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم:
(خلوا سبيلها فإنها مأمورة)، فلم تزل سائرة به حتى
وصلت إلى موضع المسجد النبوى اليوم فبركت، ولم ينزل عنها
حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها
الأول، فنزل عنها، وذلك في بني النجار ـ أخواله صلى الله
عليه وسلم ـ وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أن ينزل على
أخواله، يكرمهم بذلك، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى
الله عليه وسلم في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصارى
إلى رحـله، فأدخله بيته،فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: (المرء مع رحله)، وجـاء أسعد بن زرارة فأخـذ
بزمام راحلته، فكانت عنــده.
وفي رواية أنس عند البخاري، قال نبى الله صلى الله عليه
وسلم: (أي بيوت أهلنا أقرب؟) فقال أبو أيوب: أنا
يا رسول الله، هذه دارى، وهذا بأبي. قال: (فانطلق
فهيئ لنا مقيلًا)، قال: قوما على بركة الله.
وبعد أيام وصلت إليه زوجته سَوْدَة، وبنتاه فاطمة وأم
كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن
أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي
العاص، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر.
قالت عائشة: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فكان
بُطْحَان يجرى نَجْلًا، أي ماءً آجِنًا.
وقالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة
وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف
تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا
أخذته الحُمَّى يقول:
كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ** والموت أدنى من شِرَاك
نَعْلِه
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شِعْرِى هل أبيتَنَّ ليلة ** بـوَادٍ وحـولى
إذْخِرٌ وجَلِيـــلُ
وهل أردْن يومــًا ميـاه مِجَنَّة ** وهل يَبْدُوَنْ لى
شامة وطَفِيلُ
قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فأخبرته، فقال: (اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن
ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض
الوباء). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها،
وبارك في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها
بالجُحْفَة).
وقد استجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم، فأرى في المنام
أن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت
بالمَهْيَعَة، وهي الجحفة. وكان ذلك عبارة عن نقل وباء
المدينة إلى الجحفة، وبذلك استراح المهاجرون عما كانوا
يعانونه من شدة مناخ المدينة.
إلى هنا انتهي بيان قسم من حياته
صلى الله عليه وسلم بعد النبوة، وهو العهد المكى. وفيما
يلى نقدم بالإيجاز عهده المدنى صلى الله عليه وسلم.
وبالله التوفيق.
العهد المدني عهد
الدعوة والجهاد والنجاح
*مراحل الدعوة والجهاد في العهد المدني
:
يمكن تقسيم العهد المدني إلى ثلاث مراحل:
1 ـ مرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي، وتمكين الدعوة
الإسلامية، وقد أثيرت في هذه المرحلة القلاقل والفتن من
الداخل، وزحف فيها الأعداء من الخارج؛ ليستأصلوا شأفة
المسلمين، ويقلعوا الدعوة من جذورها. وقد انتهت هذه
المرحلة بتغلب المسلمين وسيطرتهم على الموقف مع عقد صلح
الحديبية في ذى القعدة سنة ست من الهجرة.
2 ـ مرحلة الصلح مع العدو الأكبر، والفراغ لدعوة
ملوك الأرض إلى الإسلام، وللقضاء على أطراف المؤامرات.
وقد انتهت هذه المرحلة بفتح مكة المكرمة في رمضان سنة ثمان
من الهجرة.
3 ـ مرحلة استقبال الوفود، ودخول الناس في دين الله
أفواجًا. وقد امتدت هذه المرحلة إلى وفاة الرسول صلى
الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة.
*سكان المدينة وأحوالهم عند الهجرة :
لم يكن معنى الهجرة التخلص والفرار من الفتنة فحسب، بل
كانت الهجرة تعنى مع هذا تعاونًا على إقامة مجتمع جديد في
بلد آمن، ولذلك أصبح فرضًا على كل مسلم يقدر على الهجرة أن
يهاجر ويسهم في بناء هذا الوطن الجديد، ويبذل جهده في
تحصينه ورفعة شأنه.
ولاشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام
والقائد والهادى في بناء هذا المجتمع، وكانت إليه أزمة
الأمور بلا نزاع.
والذين قابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة
كانوا على ثلاثة أصناف، يختلف أحوال كل واحد منها بالنسبة
إلى الآخر اختلافًا واضحًا، وكان يواجه بالنسبة إلى كل صنف
منها مسائل عديدة غير المسائل التي كان يواجهها بالنسبة
إلى الآخر.
وهذه الأصناف الثلاثة هي:
1 ـ أصحابه الصفوة الكرام البررة رضي
الله عنهم.
2 ـ المشركون الذين لم يؤمنوا بعد، وهم من صميم قبائل
المدينة.
3 ـ اليهــود.
أ ـ والمسائل التي كان
يواجهها بالنسبة إلى أصحابه هو أن ظروف المدينة بالنسبة
إليهم كانت تختلف تمامًا عن الظروف التي مروا بها في مكة،
فهم في مكة وإن كانت تجمعهم كلمة جامعة وكانوا يستهدفون
هدفًا واحدًا، إلا أنهم كانوا متفرقين في بيوتات شتى،
مقهورين أذلاء مطرودين، لم يكن لهم من الأمر شيء، وإنما
كان الأمر بيد أعدائهم في الدين، فلم يكن هؤلاء المسلمون
يستطيعون أن ينشئوا مجتمعًا إسلاميًا جديدًا بمواده التي
لا يستغنى عنها أي مجتمع إنسإني في العالم؛ ولذلك نرى
السور المكية تقتصر على تفصيل المبادئ الإسلامية، وعلى
التشريعات التي يمكن العمل بها لكل فرد وحده، وعلى الترغيب
في البر والخير ومكارم الأخلاق والترهيب عن الرذائل
والدنايا.
أما في المدينة فكان أمر المسلمين بأيديهم منذ أول يوم،
ولم يكن يسيطر عليهم أحد من الناس، وهذا يعنى أنهم قد آن
لهم أن يواجهوا مسائل الحضارة والعمران، والمعيشة
والاقتصاد، والسياسة والحكومة، والسلم والحرب، وأن تفصل
لهم مسائل الحلال والحرام، والعبادة والأخلاق، وما إلى ذلك
من شئون الحياة.
أي آن للمسلمين أن يكونوا مجتمعًا إسلاميًا يختلف في جميع
مراحل الحياة عن المجتمع الجاهلي، ويمتاز عن أي مجتمع يوجد
في العالم الإنساني، ويكون ممثلًا للدعوة الإسلامية التي
عانى لها المسلمون ألوانًا من النكال والعذاب طيلة عشر
سنوات.
ولا يخفي أن تكوين أي مجتمع على هذا النمط لا يمكن أن
يستتب في يوم واحد، أو شهر واحد، أو سنة واحدة، بل لابد له
من زمن طويل يتكامل فيه التشريع والتقنين والتربية
والتثقيف والتدريب والتنفيذ شيئًا فشيئًا، وكان الله
كفيلًا بهذا التشريع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
قائمًا بتنفيذه والإرشاد إليه، وبتربية المسلمين وتزكيتهم
وفق ذلك {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ
رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2].
وكان الصحابة رضي الله عنهم مقبلين عليه بقلوبهم،يتحلون
بأحكامه،ويستبشرون بها {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2].
وليس تفصيل هذه المسائل كلها من مباحث موضوعنا، فنقتصر
منها على قدر الحاجة.
وكان هذا أعظم ما واجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالنسبة للمسلمين، وهو الهدف الأسمى والمطلب النبيل
المقصود من الدعوة الإسلامية والرسالة المحمدية، ومعلوم
أنه ليس بقضية طارئة تطلب الاستعجال، بل هي قضية أصيلة
تحتاج إلى آجال. نعم، كانت هناك قضايا طارئة تطلب الحل
العاجل والحكيم، أهمها أن المسلمين كانوا على قسمين:
قسم كانوا في أرضهم وديارهم وأموالهم، لا يهمهم من ذلك إلا
ما يهم الرجل وهو آمن في سِرْبِـه، وهم الأنصار، وكان
بينهم تنافر مستحكم وعداء مزمن منذ أمد بعيد.
وقسم آخر فاتهم كل ذلك، ونجوا بأنفسهم إلى المدينة، وهم
المهاجرون، فلم يكن لهم ملجأ يأوون إليه، ولا عمل يكسبون
به ما يسد حاجتهم، ولا مال يبلغون به قَوَامًا من العيش،
وكان عدد هؤلاء اللاجئين غير قليل، ثم كانوا يزيدون يومًا
فيوما؛ إذ كان قد أوذن بالهجرة لكل من آمن بالله ورسوله.
ومعلوم أن المدينة لم تكن على ثروة طائلة فتزعزع ميزانها
الاقتصادى، وفي هذه الساعة الحرجة قامت القوات المعادية
للإسلام بشبه مقاطعة اقتصادية، قَلَّت لأجلها المستوردات
وتفاقمت الظروف.
ب ـ أما القوم الثاني ـ وهم
المشركون من صميم قبائل المدينة ـ فلم تكن لهم سيطرة على
المسلمين، وكان منهم من يتخالجه الشكوك ويتردد في ترك دين
الآباء، ولكن لم يكن يبطن العداوة والكيد ضد الإسلام
والمسلمين، ولم تمض عليهم مدة طويلة حتى أسلموا وأخلصوا
دينهم لله.
وكان فيهم من يبطن شديد الإحن والعداوة ضد رسول الله صلى
الله عليه وسلم والمسلمين، ولكن لم يكن يستطيع أن يناوئهم،
بل كان مضطرًا إلى إظهار الودّ والصفاء نظرًا إلى الظروف،
وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي، فقد كانت الأوس والخزرج
اجتمعوا على سيادته بعد حرب بُعَاث ـ ولم يكونوا اجتمعوا
على سيادة أحد قبله ـ وكانوا قد نظموا له الخَرْز،
ليُتَوِّجُوه ويُمَلّكُوه، وكان على وشك أن يصير ملكًا على
أهل المدينة إذ بوغت بمجىء رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وانصراف قومه عنه إليه، فكان يرى أنه استلبه الملك، فكان
يبطن شديد العداوة ضده، ولما رأي أن الظروف لا تساعده على
شركه، وأنه سوف يحرم بقايا العز والشرف وما يترتب عليهما
من منافع الحياة الدنيا أظهر الإسلام بعد بدر، ولكن بقى
مستبطنًا الكفر، فكان لا يجد مجالًا يكيد فيه برسول الله
صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين إلا ويأتيه، وكان أصحابه ـ
من الرؤساء الذين حرموا المناصب المرجوة في ملكه ـ
يساهمونه ويدعمونه في تنفيذ خططه، وربما كانوا يتخذون بعض
الشباب وسذجة المسلمين عميلًا لتنفيذ خطتهم من حيث لا
يشعر.
جـ ـ أما القوم الثالث ـ وهم
اليهود ـ فإنهم كانوا قد انحازوا إلى الحجاز زمن الاضطهاد
الأشورى والروماني كما أسلفنا، وكانوا في الحقيقة
عبرانيين، ولكن بعد الانسحاب إلى الحجاز اصطبغوا بالصبغة
العربية في الزى واللغة والحضارة، حتى صارت أسماؤهم وأسماء
قبائلهم عربية، وحتى قامت بينهم وبين العرب علاقة الزواج
والصهر، إلا أنهم احتفظوا بعصبيتهم الجنسية، ولم يندمجوا
في العرب قطعًا، بل كانوا يفتخرون بجنسيتهم الإسرائيلية ـ
اليهودية ـ وكانوا يحتقرون العرب احتقارًا بالغًا وكانوا
يرون أن أموال العرب مباحة لهم، يأكلونها كيف شاءوا، قال
تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ
بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن
تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا
دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ
لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل
عمران: 75]. ولم يكونوا متحمسين في نشر دينهم، وإنما
جل بضاعتهم الدينية هي: الفأل والسحر والنفث والرقية
وأمثالها، وبذلك كانوا يرون أنفسهم أصحاب علم وفضل وقيادة
روحانية.
وكانوا مَهَرَةً في فنون الكسب والمعيشة، فكانت في أيديهم
تجارة الحبوب والتمر والخمر والثياب، كانوا يستوردون
الثياب والحبوب والخمر، ويصدرون التمر، وكانت لهم أعمال من
دون ذلك هم لها عاملون، فكانوا يأخذون المنافع من عامة
العرب أضعافًا مضاعفة، ثم لم يكونوا يقتصرون على ذلك، بل
كانوا أكالين للربا، يعطون القروض الطائلة لشيوخ العرب
وساداتهم؛ ليكسبوا بها مدائح الشعراء والسمعة الحسنة بين
الناس بعد إنفاقها من غير جدوى ولا طائلة، وكانوا يرتهنون
لها أرض هؤلاء الرؤساء وزروعهم وحوائطهم، ثم لا يلبثون إلا
أعوامًا حتى يتملكونها.
وكانوا أصحاب دسائس ومؤامرات وعتو وفساد؛ يلقون العداوة
والشحناء بين القبائل العربية المجاورة، ويغرون بعضها على
بعض بكيد خفي لم تكن تشعره تلك القبائل، فكانت تتطاحن في
حروب، ولم تكد تنطفئ نيرانها حتى تتحرك أنامل اليهود مرة
أخرى لتؤججها من جديد. فإذا تم لهم ذلك جلسوا على حياد
يرون نتائج هذا التحريض والإغراء، ويستلذون بما يحل بهؤلاء
المساكين ـ العرب ـ من التعاسة والبوار، ويزودونهم بقروض
ثقيلة ربوية حتى لا يحجموا عن الحرب لعسر النفقة. وبهذا
التدبير كانوا يحصلون على فائدتين كبيرتين: هما الاحتفاظ
على كيانهم اليهودى، وإنفاق سوق الربا؛ ليأكلوه أضعافًا
مضاعفة، ويكسبوا ثروات طائلة.
وكانت في يثرب منهم ثلاث قبائل
مشهورة:
1ـ بنو قَيْنُقَاع : وكانوا حلفاء
الخزرج، وكانت ديارهم داخل المدينة.
2ـ بنو النَّضِير: وكانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم
بضواحى المدينة.
3ـ بنو قُرَيْظة: وكانوا حلفاء الأوس، وكانت ديارهم
بضواحى المدينة.
وهذه القبائل هي التي كانت تثير الحروب بين الأوس والخزرج
منذ أمد بعيد، وقد ساهمت بأنفسها في حرب بُعَاث، كل مع
حلفائها.
وطبعًا فإن اليهود لم يكن يرجى منهم أن ينظروا إلى الإسلام
إلا بعين البغض والحقد؛ فالرسول لم يكن من أبناء جنسهم حتى
يُسَكِّن جَأْشَ عصبيتهم الجنسية التي كانت مسيطرة على
نفسياتهم وعقليتهم، ودعوة الإسلام لم تكن إلا دعوة صالحة
تؤلف بين أشتات القلوب، وتطفئ نار العداوة والبغضاء، وتدعو
إلى التزام الأمانة في كل الشئون، وإلى التقيد بأكل الحلال
من طيب الأموال، ومعنى كل ذلك أن قبائل يثرب العربية
ستتآلف فيما بينها، وحينئذ لابد من أن تفلت من براثن
اليهود، فيفشل نشاطهم التجارى، ويحرمون أموال الربا الذي
كانت تدور عليه رحى ثروتهم، بل يحتمل أن تتيقظ تلك
القبائل، فتدخل في حسابها الأموال الربوية التي أخذتها
اليهود، وتقوم بإرجاع أرضها وحوائطها التي أضاعتها إلى
اليهود في تأدية الربا.
كان اليهود يدخلون كل ذلك في حسابهم منذ عرفوا أن دعوة
الإسلام تحاول الاستقرار في يثرب؛ ولذلك كانوا يبطنون أشد
العداوة ضد الإسلام، وضد رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ
أن دخل يثرب، وإن كانوا لم يتجاسروا على إظهارها إلا بعد
حين.
ويظهر ذلك جليًا بما رواه ابن إسحاق عن أم المؤمنين صفية
رضي الله عنها قال ابن إسحاق: حدثت عن صفية بنت حيي بن
أخطب أنها قالت: كنت أحَبَّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي
ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذإني دونه.
قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة
ونزل قباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي؛ حيى بن أخطب،
وعمى أبو ياسر بن أخطب مُغَلِّسِين، قالت: فلم يرجعا حتى
كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كَالَّيْن كسلانين
ساقطين يمشيان الهُوَيْنَى. قالت: فهششت إليهما كما
كنت أصنع، فوالله ما التفت إلىَّ واحد منهما، مع ما بهما
من الغم. قالت: وسمعت عمى أبا ياسر، وهو يقول لأبي حيي
بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه
وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال:
عداوته والله ما بقيت.
ويشهد بذلك أيضًا ما رواه البخاري في إسلام عبد الله بن
سَلاَم رضي الله عنه فقد كان حبرًا من فطاحل علماء اليهود،
ولما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في
بني النجار جاءه مستعجلًا، وألقى إليه أسئلة لا يعلمها إلا
نبى، ولما سمع ردوده صلى الله عليه وسلم عليها آمن به
ساعته ومكانه، ثم قال له: إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن
علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتُونِى عندك، فأرسل رسول
الله صلى الله عليه وسلم فجاءت اليهود، ودخل عبد الله بن
سلام البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي
رجل فيكم عبد الله بن سلام؟) قالوا: أعلمنا وابن
أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا ـ وفي لفظ: سيدنا وابن
سيدنا. وفي لفظ آخر: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن
أفضلنا ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفرأيتم
إن أسلم عبد الله؟) فقالوا: أعاذه الله من ذلك
(مرتين أو ثلاثا)، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد
أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، قالوا:
شرّنا وابن شرّنا، ووقعوا فيه. وفي لفظ: فقال: يا
معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم
لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت.
وهذه أول تجربة تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من
اليهود في أول يوم دخل فيه المدينة.
وهذه هي الظروف والقضايا الداخلية التي واجهها الرسول صلى
الله عليه وسلم حين نزل بالمدينة.
أما من ناحية الخارج فكان يحيط بها من يدين بدين قريش،
وكانت قريش ألـد عـدو للإسلام والمسلمين، جربت عليهم طوال
عشرة أعوام ـ حينما كان المسلمون تحت أيديها ـ كل أساليب
الإرهاب والتهديد والمضايقة والتعذيب، والمقاطعة والتجويع،
وأذاقتهم التنكيلات والويلات، وشنت عليهم حربًا نفسية
مضنية مع دعاية واسعة منظمة، ولما هاجر المسلمون إلى
المدينة صادرت أرضهم وديارهم وأموالهم، وحالت بينهم وبين
أزواجهم وذرياتهم، بل حبست وعذبت من قدرت عليه، ولم تقتصر
على هذا، بل تآمرت على الفتك بصاحب الدعوة صلى الله عليه
وسلم، والقضاء عليه وعلى دعوته، ولم تَأْلُ جهدًا في تنفيذ
هذه المؤامرة. فكان من الطبيعى جدًا، حينما نجا المسلمون
منها إلى أرض تبعد نحو خمسمائة كيلو متر، أن تقوم بدورها
السياسى والعسكرى، لما لها من الصدارة الدنيوية والزعامة
الدينية بين أوساط العرب بصفتها ساكنة الحرم ومجاورة بيت
الله وسدنته، وتغرى غيرها من مشركي الجزيرة ضد أهل
المدينة، وفعلًا قامت بذلك كله حتى صارت المدينة محفوفة
بالأخطار، وفي شبه مقاطعة شديدة قَلَّتْ لأجلها
المستوردات، في حين كان عدد اللاجئين إليها يزيد يومًا بعد
يوم، وبذلك كانت [حالة الحرب] قائمة بين هؤلاء الطغاة
من أهل مكة ومن دان دينهم، وبين المسلمين في وطنهم
الجديد.
وكان من حق المسلمين أن يصادروا أموال هؤلاء الطغاة كما
صودرت أموالهم، وأن يديلوا عليهم من التنكيلات بمثل ما
أدالوا بها، وأن يقيموا في سبيل حياتهم العراقيل كما
أقاموها في سبيل حياة المسلمين، وأن يكيلوا لهؤلاء الطغاة
صاعًا بصاع حتى لا يجدوا سبيلًا لإبادة المسلمين واستئصال
خضرائهم.
وهذه هي القضايا والمشاكل الخارجية التي واجهها رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعدما ورد المدينة، وكان عليه أن
يعالجها بحكمة بالغة حتى يخرج منها مكللًا بالنجاح.
وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعالجة كل القضايا
أحسن قيام، بتوفيق من الله وتأييده، فعامل كل قوم بما
كانوا يستحقونه من الرأفة والرحمة أو الشدة والنكال،وذلك
بجانب قيامه بتزكية النفوس وتعليم الكتاب والحكمة، ولا شك
أن جانب التزكية والتعليم والرأفة والرحمة كان غالبًا على
جانب الشدة والعنت ـ حتى عاد الأمر إلى الإسلام وأهله في
بضع سنوات، وسيجد القارئ كل ذلك جليًا في الصفحات
الآتية.
يتبع
*المرحلة
الأولى: بناء مجتمع جديد :
قد أسلفنا أن نزول رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالمدينة
في بني النجار كان يوم الجمعة
[12 ربيع الأول سنة 1 هـ/
الموافق 27 سبتمبر سنة
622م]، وأنه نزل في أرض
أمام دار أبي أيوب، وقال:
(هاهنا المنزل إن شاء
الله)، ثم انتقل إلى بيت
أبي أيوب رضي الله عنه
*بناء
المسجد النبوي :
وأول خطوة خطاها رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعد ذلك
هو بناء المسجد النبوي،
واختار له المكان الذي بركت
فيه ناقته صلى الله عليه
وسلم، فاشتراه من غلامين
يتيمين كانا يملكانه، وأسهم
في بنائه بنفسه، فكان ينقل
اللبِن والحجارة ويقول:
(اللهم لا عَيْشَ إلا
عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ
للأنصار والمُهَاجِرَة)
وكان يقول:
(هذا الحِمَالُ لا حِمَال
خَيْبَر ** هــذا أبـَــرُّ
رَبَّنَا وأطْـهَر)
وكان ذلك مما يزيد نشاط
الصحابة في العمل، حتى إن
أحدهم ليقول:
لئن قَعَــدْنا والنبي
يَعْمَل ** لـذاك مِــنَّا
العَمَــلُ المُضَلَّل
وكانت في ذلك المكان قبور
للمشركين، وكان فيه خرب ونخل
وشجرة من غَرْقَد، فأمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم
بقبور المشركين فنبشت،
وبالخَرِب فسويت، وبالنخل
والشجرة فقطعت، وصفت في قبلة
المسجد، وكانت القبلة إلى بيت
المقدس، وجعلت عضادتاه من
حجارة، وأقيمت حيطانه من
اللبن والطين، وجعل سقفه من
جريد النخل، وعُمُده الجذوع،
وفرشت أرضه بالرمال والحصباء،
وجعلت له ثلاثة أبواب، وطوله
مما يلى القبلة إلى مؤخره
مائة ذراع، والجانبان مثل ذلك
أو دونه، وكان أساسه قريبًا
من ثلاثة أذرع.
وبني بجانبه بيوتًا بالحجر
واللبن، وسقفها بالجريد
والجذوع، وهي حجرات أزواجه
صلى الله عليه وسلم، وبعد
تكامل الحجرات انتقل إليها من
بيت أبي أيوب.
ولم يكن المسجد موضعًا لأداء
الصلوات فحسب، بل كان جامعة
يتلقى فيها المسلمون تعاليم
الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى
تلتقى وتتآلف فيه العناصر
القبلية المختلفة التي طالما
نافرت بينها النزعات الجاهلية
وحروبها، وقاعدة لإدارة جميع
الشئون وبث الانطلاقات،
وبرلمان لعقد المجالس
الاستشارية والتنفيذية.
وكان مع هذا كله دارًا يسكن
فيها عدد كبير من فقراء
المهاجرين اللاجئين الذين لم
يكن لهم هناك دار ولا مال ولا
أهل ولا بنون.
وفي أوائل الهجرة شرع الأذان،
تلك النغمة العلوية التي تدوى
في الآفاق، وتهز أرجاء
الوجود، تعلن كل يوم خمس مرات
بأن لا إله إلا الله وأن
محمدًا رسول الله، وتنفي كل
كبرياء في الكون وكل دين في
الوجود، إلا كبرياء الله،
والدين الذي جاء به عبده محمد
رسول الله. وقد تشرف برؤيته
في المنام أحد الصحابة
الأخيار عبد الله بن زيد بن
عبد ربه رضي الله عنه فأقره
النبي صلى الله عليه وسلم وقد
وافقت رؤياه رؤيا عمر بن
الخطاب رضي الله عنه فأقره
النبي صلى الله عليه وسلم،
والقصة بكاملها مروية في كتب
السنة والسيرة.
*المؤاخاة
بين المسلمين :
ثم إن النبي صلى الله عليه
وسلم بجانب قيامه ببناء
المسجد: مركز التجمع
والتآلف، قام بعمل آخر من
أروع ما يأثره التاريخ، وهو
عمل المؤاخاة بين المهاجرين
والأنصار، قال ابن القيم:
ثم أخي رسول الله صلى الله
عليه وسلم بين المهاجرين
والأنصار في دار أنس بن مالك،
وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من
المهاجرين، ونصفهم من
الأنصار، أخي بينهم على
المواساة، ويتوارثون بعد
الموت دون ذوى الأرحام إلى
حين وقعة بدر، فلما أنزل الله
عز وجل: {وَأُوْلُواْ
الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ}
[الأنفال: 75] رد
التوارث إلى الرحم دون عقد
الأخوة.
وقد قيل: إنه أخي بين
المهاجرين بعضهم مع بعض
مؤاخاة ثانية... والثبت
الأول، والمهاجرون كانوا
مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة
الدار وقرابة النسب عن عقد
مؤاخاة فيما بينهم، بخلاف
المهاجرين مع الأنصار.
اهـ.
ومعنى هذا الإخاء أن تذوب
عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق
النسب واللون والوطن، فلا
يكون أساس الولاء والبراء إلا
الإسلام.
وقد امتزجت عواطف الإيثار
والمواساة والمؤانسة وإسداء
الخير في هذه الأخوة، وملأت
المجتمع الجديد بأروع
الأمثال.
روى البخاري: أنهم لما
قدموا المدينة أخي رسول الله
صلى الله عليه وسلم بين عبد
الرحمن وسعد ابن الربيع، فقال
لعبد الرحمن: إني أكثر
الأنصار مالًا، فاقسم مالى
نصفين، ولى امرأتان، فانظر
أعجبهما إليك فسمها لي،
أطلقها، فإذا انقضت عدتها
فتزوجها، قال: بارك الله لك
في أهلك ومالك، وأين سوقكم؟
فدلوه على سوق بني قينقاع،
فما انقلب إلا ومعه فضل من
أقِطٍ وسَمْنٍ، ثم تابع
الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر
صُفْرَة، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم:
(مَهْيَمْ؟) قال:
تزوجت. قال: (كم سقت
إليها؟) قال: نواة من
ذهب.
وروى عن أبي هريرة قال:
قالت الأنصار للنبى صلى الله
عليه وسلم: اقسم بيننا وبين
إخواننا النخيل. قال:
(لا)، فقالوا: فتكفونا
المؤنة ونشرككم في الثمرة.
قالوا: سمعنا وأطعنا.
وهذا يدلنا على ما كان عليه
الأنصار من الحفاوة البالغة
بإخوانهم المهاجرين، ومن
التضحية والإيثار والود
والصفاء، وما كان عليه
المهاجرون من تقدير هذا الكرم
حق قدره، فلم يستغلوه ولم
ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم
أودهم.
وحقًا فقد كانت هذه المؤاخاة
حكمةً فذةً، وسياسةً حكيمةً،
وحلًا رشيدًا لكثير من
المشاكل التي كان يواجهها
المسلمون، والتي أشرنا
إليها.
*ميثاق
التحالف الإسلامي :
وكما قام رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعقد هذه المؤاخاة
بين المؤمنين، قام بعقد
معاهدة أزاح بها ما كان بينهم
من حزازات في الجاهلية، وما
كانوا عليه من نزعات قبلية
جائرة، واستطاع بفضلها إيجاد
وحدة إسلامية شاملة.
وفيما يلى
بنودها ملخصًا:
هذا كتاب من محمد النبي صلى
الله عليه وسلم بين المؤمنين
والمسلمين من قريش ويثرب، ومن
تبعهم فلحق بهم، وجاهد
معهم:
1ـ إنهم
أمة واحدة من دون الناس.
2ـ
المهاجرون من قريش على
رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم،
وهم يَفْدُون عَانِيهم
بالمعروف والقسط بين
المؤمنين، وكل قبيلة من
الأنصار على ربعتهم يتعاقلون
معاقلهم الأولى، وكل طائفة
منهم تفدى عانيها بالمعروف
والقسط بين المؤمنين.
3ـ وإن المؤمنين لا يتركون
مُفْرَحًابينهم أن
يعطوه بالمعروف في فداء أو
عقل.
4ـ وإن المؤمنين المتقين
على من بغى منهم، أو ابتغى
دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان
أو فساد بين المؤمنين.
5ـ وإن أيديهم عليه جميعًا،
ولو كان ولد أحدهم.
6ـ ولا يقتل مؤمن مؤمنا في
كافر.
7ـ ولا ينصر كافرًا على
مؤمن.
8 ـ وإن ذمة الله واحدة يجير
عليهم أدناهم.
9ـ وإن من تبعنا من يهود
فإن له النصر والأسوة، غير
مظلومين ولا متناصرين
عليهم.
10ـ وإن سلم المؤمنين واحدة؛
لا يسالم مؤمن دون مؤمن في
قتال في سبيل الله إلا على
سواء وعدل بينهم.
11 ـ وإن المؤمنين يبيء بعضهم
على بعض بما نال دماءهم في
سبيل الله.
12 ـ وإنه لا يجير مشرك مالًا
لقريش ولا نفسًا، ولا
يحول دونه على مؤمن.
13 ـ وإنه من اعتبط مؤمنًا
قتلًا عن بينة فإنه
قود به إلا أن يرضى ولي
المقتول.
14 ـ وإن المؤمنين عليه كافة،
ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
15 ـ وإنه لا يحل لمؤمن أن
ينصر محدثًا ولا
يؤويه، وأنه من نصره أو آواه
فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم
القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْف
ولا عَدْل.
16 ـ وإنكم مهما اختلفـتم فيه
من شيء، فإن مرده إلى
الله ـ عز وجل ـ وإلى محمـد
صلى الله عليه وسلم.
*أثر
المعنويات في المجتمع :
بهذه الحكمة وبهذا التدبير
أرسى رسول الله صلى الله عليه
وسلم قواعد مجتمع جديد، كانت
صورته الظاهرة بيانا وآثارًا
للمعاني التي كان يتمتع بها
أولئك الأمجاد بفضل صحبة
النبي صلى الله عليه وسلم،
وكان النبي صلى الله عليه
وسلم يتعهدهم بالتعليم
والتربية، وتزكية النفوس،
والحث على مكارم الأخلاق،
ويؤدبهم بآداب الود والإخاء
والمجد والشرف والعبادة
والطاعة.
سأله رجل: أي الإسلام
خير؟ قال: (تطعم
الطعام، وتقرئ السلام على من
عرفت ومن لم تعرف).
قال عبد الله بن سلام: لما
قدم النبي صلى الله عليه وسلم
المدينة جئت، فلما تبينت
وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه
كذاب، فكان أول ما قال:
(يا أيها الناس، أفشوا
السلام، وأطعموا الطعام،
وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل
والناس نيام، تدخلوا الجنة
بسلام)
وكان يقول: (لا يدخل
الجنة من لا يأمن جاره
بوائقه)
ويقول: (المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده)
ويقول: (لا يؤمن أحدكم
حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه)
ويقول: (المؤمنون كرجل
واحد، إن اشتكى عينه اشتكى
كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى
كله).
ويقول: (المؤمن للمؤمن
كالبنيان يشد بعضه بعضاً)
ويقول: (لا تباغضوا، ولا
تحاسدون، ولا تدابروا، وكونوا
عباد الله إخواناً، ولا يحل
لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة
أيام). ويقول: (المسلم أخو
المسلم لا يظلمه ولا يسلمه،
ومن كان في حاجة أخيه كان
الله في حاجته، ومن فرج عن
مسلم كربة فرج الله عنه كربة
من كربات يوم القيامة، ومن
ستر مسلماً ستره الله يوم
القيامة) ويقول: (ارحموا من
في الأرض يرحمكم من في
السماء). ويقول: (ليس المؤمن
بالذي يشبع وجاره جائع إلى
جانبه). ويقول: (سِباب المؤمن
فسوق، وقتاله كفر). وكان يجعل
إماطة الأذى عن الطريق صدقة،
ويعدها شعبة من شعب الإيمان .
ويقول: (الصدقة تطفئ الخطايا
كما يطفئ الماء النار).
ويقول: (أيما مسلم كسا مسلماً
ثوباً على عُرى كساه الله من
خُضر الجنة، وأيما مسلم أطعم
مسلماً على جوع أطعمه الله من
ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى
مسلماً على ظمأ سقاه الله من
الرحيم المختوم) ويقول:
(اتقوا الناء ولو بشق تمرة،
فإن لم تجد فبكلمة طيبة).
وبجانب هذا كان يحث حثاً
شديداً على الاستعفاف عن
المسألة، ويذكر فضائل الصبر
والقناعة، فكان يعد المسألة
كدوحاً أو خدوشاً أو خموشاً
في وجه السائل اللهم إلا إذا
كان مضطراً. كما كان يبين لهم
ما في العبادات من الفضائل
والأجر والثواب عند الله،
وكان يربطهم بالوحي النازل
عليه من المساء ربطاً مؤثقاً،
فكان يقرؤه عليهم ويقرؤونه:
لتكون هذه الدراسة إشعاراً
بما عليهم من حقوق الدعوة
وتبعات الرسلة، فضلاً عن
ضرورة الفهم والتدبر. وهكذا
هذب تفكيرهم، وربع معنوياتهم،
وأيقظ مواهبهم، وزودهم بأعلى
القيم والأقدار، حتى وصولا
إلى أعلى قمة من الكمال عرفت
في تاريخ البشر بعد الأنبياء.
يقول عبد الله بن مسعود رضى
الله عنه: من كان مستنا
فليستن بمن قد مات، فإن الحي
لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك
أصحاب محمد صلى الله عليه
وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة؛
وأبرها قلوباً، وأعمقها علما،
وأقلها تكلفاً، اختارهم الله
لصحبة نبيه، ولإقامة دينه،
فاعرفوا لهم فضلهم، وابتعوهم
على أثرهم، وتمسكوا بما
استطعتم من أخلاقهم وسيرهم،
فإنهم كانوا على الهدى
المستقيم. ثم إن هذا الرسول
القائد الأعظم صلى الله عليه
وسلم كان يتمتع من الصفات
المعنوية والظاهرة، ومن
الكمالات المواهب، والأمجاد
والفضائل، ومكارم الأخلاق
ومحاسن الأعمال بما جعتله
تهوى إليه الأفئدة، وتتفانى
عليه النفوس، فما يتكلم بكلمة
إلا ويبادر صحابته رضي الله
عنهم إلى امتثالها، وما يصدر
من إرشاد أو توجيه إلا
ويتسابقون إلى العمل به. بمثل
هذا استطاع النبي صلى الله
عليه وسلم أن يبني في المدينة
مجتمعاً جديداً أروع وأشرف
مجتمع عرفة التاريخ، وأن يضع
لمشاكل هذا المجتمع حلاً
تنفست له الإنسانية الصعداء،
بعد أن كانت قد تعبت في غياهب
الزمان ودياجير الظلمات.
وبمثل هذه المعنويات الشامخة
تكاملت عناصر المجتمع الجديد
الذي واجه كل تيارات الزمان
حتى صرف وجهتها، وحول مجرى
التاريخ والأيام.
معاهدة مع
اليهود :
بعد أن أرسى رسول الله صلى
الله وعليه وسلم قواعد مجتمع
جديد وأمة إسلامية حديدة،
بإقامة الوحدة العقدية
والسياسية والنظامية بين
المسلمين، بدأ بتنظيم علاقاته
بغير المسلمين، وكان قصده
بذلك توفير الأمن والسلام
والسعادة الخير للبشرية
جمعاء، مع تنظيم المنطقة في
وفاق واحد، فسن في ذلك قوانين
السماح والتجاوز التي لم تعهد
في ذلك العالم الملئ بالتعصب
والأغراض الفردية والعرقية.
وأقرب من كان يجاور المدينة
من غير المسلمين هم اليهود -
كما أسلفنا - وهم وإن كانوا
يبطنون العداوة للمسلمين، لكن
لم يكونوا أظهروا أية مقاومة
أو خصومة بعد، فعقد معهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم
معاهدة قرر لهم فيها النصح
والخير، وترك لهم فيها مطلق
الحرية في الدين والمال، ولم
يتجه إلى سياسة الإبعاد أو
المصادرة والخصام.
وفيما يلى أهم بنود هذه
المعاهدة:
*بنود المعاهدة :
1- إن يهود بنى عوف أمة مع
المؤمنين، لليهود
دينهم وللمسلمين دينهم
مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير
بنى عوف من اليهود.
2-وإن على اليهود نفقتهم،
وعلى المسلمين نفقتهم.
3- وإن بينهم النصر على من
حارب أهل هذه الصحيفة.
4- وإن بينهم النصح والنصحية،
والبر دون الإثم.
5- وإنه لم يأثم امرؤ
بحليفه.
6- وإن
النصر للمظلوم.
7- وإن اليهود ينفقون مع
المؤمنين ما داموا محاربين.
8-وإن يثرب حرام جوفها لأهل
هذه الصحيفة.
9- وإنه
ما كان بين أهل هذه الصحيفة
من حدث أو اشتجار يخاف فساده
فإن مرده إلى الله عز وجل،
وإلى محمد رسول الله صلى الله
عليه وسلم.
10-
وإنه لا تجار قريش ولا من
نصرها.
11- وإن بينهم النصر على
من دَهَم يثرب.. على كل
أناس حصتهم من جابنهم الذي
قبلهم.
12- وإنه لا يحول هذا الكتاب
دون ظالم أو آثم.
وبإبرام هذه المعاهدة صارت
المدينة وضواحيها دولة
وفاقية، عاصمتها المدينة،
ورئيسها ـ إن صح هذا التعبير
ـ رسول الله صلى الله عليه
وسلم، والكلمة النافذة
والسلطان الغالب فيها
للمسلمين.
ولتوسيع منطقة الأمن والسلام
عاهد النبي صلى الله عليه
وسلم قبائل أخرى في المستقبل
بمثل هذه المعاهدة، حسب ما
اقتضته الظروف، وسيأتي ذكر
شيء عنها.
* الكفاح
الدامي :
*استفزازات قريش واتصالهم
بعبد الله بن أبي :
تقدم ما أدلى به كفار مكة من
التنكيلات والويلات على
المسلمين في مكة، ثم ما أتوا
به من الجرائم التي استحقوا
لأجلها المصادرة والقتال، عند
الهجرة، ثم إنهم لم يفيقوا من
غيهم ولا امتنعوا عن عدوانهم
بعدها، بل زادهم غيظاً أن
فاتهم المسلمون ووجدوا مأمناً
ومقراً بالمدنية، فكتبوا إلى
عبد الله بن أبي سلول- وكان
إذ ذاك مشركاً - بصفته رئيس
الأنصار قبل الهجرة - فمعلوا
أنهم كانوا قد اتفقوا عليه،
وكادوا يجعلونه ملكاً على
أنفسهم لولا أن هاجر رسول
الله صلى الله عليه وسلم
إليهم، وآمنوا به - كتبوا
إليه وإلى أصحابه المشركين،
يقولون لهم في كلمات باتة:
إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم
بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه،
أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى
نقتل مقاتلتكم، ونستبيح
نساءكم.
وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام
عبد الله بن أبي ليمتثل أوامر
إخوانه المشركين من أهل مكة -
وقد كان يحقد على النبي صلى
الله عليه وسلم: لما يراه
أنه استبله ملكه- يقول عبد
الرحمن بن كعب: فلما بلغ
ذلك عبد الله بن أبي ومن كان
معه من عبدة الأوثان اجتمعوا
لقتال رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فلما بلغ ذلك
النبي صلى الله عليه وسلم
لقيهم، فقال: (لقد بلغ
وعيد قريش منكم المبالغ، ما
كانت تكيدكم بأكثر ما تريدون
أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون
أن تقالوا أبناءكم
وإخوانكم)، فلما سمعوا ذلك
من النبي صلى الله عليه وسلم
تفرقوا.
امتنع عبد الله بن أبي بن
سلول عن القتال إذ ذلك، لما
رأي خوراً أو رشداً في
أصحابه، ولكن يبدو من تصرفاته
أنه كان متواطئاً مع قريش،
فكان لا يجد فرصة إلا
وينتهزها لإيقاع الشر بين
المسلمين والمشركين، وكان يضم
معه اليهود، ليعينوه على ذلك،
ولكن تلك هي حكمة النبي صلى
الله عليه وسلم التي كانت
تطفئ نار شرهم حينا بعد
حين.
*إعلان
عزيمة الصد عن المسجد الحرام
:
ثم أن سعد بن معاذ انطلق إلى
مكة معتمراً، فنزل على أمية
بن خلف بمكة، فقال لأمية:
انظر لي ساعة خلوة لعلي أن
أطوف البيت، فخرج به قريباً
من نصف النهار، فلقيهما أبو
جهل، فقال: يا أبا صفوان،
من هذا معك؟ فقال: هذا
سعد، فقال له أبو جهل: ألا
أراك تطوف بمكة آمناً وقد
آويتم الصباة، وزعمتم أنكم
تنصرونهم، وتعينونهم، أما
والله لولا أنك مع أبي صفوان
ما رجعت إلى أهلك سالماً،
فقال له سعد - ورفع صوته
عليه: أما والله لئن منعتني
هذا لأمنعك ما هو أشد عليكم
منه: طريقك على أهل
المدينة.
*قريش
تهدد المهاجرين :
وكأن قريشاً كانت تعتزعلى
شر أشد من هذا، وتفكر في
القيام بنفهسا للقضاء على
المسلمين، وخاصة على النبي
صلى الله عليه وسلم.
ولم يكن هذا مجرد وهم أو
خيال، فقد تأكد لدى رسول
الله صلى الله عليه وسلم من
مكائد قريش وإرادتها على
الشر ما كان لأجله لا يبيت
إلا ساهراً، أو في حرس من
الصحابة. روى الشيخان في
صحيحيهما عن عائشة رضى الله
عنها قالت: سهر رسول الله
صلى الله عليه وسلم مقدمه
المدينة ليلة فقال:
(ليت رجلاً صالحاً من
أصحابي يحرسني الليلة)،
قالت: فبينما نحن كذلك
سمعنا خشخشة سلاح، فقال:
(من هذا ؟) قال:
سعد بن أبي وقاص، فقال له
رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ما جاء بك؟)
فقال: وقع في نفسي خوف
على رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فجئت أحرسه،
فدعا له رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ثم نام.
ولم تكن هذه الحراسة مختصة
ببعض الليالي، بل كان ذلك
أمراً مستمراً، فقد روى عن
عائشة قالت: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم
يحرس ليلاً حتى نزل:
{وَاللّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ}
[المائدة: 67]، فأخرج
رسول الله صلى الله عليه
وسلم رأسه من القبة،
فقال: (يا أيها الناس،
انصرفوا عني فقد عصمني الله
عز وجل).
ولم يكن الخطر مقتصراً على
رسول الله صلى الله عليه
وسلم، بل كان يحدق
بالمسلمين كافة، فقد روى
أبي بن كعب، قال: لما قدم
رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه المدينة،
وآوتهم الأنصار رمتهم العرب
عن قوس واحدة، وكانوا لا
يبيتون إلا بالسلاح، ولا
يصبحون إلا فيه.
*الإذن
بالقتال :
في هذه الظروف الخطيرة التي
كانت تهدد كيان المسلمين
بالمدينة، وتنبئ عن قريش
أنهم لا يفيقون عن غيهم ولا
يمتنعون عن تمردهم بحال،
أنزل الله تعالى الإذن
بالقتال للمسلمين ولم يفرضه
عليهم، قال تعالى:
{أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ
ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ
عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ} [الحج:
39].
وأنزل معه آيات بين لهم
فيها أن هذا الإذن إنما هو
لإزاحة الباطل وإقامة شعائر
الله، قال تعالى:
{الَّذِينَ إِن
مَّكَّنَّاهُمْ فِي
الْأَرْضِ أَقَامُوا
الصَّلَاةَ وَآتَوُا
الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا
عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ
عَاقِبَةُ الْأُمُورِ }
[الحج: 41].
وكان الإذن مقتصراً على
قتال قريش، ثم تطور فيما
بعد مع تغير الظروف حتى وصل
إلى مرحلة الوجوب، وجاوز
قريشاً إلى غيرهم، ولا بأس
أن نذكر تلك
المراحل
بإيجاز قبل أن ندخل في ذكر
الأحداث:
1- اعتبار مشركي قريش
محاربين؛ لأنهم
بدأوا بالعدوان، فحق
للمسلمين أن يقاتلوهم
ويصادروا أموالهم دون غيرهم
من بقية مشركي العرب.
2- قتال كل من تمالأ من
مشركي العرب مع قريش
واتحد معهم، وكذلك كل من
تفرد بالاعتداء على
المسلمين من غير قريش.
3- قتال من خان أو تحيز
للمشركين من اليهود
الذين كان لهم عقد وميثاق
مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ونبذ ميثاقهم إليهم
على سواء.
4- قتال من بدأ بعداوة
المسلمين من أهل
الكتاب، كالنصارى، حتى
يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون.
5- الكف عمن دخل في
الإسلام، مشركاً كان
أو يهودياً أو نصرانياً أو
غير ذلك، فلا يتعرض لنفسه
وماله إلا بحق الإسلام،
وحسابه على الله.
ولما نزل الإذن بالقتال رأى
رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يبسط سيطرته على
الطريق الرئيس الذي تسلكه
قريش من مكة إلى الشام في
تجاراتهم،
واختار
لذلك خطتين:
الأولى: عقد
معاهدات الحلف أو عدم
الاعتداء مع القبائل التي
كانت مجاورة لهذا الطريق،
أو كانت تقطن ما بين هذا
الطريق وما بين المدينة،
وقد عقد صلى الله عليه وسلم
معاهدة مع جهينة قبل الأخذ
في النشاط العسكري، وكانت
مساكنهم على ثلاث مراحل من
المدينة، كما عقد معاهدات
أخرى أثناء دورياته
العسكرية، وسيأتي ذكرها.
الثانية: إرسال
البعوث واحدة تلو الأخرى
إلى هذا الطريق
|
|
حياة الرسول
عليه السلام مع زوجاته
بسم الله الرحمن
الرحيم
السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته
الناظر إلى سيرة
المصطفى صلى الله عليه وسلم يجد ان رسول الإنسانية صلى
الله عليه وسلم كان يقدر المرأة (الزوجة) ويوليها عناية
فائقة...ومحبة لائقة.
ولقد ضرب أمثلة رائعة
من خلال حياته اليومية
•
الشرب والأكل في موضع واحد:
لحديث عائشة : كنت
أشرب فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع
فيّ, واتعرق العرق فيضع فاه على موضع فيّ . رواه مسلم
•
الاتكاء على الزوجة:
لقول عائشة : كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض.
رواه مسلم
•
تمشيط شعره , وتقليم أظافره:
لقول عائشة رضي الله
عنها :ليدخل علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وهو
في المسجد فأرجّله. رواه مسلم
• التنزه مع الزوجة
ليلاً: كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا كان بالليل سار
مع عائشة يتحدث . رواه البخارى
•
الضحك من نكاتها وفكاهتها:
وعن عائشة – رضي الله
عنها- قالت: قلتُ: يا رسول الله ! أرأيت لو نزلت وادياً
وفيه شجرة أُكل منها، ووجدت شجراً لم يؤكل منها، في أيّها
كنت تُرْتِعُ بعيرك؟ قال: "في التي لم يُرْتعْ فيها :تعني
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها
.أخرجه البخاري .
•
مساعدتها في أعباء المنزل:
سئلت عائشة ما كان
النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟
قالت: كان في مهنة
أهله . رواه البخارى
•
يهدي لأحبتها:
كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم اذا ذبح شاة يقول : أرسلوا بـها الى أصدقاء
خديجة . رواه مسلم.
•
يمتدحها :
لقوله : ان فضل عائشة
على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . رواه مسلم
•
يسرّ اذا اجتمعت بصو يحباتها:
قالت عائشة :كانت
تأتيني صواحبي فكن ينقمعن (يتغيبن) من رسول الله صلى الله
عليه وسلم فكان يُسربـهن إلى(يرسلهن الى ) . رواه مسلم
•
يعلن حبها :
قوله صلى الله عليه
وسلم عن خديجة "أنى رزقت حُبها ". رواه مسلم
•
ينظر الى محاسنها:
لقوله صلى الله عليه
وسلم "لايفرك مؤمن مؤمنة ان كره منها خلقا رضي منها آخر .
رواه مسلم
•
اذا رأى امرأة يأت أهله ليرد ما في نفسه:
لقوله " اذا أبصر
أحدكم امرأة فليأت أهله فان ذلك يرد ما في نفسه" رواه مسلم
• لا
ينشر خصوصياتها:
قال صلى الله عليه
وسلم: ان من أشر الناس عند الله منزله يوم القيامة الرجل
يفضى الى امرأته وتفضي اليه ثم ينشر سرها . رواه مسلم
•
التقبيل:
كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقبل وهو صائم . رواه مسلم
•
التطيب في كل حال :
عن عائشة رضي الله
عنها قالت: كأني انظر الى وبيص المسك في مفرق رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو محرم . رواه مسلم
•
يرضى لها بالهدايا:
عن عائشة رضي الله
عنها قالت: ان الناس كانوا يتحرون بـهداياهم يوم عائشة
يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه
مسلم
•
يعرف مشاعرها:
عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال لعائشة : أنى لأعلم اذا كنت عنى راضية
واذا كنت عنى غضبى ..أما اذا كنت عنى راضية فانك تقولين لا
ورب محمد ., واذا كنت عنى غضبى قلت : لا ورب ابراهيم؟؟
رواه مسلم
•
يحتمل صدودها :
عن عمر بن الخطاب قال
: صخبت علىّ امرأتي فراجعتني , فأنكرت ان تراجعني!
قالت : ولم تنكر ان
أراجعك؟ فوا لله ان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
ليراجعنه, وان أحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. رواه
البخارى
•
لايضربها:
قالت عائشة رضي الله
عنها : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة له قط"
رواه النسائي
•
يواسيها عند بكائها:
كانت صفية مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم في سفر , وكان ذلك يومها, فأبطت
في المسير , فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى
تبكى, وتقول حملتني على بعير بطيء, فجعل رسول الله يمسح
بيديه عينيها , ويسكتها,.."رواه النسائي
•
يرفع اللقمة الى فمها:
قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : انك لن تنفق نفقة الا أجرت عليها حتى
اللقمة ترفعها الى في امرأتك" رواه البخارى
•
إحضار متطلباتها :
قال الرسول صلى الله
عليه وسلم : أطعم اذا طعمت وأكس اذا اكتسيت" رواه الحاكم
وصححه الألباني
• الثقة بها:
نـهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم ان يطرق الرجل أهله ليلاً , ان يخونـهم ,
أو يلتمس عثراتـهم. رواه مسلم
•
المبالغة في حديث المشاعر:
للحديث ان رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يرخص في شيء من الكذب الا في ثلاث
منها:الرجل يحدث امرأته, والمرأة تحدث زوجها. رواه النسائي
•
العدل مع نساءه :
من كان له امرأتان
يميل لإحداهما على الأخرى , جاء يوم القيامة أحد شقيه
مائل" رواه الترمذي وصححه الألباني
•
يتفقد الزوجة في كل حين:
عن أنس رضي الله عنه
قال " كان صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة
الواحدة من الليل والنهار. رواه البخارى
•
لايهجر زوجته أثناء الحيض:
عن ميمونة رضي الله
عنها قالت: كان صلى الله عليه وسلميباشر نساءه فوق الإزار
وهن حُيّضٌ. رواه البخارى
•
يتفكه من خصام زوجاته:
قالت عائشة :دخلت
علىّ زينب وهى غضبى فقال رسول الله دونك فانتصري ,فأقبلت
عليها حتى رأيتها قد يبست ريقها في فيها فرأيت وجه رسول
الله صلى الله عليه وسلم يتهلل" رواه ابن ماجه
•
يصطحب زوجته في السفر:
كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم اذا أراد سفراً أقرع بين نسائه, فآيتهن خرج
سهمها خرج بـها. متفق عليه
•
مسابقته لزوجه:
عن عائشة ان رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال لى : تعالى أسابقك, فسابقته,
فسبقته على رجلي " وسابقني بعد ان حملت اللحم وبدنت فسبقني
وجعل يضحك وقال هذه بتلك! رواه ابو داود
•
تكنيته لها:
ان عائشة قالت يارسول
الله صلى الله عليه وسلم كل نسائك لها كنية غيري فكناها
"أم عبد الله" رواه احمد
•
يروى لها القصص:
كحديث أم زرع. رواه
البخارى
•
يشاركها المناسبات السعيدة :
قالت عائشة - رضي
الله عنها " مررت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم من
الحبشة يلعبون بالحراب، فوقف رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - ينظر إليهم، ووقفت خلفه فكنت إذا أعييت جلست، وإذا
قمت أتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم . أخرجه البخاري
•
لايستخدم الألفاظ الجارحة:
وقال أنس رضي الله
عنه خدمت رسول الله عشر سنوات ، فما قال لي لشئ فعلته ،
لمَ فعلته .رواه الدارمى
•
احترام هواياتها وعدم التقليل من شأنها:
عن عائشة رضي الله
عنها -" كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم
وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم
إذا دخل ينقمعن منه فيسر بـهن فيلعبن معي " الأدب المفرد
اللهم صلي وسلم على
اشرف الانبياء والمرسلين وعلى اله وصحبه اجمعين
مواصفات رسولنا الكريم سيدنا محمد صلي الله عليه و سلم
بسم
الله الرحمن الرحيم
بين يديك مختصر اشتمل على أهم
الصفات الخَلْقية للنبي الكريم؛
وذلك لتتعرف أكثر على أشرف
المخلوقين، وأفضل السابقين
واللاحقين، فكلما ازدادت معرفتنا به
ازداد حبنا له؛ لأن معرفته تقوي
محبتنا له، وإذا ما أحببناه اقتدينا
بهديه وتأدبنا بآدابه وتعاليمه..
فلا تجعل ذهنك يفارق صورة النبي صلى
الله عليه وسلم وآدابه وأخلاقه.
اسمه:
- قال الله تعالى: {مُّحَمَّدٌ
رَّسُولُ اللهِ} (الفتح
- وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "لي خمسة أسماء: أنا محمد،
وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو
الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي
يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب
الذي ليس بعده نبي" رواه مسلم.
- وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "ألا تعجبون كيف يصـرف الله
عني شتم قريش، ولعنهم؟ يشتمون
مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا
محمد".
- وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "إن الله اصطفى كنانة من ولد
إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة،
واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني
من بني هاشم" رواه مسلم.
- وقال صلى الله عليه وسلم: "تسموا
باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، فإنما أنا
قاسم أقسم بينكم" رواه مسلم.
فضائله:
- قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *
وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ
وَسِرَاجًا مُّنِيرًا * وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ
اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا} (الأحزاب
- {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا
أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن
رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ
النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الأحزاب
- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا
رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}
(الأنبياء
- وقال صلى الله عيه وسلم: "أنا
أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة،
وأنا أول من يقرع باب الجنة" صحيح
مسلم.
- وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا
أول شفيع في الجنة، لم يُصدق نبي من
الأنبياء ما صدقت، وإن نبيًا من
الأنبياء ما صدقه من أمته إلا رجل
واحد" صحيح مسلم.
- وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "أنا سيد ولد آدم يوم القيام،
وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع
ومشفع" صحيح مسلم.
- وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "فضلت على الأنبياء بِسِت:
أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب،
وأُحلّت لي الغنائم، وجُعلت لي
الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُرسلت إلى
الخلق كافة، وخُتم بي النبيون" رواه
الترمذي وابن ماجه وهو حديث حسن
صحيح.
- وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي،
كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه
وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من
زواياه، فجعل الناس يطوفون به
ويعجبون لـه، ويقولون: هلا وضعت هذه
اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا
خاتم النبيين" رواه البخاري ومسلم.
- وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "إني عند الله مكتوب خاتم
النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته،
وسأخبركم بأول أمري: دعوة إبراهيم،
وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت
حين وضعتني، وقد خرج لها نور أضاءت
لها منه قصور الشام". رواه أحمد
والطبراني والبيهقي وصححه ابن حبان
(لمنجدل: ملقى على الأرض).
لونه
عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وما على وجه الأرض رجل رآه غيري
قال: فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض
مليحًا مقصدًا. رواه مسلم
وعن أنس رضي الله عنه: كان النبي
صلى الله عليه وسلم أزهر اللون ليس
بأبيض أمهق ولا آدم. رواه البخاري
ومسلم، والأزهر: هو الأبيض المستنير
المشرق، وهو أحسن الألوان.
وعن أبي الطفيل رضي الله عنه: كان
النبي صلى الله عليه وسلم أبيض
مليحًا مقصدًا. رواه مسلم
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه: كان
النبي صلى الله عليه وسلم أبيض قد
شاب. رواه البخاري ومسلم.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض
مشربًا بياضه حمرة. رواه أحمد
والترمذي والبزار وابن سعد وأبو
يعلى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وجهه
كان الرسول صلى الله عليه الصلاة
والسلام أسيَل الوجه، مسنون الخدين
ولم يكن مستديرًا غاية التدوير، بل
كان بين الاستدارة والإسالة، وهو
أجمل عند كل ذي ذوق سليم. وكان وجهه
مثل الشمس والقمر في الإشراق
والصفاء، مليحًا كأنما صيغ من فضة
لا أوضأ ولا أضوأ منه.
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه: كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة
قمر. رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي إسحاق قال: سُئل البراء
أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم
مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.
رواه البخاري.
وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئًا أحسن
من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
كأن الشمس تجري في وجهه.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:
"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
في ليلة إضحيان( مقمرة)، وعليه
حُلَّة حمراء، فجعلتُ أنظر إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وإلى
القمر، فإذا هو عندي أحسنُ من القمر
جبينه
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
أسيل الجبين"، (الأسيل: هو
المستوي)، أخرجه عبد الرازق
والبيهقي ابن عساكر.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان
صلى الله عليه وسلم أجلى الجبهة،
إذا طلع جبينه من بين الشعر، أو طلع
في فلق الصبح، أو عند طفل الليل، أو
طلع بوجهه على الناس تراءوا جبينه
كأنه ضوء السرج المتوقد يتلألأ،
وكان النبي صلى الله عليه وسلم واسع
الجبهة. رواه البيهقي في دلائل
النبوة وابن عساكر.
عيناه
كان النبي صلى الله عليه وسلم أكحل
العينين أهدب الأشفار إذا وطئ بقدمه
وطئ بكلّها ليس له أخمص إذا وضع
رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة"
البيهقي وحسنه الألباني.
وكان صلى الله عليه وسلم "إذا نظرت
إليه قُلت أكحل العينين وليس
بأكحل"، رواه الترمذي.
وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم عظيم
العينين، هَدِبُ الأشفار، مشرب
العينين بحمرة. رواه أحمد وابن سعد
والبزار. ومعنى مشرب العينين بحمرة:
أي عروق حمراء رقاق.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:
كنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل
العينين وليس بأكحل صلى الله عليه
وسلم. رواه الترمذي وأحمد وأبو يعلى
والحاكم والطبراني في الكبير.
أنفه
يحسبه من لم يتأمله أشمًا ولم يكن
أشمًا وكان مستقيمًا، أقنى أي
طويلاً في وسطه بعض ارتفاع، مع دقة
أرنبته (الأرنبة هي ما لان من الأنف
خـدّاه
عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يُسَلِّمُ عن يمينه وعن يساره حتى
يُرى بياض خده"، أخرجه ابن ماجه
وقال مقبل الوادي هذا حديث صحيح.
قال يزيد الفارسي رضي الله عنه: كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم جميل
دوائر الوجه. رواه أحمد.
رأسه
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم ضخم الرأس. رواه أحمد والبزار
وابن سعد
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
عظيم الهامة. رواه الطبراني في
الكبير والترمذي في الشمائل
فمه وأسنانه
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
ضليع الفم.. قال شعبة: قلت لسماك:
ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. رواه
مسلم.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ضليع الفم (أي واسع الفم) جميلهُ،
وكان من أحسن عباد الله شفتين
وألطفهم ختم فم. وكان وسيمًا أشنب
أبيض الأسنان مفلج (متفرق الأسنان)
بعيد ما بين الثنايا والرباعيات،
أفلج الثنيَّتين (أي الأسنان الأربع
التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق
وثنتان من تحت) إذا تكلم " رُئِيَ
كالنور يخرج من بين ثناياه.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج
الثنيتين، إذا تكلم رُئي كالنور
يخرج من بين ثناياه. رواه الدرامي
والترمذي في الشمائل. وأفلج
الثنيتين أي متفرق الأسنان الأربع
التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق
وثنتان من تحت.
سمعه
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:
بينما النبي صلى الله عليه وسلم في
حائط لبني النجار على بغلة له ونحن
معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا
أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال:
"من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟". فقال
رجل: أنا. قال: "فمتى مات هؤلاء؟".
قال: ماتوا على الإشراك. فقال ":
"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها.
فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن
يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع
منه. رواه مسلم.
صوته
عن أم معبد رضي الله عنها، قالت:
كان في صوت رسول الله صلى الله عليه
وسلم صهل. رواه الطبراني في الكبير
والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه
الذهبي.
عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله
عنها، قالت: إني كنت لأسمع صوت رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأنا على
عريشي. يعني قراءته في صلاة الليل.
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه
والحاكم والطبراني.
ريقه
لقد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله
عليه وسلم خصائص كثيرة لريقه
الشريف، ومن ذلك أن ريقه صلى الله
عليه و سلم فيه شفاء للعليل، ورواء
للغليل وغذاء وقوة وبركة ونماء...
فكم داوى صلى الله عليه وسلم بريقه
الشريف من مريض فبرئ من ساعته!
جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي
الله عنه قال: "قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم يوم خيبر:
لأعطِيَنَّ الراية غداً رجلاً يفتح
الله على يديه، يحب الله ورسوله،
ويحبه الله ورسوله. فلما أصبح الناس
غدوا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وكلهم يرجو أن يُعطاها، فقال
صلى الله عليه وسلم: أين علي بن أبي
طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله
يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه.
فأُتِيَ به وفي رواية مسلم: قال
سلمة: فأرسلني رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى علي، فجئت به أقوده
أرمد فتفل رسول الله صلى الله عليه
وسلم في عينيه، فبرئ كأنه لم يكن به
وجع...
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: "رأيت
أثر ضربة في ساق سلمة فقلت: يا أبا
مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة
أصابتها يوم خيبر فقال الناس أصيب
سلمة... فأتيت النبي صلى الله عليه
وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما
اشتكيت حتى الساعة"، أخرجه البخاري.
وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن
عبيد عن جده قال: "أصيبت عين أبي ذر
يوم أحد فبزق فيها النبي صلى الله
عليه وسلم فكانت أصح عينيه"، أخرجه
البخاري.
عنقه ورقبته
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال: "كأن عنق رسول الله صلى الله
عليه وسلم إبريق فضة"، أخرجه ابن
سعد في الطبقات والبيهقي.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان
أحسن عباد الله عنقًا، لا ينسب إلى
الطول ولا إلى القصر، ما ظهر من
عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة
يشوب ذهباً يتلألأ في بياض الفضة
وحمرة الذهب، وما غيب في الثياب من
عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة
البدر"، أخرجه البيهقي وابن عساكر.
منكِباه
عن البراء بن عازب رضي الله عنه
قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم
بعيد ما بين المنكبين. رواه البخاري
مسلم.
والمنكب هو مجمع العضد والكتف.
والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين
أنه عريض أعلى الظهر ويلزمه أنه
عريض الصدر مع الإشارة إلى أن بُعد
ما بين منكبيه لم يكن منافيًا
للاعتدال. وكان كَتِفاه عريضين
عظيمين.
كفاه
عن أنس أو جابر بن عبد الله: أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان ضخم
الكفين لم أر بعده شبهًا له. أخرجه
البخاري.
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم
رحب الراحة (أي واسع الكف) كفه
ممتلئة لحمًا، غير أنّها مع غاية
ضخامتها كانت لَيِّنَة أي ناعمة.
وعن أنس رضي الله عنه قال: ما مسست
حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف
النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه
البخاري ومسلم.
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال:
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالهاجرة إلى البطحاء... وقام الناس
فجعلوا يأخذون يديه، فيمسحون بها
وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها
على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج،
وأطيب رائحة من المسك. أخرجه
البخاري.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه،
قال: صليت مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم صلاة الأولى، ثم خرج إلى
أهله، وخرجت معه، فاستقبله ولدان،
فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا.
قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: فوجدت
ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها
من جونة عطار. أخرجه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود قال: "كنا
نَعُد الآيات بَركة، وأنتم
تَعُدونها تخويفاً، كنا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم في سفر
فقَلَّ الماء، قال عليه الصلاة
والسلام: اطلبوا لي فضلة من ماء.
فأدخَل يده في الإناء وقال: حَيّ
على الطَّهور المبارك، والبركة من
الله. ويقول ابن مسعود: لقد رأيتُ
الماء ينبع من بين أصابع الرسول صلى
الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع
تسبيح الطعام وهو يُؤكل"، رواه
البخاري.
عن إياس بن سلمة، حدثني أبي، قال:
غزونا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم حنيناً إلى أن قال: ومررت على
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
على بغلته الشهباء.. فلما غشوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم نزل عن
بغلته، ثم قبض قبضة من تراب الأرض،
ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت
الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانًا
إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة"
فولوا مدبرين. أخرجه مسلم.
صدره
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
سواء البطن والصدر، عريض الصدر.
رواه الطبراني والترمذي في الشمائل.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم عريض الصدر
ممسوحة، كأنه المرايا في شدتها
واستوائها، لا يعدو بعض لحمه بعضًا،
على بياض القمر ليلة البدر، موصول
ما بين لبته إلى سرته شعر منقاد
كالقضيب، لم يكن في صدره ولا بطنه
شعر غيره. رواه ابن نعيم وابن عساكر
والبيهقي.
ساقاه
عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال:
"... وخرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم كأني أنظر إلى بيض ساقيه"،
أخرجه البخاري في صحيحه.
قدماه
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه:
"كان النبي صلى الله عليه وسلم
خمصان الأخمصين (الأخمص من القدم ما
بين صدرها وعقبها، وهو الذي لا
يلتصق بالأرض من القدمين، يريد أن
ذلك منه مرتفع) مسيح القدمين (أي
ملساوين ليس في ظهورهما تكسر) وسشن
الكفين والقدمين (أي غليظ الأصابع
والراحة) رواه الترمذي في الشمائل
والطبراني.
وكان صلى الله عليه و سلم أشبَهَ
النَّاس بسيدنا إبراهيم عليه
السلام، وكانت قدماه الشَّريفتان
تشبهان قدمي سيدنا إبراهيم عليه
السلام كما هي آثارها في مقام سيدنا
إبراهيم عليه السلام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
في حديث الإسراء في وصف سيدنا
إبراهيم عليه السلام: "ورأيت
إبراهيم وأنا أشبه ولده به( صحيح
البخاري)
وكان أبو جهم بن حذيفة القرشي
العدوي الصحابي الجليل، يقول: ما
رأيت شبهًا كشبه قدم النبي صلى الله
عليه وسلم بقدم إبراهيم التي كنا
نجدها في المقام.
قامته وطوله
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه
قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنهم
خلقًا، ليس ب البائن ولا بالقصير.
رواه البخاري ومسلم.
مشيته
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما
رأيتُ شيئًا أحسن من رسول الله صلى
الله عليه وسلم كأنَّ الشمس تجري في
وجهه، وما رأيت أحدًا أسرع من رسول
الله صلى الله عليه وسلم كأنَّما
الأرض تطوى له، إنَّا لَنُجهد
أنفسنا وإنَّه " غير مكترث.
وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي
صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى
تَكَفَّأ ( أي مال يميناً وشمالاً
ومال إلى قصد المشية ) ويمشي
الهُوَينا (أي يُقارِب الخُطا)
وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى،
مشى مجتمعًا ليس فيه كسل"، (أي شديد
الحركة، قوي الأعضاء غير مسترخ في
المشي) رواه أحمد.
التفاته
كان صلى الله عليه وسلم إذا التفت
التفت معًا أي بجميع أجزائه فلا
يلوي عنقه يمنة أو يسرة إذا نظر إلى
الشيء لما في ذلك من الخفة وعدم
الصيانة وإنّما كان يقبل جميعًا
ويُدبِر جميعًا لأن ذلك أليَق
بجلالته ومهابته هذا بالنسبة
للالتفات وراءه، أمّا لو التفت يمنة
أو يسرة فالظاهر أنه كان يلتفت
بعنقه الشريف.
خاتم النبوة
هو خاتم أسود اللون مثل الهلال وفي
رواية أنه أخضر اللون، وفي رواية
أنه كان أحمر، وفي رواية أخرى أنه
كلون جسده. ويبلغ حجم الخاتم قدر
بيضة الحمامة، وورد أنه كان على
أعلى كتف النبي صلى الله عليه وسلم
الأيسر
عن جابر بن سمرة قال: رأيت الخاتم
بين كتفي رسول الله صلى الله عليه
وسلم، غُدة حمراء مثل بيضة الحمامة
يشبه جسده.
رائحته
عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون
كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشا تكفأ، وما
مسحت ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا
شممت مسكاً ولا عنبرًا أطيب من
رائحة النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن أنس أيضًا قال: "دخل علينا رسول
الله صلى الله عليه وسلم فَقَال (أي
نام) عندنا، فعرِقَ وجاءت أمي
بقارورة فجعلت تَسلُتُ العَرَق،
فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا أم سُلَيم ما هذا الذي
تصنعين؟ قالت: عَرَق نجعله في طيبنا
وهو أطيَب الطيب"، رواه مسلم.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا صافحه
الرجل وجد ريحه، وإذا وضع يده على
رأس صبي فيظل يومه يُعرَف من بين
الصبيان بريحه على رأسه.
يقول جابر بن سمرة: ما سلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم طريقًا
فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من
طيب عرقه، وقد كنت صبيًا - فمسح خدي
فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما
أخرجها من جونة عطار
كلامه
قال الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا
هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ
وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
يُوحَى} (النجم) 1-4
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز
بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان
من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي
لا يجهل، سلاسة طبع، ونصاعة لفظ
وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف،
أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع
الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل
قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها،
اجتمعت له قوة عارضة البادية
وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة
ورونق كلامها إلى التأييد الإلهي
الذي مدده الوحي، لذلك كان " يقول
لعبد الله بن عمرو: :اكتب فوالذي
نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب،
فبينما أنا نائم رأيتني أوتيت
بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي"
مسند الإمام أحمد.
وكان كلامه صلى الله عليه وسلم
بَيِّن فَصْل ظاهر يحفظه من جَلَس
إليه، وقد ورد في الحديث الصحيح:
"كان " يُحَدِّث حديثاً لو عَدَّه
العادُّ لأحصاه.
وكان صلى الله عليه وسلم يعيد
الكلمة ثلاثاً لِتُعقَل عنه" رواه
البخاري.
ضحكه
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا يضحك إلا تَبَسُّماً، وكنتَ إذا
نظرتَ إليه قُلتَ أكحل العينين وليس
بأكحل"، حسن رواه الترمذي.
- وعن عبد الله بن الحارث قال: "ما
رأيتُ أحداً أكثر تبسمًا من الرسول
صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يُحَدِّث
حديثاً إلا تبَسَّم وكان مِن أضحك
الناس وأطيَبَهم نَفسًا".
وكان صلى الله عليه وسلم إذا ضحك
بانت نواجذه أي أضراسه من غير أن
يرفع صوته، وكان الغالب من أحواله
التَّبَسُّم.
يقول خارجة بن زيد: كان النبي صلى
الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه
لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان
كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة،
يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه
تبسمًا، وكلامه فصلاً، لا فضول ولا
تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده
التبسم، توقيراً له واقتداءً به.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
ضحك كاد يتلألأ في الجدر. رواه عبد
الرزاق في مصنفه.
خاتمه
كان خاتم رسول الله صلى الله عليه
وسلم من فضة، نقش عليه من الأسفل
إلى الأعلى "محمد رسول الله"، وذلك
لكي لا تكون كلمة "محمد" صلى الله
عليه وسلم فوق كلمة "الله" سبحانه
وتعالى.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"
لما أراد رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يكتب إلى العجم، قيل له: إن
العجم لا يقبلون إلا كتابًا عليه
ختم، فاصطنع خاتمًا، فكأني أنظر إلى
بياضه في كفه"، رواه الترمذي في
الشمائل والبخاري ومسلم.
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال:
"اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
خاتماً من ورِق (أي من فضة) فكان في
يده، ثم كان في يد أبي بكر ويد عمر،
ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر
أريس" وأريس بفتح الهمزة وكسر
الراء، هي بئر بحديقة من مسجد قباء.
وصف أم معبد
قالت أم معبد الخزاعية في وصف رسول
اللَّه صلى الله عليه وسلم لزوجها،
حين مر بخيمتها مهاجرًا:
رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن
الخلق لم تعبه تجلة، ولم تزر به
صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي
أشعاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه
سطح، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد
سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار،
وإن تكلم علاه البهاء، أجمل الناس
وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم
من قريب، حلو المنطق، فضل، لا نزر
ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن
يتحدرن، ربعة، لا تقحمه عين من قصر
ولا تشنؤه من طول، غصن بين غصنين،
فهو أنظر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم
قدرًا، له رفقاء يحفون به، إذا قال
استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا
إلى أمره، محفود، محشود، لا عابس
ولا مفند.
وصف علي بن أبي طالب
قال علي رضي الله عنه وهو ينعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم - لم يكن ب
الممغط، ولا القصير المتردد، وكان
ربعة من القوم، لم يكن بالجعد
القطط، ولا بالسبط، وكان جعداً
رَجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا
بالمكلثم، وكان في الوجه تدوير،
وكان أبيض مشرباً، أدعج العينين،
أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد،
دقيق المسربة، أجرد، شثن الكفين
والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي
في صبب، وإذا التفت التفت معاً، بين
كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم
النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ
الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة،
وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة،
وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه،
ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته
لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله
عليه وسلم.
وصف هند بن أبي هالة
كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست
له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة،
طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه
بأشداقه -لا بأطراف فمه- ويتكلم
بجوامع الكلم، فصلاً لا فضول فيه
ولا تقصير دمثاً ليس بالجافي ولا
بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا
يذم شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً -ما
يطعم- ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه
إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له لا
يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها - سماح -
وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا
تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح،
وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم،
ويفتر عن مثل حب الغمام.
وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه.
يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم
كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس،
ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد
منهم بشره.
يتفقد أصحابه - ويسأل الناس عما في
الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح
القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير
مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو
يملوا لكل حال عنده عتاد، لا يقصر
عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره الذي
يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم
عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده
منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر،
ولا يوطن الأماكن - لا يميز لنفسه
مكاناً - إذا انتهى إلى القوم جلس
حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك،
ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب
جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من
جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى
يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة
لم يرده إلا بها أو بميسور من
القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه،
فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق
متقاربين. يتفاضلون عنده بالتقوى،
مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة،
لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه
الحرم -لا تخشى فلتاته- يتعاطفون
بالتقوى، يوقرون الكبير، ويرحمون
الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون
الغريب.
كان دائم البشر، سهل الخلق، لين
الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا
صخاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا
مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا
يقنط منه قد ترك نفسه من ثلاث
الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه،
وترك الناس من ثلاث لا يذم أحداً،
ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا
يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا
تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم
الطير، وإذا سكت تكلموا. لا
يتنازعون عنده الحديث. من تكلم عنده
أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث
أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب
مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على
الجفوة في المنطق، ويقول إذا رأيتم
صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا
يطلب الثناء إلا من مكافئ
وصف عمرو بن العاص
عن ابن شُمَاسَةَ المهَرِيِّ قال
حضرنا عمرو ابن العاص فذكر لنا
حديثاً طويلاً فيه: "وما كان أحدٌ
أحب إليَّ من رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولا أجلَّ في عيني منه،
وما كنت أطيقُ أن أملأ عيني منهُ
إجلالاً له، ولو سئلتُ أن أصفه " ما
أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه
اللهم صلي على محمد
ولا تنسونا من صالح الدعاء
|
|
حوض
النبي صلي الله عليه سلم
تتجلى رحمة الله تعالى يوم القيامة حين تدنو
الشمس من الرؤوس، ويتمكن العطش من الناس، ويشتد الكرب بهم
حتى يطلبوا بدء الحساب، تتجلى رحمة الله يومئذ بالمؤمنين، إذ
لم يتركهم عطشى يعانون الظمأ، بل أكرمهم بحياض يشربون منها،
وجعل لكل نبي من الأنبياء حوضا يشرب منه هو وأتباعه، كما قال
- صلى الله عليه وسلم -:
( إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة،
وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة ) رواه الترمذي
وصححه الألباني .
الحوض والكوثر
الكوثر هو النهر
الذي وعد الله به نبيه – صلى الله عليه وسلم – في الجنة،
والحوض هو مجمع الماء في أرض المحشر، وماؤه مستمد من الكوثر،
فالكوثر والحوض ماؤهما واحد، إلا أن أحدهما في الجنة، والآخر
في أرض المحشر، لذلك يطلق على كل منهما اسم الكوثر، قال –
صلى الله عليه وسلم – في وصف الحوض: (
يَغُت فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر
من ورق ). يغت: أي يدفق دفقا شديدا متتابعاً، فتبين
بهذا أن ماء الحوض مستمد من نهر الكوثر في الجنة .
صفة حوض النبي صلى الله عليه وسلم
ذكر النبي صلى الله
عليه وسلم أوصافا متعددة لحوضه، ترغيبا للأمة في بذل الأسباب
الموجبة لوروده والشرب منه، فذكر من أوصافه: أن ماءه أشد
بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأن طوله وعرضه سواء، وأن
سعته كما بين أيلة وصنعاء، وأن عدد كؤوسه كعدد نجوم السماء،
وأن من شرب منه لا يظمأ أبدا، وهذه الأوصاف ذكرها النبي –
صلى الله عليه وسلم – في أحاديث، منها:
حديث
أنس بن مالك - رضي الله عنه -
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (
إن قدر حوضي كما بين أيله وصنعاء من اليمن، وإن فيه من
الأباريق بعدد نجوم السماء ) متفق عليه .
حديث
ثوبان - رضي الله عنه - أن نبي
الله - صلى الله عليه وسلم – سئل عن شراب حوضه، فقال: (
أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان،
يمدانه من الجنة، أحدهما: من ذهب، والآخر من ورق )
رواه مسلم .
حديث
ثوبان - رضي الله عنه - عن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (
حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشد بياضا من اللبن،
وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه لم
يظمأ بعدها أبدا ... ) رواه
الترمذي وابن ماجة والحاكم .
حديث
حذيفة – رضي الله عنه – قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (
إن حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن، والذي نفسي بيده لآنيته أكثر
من عدد النجوم، ولهو أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل ...
) رواه مسلم .
اختلاف الروايات في سعة
الحوض والجمع بينها
اختلفت الروايات في
تحديد سعة الحوض ومساحته، فبعض الروايات ذكرت أن حوضه - صلى
الله عليه وسلم- أبعد ( من أيلة إلى عدن
) وعدن معروفة، أما "أيلة" فهي مدينة بالشام على ساحل
البحر، وتطلق أيضا: على جبل ينبع بين مكة والمدينة . والحديث
رواه ابن ماجة عن
حذيفة عن النبي - صلى الله عليه
وسلم -.
وذكرت بعض الروايات
أن سعة الحوض، ( كما بين المدينة وصنعاء
) وهذا في رواية البخاري
عن حارثة بن وهب - رضي الله عنه
-.
وفي رواية أخرى
للبخاري عن
ابن عمر ، قدرت (
ما بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح ) وجربى بالقصر
من بلاد الشام، وأذرح بالحاء مدينة من أدنى الشام، ويقال:
أنها فلسطين .
وفي رواية أخرى عند
مسلم عن
جابر بن سمرة أن ( بعد ما بين
طرفيه كما بين صنعاء وأيلة )
وفي رواية
ابن ماجة عن
أبي سعيد عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - ( إن لي حوضا ما بين الكعبة
وبيت المقدس )، وفي رواية مسلم
عن أبي ذر
( عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة
)، وفي رواية أخرى عند الترمذي
( حوضي من عدن إلى عمان البلقاء
) .
وفي الجمع والتوفيق
بين تلك الروايات يقول الإمام القرطبي
: " ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض
اضطراب واختلاف، وليس كذلك، وإنما تحدث النبي - صلى الله
عليه و سلم - بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ
المختلفة، مخاطبا كل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها،
فيقول لأهل الشام: ما بين أذرح و جربا، و لأهل اليمن: من
صنعاء إلى عدن، وهكذا، وتارة أخرى يقدر بالزمان، فيقول:
مسيرة شهر، والمعنى المقصود: أنه حوض كبير متسع الجوانب
والزوايا، فكان ذلك بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فخاطب
كل قوم بالجهة التي يعرفونها، والله أعلم "
ويبدو – والله أعلم
– أن المعنى المقصود ليس تحديد سعة الحوض تحديدا دقيقا بقدر
ما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يعطي انطباعا بسعة حوضه
وكبر مساحته، وذلك أننا لو قارنا المسافات بين كل بلدتين
ذكرهما - صلى الله عليه وسلم - لوجدنا اختلافا متباينا
بينهما، فالمسافة بين أيلة إلى صنعاء تختلف عن المسافة بين
أيلة وعدن بمئات الكيلومترات، وكذلك بين المدينة وصنعاء، جاء
في "شرح ابن ماجة": " وهذه الاختلافات تشعر بأن ذكرها جرى
على التقريب دون التحديد، وبأن المقصود بأن بعد ما بين
حافتيه وسيعة لا التقدير بمقدار معين " .
أول الشاربين من حوضه - صلى الله عليه وسلم-
ذكر – صلى الله
عليه وسلم – صنفين من الناس سيكونون أول الشاربين من حوضه –
صلى الله عليه وسلم –، الصنف الأول: فقراء المهاجرين، ويدل
على ذلك ما رواه ثوبان - رضي
الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (
أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين، الشعث رؤوسا، الدنس
ثيابا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد
) رواه الترمذي .
والصنف الثاني: أهل
اليمن، فعن ثوبان - رضي الله
عنه - أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم – قال: (
إني لبعقر حوضي، أذود الناس لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض
عليهم – يسيل عليهم - ... ) رواه
مسلم ، قال الإمام
النووي في شرحه: " معناه: أطرد
الناس عنه غير أهل اليمن، .. وهذه كرامة لأهل اليمن في
تقديمهم في الشرب منه، مجازاة لهم بحسن صنيعهم وتقدمهم في
الإسلام، .. فيدفع غيرهم حتى يشربوا، كما دفعوا في الدنيا عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - أعداءه والمكروهات " .
ولا يعني كون
الأنصار والمهاجرين هم أول واردي حوضه - صلى الله عليه وسلم
– أن غيرهم لا يرده، غير أنهم - في الجملة - قلة، فعن
أبي هريرة - رضي الله عنه - عن
النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: (
بينا أنا قائم، فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني
وبينهم، فقال: هلم، فقلت: إلى أين ؟ قال: إلى النار والله،
قلت: وما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم
القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني
وبينهم، قال: هلم، قلت: إلى أين ؟ قال: إلى النار والله،
قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى،
فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) رواه
البخاري ، قال الحافظ في الفتح
:" قوله: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم، يعني: من
هؤلاء الذين دنوا من الحوض، وكادوا يردونه، فصدوا عنه،
والهمل بفتحتين الإبل بلا راع، ... والمعنى: أنه لا يرده
منهم إلا القليل؛ لأن الهمل في الإبل قليل بالنسبة لغيره "
وواضح أن القلة هنا نسبية، أي: أن نسبة من يرد الحوض كبيرة
لكن الذين يطردون أكبر من الذين يشربون .
المطرودون عن حوضه - صلى الله عليه
وسلم- :
وردت أحاديث كثيرة
في ذكر المطرودين عن حوضه – صلى الله عليه وسلم – وهي تحمل
في طياتها تحذيرات من سلوك طريقهم، منها:
ما رواه
البخاري عن
أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه
- قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول:
( أنا فَرطُكُم – أي أتقدمكم - على الحوض فمن ورده
شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا . ليردنَّ علي
أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم
مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً
لمن بدل بعدي ) .
وما رواه
البخاري أيضا عن
أنس - رضي الله عنه - عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قال: ( ليردن
علي ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم، اختلجوا دوني،
فأقول: أصحابي، فيقال لي: لا تدري ما أحدثوا بعدك ) .
ومنها ما رواه
مسلم عن
عائشة - رضي الله عنها – قالت: سمعت رسول الله - صلى
الله عليه وسلم – يقول - وهو بين ظهراني أصحابه -: (
إني على الحوض، أنتظر من يرد علي منكم، فوالله ليقتطعن دوني
رجال، فلأقولن: أي رب مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما
عملوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم )
قال الإمام
القرطبي في "التذكرة" : "
قال علماؤنا - رحمة الله عليهم أجمعين -: فكل من ارتد عن
دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله،
فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردا من
خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف
فرقها، .. والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون،
وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل
أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستحفون بالمعاصي،
وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، ثم البعد قد يكون في حال،
ويقربون بعد المغفرة، إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في
العقائد " .
موضع الحوض يوم القيامة
عن
أبي هريرة - رضي الله عنه - عن
النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: (
بينا أنا قائم، فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني
وبينهم، فقال: هلم، فقلت: إلى أين ؟ قال: إلى النار والله،
قلت: وما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم
القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني
وبينهم، قال: هلم، قلت: إلى أين ؟ قال: إلى النار والله،
قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى،
فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) رواه
البخاري ، قال الإمام
القرطبي تعليقا على الحديث: "
فهذا الحديث - مع صحته - أدل دليل على أن الحوض يكون في
الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود
يجاز عليه، فمن جازه سلم من النار " فموضع الحوض قبل الصراط،
إذ إن من مرَّ على الصراط كان من أهل الجنة، فلو كان الحوض
بعد الصراط لامتنع أن يطرد عنه أحد .
وموضع الحوض لا
يكون على هذه الأرض، وإنما يكون وجوده في الأرض المبدلة، كما
قال تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض
}(إبراهيم:48) .
الواردون حوضه صلى الله عليه وسلم
:
يرد حوض النبي –
صلى الله عليه وسلم – في الجملة كل مؤمن لم يتلبس بمانع من
موانع ورود الحوض التي تضمنتها الأحاديث السابقة، غير أن
النبي ذكر بعض الأعمال الخاصة التي هي أسباب لنيل شرف وردود
حوضه – صلى الله عليه وسلم – منها :
1- الصبر عند
الأَثَرة: ويدل على ذلك حديث عبد الله
بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم – في وصيته
للأنصار - رضي الله عنهم -: ( إنكم
ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض )
متفق عليه، ومعنى ستلقون بعدي أثرة، أي: أن الأمراء بعدي
يفضلون عليكم غيركم ممن هو أقل كفاءة منكم.
2- عدم الدخول
على أئمة الجور ممالأةً ونفاقاً لهم، فعن
كعب بن عجرة عن النبي – صلى
الله عليه وسلم – أنه قال: ( أنه ستكون
بعدي أمراء، من دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم،
فليس مني ولست منه، وليس يرد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم،
ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه،
وسيرد على الحوض ) رواه الترمذي
والنسائي .
هذا هو حوض النبي
صلى الله عليه وسلم، ذكرناه بأوصافه، وأوصاف أهله، وأوصاف
المطرودين عنه، حتى يعلم المسلم السبيل إليه، في يوم عظم
خطره، واشتد حره، والله الموفق
مئة
خصلة انفرد بها الرسول صلى الله عليه وسلم
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه
1. أخذ الله له العهد على جميع الأنبياء ، صلى الله عليه
وسلم .
2. كان عند أهل الكتاب علم تام به صلى الله عليه وسلم .
3. كان نبيا وآدم منجدل في طينته صلى الله عليه وسلم .
4. هو أول المسلمين صلى الله عليه وسلم .
5. هو خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم .
6. هو نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم .
7. هو أولى بالأنبياء من أممهم صلى الله عليه وسلم .
8. هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجه أمهاتهم صلى الله
عليه وسلم .
9. كونه منة يمتن الله بها على عباده .
10. كونه خيرة الخلق ، وسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم .
11. طاعته ومبايعته هي عين طاعة الله ومبايعته .
12. الإيمان به مقرون بالإيمان بالله تعالى .
13. هو رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم .
14. هو أمنة لأمته صلى الله عليه وسلم .
15. عموم رسالته صلى الله عليه وسلم .
16. تكفل المولى بحفظه وعصمته صلى الله عليه وسلم .
17. التكفل بحفظ دينه صلى الله عليه وسلم .
18. القسم بحياته صلى الله عليه وسلم .
19. القسم ببلده صلى الله عليه وسلم .
20. القسم له صلى الله عليه وسلم .
21. لم يناده باسمه صلى الله عليه وسلم .
22. ذكر في أول من ذكر من الأنبياء .
23. النهي عن مناداته باسمه صلى الله عليه وسلم .
24. لا يرفع صوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم .
25. تقديم الصدقة بين يدي مناجاتهم له ( ثم نسخ ذلك ).
26. جعله الله نورا صلى الله عليه وسلم .
27. فرض بعض شرعه في السماء صلى الله عليه وسلم .
28. تولى الإجابة عنه صلى الله عليه وسلم .
29. استمرار الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم .
30. الإسراء والمعراج به صلى الله عليه وسلم .
31. معجزاته صلى الله عليه وسلم .
32. غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر صلى الله عليه وسلم .
33. تأخير دعوته المستجابة ليوم القيامة صلى الله عليه وسلم
.
34. أعطي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم .
35. أعطي مفاتيح خزائن الأرض صلى الله عليه وسلم .
36. إسلام قرينه من الجن صلى الله عليه وسلم .
37. نصره بالرعب مسيرة شهر صلى الله عليه وسلم .
38. شهادة الله وملائكته له صلى الله عليه وسلم .
39. إمامته بالأنبياء في بيت المقدس صلى الله عليه وسلم .
40. قرنه خير قرون بني آدم صلى الله عليه وسلم .
41. ما بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة صلى الله عليه
وسلم .
42. أعطي انشقاق القمر صلى الله عليه وسلم .
43. يرى من وراء ظهره صلى الله عليه وسلم .
44. رؤيته في المنام حق صلى الله عليه وسلم .
45. عرض الأنبياء مع أممهم عليه صلى الله عليه وسلم .
46. جعل خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم .
47. اطلاعه على المغيبات صلى الله عليه وسلم .
ما أكرمه الله تعالى به في الآخرة
48- وصفه بالشهادة صلى الله عليه وسلم .
49- ما أعطي من الشفاعات صلى الله عليه وسلم .
50- هو أول من يبعث صلى الله عليه وسلم .
51-هو إمام الأنبياء وخطيبهم صلى الله عليه وسلم .
52- كل الأنبياء تحت لوائه صلى الله عليه وسلم .
53- هو أول من يجوز على الصراط صلى الله عليه وسلم .
54- هو أول من يقرع باب الجنة صلى الله عليه وسلم .
55- هو أول من يدخل الجنة صلى الله عليه وسلم .
56-إعطاؤه الوسيلة والفضيلة صلى الله عليه وسلم .( الوسيلة :
اعلى منزلة في الجنة ).
57-إعطاؤه المقام المحمود صلى الله عليه وسلم .( وهي الشفاعة
العظمى ).
58- إعطاؤه الكوثر صلى الله عليه وسلم .( وهو نهر في الجنة
).
59- إعطاؤه لواء الحمد صلى الله عليه وسلم .
60-يكون له كرسي عن يمين العرش صلى الله عليه وسلم .
61-هو أكثر الأنبياء تبعا صلى الله عليه وسلم .
62- هو سيد الأولين والآخرين يوم القيامة صلى الله عليه وسلم
.
63- هو أول شافع ومشفع صلى الله عليه وسلم .
64- هو مبشر الناس يوم يفزع إليه الأنبياء صلى الله عليه
وسلم .
65- ما يوحى إليه في سجوده تحت العرش مما لم يفتح على غيره
من قبل ومن بعد صلى الله عليه وسلم .
66- منبره على حوضه صلى الله عليه وسلم .
ما أكرمه الله به في أمته في الدنيا
67- جعلت خير الأمم .
68- سماهم الله تعالى المسلمين ، وخصهم بالإسلام .
69- أكمل الله لها الدين ، وأتم عليها النعمة .
70- ما حطه الله لها عنها من الاصر والاغلال .
71- صلاة المسيح خلف إمام المسلمين .
72- أحلت لها الغنائم .
73- جعلت صفوفها كصفوف الملائكة .
74- التيمم والصلاة على الأرض .
75- خصهم بيوم الجمعة .
76- خصهم بساعة الإجابة يوم الجمعة .
77- خصهم بليلة القدر .
78- هذه الأمة هي شهداء الله في الأرض .
79- مثلها في الكتب السابقة ( ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم
في الإنجيل ).
80- لن تهلك بجوع ، ولا يسلط عليها عدو من غيرها فيستأصلها .
81- خصت بصلاة العشاء .
82- تؤمن بجميع الأنبياء .
83- حفظها من التنقص في حق ربها عز وجل .
84- لا تزال طائفة منها على الحق منصورة .
ما أكرمه الله تعالى به في أمته في الآخرة
85- هي شاهدة للأنبياء على أممهم .
86- هي أول من يجتاز الصراط .
87- هي أول من يدخل الجنة ،وهي محرمة على الناس حتى تدخلها .
88- انفرادها بدخول الباب الأيمن من الجنة .
89- سيفديها بغير من الأمم .
90- تأتي غرا محجلين من آثار الوضوء .
91- هي أكثر أهل الجنة .
92- سيرضي الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها .
93- زيادة الثواب مع قلة العمل .
94- كلها تدخل الجنة إلا من أبى بمعصيته لله ورسوله للحديث
الذي رواه البخاري .
95- كثرة الشفاعات في أمته .
96- تمني الكفار لو كانوا مسلمين .
97- هم الآخرون في الدنيا السابقون يوم القيامة .
98- دخول العدد الكثير منها الجنة بغير حساب .
99- لها علامة تعرف بها ربها عز وجل وهو الساق .
100- فيها سادة أهل الجنة .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرجع كتاب /تذكير المسلمين باتباع سيد المرسلين صلى الله
عليه وسلم عن بقية الأنبياء السابقين
جزاكن الله خيراً علي المرور وقد امركم بصلاة علي نبيه فصلو
عليه
عليه افضل صلاة وسلام
السلام عليكم و رحمة الله و
بركاته
اللحظات الأخيره لوفاة الرسول
(صلى الله عليه وسلم )
قبل الوفاة ، آخر شئ للرسول كان حجة الوداع ، وبعدها نزل قول
>>الله عزوجل((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
ورضيت لكم الاسلام دينا ))
فبكي أبوبكر الصديق عند سماعه هذه الآيه .. فقالوا له
مايبكيك ياأبوبكر انها آيه مثل كل آيه نزلت علي الرسول فقال
: هذا نعي رسول الله .
وقبل الوفاه ب 9 أيام نزلت آخر ايه من القرآن
(( واتقوا يوما ترجعون فيه الي الله ثم توفي كل نفس ما كسبت
وهم لا يظلمون))
وبدأ الوجع يظهر علي الرسول فقال : أريد أن أزور شهداء أحد
فذهب الي
شهداء أحد ووقف علي قبور الشهداء وقال : السلام عليكم يا
شهداء أحد
، أنتم السابقون وإنا إنشاء الله بكم لاحقون ، وإني إنشاء
الله بكم لاحق...
وأثناء رجوعه من الزياره بكي رسول الله صلى الله عليه وسلم(
قالوا ما يبكيك يارسولالله ؟ قال : اشتقت الي إخواني، قالوا
: أولسنا إخوانك يارسول الله؟
قال : لا
أنتم أصحابي ، أما إخواني فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم
يروني
اللهم أنا نسالك أن نكون منهم
وعاد الرسول ، وقبل الوفاه ب 3 أيام بدأ الوجع يشتد عليه
وكان في بيت
السيده ميمونه، فقال : اجمعوا زوجاتي ، فجمعت الزوجات، فقال
النبي :أتأذنون لي أن أمرض في بيت عائشه ؟
فقلن : أذن لك يا رسول الله
فأراد أن يقوم فما استطاع فجاء علي بن أبي طالب والفضل بن
العباس فحملا
النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا به من حجرة السيده ميمونه
الي حجرة السيده عائشه ....
فرآه الصحابه علي هذا الحال لأول مره .. فيبدأ الصحابه في
السؤال بهلع :
ماذا أحل برسول الله .. ماذا أحل برسول الله . فتجمع الناس
فيالمسجد
وامتلأ وتزاحم الناس عليه .
فبدأ العرق يتصبب من النبي بغزاره ، فقالت السيده عائشه :
لم أرى في حياتي أحد يتصبب عرقا بهذا الشكل . فتقول : كنت
آخذ بيد
النبي صلى الله عليه وسلم وأمسح بها وجهه
، لأن يد النبي أكرم وأطيب من يدي. وتقول : فأسمعه يقول : لا
اله إلا الله ، إن
للموت لسكرات. فتقول السيده عائشه : فكثر اللغط أي الحديث في
المسجد اشفاقا علي الرسول صلى الله عليه وسلم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ماهذا ؟. فقالوا : يارسول
الله
، يخافون عليك . فقال : احملوني إليهم. فأراد أن يقوم فما
استطاع
فصبوا عليه 7 قرب من الماء حتي يفيق . فحمل النبي وصعد إلي
المنبر
آخر خطبه لرسول الله و آخر كلمات له :
فقال النبي : أيها الناس ، كأنكم تخافون علي فقالوا : نعم
يارسول الله
. فقال : أيها الناس ، موعدكم معي ليس الدنيا ، موعدكم معي
عند الحوض
والله لكأني أنظر اليه من مقامي هذا . أيها الناس ، والله
ماالفقر
أخشي عليكم ، ولكني أخشي عليكم الدنيا أن تنافسوها كما
تنافسها الذين من قبلكم ، فتهلككم كما أهلكتهم .
ثم قال :
أيها الناس ، الله الله في الصلاه ، الله الله في الصلاه
بمعني أستحلفكم بالله العظيم أن تحافظوا علي الصلاه، وظل
يرددها ،
ثم قال : أيها الناس
، اتقوا الله في النساء ، اتقوا الله في النساء ، اوصيكم
بالنساء خيرا..
ثم قال : أيها الناس إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما
عند الله ،
فاختار ما عند الله فلم يفهم أحد قصده من هذه الجمله ، وكان
يقصد نفسه ، سيدنا أبوبكر هوالوحيد الذي فهم هذه الجمله ،
فانفجر بالبكاء وعلي نحيبه ،
ووقف وقاطع النبي وقال : فديناك بآبائنا ، فديناك بأمهاتنا ،
فديناء بأولادنا
فديناك بأزواجنا فديناك بأموالنا ، وظل يرددها
فنظر الناس إلي أبوبكر ، كيف يقاطع النبي .. فأخذ النبي عليه
الصلاة والسلام
يدافع عن أبوبكر قائلا : أيها الناس ، دعوا أبوبكر ، فما
منكم من أحد كان له عندنا من فضل إلا كافأناه به ، إلا
أبوبكر لم أستطع مكافأته ، فتركت مكافأته
إلي الله عز وجل ، كل الأبواب إلي المسجد تسد إلا باب
>>أبوبكر لا يسد أبدا ...
وأخيرا قبل نزوله من المنبر .. بدأ الرسول بالدعاء للمسلمين
قبل
الوفاه كآخر دعوات لهم ، فقال :
آواكم الله ، حفظكم الله ، نصركم الله ، ثبتكم الله ، أيدكم
الله
وآخر كلمه قالها ، آخر كلمه موجهه للأمه من علي منبره قبل
نزوله ،قال أيها الناس ، أقرأوا مني السلام كل من تبعني من
أمتي إلي يوم القيامه.وحمل مرة أخري إلي بيته .
وهو هناك دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر
وفي يده سواك ، فظل النبي ينظر الي السواك ولكنه لم يستطيع
ان يطلبه من شدة مرضه . ففهمت السيده عائشه من نظرة النبي ،
فأخذت السواك من
عبد الرحمن ووضعته في فم النبي ، فلم يستطع أن يستاك به ،
فأخذته من
النبي وجعلت تلينه بفمها وردته للنبي مره أخري حتي
يكون طريا عليه فقالت : كان آخر شئ دخل جوف النبي هو ريقي ،
فكان من فضل الله علي أن جمع بين ريقي وريق النبي قبل أن
يموت .
تقول السيده عائشه : ثم دخل فاطمه بنت النبي ، فلما دخلت
>>بكت ، لأن النبي لم يستطع القيام ، لأنه كان يقبلها بين
عينيها كلما
>>جاءت إليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ادنو مني يا
فاطمه ) فحدثها النبي في أذنها ،فبكت أكثر . فلما بكت قال
لها النبي ادنو مني يا فاطمه )
>>فحدثها مره أخري في
اذنها ، فضحكت ..... ( بعد وفاته سئلت ماذا قال لك النبي ،
فقالت :قال لي في المره الأولي يا فاطمه ، إني ميت الليله )
فبكيت
فلماوجدني أبكي قال يا فاطمه ، أنتي أول أهلي لحاقا بي )
فضحكت .
تقول السيده عائشه
ثم قال النبي أخرجوا من عندي في البيت ) وقال ( ادنو مني يا
عائشه )
فنام النبي علي صدر زوجته ، ويرفع يده للسماء ويقول بلالرفيق
الأعلي ، بل الرفيق الأعلي ) ..
تقول السيده عائشه : فعرفت أنه يخير
سيدنا جبريل دخل علي النبي وقال :
يارسول الله ، ملك الموت بالباب ، يستأذن أن يدخل عليك ، وما
استأذن
علي أحد من قبلك . فقال النبي إءذن له يا جبريل ) .....
فدخل ملك الموت علي النبي وقال : السلام عليك يا رسول الله
أرسلني
الله أخيرك ،بين البقاء في الدنيا وبين أن تلحق بالله .
فقال النبي :بل الرفيق الأعلي ، بل الرفيق الأعلي )
ووقف ملك الموت عند رأس النبي وقال : أيتها الروح الطيبه ،
روحمحمد بن عبد الله ، أخرجي إلي رضا من الله و رضوان ورب
راض غير غضبان ...
تقول السيده عائشه : فسقطت يد النبي وثقلت رأسه في صدري ،
فعرفت أنه قد مات ... فلم أدري ما أفعل ، فما كان مني غير أن
خرجت من حجرتي وفتحت بابي الذي يطل علي الرجال في المسجد
وأقول مات رسول
>>الله مات رسول الله . تقول : فانفجر المسجد بالبكاء .
فهذا علي بن أبي طالب أقعد ، وهذا عثمان بن عفان كالصبي يؤخذ
بيده يمني ويسري
وهذا عمر بن الخطاب يرفع سيفه ويقول من قال أنه قد مات قطعت
رأسه ، إنه ذهب للقاء ربه كما ذهب موسي للقاء ربه وسيعود
ويقتل من قال أنه قد مات .
أما أثبت الناس فكان أبوبكر الصديق رضي الله عنه دخل علي
النبي واحتضنه وقال : وآآآ خليلاه ، وآآآ صفياه ، وآآآ
حبيباه ، وآآآ نبياه . وقبل النبي وقال : طبت
حيا وطبت ميتا يا رسول الله .
ثم خرج يقول : من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان
يعبد الله فإن الله حي لا يموت
............ويسقط السيف من يد عمر بن الخطاب ، يقول :فعرفت
أنه قد مات ... ويقول : فخرجت أجري أبحث عن مكان أجلس فيه
وحدي لأبكي وحدي.
ودفن النبي والسيده فاطمه تقول : أطابت أنفسكم أن تحثوا
التراب علي وجه النبي ... ووقفت تنعي النبي وتقول : يا أبتاه
، أجاب ربا دعاه ، يا أبتاه ، جنة
الفردوس مأواه ، يا أبتاه ، الي جبريل ننعاه .
و اخيرا..
هل ستترك حياتك كما هي بعد وفاة الرسول-صلى الله عليه و سلم؟!-
االسيرة
النبوية العطرة لرسولنا الكريم سيدنا محمد صلوات الله و
سلامه عليه و علي آله و صحبه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
ضحكه ومزاحه صلى الله عليه وسلم
(6)
·
عن جرير -رضي الله عنه- قال :" ما
حجبني النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت ولا
رآني إلا تبسم في وجهي ..."(1)الحديث
.
·
وعن أبي ذر ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - : "إني لأعلم
آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها
رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه
وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت
يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا
فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن
تعرض عليه فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول رب
قد عملت أشياء لا أراها ها هنا فلقد رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ".(2)
·
عن أبي هريرة ( رضي الله عنه )
قال : قالوا يا رسول الله : إنك تداعبنا قال :" إني لا
أقول إلا حقا ".(3)
البسمة آية من آيات الله تعالى ونعمة ربانية عظيمة، إنها
سحر حلال تنبثق من القلب و ترتسم على الشفاه فتنثر
عبير المودة ، وتنشر نسائم المحبة ، وتستلّ عقد الضغينة
والبغضاء لتحل ّ الألفة والإخاء وكما قال ابن عيينة
-رحمه الله - : البشاشة مصيدة القلوب . وأوصى ابن عمر (
رضي الله عنه) ابنه فقال :
بنيّ إن البر شيء هيّن وجه
طليق وكلام ليّن
لقد أرسى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم خلق البسمة
والبشاشة و علّم الإنسانية هذه اللغة العالمية اللطيفة
بقوله وفعله وسيرته العطرة.
فكان صلى الله عليه وسلم بسّام الثغر طلق المحيا ، يحبه
بديهة من رآه ، و يفديه من عرفه بنفسه و أهله وأغلى ما
يملك!
لقد كانت تبسمه لأهله وأصحابه بذرا طيبا آتى أكله
ضعفين ، خيراً في الدنيا وأجراً في الآخرة .
أما الخيرية العاجلة ؛ فانشراح القلب و راحة الضمير ، و
منافع صحية أخرى أثبتها الأطباء على البدن ، ويتبعها
مصالح اجتماعية و شرعية من تأليف القلوب و ربطها بحبل
المودة المتين و ترغيبها لحب الدين ، فالبسمة بريد
عاجل إلى الناس كافة لا تكلفنا مؤنا مالية أو متاعب
جسدية بل تبعث في ومضة سريعة يبقى أثرها الحميد عظيما في
النفوس!
و الخيرية الآجلة ؛ الثواب المثبت في جزاء الصدقة وبذل
المعروف ، فالتبسم في وجه المسلم صدقة فاضلة يسطيعها
الفقير والغني على حدّ سواء.
و ربما ساغ للبعض البخل بالابتسامة ، وإيثار العبوس و
الجفاء ، للظهور بما يظنه سمت أهل العبادة والزهد أو
يحسب بشاشته سبباً لقسوة القلب و غفلته وذهاب المروءة !!
فأينه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم و سنته و يسر
دينه ورحمته ؟!.
ألا ترى كيف ضحك الحبيب صلى الله عليه وسلم ابتهاجاً
برحمة ربه تبارك وتعالى حتى بدت أنيابه ، وكان يداعب
الصغار و يسليهم ، ويؤانس أصحابه الرجال ويمازحهم ، حتى
يقول القائل منهم - متعجباً لسماحته صلى الله عليه وسلم-
: (إنك تداعبنا ؟!) فلا
يمنعهم مزاحه ،و لا يعتبره منافيا لمقام النبوة و شرف
الرسالة و مهام الدعوة إلى الله تعالى .
و يكتفي لأصحابه بضابط الدعابة الحسنة بقوله :"
إني لا أقول إلا حقاً
" أي صدقاً وعدلاً.
فالمداعبة مطلوبة محبوبة لكن في مواطن مخصوصة فليس في كل
آن يصلح المزاح ولا في كل وقت يحسن الجد .
أهازل حيث الهزل يحسن بالفتى وإني إذا
جدّ الرجال لذو جدّ
قال الراغب - رحمه الله -: المزاح والمداعبة إذا كان
على الاقتصاد محمود والإفراط فيه يذهب البهاء ويجرّئ
السفهاء، وتركه يقبض المؤانس ويوحش المخالط .
فالمنهي عنه ما فيه كذب أو مداومة عليه لما فيه من الشغل
عن ذكر الله تعالى(4).
وبعد فهل يترقى المربون والمعلمون والدعاة والموجهون،
والآباء والأمهات والمسئولون والرعاة إلى إن تعلو شفاههم
البسمة فيقتدي بهم من كان تحت أيديهم وتحت رعايتهم؟؟؟
(3)
سنن الترمذي (1990) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن
صحيح.
صفة أكله و طعامه صلى الله عليه وسلم (1-2)
(7)
·
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال:
(كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء
وكان أكثر خبزهم خبز الشعير)(1).
·
عن مسروق قال دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فدعت لي
بطعام وقالت ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت قال
قلت: لم؟ قالت: (أذكر
الحال التي فارق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم
الدنيا والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم)(2).
عندما نلقي الضوء على مائدة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى
الله عليه وسلم خير هذه الأمة و أزكاهم عند ربه تبارك
وتعالى فلن تطول القائمة بأصناف الطعام الفاخرة ، وألوان
الشراب الشهية ، لا ولا الآنية الثمينة والسفر العامرة!!!
لم تكن هذه اللذائذ حاضرة في ذهنه المشغول بالدعوة إلى
الله تعالى وتعليم شرعه وبيان فرائض دينه ، ولم تسيطر تلك
الشهوة على قلبه المتعلق بالله تبارك وتعالى وابتغاء
مرضاته ، ولم تشغل من وقته إلا حيزا يسيرا بقدر ما يشبع
رمقه و يدفع جوعه و ربما بات ليالي طاوياً لا يجد ما
يطعمه!
نعم لقد آثر أن يشبع يوماً ويجوع يوماً ليتقلب بين نعمتي
الشكر والصبر ، ذاق طعم الجوع، و لو شاء لسأل الله سبحانه
كنوز الأرض و رغدها وطيب عيشها، و لكن ما له وللدنيا!!
فكم أنفق مما أفاء الله عليه من خيل و ركاب وأموال على
أصحابه ومضى لبيته خليّاً راجيا نعيم الآخرة داعياً ربه:
(اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)(3).
إن طلب القوت من الرزق و الإعراض عن المباهج ليس ازدراء
لنعمة الله تعالى ، أو تعاظما على فضله ، كلّا وحاشا .
و لا يعني أبداً حبس النفس و مضّارتها بصدّها عن تحصيل
حاجاتها الضرورية ، فقد أحل الله لنا الطّيبات من الرزق ،
كما أنزل سبحانه في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم :
(وَكُلُوا مِمَّا رَزَقْكُمُ اللهُ
حَلاَلاً طَيـِّباً و اتَّقُوْا اللهَ الَّذِيْ أَنْتُمْ
بِهِ مُؤْمِنُوْنَ )(4)
وقال تعالى: (كُلُوْا وَاْشْرَبُوْا
وَلاَ تُسْرِفُوْا )(5)
، و قد طعم رسول الله صلى الله عليه وسلم اللحم و الثريد
، وأعجبه الدّباء و العسل و الشراب الحلو ونحوها من
المأكولات المعروفة في عصره ، لكنه لم يداوم على الأصناف
الشهية المفضّلة عند عامة الناس ، بل أحب الزهد فيها و
طلب القوت من الرزق تأصيلاً لمنهج التقوى و القناعة بما
قسم الله تعالى والارتباط القوي بالدار الآخرة و أن لا
عيش إلا عيش الآخرة وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ
الأعين ، و أن النعيم الآجل لا يدرك بالنعيم العاجل .
إن اقتصاده في العيش، و تعرّضه للجوع أياماً ، لم يحبطه و
يحرمه الشعور بالسعادة، و لم يقعده عن النجاح في تحقيق
أهدافه ، فقد نال أشرف المعالي بتبليغ الرسالة و تعليم
القرآن و هداية الأمة إلى دين الله تعالى ، وبناء مجتمع
صالح و الكثير الكثير من المنجزات الخالدة الفريدة ، بل
هو السابق إلى كل خير ، والمؤسس لكل صلاح ديني !
ألا فلنتدبر هديه صلى الله عليه وسلم في تربية النفس على
الكفاف في كل ما يتّصل بأمر الدنيا ، و صيانتها عن
الترفّه
و الإسراف ، و التعفف عن مذلّة السؤال ، والحاجة إلى
الناس ، و الرضى بما قدّر الله تعالى من الأرزاق و النعم .
و في هذا المعنى قال الشاعر:
|
دع الحرص على الـدنيا
فـإن الرزق مـقـسوم
فقيـر كـل ذي حرص
|
|
وفي العيش فلا تطمع
وسوء الـظن لا ينفع
غنيٌّ كـل مـن يقنع
|
(1)
سنن الترمذي (2360) و سنن ابن ماجه (3347) وقال أبو
عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
(2)
سنن الترمذي (2356) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح
.
صفة أكله وطعامه صلى الله عليه وسلم (2-2)
(8)
·
عن أنس - رضي الله عنه - قال
: (كان
النبي
صلى الله عليه وسلم
إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث )(1).
·
و عن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
: (لا آكل متكئا)(2).
إن المتأمل لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في النمط
الغذائي المتمثل في نوعية طعامه و كميته وكيفية تناوله
يجد في شمائله الكريمة القوانين الصحيّة القيّمة التي
ينادي بها الأطباء للتغذية السليمة ، و حفظ الصحة .
و للوقوف على شيء من تلك الهداية النبوية (الصحية)
نستعرض حديثا واحداً رواه المقدام بن معد يكرب يقول :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :(ما
ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، حسبك يا بن آدم لقيمات يقمن
صلبك فإن كان لا بد فثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس).(3)
في هذا الحديث يدعونا الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى
الاقتصار على لقيمات تدفع حرارة الجوع ، و لفظ
(اللقيمات) يوحي بصغر حجم اللقمة و قلة عددها و أن هذا
المقدار يكفل للجسم الكفاية من العناصر الغذائية التي
يحتاجها ليقيم صلبه .
و في قلة الأكل و ترك النهم منافع كثيرة ؛ منها أن يكون
الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف
نفسا وفي كثرة الشبع كظ المعدة ونتن التخمة ويتولد منه
الأمراض المختلفة فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه
المقل في الأكل وقال بعض الحكماء : أكبر الدواء تقدير
الغذاء.(4)
و ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة فقال :ما سمعت كلاما في
قلة الأكل أحكم من هذا.(5)
وفي وقتنا المعاصر الثري بالتقنية والعلوم التخصصية
الحديثة نلمس قيمة هذه النصيحة النبوية الدقيقة
المعجزة في مجال الصحة!
و نرى في مجتمعاتنا المسلمة آثار التخلّي عن تطبيقها
بتفشّي أمراض البدانة ، وما يترتب عليها من إنشاء
المراكز الصحّية للعناية بتقليل الوزن، و إعداد البرامج
الغذائية للتخفيف و الحمية و صرف العقاقير الطبية ،
ونحوها مما يستنزف الوقت والمال والجهد والصحة!
إننا بحاجة ماسة إلى تطبيق آداب الطعام النبوية في
حياتنا اليومية ، لنحقق سنة الإتباع لسيد المرسلين صلى
الله عليه وسلم ، و ننال بركة الاسترشاد بهديه القويم
في صلاح الخلق و تهذيب النفس إلى جانب حفظ الصحة وسلامة
البدن .
ومن المعاني النبيلة المقترنة بالأكل؛ التواضع عند أخذ
اللقمة وعدم الاتكاء إلا عند المشقة، والتيمن في
التناول ولعق الأصابع، وتكريم النعمة بعدم عيب الطعام
ولو عافته نفسه ، و استحضار آداب الطعام حمداً للكريم
المنان.
(3)
صحيح ابن حبان (5236)، سنن النسائي
الكبرى (6769) ، سنن ابن ماجه (3349).
(4)
تفسير القرطبي( ج7/ص192).
(5)
فتح الباري (ج9/ص528).
لباسه وفراشه صلى الله عليه وسلم
(9)
·
عن دحية الكلبيّ (رضي الله عنه) قال :
(أهديت لرسول الله صلى الله عليه
وسلم جبة صوف وخفين فلبسهما حتى تخرقا)(1)
·
و عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال :(كان
أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يلبسها
الحبرة)(2)
·
و عن عائشة (رضي الله عنها) قالت :
(إنما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام
عليه أدماً حشوه ليف)(3)
·
وعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال :
(تبسم رسول الله صلى الله عليه
وسلم وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة
من آدم حشوها ليف وإن عند رجليه قرظا مصبوبا وعند رأسه أهب
معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال : ما يبكيك ؟
فقلت : يا رسول الله ؛ إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت
رسول الله ! فقال : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا
الآخرة)(4)
عادةً ما يكون لباس المرء عنواناً لطبيعته الكامنة ، فإن
ما ترسخ جذوره في الباطن لا بدّ أن تبدو ثماره في الظاهر،
ولذا كان أجمل لباس و أحسنه هو التقوى النابت من القلب و
الممتد على الجوارح ليسبغ على العبد خلائق الستر والحياء
والعفاف، كما قال تعالى : (يَا
بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً
يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى
ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ)(5).
هذا اللباس المحمود هو أحب لباس تغشاه الحبيب صلى الله
عليه وسلم، و أقربه إلى نفسه، اللباس الذي يحمل معالم
التقوى و حقيقته بما يمتاز به من ستر العورات، و البعد عن
الإسراف والخيلاء والشهرة، وعن مشابهة الكفار مما هو من
خصائصهم إلى غيره من النواهي الشرعية .
و كان أحبّ الثياب إليه الحِبَرَة، وهي : برد يماني من
قطن محبّر يعني مزيّن، والظاهر أنه أحبها للينها
و طراوتها وحسن انسجام نسجها، وإحكام صنعتها و موافقتها
لجسده الشريف، فإنه صلى الله عليه وسلم كان غاية في
النعومة و اللطف(6).
إلا أنه لم يرفّه نفسه بالمواظبة على الثياب المريحة
والقمص الراقية بل كان يرتدي ما سنح له مما ملكه أو أهدي
له لسماحته، و بساطة عيشه، و كثرة ورعه، فاتزر واتخذ
الرداء، واشتمل الكساء، و تحلّى بالبرد، ولبس جبة صوف و
خفّين حتى تخرّقا، و ربما ارتدى حلّة جميلة أعجب بها أحد
أصحابه فلم تلبث على جسده إلا يسيرا ثم أهداه له ! لا
يغريه رونقها و حسنها عن الجود بها، كما لم يسوؤه خشونة
جبة الصوف أن تلازمه أمداً حتى تمزقت!!!
ما أعظم هذه النفس الأبية التي لا ترضى أن تقع تحت تأثير
متاع الدنيا مهما كان رائعا وجذّاباً، أو حقيراً معاباً!
طامحة إلى ما أعده المولى سبحانه وتعالى لأوليائه من نعيم
دائم، و خير تامّ ، لا ينقطع و لا يمتنع و لم يخطر على
قلب بشر .
أما فراشه الذي ينام عليه فبساط غليظ من الجلد المحشو من
الليف الخشن، بقدر ما يقيه وعورة الأرض و حرارتها و يمنحه
حاجته من النوم، غير مسترسل في الراحة و الغفلة عن قيام
الليل و ذكر الله تبارك وتعالى .
و ربما نام على الحصير فأثّر على جلده الشريف وجنبه !
فأبكى عمر (رضي الله عنه) رحمة و شفقة على حاله المؤثرة
صلى الله عليه وسلم، و تمنّى له ما لكسرى وقيصر من الفرش
الوثيرة، والأسرة المريحة، والأثاث الفاخر، والدثار
الناعم، فجذبه الحبيب صلى الله عليه وسلم بلطفه المعهود
إلى المآل المنشود والنعيم الموعود في الآخرة ...
و الآخرة خير وأبقى .
(1)
المعجم الكبير (4200 ).
كلامه صلى الله عليه وسلم
·
عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: (ما كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلّم بكلام
بيّن فصل، يحفظه من جلس إليه"(1).
·
عن أنس بن مالك قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه".(2)
تطالعنا كتب السنة الشريفة بما روي عن النبي صلى الله عليه
وسلم من الأحاديث في الأحكام والأخبار بلسان عربي مبين،
سهل الألفاظ، واضح المعاني، جزل العبارة، لا تمله المسامع
ولا تأنفه الخواطر في سلاسة طبع وجودة لسان وغزارة بيان
وإيجاز مع إعجاز.
لقد أوتي جوامع الكلم وبدائع الحكم وبلاغة القول، بما جمع
له صلى الله عليه وسلم من أصالة المنشأ القرشي وقوة عارضة
البادية وجزالتها ورقة ألفاظ الحاضرة، إضافة إلى جريان
الآي القرآني المبارك على لسانه والعصمة الربانية التي لا
تنبغي لأحد من بعده.
وكان الصحابة (رضي الله عنهم) أحظى هذه الأمة بسماع سنته
من فيه الشريف وأصدقهم نقلا لصفة كلامه صلى الله عليه وسلم
وحسن منطقه وجودة عبارته.
وهذا الحكم الذي نقلوه عنه ذو دلالات عظيمة منها:
·
أنهم (رضي الله عنهم) مورد اللغة العربية ومنهل الفصاحة
والبيان، وأهل الخبرة والمعرفة باللسان العربي، لم يتسرب
إليهم الفساد في اللفظ ولم يخلّطوا الكلام، فكان المصطفى
صلى الله عليه وسلم بشهادتهم في الذروة العليا من الفصاحة
والبلاغة، ومن أحاديثه الجزلة (قليلة المباني عظيمة
المعاني) قوله صلى الله عليه وسلم:" ثلاث من كن فيه وجد
حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما
وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر
كما يكره أن يقذف في النار.."(3).
·
أنهم لم يحكموا على خطبه أو مواعظه أو نصائحه على حدة في
ساعة مؤقتة أو فترة محددة فربما نمّقها، وأولاها عنايته
واهتمامه، ولكنه وصف عام دائم لا ينفك عن منطقه، ولا يتخلف
عن قوله، على سائر أحواله من إقامة وسفر، وجهاد ودعوة، مذ
كرمه ربه تبارك وتعالى بآياته واختاره لختم رسالاته.
·
منطقه البهيّ وحديثه النديّ مكّن أصحابه (رضي الله عنهم)
من حفظ سنته في الصدور، ونقل دقيقها وجليلها لمن بعدهم على
الوجه الذي سمعوه من فِيه صلى الله عليه وسلم.
كما أن أسلوبه الحديثي الخاص يكشف لمن اعتاد سماعه ما ألصق
به من الروايات الباطلة والأحاديث الموضوعة وتمييز الصحيح
من السقيم بما تنفر أسماعهم منه لركاكته وضعف بنائه وسخف
مراده.
·
أحب الصحابة (رضي الله عنهم) النبي صلى الله عليه وسلم،
وأحبوا كلامه العذب فكان ملأ السمع
ولذّة القلب وراحة المشاعر، وعاه (من جلس إليه) من كبير
وصغير، ورجل وامرأة، متقدم في العلم أو مبتدئ فيه، وكذا
الحاضر والبادِ.
و يأتي دورنا في الاقتداء به في دروسنا ومواعظنا وحياتنا
كلها لنتعلم منه فنّ الحديث الطيّب المحبّب، والأسلوب
الجذّاب المهذّب، والحوار البناء والجواب العلمي المقنع،
والإنصات الحكيم، وغيرها من فنون الكلام المستفادة من سنته
صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى التنور بأمثاله البديعة
وحكمه الجامعة المنيعة، والاستشهاد بها في المواقف
المناسبة كقوله:" لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله
ويبتليك "(4).
·
في نفي عائشة (رضي الله عنها) أن يكون النبي صلى الله عليه
وسلم يسرد الكلام ويلقيه تباعا، تنبيه إلى حاجة الخطيب
والداعية إلى المواعظ الجزلة والدروس الموجزة، والدعوات
الجامعة، وتجنب الإطالة المقيتة، والتفاصيل الدقيقة،
اتباعا لهديه صلى الله عليه وسلم:" إن طول صلاة الرجل وقصر
خطبته مئنة من فقهه "(5)
الهوامش:
وصف النبي
وصفاته
بين يديك مختصر اشتمل على أهم الصفات الخَلْقية للنبي
الكريم؛ وذلك لتتعرف أكثر على أشرف المخلوقين، وأفضل
السابقين واللاحقين، فكلما ازدادت معرفتنا به ازداد حبنا
له؛ لأن معرفته تقوي محبتنا له، وإذا ما أحببناه اقتدينا
بهديه وتأدبنا بآدابه وتعاليمه.. فلا تجعل ذهنك يفارق صورة
النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه وأخلاقه.
اسمه:
- قال الله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ} (الفتح:).
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لي خمسة أسماء: أنا
محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر،
وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي
ليس بعده نبي" رواه مسلم.
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تعجبون كيف
يصـرف الله عني شتم قريش، ولعنهم؟ يشتمون مذممًا، ويلعنون
مذممًا، وأنا محمد".
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى
كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من
قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" رواه مسلم.
- وقال صلى الله عليه وسلم: "تسموا باسمي، ولا تكنوا
بكنيتي، فإنما أنا قاسم أقسم بينكم" رواه مسلم.
فضائله:
- قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *
وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا *
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ
فَضْلًا كَبِيرًا} (الأحزاب
- {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ
وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ
اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الأحزاب:).
- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}
(الأنبياء:).
- وقال صلى الله عيه وسلم: "أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم
القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة" صحيح مسلم.
- وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا أول شفيع في الجنة، لم
يُصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن نبيًا من الأنبياء ما
صدقه من أمته إلا رجل واحد" صحيح مسلم.
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم
يوم القيام، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع ومشفع"
صحيح مسلم.
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلت على الأنبياء
بِسِت: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلّت لي
الغنائم، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُرسلت إلى
الخلق كافة، وخُتم بي النبيون" رواه الترمذي وابن ماجه وهو
حديث حسن صحيح.
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مثلي ومثل
الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، إلا
موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به
ويعجبون لـه، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا
اللبنة، وأنا خاتم النبيين" رواه البخاري ومسلم.
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني عند الله مكتوب
خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول
أمري: دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين
وضعتني، وقد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام". رواه
أحمد والطبراني والبيهقي وصححه ابن حبان (لمنجدل: ملقى على
الأرض).
لونه
عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم وما على وجه الأرض رجل رآه غيري قال: فكيف
رأيته؟ قال: كان أبيض مليحًا مقصدًا. رواه مسلم
وعن أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر
اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم. رواه البخاري ومسلم،
والأزهر: هو الأبيض المستنير المشرق، وهو أحسن الألوان.
وعن أبي الطفيل رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه
وسلم أبيض مليحًا مقصدًا. رواه مسلم
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم
أبيض قد شاب. رواه البخاري ومسلم.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان النبي صلى الله
عليه وسلم أبيض مشربًا بياضه حمرة. رواه أحمد والترمذي
والبزار وابن سعد وأبو يعلى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وجهه
كان الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام أسيَل الوجه،
مسنون الخدين ولم يكن مستديرًا غاية التدوير، بل كان بين
الاستدارة والإسالة، وهو أجمل عند كل ذي ذوق سليم. وكان
وجهه مثل الشمس والقمر في الإشراق والصفاء، مليحًا كأنما
صيغ من فضة لا أوضأ ولا أضوأ منه.
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر. رواه
البخاري ومسلم.
وعن أبي إسحاق قال: سُئل البراء أكان وجه النبي صلى الله
عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر. رواه
البخاري.
وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله
عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم في ليلة إضحيان( مقمرة)، وعليه حُلَّة
حمراء، فجعلتُ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى
القمر، فإذا هو عندي أحسنُ من القمر
جبينه
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم أسيل الجبين"، (الأسيل: هو المستوي)، أخرجه عبد
الرازق والبيهقي ابن عساكر.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان صلى الله عليه وسلم
أجلى الجبهة، إذا طلع جبينه من بين الشعر، أو طلع في فلق
الصبح، أو عند طفل الليل، أو طلع بوجهه على الناس تراءوا
جبينه كأنه ضوء السرج المتوقد يتلألأ، وكان النبي صلى الله
عليه وسلم واسع الجبهة. رواه البيهقي في دلائل النبوة وابن
عساكر.
عيناه
كان النبي صلى الله عليه وسلم أكحل العينين أهدب الأشفار
إذا وطئ بقدمه وطئ بكلّها ليس له أخمص إذا وضع رداءه عن
منكبيه فكأنه سبيكة فضة" البيهقي وحسنه الألباني.
وكان صلى الله عليه وسلم "إذا نظرت إليه قُلت أكحل العينين
وليس بأكحل"، رواه الترمذي.
وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم عظيم العينين، هَدِبُ الأشفار، مشرب العينين بحمرة.
رواه أحمد وابن سعد والبزار. ومعنى مشرب العينين بحمرة: أي
عروق حمراء رقاق.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت إذا نظرت إليه
قلت: أكحل العينين وليس بأكحل صلى الله عليه وسلم. رواه
الترمذي وأحمد وأبو يعلى والحاكم والطبراني في الكبير.
أنفه
يحسبه من لم يتأمله أشمًا ولم يكن أشمًا وكان مستقيمًا،
أقنى أي طويلاً في وسطه بعض ارتفاع، مع دقة أرنبته
(الأرنبة هي ما لان من الأنف
خـدّاه
عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يُسَلِّمُ عن يمينه وعن يساره حتى يُرى
بياض خده"، أخرجه ابن ماجه وقال مقبل الوادي هذا حديث
صحيح.
قال يزيد الفارسي رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم جميل دوائر الوجه. رواه أحمد.
رأسه
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم ضخم الرأس. رواه أحمد والبزار وابن سعد
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم عظيم الهامة. رواه الطبراني في الكبير والترمذي
في الشمائل
فمه وأسنانه
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم ضليع الفم.. قال شعبة: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟
قال: عظيم الفم. رواه مسلم.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ضليع الفم (أي واسع الفم) جميلهُ، وكان من
أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم. وكان وسيمًا أشنب
أبيض الأسنان مفلج (متفرق الأسنان) بعيد ما بين الثنايا
والرباعيات، أفلج الثنيَّتين (أي الأسنان الأربع التي في
مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت) إذا تكلم " رُئِيَ
كالنور يخرج من بين ثناياه.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم أفلج الثنيتين، إذا تكلم رُئي كالنور يخرج من
بين ثناياه. رواه الدرامي والترمذي في الشمائل. وأفلج
الثنيتين أي متفرق الأسنان الأربع التي في مقدم الفم،
ثنتان من فوق وثنتان من تحت.
سمعه
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله
عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ
حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة،
فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟". فقال رجل: أنا. قال:
"فمتى مات هؤلاء؟". قال: ماتوا على الإشراك. فقال ": "إن
هذه الأمة تبتلى في قبورها. فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله
أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. رواه مسلم.
صوته
عن أم معبد رضي الله عنها، قالت: كان في صوت رسول الله صلى
الله عليه وسلم صهل. رواه الطبراني في الكبير والحاكم وقال
صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، قالت: إني كنت
لأسمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي.
يعني قراءته في صلاة الليل. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه
والحاكم والطبراني.
ريقه
لقد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم خصائص كثيرة
لريقه الشريف، ومن ذلك أن ريقه صلى الله عليه و سلم فيه
شفاء للعليل، ورواء للغليل وغذاء وقوة وبركة ونماء... فكم
داوى صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف من مريض فبرئ من
ساعته!
جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: لأعطِيَنَّ الراية
غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه
الله ورسوله. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله
عليه وسلم وكلهم يرجو أن يُعطاها، فقال صلى الله عليه
وسلم: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي
عينيه. قال: فأرسلوا إليه.
فأُتِيَ به وفي رواية مسلم: قال سلمة: فأرسلني رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى علي، فجئت به أقوده أرمد فتفل رسول
الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، فبرئ كأنه لم يكن به
وجع...
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: "رأيت أثر ضربة في ساق سلمة
فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها
يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة... فأتيت النبي صلى الله
عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيت حتى الساعة"،
أخرجه البخاري.
وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده قال: "أصيبت
عين أبي ذر يوم أحد فبزق فيها النبي صلى الله عليه وسلم
فكانت أصح عينيه"، أخرجه البخاري.
عنقه ورقبته
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كأن عنق رسول الله
صلى الله عليه وسلم إبريق فضة"، أخرجه ابن سعد في الطبقات
والبيهقي.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان أحسن عباد الله عنقًا،
لا ينسب إلى الطول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشمس
والرياح فكأنه إبريق فضة يشوب ذهباً يتلألأ في بياض الفضة
وحمرة الذهب، وما غيب في الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه
القمر ليلة البدر"، أخرجه البيهقي وابن عساكر.
منكِباه
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله
عليه وسلم بعيد ما بين المنكبين. رواه البخاري مسلم.
والمنكب هو مجمع العضد والكتف. والمراد بكونه بعيد ما بين
المنكبين أنه عريض أعلى الظهر ويلزمه أنه عريض الصدر مع
الإشارة إلى أن بُعد ما بين منكبيه لم يكن منافيًا
للاعتدال. وكان كَتِفاه عريضين عظيمين.
كفاه
عن أنس أو جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان ضخم الكفين لم أر بعده شبهًا له. أخرجه البخاري.
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رحب الراحة (أي واسع
الكف) كفه ممتلئة لحمًا، غير أنّها مع غاية ضخامتها كانت
لَيِّنَة أي ناعمة.
وعن أنس رضي الله عنه قال: ما مسست حريرًا ولا ديباجًا
ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه البخاري
ومسلم.
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء... وقام الناس فجعلوا
يأخذون يديه، فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها
على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك.
أخرجه البخاري.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: صليت مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجت
معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا.
قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا
كأنما أخرجها من جونة عطار. أخرجه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود قال: "كنا نَعُد الآيات بَركة،
وأنتم تَعُدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم في سفر فقَلَّ الماء، قال عليه الصلاة والسلام:
اطلبوا لي فضلة من ماء. فأدخَل يده في الإناء وقال: حَيّ
على الطَّهور المبارك، والبركة من الله. ويقول ابن مسعود:
لقد رأيتُ الماء ينبع من بين أصابع الرسول صلى الله عليه
وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل"، رواه
البخاري.
عن إياس بن سلمة، حدثني أبي، قال: غزونا مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم حنيناً إلى أن قال: ومررت على رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته الشهباء.. فلما غشوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة
من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه،
فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك
القبضة" فولوا مدبرين. أخرجه مسلم.
صَدره
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم سواء البطن والصدر، عريض الصدر. رواه الطبراني
والترمذي في الشمائل.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم عريض الصدر ممسوحة، كأنه المرايا في شدتها واستوائها،
لا يعدو بعض لحمه بعضًا، على بياض القمر ليلة البدر، موصول
ما بين لبته إلى سرته شعر منقاد كالقضيب، لم يكن في صدره
ولا بطنه شعر غيره. رواه ابن نعيم وابن عساكر والبيهقي.
ساقاه
عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "... وخرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم كأني أنظر إلى بيض ساقيه"، أخرجه البخاري
في صحيحه.
قدماه
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله
عليه وسلم خمصان الأخمصين (الأخمص من القدم ما بين صدرها
وعقبها، وهو الذي لا يلتصق بالأرض من القدمين، يريد أن ذلك
منه مرتفع) مسيح القدمين (أي ملساوين ليس في ظهورهما تكسر)
وسشن الكفين والقدمين (أي غليظ الأصابع والراحة) رواه
الترمذي في الشمائل والطبراني.
وكان صلى الله عليه و سلم أشبَهَ النَّاس بسيدنا إبراهيم
عليه السلام، وكانت قدماه الشَّريفتان تشبهان قدمي سيدنا
إبراهيم عليه السلام كما هي آثارها في مقام سيدنا إبراهيم
عليه السلام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء في وصف
سيدنا إبراهيم عليه السلام: "ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده
به( صحيح البخاري)
وكان أبو جهم بن حذيفة القرشي العدوي الصحابي الجليل،
يقول: ما رأيت شبهًا كشبه قدم النبي صلى الله عليه وسلم
بقدم إبراهيم التي كنا نجدها في المقام.
قامته وطوله
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خلقًا، ليس
بالطويل البائن ولا بالقصير. رواه البخاري ومسلم.
مشيته
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما رأيتُ شيئًا أحسن من
رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّ الشمس تجري في وجهه،
وما رأيت أحدًا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم
كأنَّما الأرض تطوى له، إنَّا لَنُجهد أنفسنا وإنَّه " غير
مكترث.
وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان
إذا مشى تَكَفَّأ ( أي مال يميناً وشمالاً ومال إلى قصد
المشية ) ويمشي الهُوَينا (أي يُقارِب الخُطا)
وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان إذا مشى، مشى مجتمعًا ليس فيه كسل"، (أي شديد الحركة،
قوي الأعضاء غير مسترخ في المشي) رواه أحمد.
التفاته
كان صلى الله عليه وسلم إذا التفت التفت معًا أي بجميع
أجزائه فلا يلوي عنقه يمنة أو يسرة إذا نظر إلى الشيء لما
في ذلك من الخفة وعدم الصيانة وإنّما كان يقبل جميعًا
ويُدبِر جميعًا لأن ذلك أليَق بجلالته ومهابته هذا بالنسبة
للالتفات وراءه، أمّا لو التفت يمنة أو يسرة فالظاهر أنه
كان يلتفت بعنقه الشريف.
خاتم النبوة
هو خاتم أسود اللون مثل الهلال وفي رواية أنه أخضر اللون،
وفي رواية أنه كان أحمر، وفي رواية أخرى أنه كلون جسده.
ويبلغ حجم الخاتم قدر بيضة الحمامة، وورد أنه كان على أعلى
كتف النبي صلى الله عليه وسلم الأيسر
عن جابر بن سمرة قال: رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله صلى
الله عليه وسلم، غُدة حمراء مثل بيضة الحمامة يشبه جسده.
رائحته
عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشا تكفأ، وما مسحت
ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ولا شممت مسكاً ولا عنبرًا أطيب من رائحة النبي صلى
الله عليه وسلم.
وعن أنس أيضًا قال: "دخل علينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم فَقَال (أي نام) عندنا، فعرِقَ وجاءت أمي بقارورة
فجعلت تَسلُتُ العَرَق، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا أم سُلَيم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: عَرَق نجعله
في طيبنا وهو أطيَب الطيب"، رواه مسلم.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل وجد ريحه، وإذا
وضع يده على رأس صبي فيظل يومه يُعرَف من بين الصبيان
بريحه على رأسه.
يقول جابر بن سمرة: ما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
طريقًا فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه، وقد
كنت صبيًا - فمسح خدي فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما
أخرجها من جونة عطار
كلامه
قال الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ
صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى *
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم) 1-4
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة
القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل،
سلاسة طبع، ونصاعة لفظ وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف،
أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب،
يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة
عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق
كلامها إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي، لذلك كان "
يقول لعبد الله بن عمرو: :اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج
مني إلا الحق.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بجوامع الكلم،
ونصرت بالرعب، فبينما أنا نائم رأيتني أوتيت بمفاتيح خزائن
الأرض، فوضعت في يدي" مسند الإمام أحمد.
وكان كلامه صلى الله عليه وسلم بَيِّن فَصْل ظاهر يحفظه من
جَلَس إليه، وقد ورد في الحديث الصحيح: "كان " يُحَدِّث
حديثاً لو عَدَّه العادُّ لأحصاه.
وكان صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً لِتُعقَل عنه"
رواه البخاري.
ضحكه
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضحك إلا تَبَسُّماً،
وكنتَ إذا نظرتَ إليه قُلتَ أكحل العينين وليس بأكحل"، حسن
رواه الترمذي.
- وعن عبد الله بن الحارث قال: "ما رأيتُ أحداً أكثر
تبسمًا من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم لا يُحَدِّث حديثاً إلا تبَسَّم وكان مِن
أضحك الناس وأطيَبَهم نَفسًا".
وكان صلى الله عليه وسلم إذا ضحك بانت نواجذه أي أضراسه من
غير أن يرفع صوته، وكان الغالب من أحواله التَّبَسُّم.
يقول خارجة بن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر
الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان كثير
السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل،
كان ضحكه تبسمًا، وكلامه فصلاً، لا فضول ولا تقصير، وكان
ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيراً له واقتداءً به.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر. رواه عبد الرزاق في
مصنفه
خاتمه
كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة، نقش عليه
من الأسفل إلى الأعلى "محمد رسول الله"، وذلك لكي لا تكون
كلمة "محمد" صلى الله عليه وسلم فوق كلمة "الله" سبحانه
وتعالى.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:" لما أراد رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم، قيل له: إن العجم لا
يقبلون إلا كتابًا عليه ختم، فاصطنع خاتمًا، فكأني أنظر
إلى بياضه في كفه"، رواه الترمذي في الشمائل والبخاري
ومسلم.
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: "اتخذ رسول الله صلى الله
عليه وسلم خاتماً من ورِق (أي من فضة) فكان في يده، ثم كان
في يد أبي بكر ويد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في
بئر أريس" وأريس بفتح الهمزة وكسر الراء، هي بئر بحديقة من
مسجد قباء.
وصف أم معبد
قالت أم معبد الخزاعية في وصف رسول اللَّه صلى الله عليه
وسلم لزوجها، حين مر بخيمتها مهاجرًا:
رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق لم تعبه تجلة،
ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشعاره
وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطح، أحور، أكحل، أزج، أقرن،
شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه
البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من
قريب، حلو المنطق، فضل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات
نظمن يتحدرن، ربعة، لا تقحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول،
غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا،
له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر
تبادروا إلى أمره، محفود، محشود، لا عابس ولا مفند.
وصف علي بن أبي طالب
قال علي رضي الله عنه وهو ينعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم - لم يكن بالطويل الممغط، ولا القصير المتردد، وكان
ربعة من القوم، لم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط، وكان
جعداً رَجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان في
الوجه تدوير، وكان أبيض مشرباً، أدعج العينين، أهدب
الأشفار، جليل المشاش والكتد، دقيق المسربة، أجرد، شثن
الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا
التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم
النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس
لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من
رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر
قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.
وصف هند بن أبي هالة
كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم
الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل
السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه -لا بأطراف فمه-
ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير دمثاً
ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم
شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً -ما يطعم- ولا يمدحه، ولا يقام
لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له لا يغضب لنفسه، ولا
ينتصر لها - سماح - وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب
قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه
التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.
وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه. يؤلف أصحابه ولا يفرقهم،
يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم
من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره.
يتفقد أصحابه - ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن
ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا
يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا لكل حال عنده عتاد، لا يقصر
عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره الذي يلونه من الناس خيارهم،
وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم
مواساة ومؤازرة.
كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن - لا
يميز لنفسه مكاناً - إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به
المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب
جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة
صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا
بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار
لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين. يتفاضلون عنده
بالتقوى، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه
الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم -لا تخشى فلتاته- يتعاطفون
بالتقوى، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا
الحاجة، ويؤنسون الغريب.
كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا
غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما
لا يشتهي، ولا يقنط منه قد ترك نفسه من ثلاث الرياء،
والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث لا يذم أحداً،
ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو
ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير،
وإذا سكت تكلموا. لا يتنازعون عنده الحديث. من تكلم عنده
أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون
منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في
المنطق، ويقول إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا
يطلب الثناء إلا من مكافئ
وصف عمرو بن العاص
عن ابن شُمَاسَةَ المهَرِيِّ قال حضرنا عمرو ابن العاص
فذكر لنا حديثاً طويلاً فيه: "وما كان أحدٌ أحب إليَّ من
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلَّ في عيني منه، وما
كنت أطيقُ أن أملأ عيني منهُ إجلالاً له، ولو سئلتُ أن
أصفه " ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه.
صفة صلاة الرسول الكريم صلى اله عليه وسلم
اللهم صلي على خير الأنام سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم تسليمًا كبيراً.
صورة الرسول صلى الله عليه وسلم
خلق أفضل الخلق يقول عنه ربه تبارك وتعالى ( وإنك لعلى خلق
عظيم) سورة ن وتقول عنه أم المؤمنين عندما سئلت عن خلقه
فقالت ( كان خلقه القرآن) وإن المسلم ليشتاق لرؤيته صلى
الله عليه وسلم وكذلك لمعرفة خلقه
.
وليستمع لتوجيهه وأقواله ليقتدي به ويقتفي أثره , ولن
أطيل عليكم وسأنقل لكم هذه الأحاديث التي جمعتها من صحيح
الجامع فلعلها تذكرنا بخلقه صلى الله عليه وسلم وكذلك كيف
كانت هيئته وصورته التي صوره الله عليه فنشتاق إليه أكثر
ونحبه أكثر بأبي هو وأمي ... فتعالوا معي واقرأوا هذه
الأحاديث
كان ابغض الخلق إليه الكذب
كان ابيض ، كأنما صيغ من فضه ، رجل الشعر
كان ابيض ، مشربا بحمره ، ضخم الهامة ، أهدب الأشفار
كان ابيض ، مشربا بيض بحمره ، و كان اسود الحدقة ، أهدب
الأشفار
كان ابيض مليحا مقصدا
كان احب الألوان إليه الخضرة
كان احب الثياب إليه الحبرة
كان احب الثياب إليه القميص
كان احب الدين ما داوم عليه صاحبه
كان احب الشراب إليه الحلو البارد
كان احب الشهور إليه إن يصومه شعبان [ ثم يصله برمضان ]
كان احب العرق إليه ذراع الشاه
كان احب العمل إليه ما دووم عليه و إن قل
كان احسن الناس خلقا
كان احسن الناس ربعه ، إلى الطول ما هو ، بعيد ما بين
المنكبين ، أسيل الخدين ، شديد سواد الشعر ، اكحل العينين
، أهدب الأشفار ، إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ، ليس له أخمص ،
إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضه
كان احسن الناس ، و أجود الناس ، و أشجع الناس
كان احسن الناس وجها ، و أحسنهم خلقا ، ليس بالطول البائن
، و لا بالقصير
كان أخف الناس صلاه على الناس ، و أطول الناس صلاه لنفسه
كان أخف الناس صلاه في تمام
كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ، و
لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ، و يقول : السلام عليكم ،
السلام عليكم
كان إذا أتى مريضا ، أو أتي به قال : اذهب البأس رب الناس
، اشف و أنت الشافي ، لا شفاء ألا شفاؤك ، شفاء لا يغادر
سقما
كان إذا أتاه الأمر يسره قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات ، و إذا أتاه الأمر يكرهه قال : الحمد لله على كل
حال
كان إذا أتاه الرجل و له اسم لا يحبه حوله
كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه ، فأعطى الأهل حظين ، و
أعطى العزب حظا
كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : اللهم صل على آل فلان
كان إذا أتى بباكورة الثمرة وضعها على عينيه ثم على شفتيه
، ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان
كان إذا أتى بطعام سال عنه اهديه أم صدقه ؟ فان قيل : صدقه
، قال لأصحابه : كلوا و لم يأكل و إن قيل : هديه ، ضرب
بيده ، فأكل معهم
كان إذا اخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع ، ثم أمرهم فحسوا
، و كان يقول : انه ليرتو فؤاد الحزين ، و يسرو عن فؤاد
السقيم ، كما تسرو إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها
كان إذا اخذ مضجعه جعل يده اليمنى تحت خده الأيمن
كان إذا اخذ مضجعه قرا { قل يا أيها الكافرون } حتى يختمها
كان إذا اخذ مضجعه من الليل قال ( بسم الله وضعت جنبي ،
اللهم اغفر لي ذنبي و اخسأ شيطاني ، و فك رهاني ، و ثقل
ميزاني ، و اجعلني في الندى الأعلى))
كان إذا اخذ مضجعه من الليل ، وضع يده تحت خده ثم يقول ((:
باسمك اللهم أحيا ، و باسمك أموت ،)) وإذا استيقظ قال (
الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا و إليه النشور ))
كان إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد
كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع
كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده ثم يقول :
اللهم قني عذابك ، يوم تبعث عبادك ( ثلاث مرات )
كان إذا أراد إن يستودع الجيش قال : استودع الله دينكم ، و
أمانتكم ، وخواتيم أعمالكم
كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفة
كان إذا أراد أن ينام و هو جنب توضأ وضوءه للصلاة، و إذا
أراد أن يأكل أويشرب و هو جنب غسل يديه ، ثم يأكل و يشرب
كان إذا أراد سفرا اقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج
بها معه
كان إذا أراد غزوه ورى بغيرها
كان إذا استجد ثوبا سماه باسمه قميصا أو عمامة أو رداء ثم
يقول : اللهم لك الحمد ، و أنت كسوتنيه ، أسألك من خيره ،
و خير ما صنع له ، و أعوذ بك من شره ، و شر ما صنع له
كان إذا استراث الخبر تمثل ببيت طرفه : و يأتيك بالأخبار
من لم تزود
كان إذا استسقى قال : اللهم اسق عبادك و بهائمك ، و انشر
رحمتك ، و أحيي بلدك الميت
كان إذا استفتح الصلاة قال : سبحانك اللهم و بحمدك ، و
تبارك اسمك ، و تعالى جدك ، و لا اله غيرك
كان إذا استن أعطى السواك الأكبر ، وإذا شرب أعطى الذي عن
يمينه
كان إذا اشتد البرد بكر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر ابرد
بالصلاة
كان إذا اشتدت الريح قال : اللهم لقحا لا عقيما
كان إذا اشتكى أحد رأسه قال : اذهب فاحتجم ، و إذا اشتكى
رجله قال : اذهب فاخضبها بالحناء
كان إذا اشتكى رقاه جبريل قال : بسم الله يبريك ، من داء
يشفيك ، و من شر حاسد إذا حسد ، و من شر كل ذي عين كان إذا
اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات و مسح عنه بيده
كان إذا اصبح و إذا أمسى قال : أصبحنا على فطره الإسلام ،
و كلمه الإخلاص ، ودين نبينا محمد ، و مله أبينا إبراهيم ،
حنيفا مسلما و ما كان من المشركين
كان إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبه ، لم يزل معرضا
عنه حتى يحدث توبة
كان إذا اعتم سدل عمامته بين كفتيه
كان إذا افطر عند قوم قال : افطر عندكم الصائمون ، و أكل
طعامكم الأبرار ، و تنزلت عليكم الملائكة
كان إذا افطر قال : ذهب الظمأ ، و ابتلت العروق و ثبت
الأجر أن شاء الله
كان إذا افطر عند قوم ، قال : افطر عندكم الصائمون ، و صلت
عليكم الملائكة
كان إذا اكتحل اكتحل وترا ، و إذا استجمر استجمر
كان إذا أكل أو شرب قال : الحمد لله الذى أطعم و سقى ، و
سوغه و جعل له مخرجا
كان إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث
كان إذا أكل لم تعد أصابعه بين يديه
كان إذا انزل عليه الوحي كرب لذلك و تربد وجهه
كان إذا انزل عليه الوحي نكس رأسه و نكس أصحابه رؤوسهم ،
فإذا اقلع عنه رفع رأسه
كان إذا انصرف انحرف
كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا ، ثم قال : اللهم
أنت السلام ، و منك السلام ، تباركت ياذا الجلال و
الإكرام
كان إذا أوى إلى فراشه قال : الحمد لله الذى أطعمنا ،
وسقانا ، و كفانا ، و آوانا فكم ممن لا كافي له ، و لا
مؤوي له
كان إذا بايعه الناس يلقنهم : فيما استطعت
كان إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال : بشروا و
لا تنفروا ، و يسروا و لا تعسروا
كان إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل : ما بال فلان يقول ؟
ولكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا و كذا
كان إذا تضور من الليل قال : لا اله إلا الله الواحد
القهار ، رب السموات و الأرض و ما بينهما العزيز الغفار
كان إذا تكلم بكلمه أعادها ثلاثا ، حتى تفهم عنه ، و إذا
أتى على قوم فسلم عليهم ، سلم عليهم ثلاثا
كان إذا تهجد يسلم بين كل ركعتين ..
اخوتي في الله ،السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
أخلاق رسولنا الكريم
محمد صلي الله عليه و سلم
قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): 'أكمل
المؤمنين ايمانا احسنهم خلقا' صحيح الجامع
جميعنا يعلم أنه صلى الله عليه وسلم مثلنا الأعلى في
أخلاقه ، وقد مدحه الله تعالى في كتابه العزيز بقوله : "
وإنك لعلى خلق عظيم "'
سورة القلم ايه 4'
ووصفته عائشة رضي الله عنها وصفا دقيقا حينما سئلت عن
خلقه فقالت : " كان خلقه القرآن " ، ومن كان خلقه القرآن
كان قدوة
وأسوة حسنة يقتدى به في الأخلاق والسلوك والمنهج " لقد
كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله
واليوم الآخر "
سورة الأحزاب ، آية 21.
وقد صوّر لنا الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه
أبلغ تصوير حينما قال :
وأجمل منك لم ترَ قط عيني وأكمل منك لم
تلد النساء
خُلقت مبرّأً من كل عيب كأنك قد خُلقت كما تشاء
رسولنا الحبيب رحيم
محمد صلى الله عليه وسلم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
٭ قال القرطبي رحمه الله : الرؤوف: المبالغ في الرأفة
والشفقة .. وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من
الأنبياء اسمين من
أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قال:
"بالمؤمنين رؤوف رحيم" وقال: "إن الله بالناس لرؤوف
رحيم" [الحج: 65].
وقال عبدالعزيز بن يحيى: نظم الآية لقد جاءكم رسول من
أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رؤوف رحيم، عزيز عليه ما
عنتم لا يهمه إلا
شأنكم، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا بما عنتم ما
أقمتم على سنته؛ فانه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة.
٭ قال البغوي رحمه الله : ( بالمؤمنين رؤوف رحيم ) قيل:
رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين،
٭ وقال الإمام السعدي رحمه الله : ( بالمؤمنين رؤوف رحيم
) أي : شديد الرأفة والرحمة بهم ، أرحم بهم من والديهم .
ولهذا كان حقه
مقدما على سائر حقوق الخلق ، وواجب على الأمة الإيمان به
، وتعظيمه ، وتوقيره ، وتعزيره ... ، فقد وهبه الله
قلباً رحيماً ، يرقّ
للضعيف ، ويحنّ على المسكين ، ويعطف على الخلق أجمعين ،
حتى صارت الرحمة له سجيّة ، فشملت الصغير والكبير ،
والقريب
والبعيد ، والمؤمن والكافر ، فنال بذلك رحمة الله تعالى
، فالراحمون يرحمهم الرحمن . وقد تجلّت رحمته صلى الله
عليه وسلم في عددٍ
من المظاهر والمواقف ، ومن تلك المواقف :
رحمته بالأطفال
كان صلى الله عليه وسلم يعطف على الأطفال ويرقّ لهم ،
حتى كان كالوالد لهم ، يقبّلهم ويضمّهم ، ويلاعبهم
ويحنّكهم بالتمر ،كما فعل
بعبدالله بن الزبير عند ولادته .
أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرةَ رضيَ اللّه عنه
قال: قبَّلَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم الحسنَ بن
عليٍّ وعندَهُ الأقرعُ بن
حابس التميميُّ جالساً فقال الأقرعُ : إنَّ لي عشرةً من
الوَلَدِ ما قبَّلتُ منهم أحداً ، فنظر إليهِ رسولُ
اللّه صلى الله عليه وسلم ثم قال :
" من لا يَرحمُ لا يُرحَم " .
وصلى عليه الصلاة والسلام مرّة وهو حامل أمامة بنت زينب
، فكان إذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها .
وكان إذا دخل في الصلاة فسمع بكاء الصبيّ ، أسرع في
أدائها وخفّفها ، فعن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال:
( إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء
الصبي ،فأتجوز في صلاتي ، كراهية أن أشقّ على أمّه) رواه
البخاري ومسلم.
وكان يحمل الأطفال ، ويصبر على أذاهم ، فعن عائشة أم
المؤمنين أنها قالت: ( أُتي رسول الله صلى الله عليه
وسلم بصبي ، فبال على
ثوبه ، فدعا بماء ، فأتبعه إياه) رواه البخاري.
وكان يحزن لفقد الأطفال ، ويصيبه ما يصيب البشر ، مع
كامل الرضا والتسليم ، والصبر والاحتساب ، ولما مات
حفيده صلى الله عليه
وسلم فاضت عيناه ، فقال سعد بن عبادة - رضي الله عنه : "
يا رسول الله ما هذا؟ " فقال : ( هذه رحمة جعلها الله في
قلوب عباده ،
وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) .
رحمته بالنساء
لما كانت طبيعة النساء الضعف وقلة التحمل ، كانت العناية
بهنّ أعظم ، والرفق بهنّ أكثر ، وقد تجلّى ذلك في خلقه
وسيرته على أكمل
وجه ، فحثّ صلى الله عليه وسلم على رعاية البنات
والإحسان إليهنّ ، وكان يقول : ( من ولي من البنات شيئاً
فأحسن إليهن كن له
سترا من النار ) ، بل إنه شدّد في الوصية بحق الزوجة
والاهتمام بشؤونها فقال :
( ألا واستوصوا بالنساء خيرا ؛ فإنهنّ عوان عندكم ليس
تملكون منهن شيئا غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة )
.
وضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في التلطّف مع أهل
بيته ، حتى إنه كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية
رضي الله
عنها رجلها على ركبته حتى تركب البعير ، وكان عندما
تأتيه ابنته فاطمة رضي الله عنها يأخذ بيدها ويقبلها ،
ويجلسها في مكانه الذي
يجلس فيه .
رحمته بالضعفاء عموماً
وكان صلى الله عليه وسلم يهتمّ
بأمر الضعفاء والخدم ، الذين هم مظنّة وقوع الظلم عليهم
، والاستيلاء على حقوقهم ، وكان يقول في
شأن الخدم : ( هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن
كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ،
ولا تكلفوهم من
العمل ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم ) ، ومن مظاهر
الرحمة بهم كذلك ، ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم :
( إذا جاء خادم
أحدكم بطعامه فليقعده معه أو ليناوله منه فإنه هو الذي
ولي حره ودخانه ) رواه ابن ماجه وأصله في مسلم .
ومثل ذلك اليتامى والأرامل ، فقد حثّ الناس على كفالة
اليتيم ، وكان يقول : ( أنا وكافل اليتيم كهاتين في
الجنة ، وأشار بالسبابة
والوسطى ) ، وجعل الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد
في سبيل الله ، وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل ، واعتبر
وجود الضعفاء
في الأمة ، والعطف عليهم سبباً من أسباب النصر على
الأعداء ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أبغوني الضعفاء ؛
فإنما تنصرون
وتُرزقون بضعفائكم ) .
رحمته بالمسنين
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: "مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا
لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ
عِنْدَ سِنِّهِ" رواه الترمذي.
وانظر إلى هذا التعميم: "مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا
لِسِنِّهِ".. أي شيخ مسن، مهما كان لونه، ومهما كان
دينه، فالمسلم مطالب بإكرام المسن دون
النظر إلى عقيدته أو بلده أو لونه... .. فالمسلم يرحم
الناس كافة، والأطفال كافة، والمسنين كافة، مسلمهم وغير
مسلمهم.
كذلك التخفيف عن المسن في الأحكام وخير دليل على ذلك
قوله صلى الله عيه وسلم لخولة المجادلة : "مُريه فليعتق
رقبة"، فسألت
التخفيف عن زوجها. فقال: "فليصم شهرين متتابعين". فقالت:
والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين
مسكينًا وسقًا من
تَمر". فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده! فقال نبي
الرحمة: "فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر"! ولم ينس الرسول
الجليل والأب الرحيم أن
يوصي المرأة الشابة بزوجها الشيخ فقال: "استوصي بابن عمك
خيرًا" تفسير ابن كثير.
وفي الفرائض: أجاز للمسن أن يفطر في نهار رمضان -ويطعم-
إذا شق عليه الصيام، وأن يصلي جالسًا إذا شق عليه
القيام، وأن يصلي
راقدًا إذا شق عليه الجلوس.. وهكذا...
ولقد عنّف الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل، ذات
يوم، لما صلّى إمامًا فأطال فشق على المأموم، قائلاً:
"يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنْتَ! [ ثَلَاثَ مِرَارٍ]!
فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى،
فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ
وَذُو الْحَاجَةِ!"(صحيح البخاري)
ورخص للمسن أن يرسل من يحج عنه إن لم يستطع أن يمتطى
وسيلة النقل. فعَنْ الْفَضْلِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ
خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي
شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي
الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى
ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ لها النَّبِيُّ صلى الله عليه
وسلم :
"فَحُجِّي عَنْهُ" ( صحيح مسلم).
وكان صلى الله عليه وسلم يحرص على تجنيب المسنين ويلات
الحروب ومنع قتلهم، فيأمر أصحابه وقادة جيشه بعدم التعرض
لكبار
السن والنساء والأطفال باعتبارهم غير محاربين، ولا يقوون
على حمل السلاح، فاعتبرهم من غير المشمولين بالحرب
والقتل.
رفقه بأبي قحافة وتوقيره له:
لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا ، ودخل
المسجد الحرام، أتى أبو بكر بأبيه يقوده إليه ليبايع
ويسلم. فلما رآه رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال صاحب الخلق العظيم:
"هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟!"
قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، هو أحق أن يمشى
إليك من أن تمشى أنت إليه!!
فأجلسه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بين يديه، وأكرمه،
ثم مسح على صدره، ثم قال: "أسلم" فأسلم.
رحمته بالبهائم
وشملت رحمته صلى الله عليه وسلم البهائم التي لا تعقل ،
فكان يحثّ الناس على الرفق بها ، وعدم تحميلها ما لا
تطيق ، فقد روى الإمام
مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله
كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ،
وإذا ذبحتم فأحسنوا
الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، فليرح ذبيحته ) ودخل النبي
صلّى الله عليه وسلم ذات مرة بستاناً لرجل من الأنصار ،
فإذا فيه جَمَل ، فلما
رأى الجملُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذرفت عيناه ،
فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح عليه حتى سكن ،
فقال : ( لمن هذا
الجمل؟ ) فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله ،
فقال له: ( أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك
الله إياها ؛ فإنه شكا لي أنك
تجيعه وتتعبه ) رواه أبو داوود .
و عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنَّا معَ
رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم في سَفَرٍ ، فانطلَقَ
لحاجتِه ، فرأينا حمامة معَها
فرْخانِ ، فأخذْنا فرخَيها ، فجاءَتِ الحُمَّرةُ وهي
فجعة ، فجاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقالَ : " مَنْ
فجَّعَ هذِه بوَلدِها ؟ رُدُّوا ولدَها
إِليها " ، ورأى قريةَ نمْلٍ قد حُرَّقت ، قال : " مَنْ
حرَّقَ هذِه ؟ إِنَّه لا ينبغي أنْ يُعذِّبَ بالنَّارِ
إِلاَّ ربُّ النَّارِ " أخرجه أبو داود .
رحمته بالجمادات
ولم تقتصر رحمته صلى الله عليه وسلم على الحيوانات ، بل
تعدّت ذلك إلى الرحمة بالجمادات ، وقد روت لنا كتب السير
حادثة عجيبة
تدل على رحمته وشفقته بالجمادات ، وهي : حادثة حنين
الجذع ، فإنه لمّا شقّ على النبي صلى الله عليه وسلم طول
القيام ، استند إلى
جذعٍ بجانب المنبر ، فكان إذا خطب الناس اتّكأ عليه ، ثم
ما لبث أن صُنع له منبر ، فتحول إليه وترك ذلك الجذع ،
فحنّ الجذع إلى النبي
صلى الله عليه وسلم حتى سمع الصحابة منه صوتاً كصوت
البعير ، فأسرع إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه
حتى سكن ، ثم
التفت إلى أصحابه فقال لهم : ( لو لم أحتضنه لحنّ إلى
يوم القيامة ) رواه أحمد .
رحمته بالأعداء حرباً وسلماً
فعلى الرغم من تعدد أشكال الأذى الذي ذاقه النبي صلى
الله عليه وسلم وأصحابه من الكفار في العهد المكي، إلا
أنه صلى الله عليه وسلم
قد ضرب المثل الأعلى في التعامل معهم ، وليس أدلّ على
ذلك من قصة إسلام الصحابي الجليل ثمامة بن أثال رضي الله
عنه ، عندما
أسره المسلمون وأتوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فربطوه بسارية من سواري المسجد ، ومكث على تلك الحال
ثلاثة أيام وهو يرى
المجتمع المسلم عن قرب ، حتى دخل الإيمان قلبه ، ثم أمر
النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاقه ، فانطلق إلى نخل قريب
من المسجد
فاغتسل ، ثم دخل المسجد فقال : " أشهد أن لا إله إلا
الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، يا محمد : والله ما
كان على الأرض وجه
أبغض إلي من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي ،
والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك ، فأصبح دينك أحب
الدين إلي ،
والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك ، فأصبح بلدك أحب
البلاد إلي " ، وسرعان ما تغير حال ثمامة فانطلق إلى
قريش يهددها بقطع
طريق تجارتهم ، وصار درعاً يدافع عن الإسلام والمسلمين .
كما تجلّت رحمته صلى الله عليه وسلم أيضاً في ذلك الموقف
العظيم ، يوم فتح مكة وتمكين الله تعالى له ، حينما
أعلنها صريحةً واضحةً :
( اليوم يوم المرحمة ) ، وأصدر عفوه العام عن قريش التي
لم تدّخر وسعاً في إلحاق الأذى بالمسلمين ، فقابل
الإساءة بالإحسان ،
والأذيّة بحسن المعاملة .
لقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم كلها رحمة ، فهو رحمة
، وشريعته رحمة ، وسيرته رحمة ، وسنته رحمة ، وصدق الله
إذ يقول :
{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) .
|
ما ظهر
في كفه صلى الله عليه وسلم من الآيات
|
|
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال
:
أُتي
النبي صلى الله عليه وسلم بإناء فوضع يده فيه ، فجعل
الماء ينبع من بين أصابعه .
أخرجه البخاري والترمذي .
عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال :
( إني
لشاهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلقة ، وفي
يده حصى ، فسبحن في يده، وفينا أبو بكر وعمر وعثمان
وعلي ، فسمع تسبيحهن من في الحلقة ) .
أخرجه الطبراني في الأوسط والبزار .
عن عائشة رضي الله عنها قالت :
أتاني
رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرنس فيه تمثال عقاب ،
فوضع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فأذهبه
الله عز وجل .ومن الآيات رميه الحصى في وجه المشركين
.أخرجه
البيهقي .
|
|
لون النبي صلى الله عليه وسلم |
|
عن أنس رضي الله عنه :
كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر
اللون ليس بأبيض أمهق ولا أدم .
رواه البخاري ومسلم ، والأزهر : هو
الأبيض المستنير المشرق ، وهو أحسن الألوان .
عن أبي الطفيل رضي الله عنه : كان
النبي صلىالله عليه وسلم أبيض مليحاً
مقصداً . رواه مسلم .
عن أبي جحيفة رضي الله عنه :
كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض قد
شاب .
رواه البخاري ومسلم .
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض
مشرباً بياضه حمرة .
رواه أحمد والترمذي والبزار وابن سعد
وأبو يعلى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
|
|
وجه النبي
صلى
الله عليه وسلم |
|
عن كعب بن مالك رضي الله عنه :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
سُرَّا استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر .
رواه البخاري ومسلم .
عن عائشة رضي الله عنها :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل
عليّ مسروراً تَبرقُ أسارير وجهه .
رواه البخاري ومسلم .
عن أم معبد رضي الله عنها قالت :
رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة أبلج الوجه
وسيم قسيم .
رواه الطبراني والحاكم وابن سعد ،
الأبلج : أي الحسن المشرق المضيء .
|
|
صوت
النبي صلى الله عليه وسلم |
|
عن أم معبد رضي الله عنها ، قالت :
كان في صوت رسول الله صلى الله عليه
وسلم صهل .
رواه الطبراني في الكبير والحاكم وقال
صحيح الاسناد ووافقه الذهبي .
عن أم هانيء بنت أبي طالب رضي الله
عنها ، قالت :
إني كنت لأسمع صوت رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأنا على عريشي . يعني قراءته في صلاة الليل
.
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم
والطبراني .
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ، قال :
صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فلما أنفتل من صلاته أقبل علينا غضباناً ،
فنادى بصوت أسمع العواتق في أجواف الخدور . فقال : (
يا معشر من أسلم ولم يدخل الإيمان في قلبه ، لا تذموا
المسلمين ولا تطلبوا عوراتهم ، فإنه من يطلب عورة أخيه
المسلم هتك الله ستره ، وأبدا عورته ، ولو كان في ستر
بيته ) .
رواه الطبراني في الكبير .
|
|
فم النبي صلى الله عليه وسلم |
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع
الفم .. قال شعبة : قلت لسماك : ما ضليع الفم ؟ قال :
عظيم الفم .
رواه مسلم .
وفي حديث علي رضي الله عنه قال :
كان صلى الله عليه وسلم حسن الفم .
رواه ابن سعد وابن عساكر .
وفي حديث يزيد الفارسي في وصفه صلى
الله عليه وسلم :
حسن المضحك .
رواه أحمد وابن سعد .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت :
كان أحسن عباد الله شفتين وألطفه ختم
فم .
رواه البيهقي في الدلائل
|
|
عين
النبي صلى الله عليه وسلم |
|
عن علي رضي الله عنه قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم
العينين ، هَدِبُ الأشفار ، مشرب العينين بحمرة .
رواه أحمد وابن سعد والبزار . ومعنى
مشرب العينين بحمرة : أي هي عروق رقاق ، وهي من
علاماته صلى الله عليه وسلم التي في الكتب السالفة .
عن علي رضي الله عنه قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعج
العينين ، أهدب الأشفار .
رواه الترمذي والبغوي وابن سعد . وأدعج
: أي شديد سواد الشعر ، والأهدب : هو طويل أشفار العين
.
عن علي رضي الله عنه قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود
الحدقة .
رواه يعقوب في المعرفة والتاريخ .
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال :
كنت إذا نظرت إليه قلت : أكحل العينين
وليس بأكحل صلى الله عليه وسلم .
رواه
الترمذي وأحمد وأبو يعلى والحاكم والطبراني في الكبير
.
قال أبو هريرة رضي الله عنه :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكحل
العينين .
رواه عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في
الدلائل .
قال
مقاتل بن حيان رضي الله عنه :
أوحى الله إلى عيسى بن مريم : جد في
أمري ولا تهزل … إلى أن قال : صدقوا النبي العربي
الأنجل العينين .
أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة
والتاريخ . ومعنى الأنجل : أي ذو عين واسعة صلى الله
عليه وسلم . |
|
جبين
النبي صلى الله عليه وسلم |
|
قال أبو هريرة رضي الله عنه :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
مُفاض الجبين .
رواه البيهقي وابن عساكر والبزار بنحوه
. ومُفاض الجبين : يعني واسع الجبين .
عن علي رضي الله عنه قال :
ان صلى الله عليه وسلم صلت الجبين .
رواه ابن سعد وابن عساكر . وصلت الجبين
: بمعنى واسع ، وقيل أملس ، وقيل بارز الجبين .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيل
الجبين .
رواه عبد الرزاق والبيهقي وابن عساكر .
وأسيل الجبين : بمعنى مستوي الجبين .
عن عائشة رضي الله عنها قالت :
كان صلى الله عليه وسلم أجلي الجبهة ،
إذا طلع جبينه من بين الشعر ، أو طلع في فلق الصبح ،
أو عند طفل الليل ، أو طلع بوجهه على الناس تراءوا
جبينه كأنه ضوء السرج المتوقد يتلألأ ، وكان النبي صلى
الله عليه وسلم واسع الجبهة .
رواه البيهقي في دلائل النبوة وابن
عساكر . |
|
أسنان النبي
صلى الله عليه
وسلم
|
|
عن
ابن عباس رضي الله عنه قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج
الثنيتين ، إذا تكلم رُئي كالنور يخرج من بين ثناياه .
رواه الدرامي والترمذي في الشمائل .
عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم براق
الثنايا .
رواه ابن عساكر .
قالت عائشة رضي الله عنها :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم افلج
الأسنان أشنبها .
والشنب أن تكون الأسنان متفرقة ، فيها
طرائق مثل تعرض المشط ، إلا أنه حديدة الأطراف ، وهو
الأشر الذي يكون أسفل الأسنان كأنه ماء يقطر من تفتحه
ذلك وطرائقه ، وكان يبتسم عن مثل البرد المنحدر من
متون الغمام ، فإذا افتر ضاحكاً عن مثل سناء البرق إذا
تلألأ .
رواه البيهقي في الدلائل .
قال أبو هريرة رضي الله عنه :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
ضحك كاد يتلألأ في الجدر .
رواه عبد الرزاق في المصنف .
|
معنى الحب عند
رسولنا الكريم
يظن بعض الرجال أن احترامه لزوجته أمام الآخرين، وتقديرها،
والنزول على رغبتها تقلل من شأنه، وينقص من رجولته، وتفقده
قوامته والعكس صحيح فاحترام الزوجة ، وتقديره مشاعرها
يجعلها تكن لزوجها في نفسها كل حب، واحترام، وتقدير،
واعتراف بفضله وكرمه ولنا في رسولنا الكريم (صلى الله عليه
وسلم) خير قدوة، فقد كان يعيش بين أزواجه رجلا ذا قلب
وعاطفة ووجدان، حياته مليئة بالحب، والحنان، والمودة،
والرحمة .
عائشة بنت الصديق رضي الله عنها
مع زوجته عائشة :
التي يحبها كثيراً ، يراها تشرب من الكأس فيحرص كل الحرص
على أن يشرب من الجهة التي شربت منها، حب حقيقي لا يعرف
معنى الزيف ، لإن صار الحب في زماننا اليوم شعاراً ينادى
به وكلمات تقذف هنا وهناك فإنها في نفس محمد (عليه الصلاة
والسلام ) ذات وقع وذات معنى قل من يدركه ويسعد بنعيمه.
وهو يسابقها في وقت الحرب ، يطلب من الجيش التقدم لينفرد
بأم المؤمنين عائشة ليسابقها ويعيش معها ذكرى الحب في جو
أراد لها المغرضون أن تعيش جو الحرب وأن تتلطخ به الدماء
لا ينسى أنه الزوج المحب في وقت الحرب .
وفي المرض ، حين تقترب ساعة اللقاء بربه وروحه تتطلع الى
لقاء الرفيق الأعلى ، لا يجد نفسه إلا طالباً من زوجاته أن
يمكث ساعة احتضاره ( عليه الصلاة والسلام ) إلا في بيت
عائشة ، لماذا؟ ليموت بين سحرها ونحرها ، ذاك حب أسمى
وأعظم من أن تصفه الكلمات أو تجيش به مشاعر كاتب .
ذاك رجل أراد لنا أن نعرف أن الإسلام ليس دين أحكام ودين
أخلاق وعقائد فحسب بل دين حب أيضاً ، دين يرتقي بمشاعرك
حتى تحس بالمرأة التي تقترن بها وتحس بالصديق الذي صحبك
حين من الدهر وبكل من أسدى لك معروفاً او في نفسك ارتباط
معه ولو بكلمة ( لا اله إلا الله ، محمد رسول الله ) حب لا
تنقض صرحه الأكدار ، حب بنته لحظات ودقات قلبين عرفا
للحياة
حبا يسيرون في دربه .
هي عائشة التي قال في فضلها بأن فضلها على النساء كفضل
الثريد على سائر الطعام، وهي بنت أبو بكر رفيق الدرب وصاحب
الغار وحبيب سيد المرسلين .
هي عائشة بكل الحب الذي أعطاها إياه ، حتى الغيرة التي
تنتابها عليه ، على حبيبها ( عليه الصلاة والسلام) ، غارت
يوما من جارية طرقت الباب وقدمت لها طبق وفي البيت زوار
لرسول الله من صحابته ، فقال للجارية ممن هذه ، قالت : من
ام سلمة
فأخذت الطبق ورمته على الأرض ، فابتسم رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لصحابته ، غارت أمكم !
ويأمرها بإعطاء الجارية طبقا بدل الذي كسرته أحب فيها كل
شيء حتى غيرتها لمس فيها حبا عميقا له ، وكيف لا تحب رجلا
والسؤال هنا ماذا كنتم فاعلين لو حصل الامر معكم؟؟؟
كمثل محمد (عليه الصلاة والسلام) .
في لحظة صفاء بين زوجين يحدثها عن نساء اجتمعن ليتحدثن عن
ازواجهن ويذكر لها قصة ابو زرع التي احبته زوجته واحبها ،
وكانت تلك المرأة تمتدح ابو زرع وتعدد محاسنه ولحظاتها
الجميلة معه وحبهما ثم ذكرت بعد ذلك طلقها منه بسبب فتنة
امرأة ، ثم يقول لها رسول الله ( كنت لك كابو زرع لأم زرع
، غير اني لا أطلقك ) فرسول الله هو ذاك المحب لمن يحب غير
انه ليس من النوع الذي ينجرف وراء الفتنة فهو المعصوم
(عليه الصلاة والسلام )
لكن هذا الحب لا يجعله ينسى او يتناسى حبا خالداً لزوجة
قدمت له الكثير وهي احب ازواجه الى نفسه ، لا ينسيه خديجة
في لحظة صفاء يذكر لعائشة خديجة ، فتتحرك الغيرة في نفسها
، الرجل الذي تحب يتذكر اخرى وان كانت لها الفضل ما لها ،
فتقول له : ما لك تذكر عجوزا أبدلك الله خيرا منها ( تعني
نفسها ) ، فيقول لها ، لا والله ما أبدلني زوجا خيرا منها
، يغضب لامرأة فارقت الحياة ، لكنها ما فارقت روحه وما
فارقت حياته طرفة عين .إنه خلق الوفاء فلنتعلم
احب عائشة لكن قلبه احبه خديجة ايضا ، قلبه اتسع لاكثر من
حب شخصين ، قد يحار في العقل اذا ما علمت رجلا احب جماهيرا
من الناس لا تحصيهم مخيلتك ،فالحب الذي زفه للناس حبا
حملته اكف أيدي وقدمته للأمم ، ولله در الصحابي القائل (
نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد الى
عبادة رب العباد ،
ومن جور الأديان الى عدل الاسلام )
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
خديجة بنت خويلد ، الحب الأول الذي مازج قلبه ، ذكرى شبابه
وأيام دعوته الصعبة ، خديجة التي عاشت معه ايامه حلوها
ومرها، خديجة التي احبها من كل قلبه وسطرت في قلبه ومخيلته
اسمى انواع التفاني والتضحية للحبيب .
ماتت خديجة ، ليقف ذاك المحب وحيداً يتحسس الم الفراق ، لم
تعطيه قريش الفرصة حتى ليجول بخاطره في ذكرياته معها
ويتذكر كل ابتسامة او لحظة حب عاشها معها ، زادت من
ايذائها له حتى ذهب الى الطائف لعل صوتا يسمعه او اذنا
تسمع همساته ، ذهب الى الطائف وحيداً لكن خديجة بذكراها
العطرة معه ، رفيق درب ، لكن الدرب طويل والرفيق فارق
الدنيا الى الرفيق الأعلى .
يأتي الطائف وكله أمل بكلمة طيبة تجبر الخاطر او بمسحة رحمة
تتحس الألم ، لكنه يرى غير هذا ، يرى اناساً ما عرفوا للحب
مكانا ، انه ينزف من المه يتتوق الى مسحة حب وحنان فيجد نفسه
بين صفين كل يرميه بالحجارة وانواع من التهم والشتائم .
الى اين يا محمد؟ اين تذهب ؟ الى شجرة وحيدة يستظل بها
ويداوي جراحه ، شجرة وحيدة ورجل وحيد لعلها تؤنس الوحدة ،
لعلها تشاركك مرارة تلكم اللحظات ، خديجة التي احبها ماتت ،
قريش ارضه رفضته ، الطائف بلد الغربة تغلق ابوابها في وجهه ،
الى من يلجأ ؟ الى اين يذهب؟
وحينما تغلق الأبواب في وجهه وتتثاقل الهموم تجيش مشاعره
للذي عنده مفاتيح الكرب فيقول :
( اللهم اني اشكو اليك ضعف قوتي وقلت حيلتي وهواني على الناس
انت رب المستضعفين وانت ربي لا اله الا انت ، الى من تكلني ؟
الى عدو يتجهمني ، ام الى عدو ملكته امري ، ان لم يكن بك سخط
علي فلا ابالي غير ان عافيت هي اوسع لي ، اعوذ بنور وجهك
الكريم ، الذي اضاءت له السموات والأرض وأشرقت له الظلمات ،
وصلح عليه امر الدنيا والآخرة من أن يحل علي غضبك او ينزل
علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حوة ولا قوة لنا الا بك .
)انظر الى رحمته وعطفه على من ظلمه والله ما قرات هذه الدعاء
الا وامتلئت عيناي دموعا
يا محمد امسح على ألمك وانهض الى مكة واستحضر ساعات النصر ،
فالنصر قادم لكن لا بد من الابتلاء .
تنزلت سورة يوسف في هذه الأثناء لتقول ( حتى اذا استيئس
الرسل وظنوا انهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا ) ، تنزلت لتقول له
( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون )
السيدة صفية (رضي الله عنها )
ويذكر لنا الأستاذ جاسم المطوع – خبير العلاقات الزوجية –
قصتين للرسول (صلى الله عليه وسلم) مع زوجته السيدة صفية
(رضي الله عنها ) يبين فيهما مدي احترامه (صلى الله عليه
وسلم) لمشاعر زوجته .
مسح دموع صفية (رضي الله عنها )
تحكي صفية بنت حيي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حج بنسائه،
فلما كان في بعض الطريق نزل رجل فساق بهن فأسرع، فقال النبي
كذلك، سوقك بالقوارير _ يعني النساء _ فبينما هم يسيرون برك
لصفية بنت حيي جملها، وكانت من أحسنهن ظهرًا، فبكت وجاء رسول
الله (صلى الله عليه وسلم) حين أخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها
بيده، وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها إنه لموقف جميل من الحبيب
محمد (صلى الله عليه وسلم) مع زوجته حين مسح دمعتها بيده، ثم
أمر الناس بالوقوف والنزول، علما بأنه لم يكن يريد أن ينزل .
ففي هذه القصة فوائد جمة وكثيرة، يستطيع كل زوجين أن يتعاملا
مع هذا الموقف كدستور، ومنهج لحياتهم الزوجية، حتى تصبح
سعيدة وجميلة فمسح الدموع بيد الزوج نفهمه نحن مواساة ودعما
لعواطف ومشاعر الزوجة، علما بأن سبب البكاء قد ينظر إليه
الزوج من ناحيته على أنه سبب تافه، فالدموع والبكاء من أجل
بروك جمل يعد من أحسن الجمال، هذا هو السبب، ومع ذلك لم يحقر
النبي (صلى الله عليه وسلم) مشاعر صفيةوعواطفها، بل احترمها
ودعمها وأنزل القافلة كلها من أجلها إن الدموع تكون غالية
وثمينة إذا عرف كل طرف قدرها. وكم رأيت في المحاكم دموعا
تنهمر من أزواج ومن زوجات، والطرف الآخر لا يقدر هذه الدمعة
ولا يحترمها، بل ويتمني لو تنهمر من غير توقف .اين انتم يا
رجال اليوم من اخلاق نبيكم المصطفى (صلى الله عليه وسلم)
إلا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مسح الدمعة بيده، وكلنا
نعرف أثر تمرير اليد على الخد، ففيه معان كثيرة على الرغم من
أنه مسافر، وذاهب إلى الحج، ونفسية المسافر دائما مستعجلة
حتى يصل إلى مراده، ومع ذلك تريث النبي (صلى الله عليه وسلم)
في التعامل مع عواطف المرأة ومشاعرها .
أما الثانية:
عن أنس (رضي الله عنه) قال: خرجنا إلى المدينة "قادمين من
خيبر" فرأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) يحوي لها (أي لصفية)
وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، وتضع صفية
رجلها على ركبته حتى تركب عليها ..اين انتم من اصول المعامله
والاحترام للمراه التي وضعت قبل 1400سنه
ففيه بلاغة عظيمة في الاحترام، وإن الغرب اليوم يتفاخرون في
احترام المرأة، فيفتح لها الرجل باب السيارة، بينما حبيبنا
محمد (صلى الله عليه وسلم) وضع ركبته لزوجته، وهو أعظم من
تصرفهم وأبلغ فحبيبنا محمد (صلى الله عليه وسلم) يعلم
البشرية أسس الاحترام وآدابه، وليس هذا خاصا بالإنسان، بل
حتى مع الحيوان. فالاحترام منهج وسلوك يعمل به الشرفاء .
إبراهيم بن محمد ( عليهما الصلاة و السلام )
رجل عاش لأمته وأراد لها أن تعيش من بعده ، مع سكون الليل
وظلمته الحالكة يقف ليصلي صلاة التائب الخاضع ، يا محمد أليس
الله قد غفر لك ما تقدم لك ذنبك وما تأخر ، بلى ولكن ألا
أكون عبداًً شكورا ، تلك كلماته وتلك أحاسيسه ، في ذلك الليل
يتذكر أمته ويسكب عليها الدموع وتتطاير من قلبه شرر من شجنه
، يبكي ) أمتي ، أمتي (، دموع غالية وقلب مفعم بالمحبة ،
هكذا عرفناك وهكذا تذرف العيون في ذكرى فراقك .
علمتنا أن نحب قبل أن نرى على الوجود من نحب ، أحببتنا وما
لقيتنا فأحببناك وشكونا إلى الله ألم فراقك ، أترانا نلتقي
يوماً عند حوضك ونشرب من كأس تُقدمه يداك ، تلك أمنية تحيا
بها نفوسنا لكنك علمتنا أن المرء يحشر مع من أحب ، ونحن نرجو
من الله أن نُحشر معاك يا حُبنا الخالد .
تمضي عليك الأيام والليالي ونفسك تتوق إلى عقب يخلفك ، يموت
أبناءك فيتطاول عليك الكفار وينادونك بالأبتر ، ويدافع عنك
الخالق سبحانه قائلاً ( إنّ شانئك هو الأبتر ) .
عرفناك زوجاً محباً ، ورفيقاً مخلصاً ، فكيف تراك تكون وأنت
اليوم أب ووالد ، يولد لك الولد وتسميه ابراهيم ، لعل نفسك
تذكرت أبيك ابراهيم الخليل وتقت إلى أن يكون لابنك عقب بعدد
عقب ابراهيم ، ها هي الابتسامة تعلوك ، أي وجه تعلو
الابتسامة كوجهك الشريف ؟ مضى من العمر طويلاً ، وكبر السن
وولد صغير يعني شباب جديد لرجل مفعم بشباب الروح ، لكن
الاختبار الجسيم لا يكتمل يا محمد في هذه النهاية ، إنّ الله
عز وجل الحكيم كتب في كتابه أمراً غير ذلك مات ابراهيم ، مات
بكل ما حمله مجيئه من معاني ، ترقبه وهو في لحظات الموت
وتبكي عليه ، إنّّ العين لتدمع وإنا يا ابراهيم على فراقك
لمحزنون .
أترى ابراهيم يموت في داخلك ، كيف يموت ؟ وما ماتت خديجة في
داخلك رغم الأيام والسنين .
أترى الحب الذي في داخلك يقف حائراً مع من يحب ومن يذكر ،
إنّ حبك امتد لأمتك فكيف يقف اليوم باب ابنك الذي هو قطعة
منك تحزن ويحق لك أن تحزن ، لأنّ الذي لا يحزن على فراق ابنه
ما عرف للحياة حباً وللرحمة معناً في قلبه ، لكن حبك لا
ينسيك أنّك مبلغ عن الله وأنّ أمانة الرسالة أعظم الأمانات .
حينما ينادي المنادي أن الشمس انكسفت لموت ابنك ، تقف بكل
قوة وصلابة لتقول ( إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله ،
لا تنكسفان لموت أحد أوحياته )
أي معنى للحب تعطينا !!!؟
عندك الكثير ونحن أشوق للمزيد
* لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين *
اللهم انى اعوذ بك من الهم والحزن ..واعوذ بك من العجز
والكسل ..
واعوذ من الجبن والبخل ... واعوذ بك من غلبة الدين وقهر
الرجال
من أخـــلاق الرسول
صلى الله عليه وسلم
لقد امتدح الله
تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: >وإنك لعلى خلق
عظيم< سورة القلم آية (4)، ولقد قال صلى الله عليه وسلم
فيما رواه الإمام أحمد في مسنده: >إنما بعثت لاتمم مكارم
الأخلاق< وقال عليه الصلاة والسلم: >أدبني ربي فأحسن
تأديبي< رواه العسكري، وقال الله تعالى في ثمرات الخلق
المحمدي: >فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ
القلب لا نفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في
الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين<
سورة آل عمران آية (159).
إن الحديث عن
أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم حديث طويل ومع ذلك فهو شيق
وجميل.. إذ أن النفس لتسمو وتزداد القلوب ايماناً عند سماعها
الحديث عن أخلاق الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وبخاصة إذا
علمنا أن الله تعالى قد جمع فيه جمال الخلق والخلق، جمال
الصورة والهيئة وجمال المحامد والفضائل.
لقد هيأ الله
تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون الهادي الى الحق
والى صراط مستقيم فوهبه الخلق الكامل والخصال الحميدة التي
كانت سبباً عظيما في نشر رسالة الإسلام وإقبال الناس على
الدين والتمسك به، فكانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم دعامة
الدعوة وبخاصة أنه صلى الله عليه وسلم عرف بخلقه النبيل قبل
البعثة فلم يعلم في تاريخ حياته أي شطط أو انحراف أو صفة
مذمومة، قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تصفه عليه
الصلاة والسلام: >إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتقري الضيف
وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر<.
وعند الوقوف
على أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم تجد فيه القدوة والاسوة
الحسنة > لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة< سورة الاحزاب
الآية (21)، لقد كان فيه الاسوة الحسنة لأنه جمع خصال الخير
كلها فكان كما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها >كان
خلقه القرآن< رواه أحمد والبيهقي.
لقد تحدث عنه
صلى الله عليه وسلم أصحابه ووصفوا أخلاقه فكانت النموذج الذي
يحتذى ويقتدى به، وصفه ربيبه هند بن أبي هالة فقال في أخلاقه
صلى الله عليه وسلم: >كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم
البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا
فحاش ولا عياب ولا مزاح، يتغافل عما لا نشتهي، ولا يؤيس منه
راجيه ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والاكثار
وما لايعينه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا
يعيره ولا يطلب عورته ولا يتكلم الا فيما يرجو ثوابه، إذا
تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا
ولا يتنازعون عنده، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون
منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، لا يقبل
الثناء إلا من مكافيء ولا يقطع على أحد حديثه.. وجمع له
الحلم والصبر< رواه الطبراني.
وتقول أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها واصفة أخلاق الحبيب محمد صلى
الله عليه وسلم: >ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بيده خادماً قط ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئاً إلا أن يجاهد
في سبيل الله، وما خير بين شيئين إلا كان أحبهما إليه
أيسرهما إلا أن يكون إثماً، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتي
إليه، حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله عز وجل< رواه ابو
داود والبيهقي.
ولقد وصف أبو
هريرة صاحبه وخليله محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: كان
يقبل جميعاً، ويدبر جميعاً، بأبي وأمي، لم يكن فاحشاً ولا
متفحشاً ولا صخاباً في الاسواق.
ويروي أنس خادم
الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا
استقبل أحداً بوجهه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه..
وأنه كان إذا صافح الرجل أو صافحه لا ينزع يده منه حتى يكون
الرجل هو الذي ينزع يده، وإذا أراد رجل أن يسر إليه حديثاً
في أذنه فيحني رأسه له ويستمر حانياً رأسه حتى يكون الرجل هو
الذي ينحيه.
هذه هي أخلاق
الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.. العلم والحلم والصبر
والشكر والعدل والزهد والصمت والتؤدة والوقار والرحمة وحسن
المعاشرة يؤلف القلوب ويجمع النفوس.. لا يعادى ولا يصخب ولا
يفحش في قول أو عمل.. الصادق.. الأمين.
لقد كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم في أهله موطأ الكتف، يعين أهله في
مهنة البيت ولا يستنكف، يغسل ثوبه ويحلب شاته ويرقع ثوبه
ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعقل بعيره ويعلف ناضحه، ويأكل مع
الخادم ويحمل بضاعته.
كانت الأمة من
إماء المدينة إذا احتاجت الى من يعينها من الرجال ولقيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم أعانها في حاجتها حتى تقضيها ثم
انصرف عنها موفوراً غير منقوص.
ما كان صلى
الله عليه وسلم يوجه لوماً على عمل عامل ما دام العمل يخصه
صلى الله عليه وسلم، يقول أنس بن مالك خادم رسول الله صلى
الله عليه وسلم: >والله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت كذا،
ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع< رواه أحمد والبخاري.
لقد كان صلى
الله عليه وسلم جواداً يعطي ما في يده ولو كان في حاجة إليه،
علم المؤمنين أن يؤثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، يقول
ابن عباس رضي الله عنهما في حق الحبيب محمد صلى الله عليه
وسلم: >كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان
أجود مايكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في
كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه
وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة< متفق
عليه.
فالجود صفة
ملازمة له تعلو ولا تنزل، تعلو في رمضان، ويسمو علوها في
العشر الأخيرة منه عندما يذاكره جبريل القرآن الكريم.
وصفــــــــــه
اللـــــه تعالى: فقال: >لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه
ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم< سورة التوبة آية
(128).
وقال تعالى:
>وما أرسلناك الا رحمة للعالمين< سورة الأنبياء آية (107).
فكان عليه
الصلاة والسلام رحمة مهداة لهذه الأمة يعالج النفوس الشاردة
بالرأفة التي تؤنس وبالرحمة التي تهدي، فتقرب النفوس بعد
بعدها وتستأنس بعد جفوتها.
ان اخلاق
المصطفى صلى الله عليه وسلم مشتملة على القيام بحق الله،
وحقوق عباده، وبها تزهو الحياة السعيدة.
كان صلى الله
عليه وسلم، قائما شاكراً منيباً لله، كثير التوبة والاستغفار
والتضرع اليه، فلقد قام يصلى حتى تورمت قدماه.
فقيل يارسول
الله: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال:
أفلا أكون عبداً شكوراً، وقد خير ان يكون عبداً نبياً او
ملكاً نبياً، فقال: >لا، بل أكون عبداً نبياً< رواه البخاري
ومسلم.
وقال صلى الله
عليه وسلم: >اني لأستغفر الله، واتوب اليه في اليوم اكثر من
سبعين مرة< رواه البيهقي، وكان اشد الناس خوفاً من الله، اذا
رأى غيماً او ريحا عرف ذلك في وجهه، فقالت عائشة: >يارسول
الله.. الناس يفرحون اذا جاء المطر، وانت تعرف الكراهية في
وجهك..<.
وكان مع ذلك
أعظم الناس شجاعة، واشدهم بأسا، فلقد فزع أهل المدينة ذات
ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم النبي صلى الله عليه
وسلم راجعاً، وقد سبقهم الى الصوت، واستبرأ الخبر، على فرس
لابي طلحة، عري، في عنقه السيف وهو يقول: >لم تراعوا<.
وكان صلى الله
عليه وسلم حليماً رفيقاً، ادركه أعرابي، فجذبه جذباً شديداً،
وكان عليه برد غليظ الحاشية، فأثرت حاشيته في عاتق رسول الله
صلى الله عليه وسلم، من شدة جذب الاعرابي، الذي قال: يامحمد!
مرلي من مال الله الذي عندك، فالتفت اليه رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فضحك ثم أمر له بعطاء.
وكان صلى الله
عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، فقد خير بين أن يعيش في
الدنيا ماشاء الله أن يعيش وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه..
ومات لم يخلف دينارًاً ولا درهماً ولاشاة ولا بعيراً، إلا
سلاحه وبغلته، ودرعه مرهونة عند يهودي بشعير ابتاعه لأهله،
وكان بيده عقار ينفق على أهله منه والباقي يصرفه في مصالح
المسلمين.
ومع هذه
الاخلاق النبيلة والتواضع الكريم غير الذليل في الحبيب محمد
صلى الله عليه وسلم إلا أن هيبته في القلوب كانت أشد ما تكون
هيبة الرجل الذي اختاره الله تعالى رسولاً للعالمين، حتى أنه
صلى الله عليه وسلم كان يخفف من رهبة من تناله هيبته، فقد
دخل عليه رجل فأصابته من هيبته عليه السلام رعدة فقال صلى
الله عليه وسلم: >هون عليك فإني لست بملك، أنا ابن امرأة من
قريش كانت تأكل القديد< رواه الحاكم.
هذه وقفة تأمل
مع جانب من جوانب اخلاق رسولنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه
وسلم، نسأل الله ان ينفعنا بها، ويأخذ بأيدينا كي نقتدي به
صلى الله عليه وسلم.
واذا اردنا لا
متنا النهوض من كبوتها.. ولسفينتها أن ترسو على بر الامان..
فلا بد لنا من التخلق بأخلاق رسولنا الكريم وصدق الله
العظيم: >لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، لمن كان يرجو
الله واليوم الآخر< سورة الأحزاب آية (21).
كان النبيان إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام هما اللذان أقاما نظام
الحج ، وتعرض هذا النظام لفساد كبير عبر العصور إلا أن العرب
ظلوا يمارسون شعائره بصورة دورية كل سنة. وكان الحج حيا
قائما مع الزيف والفساد الذي طرأ عليه في ظل الجاهلية حين
ولد محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة . كم عدد
حجات الرسول؟ ينقسم هذا السؤال إلى شقين من الناحية
التاريخية. فيتعلق الشق الأول بالحج قبل الهجرة بينما يتعلق
الشق الثاني بالحج في أعقاب الهجرة. ولدينا معلومات كاملة
فيما يتعلق بالشق الثاني. أما ما يتعلق بالشق الأول فلا توجد
لدينا معلومات قطعية.
وقد حج رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - مرة واحدة بعد الهجرة ويعرف هذا
الحج عموما بحجة الوداع. وتقول بعض الروايات : إن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أدى فريضة الحج بمكة قبل الهجرة.
ولكن لا تتوفر لدينا معلومات قطعية حول هذا الجانب. فنجد في
سنن الترمذي وابن ماجة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أدى فريضة الحج مرتين قبل الهجرة بينما لا يذكر صحيح مسلم
إلا حجة واحدة ويقول بعض المحدثين : إن رسول الله كان يحج كل
عام وفق عادة أهل مكة. ونجد من رواية طبقات ابن سعد أن رسول
الله لم يحج إلا مرة واحدة بعد النبوة. ونحن نجد هذا النقص
الشديد في المعلومات حول حجه - صلى الله عليه وسلم - قبل
الهجرة بينما نجد الكم الوافر من الروايات حول حجة الوداع
لدرجة أنه يمكن وضع يوميات كاملة من بدء مسيرته للحج إلى
نهايتها. فما هو الفرق بين هاتين الحالتين؟ الفرق يكمن في
الفارق الزمني.. فإن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان شخصية مغمورة بمكة قبل الهجرة،
فلم تكن له من أهمية خاصة تذكر في عيون عامة الناس.. أما حجة
الوداع فوقعت في أواخر حياته حين كان قد أصبح فاتحا وحاكما
على الجزيرة العربية. وهذا هو الفارق بين مرحلتي حياته
المكية والمدنية. فنجد أن التاريخ لم يسجل وقائع حجاته
الأولى بينما سجل حجته الأخيرة بتفصيل كبير، فلم يغادر صغيرة
ولا كبيرة إلا أحصاها. وقد حاول بعض المؤلفين جمع الروايات
المتناثرة حول حجة الوداع، وفيما يلي بعض الكتب التي نجد
فيها جمعا لهذه الروايات :
حجة الوداع
السيرة النبوية
زاد المعاد
شرح المواهب اللدنية
حجة الوداع وجزء عمرات النبي |
لابن حزم الأندلسي
لابن كثير
لابن قيم الجوزية
للزرقاني
للشيخ محمد زكريا الكاندهلوي |
ونذكر فيما يلي بيانا مختصرا لوقائع هذه
الحجة :
لقد أدى النبي
- صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع سنة 10 هـ. وانتقل إلى
الرفيق الأعلى بعد ذلك بشهرين بالمدينة المنورة. ويسمى هذا
الحج بحجة الوداع لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودّع
المؤمنين في منى وعرفة وقال لهم : إني لا أدري لعلي لا
ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا .
ولهذه الحجة
أهمية خاصة من نواح متعددة، ولذلك أطلق الناس عليها أسماء
متعددة مثل حجة الوداع وحجة الإسلام وحجة البلاغ وحجة الكمال
وحجة التمام..
وكانت مكة قد
افتتحت في رمضان سنة 8 هـ، ولم يحج رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ذلك العام أو في العام التالي، بل توجهت جماعة
من ثلاثمائة من المسلمين من
المدينة للحج سنة 9 هـ بأمر منه. وكان أبو بكر الصديق هو قائد هذه
الجماعة. وقد اشترك في هذا الحج مشركو الجزيرة العربية ولكن
أعلن خلال هذا الحج (9 هـ) أنه لن يسمح لمشرك بالحج بعد هذا
العام.. وقد قام بهذا الإعلان عليّ رضي الله عنه.
وقرر رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحج في العام التالي فأرسل
إلى القبائل يخبرها بنيته هذه لكي يشارك في هذا الحج أكبر
عدد ممكن من المسلمين. وكانت عبادة الحج مستمرة بلا انقطاع
منذ سنـّها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، ولكن
شابها الكثير من الطقوس الجاهلية.. ولذلك كان ضروريا أن
يشاهد الرسول أكبرُ عدد من الناس وهو يؤدي أركان الحج وأن
يقلـِّدوه في الحج بعد ذلك. ومثل هذا الأعمال لا يمكن فهمها
وإدراكها جيدا إلا بمشاهدتها، وقليلا ما يمكن فهمها بالكلام
فقط.
ويقول جابر بن
عبد الله : إنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو
على مطيته يرمي الجمرات فخاطب الناس يقول : أيها الناس خذوا
عني مناسك الحج فقد لا أحج بعد هذا العام .
وحين انتشر
خبر عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أداء الحج في
أطراف الجزيرة بدأ الناس يتقاطرون على المدينة، فاجتمع فيها
نحو مائة ألف من المسلمين. وخرج رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - من المدينة في 25 من ذي القعدة سنة 10 هـ.. وأخذ
الناس ينضمون إلى موكبه في الطريق.. ويقول جابر : إنه كان
يرى البشر أينما جال ببصره.. وارتفع عدد الذين رافقوا موكب
الرسول إلى 125 ألفا حين وصل إلى مكة وكان رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يمتطي ناقته المعروفة بالقصواء. وكانت ناقة
معروفة بسرعتها ولكن كان عليها زاد لا يساوي أربعة دراهم.
وبكلمة أخرى : كان الرسول يلجأ إلى أعلى المعايير عند الحاجة
بينما كان يفضل البساطة عندما تنتهي حدود الحاجة.
وكان رسول الله قد صلى صلاة
الظهر مع الناس قبل مغادرة المدينة، فخطب في الناس يشرح لهم
فرائض الإحرام وآدابه ثم انطلق من المدينة وبات بذي الحليفة
التي هي ميقات أهل المدينة وتبعد عنها خمسة أميال. وفي اليوم
الثاني اغتسل وصلى صلاة الظهر من ركعتين وأحرم بنية الحج
والعمرة (القران) ثم انطلق يلبي : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا
شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك .
وهكذا كان النبي يسير مع
أصحابه من المدينة إلى مكة. وكلما وجد مرتفعا في الطريق علاه
الرسول مكبرا ربـَّه وكأنه يعلن عظمة الرب من تلك الربوة
ليسمعه العالم أجمع. ووصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكة
في الرابع من ذي الحجة.. وقطع هذا السفر من المدينة إلى مكة
في تسعة أيام. وكان الوقت عصرا، وظل الرسول يسير حتى دخل
الحرم، وعندما وقع بصره على بيت الله قال : اللهم زد بيتك
هذا تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة ، ثم أخذ يرفع يده مكبرا
يقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام، حـّينا ربنا بالسلام .
ولم يصل الرسول ركعتي تحية
المسجد عندما دخل الحرم بل بدأ بطواف القدوم فدنا من الحجر
الأسود واستلمه قائلا : باسم الله الله أكبر.، ثم طاف حول
الكعبة سبع مرات بادئا من يمينه جاعلا الكعبة على يساره.
وترمل - أي طاف بخطى سريعة - في الأشواط الثلاثة الأولى ثم
تابع الطواف بالخطى العادية في الأشواط الباقية. وكان رداء
الإحرام على كتفه الأيسر بينما كان كتفه الأيمن عاريا. ويطلق
على هذا الأسلوب وصف الاضطباع . وكلما مرّ الرسول أمام الحجر
الأسود خلال الطواف أشار إليه واستلمه بعصاه.
والدعاء الآتي مأثور بين
الحجر الأسود والركن اليماني : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .. وهناك أدعية أخرى مأثورة عن
النبي للطواف.
وبعد الانتهاء من الطواف تقدم
الرسول إلى مقام إبراهيم وتلا الآية القرآنية الآتية :
واتخذوا من مقام
إبراهيم مصلى
وأدى الرسول صلاة ركعتين عند مقام إبراهيم ثم تقدم إلى
الحجر الأسود وقبله ثم توجه إلى الصفا وحين وصلها قال : إن
الصفا والمروة من شعائر الإسلام، أبدأ بما بدأ الله به .
ثم علا جبل الصفا حتى تراءت
له الكعبة فتوجه إليها وقال : لا إله إلا الله وحده، لا شريك
له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا
الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ..
ثم نزل من الصفا متوجها إلى
المروة وسعى بين الجبلين وأخذ يجري حين وصل إلى المنخفض
بينهما - الذي تدل عليه علامة الميلين الأخضرين الآن - وحين
انتهى المنخفض أخذ يمشي بالسرعة العادية.. وحين وصل المروة
اعتلاها حتى تراءت له الكعبة وهنا أيضا كبـّر وهلـّل ودعا
ربـّه.. وهكذا سعى بين الصفا والمروة سبع مرات. وتقول بعض
الروايات : إنه سعى في الأشواط الأولى على قدميه ثم أكملها
على راحلته. ولعله فعلها لكي تشاهد عمله
الجماهيرُ الغفيرة بصورة
جيدة. وأنهى الرسول شوطه السابع عند المروة.
وكان الرسول الكريم قد نزل
بمكان يقال له : الأبطح حين وصل مكة في الرابع من ذي الحجة
ومكث بهذا المكان حتى الثامن من ذي الحجة وأخذ يصلي قصرا مع
صحابته بهذا المكان ثم توجه مع أصحابه إلى منى في الثامن من
ذي الحجة، ولم يقم بطواف الكعبة عند الذهاب إلى منى. وصلى
صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء بمنى في ذلك اليوم وبات
بها تلك الليلة. وانطلق إلى عرفات في التاسع من ذي الحجة قبل
طلوع الشمس ونزل بخيمة بنمرة بوادي عرفة. وكان
من الصحابة من يلبي ومن يكبر، ولم يكن هناك أحد يعترض على الآخر.
لما حان الزوال ركب الرسول
الكريم ناقته وتوقف في بطن عرفة. وهنا في موقع مسجد نمرة
الحالي خطب خطبته المعروفة بخطبة حجة الوداع. وقد وردت أجزاء
متفرقة من هذه الخطبة، وكذلك الخطبة الأخرى التي ألقاها
الرسول الكريم في منى، في كتب الأحاديث وسننقل مجموعها في
الصفحات القادمة.
وكان هذا يوم الجمعة (9 ذو
الحجة).. وحين انتهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من
خطبته، أمر (بلالا) بالأذان، فأذّن، فصلى رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - صلاتي الظهر والعصر جمعا، ركعتين ركعتين،
بأذان واحد وإقامتين. ولم تكن هذه صلاة جمعة بل صلاة الظهر
لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يجهر بالقرآن، كما أنه - صلى
الله عليه وسلم - لم يصلّ سنـّة أو نافلة بعد أداء الفرض.
وبعد أداء الصلاة جاء رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك الموضع من عرفات الذي
يسمى الآن بالموقف، وظل يدعو ربه وهو على ناقته إلى أن أدركه
الغروب. وقال رسول الله : إن الدعاء في هذا اليوم أفضل
الأدعية... ويمكننا أن نستشعر شيئا من الأحاسيس الربانية
التي كانت تملؤه آنذاك من بعض الكلمات التي قالها حينذاك وهو
يدعو ربه :
اللهم إنك تسمع كلامي، وترى
مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري ، أنا
البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجـِل المشفق المقر
المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال
المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته
وفاضت لك عيناه وذل جسده ورغم أنفه لك اللهم! لا تجعلنى
بدعائك رب شقيا وكن لي رءوفا رحيما، يا خير المسئولين ويا
خير المعطين ..
كان الناس يأتون إليه
يستفسرونه عن مسائل الحج. وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا : يا
رسول الله ! كيف الحج ؟ قال :
الحج عرفة. فمن
جاء قبل
صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه
.
ونزلت الآية القرآنية :
اليوم أكملت لكم
دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا
هنا بعرفة بعد خطبة حجة الوداع. وتوجه رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - إلى المزدلفة بعد غروب الشمس. وأجلس أسامة بن
زيد خلفه على راحلته، وظل يكبر طول الطريق إلى أن وصل
المزدلفة. ومنع رسول الله الناس من الإسراع فقال لهم :
أيها الناس،
عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل
.
وفي المزدلفة أمر رسول الله
بلالا بالأذان، وقام بعد الأذان فصلى المغرب قبل أن تبرك
الجمال وتنقل منها الأمتعة. وصلى ركعتي العشاء حين نقل الناس
أمتعتهم. وقد صلى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولم يصل
شيئا غير الفرض، ثم استراح ونام ليلته حتى الفجر. وصلى الفجر
مبكرا في الصباح. وكان هذا هو اليوم العاشر من ذي الحجة.
وبعد الفجر ركب رسول الله م50 راحلته وذهب إلى المشعر الحرام
حيث ظل يدعو ربه متوجها إلى القبلة، إلى أن تبدد الظلام.
وغادر المزدلفة قبل طلوع الشمس، وظل يكبـِّر دون انقطاع وكان
الفضل بن عباس جالسا خلفه على راحلته فأمره أن ينتقي له سبع
جمرات لرمي الجمار. وحين وصل رسول الله إلى وادي محسر أمر
الناس بأن يجاوزوه بسرعة، وكذلك دفع بناقته للإسراع.. ووادي
محسر هو الموقع الذي نزل فيه العذاب الإلهي على أصحاب الفيل.
واستمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسيرته إلى أن
وصل منى ، ثم جاء إلى جمرة العقبة ووقف هنا بحيث كانت مكة
على شماله ومنى على يمينه ورمى
رسول الله وهو على راحلته سبع جمار، جمرة بعد جمرة، وهو يكبر عند رمي كل
جمرة. وهذا هو العمل الذي يقال له : رمي الجمرات . وأوقف
رسول الله التلبية بعد رمي الجمرات، وعاد إلى منى. وبيـّن
رسول الله خلاصة الدين بالكلمات الآتية : اعبدوا ربكم، وصلوا
خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا إذا أمرتم : تدخلوا جنة ربكم .
وألقى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - خطبة بمنى وكانت هذه الخطبة مشابهة لخطبته
بعرفة.. ولعل هذا التكرار يعود إلى رغبته في أن يسمعه من لم
يسمعه من قبل وليعي عدد كبير من الناس مضامين الخطبة بصورة
جيدة. ومما أعلنه رسول الله هنا :
لا فضل لعربي
على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا أحمر
على أسود إلا بالتقوى
.
وكذلك قال رسول الله :
ألا إن الشيطان
قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا ولكن رضي عما دون ذلك مما
سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم
، ثم توجه رسول الله إلى مقام النحر بمنى فنحر ثلاثا وستين
بدنة بيده يوم النحر. ومن باب الصدف أن رسول الله كان قد بلغ
ثلاثا وستين سنة من عمره أيضا حينذاك، ثم توقف وأمر عليا بأن
ينحر مزيدا من الجمال فأكمل عليّ المائة. وبعد الفراغ من
النحر طلب رسول الله معمر بن عبد الله، وكان حلاقا، فحلق
شعره وقلم أظفاره. وأمر رسول الله النساء بتقصير الشعر
ومنعهن من الحلق، ثم امتطى راحلته متوجها إلى مكة وقال للناس
: إنه يمكنهم نحر الأضاحي في أمكنة أخرى من الحرم إلى جانب
مقام النحر بمنى. وأمر بطبخ قليل من لحم الأضاحي فأكل منه
ووزع الباقي بين الناس. وأمر الناس أن
يأكلوا ويطعموا الآخرين من لحم الأضاحي ويتزودوا (أي : أن يجففوه
ليحتفظوا منه بما شاءوا).
ووصل رسول الله مكة في العاشر
من ذي الحجة وأدى طواف الإفاضة قبل الظهر، وهو الطواف الذي
يطلق عليه اسم طواف الزيارة أيضا. ولم يكن رسول الله يقوم
بالرمل أو الاضطباع أو السعي خلال هذا الطواف، ثم جاء إلى
بئر زمزم وشرب من مائه وهو واقف.. وكان أناس من بني عبد
المطلب يسقون الناس على ما جرت عليه العادة. ورجع رسول الله
إلى منى في اليوم نفسه وبات بها.
وفي اليوم التالي - 11 ذي
الحجة - انتظر الرسول زوال الشمس وعندما حان وقت الزوال نزل
عن راحلته وتوجه لرمي الجمرات فرمى بالجمرة الأولى سبع
جمرات، واحدة بعد الأخرى.. وأخذ يدعو لبعض الوقت، ثم رمى
الجمرات بالطريقة نفسها على الجمرة الوسطى ووقف يدعو ربه
لبعض الوقت، وكان يكبر عند رمي كل جمرة، ثم ذهب إلى جمرة
العقبة فرماها. بسبع جمرات، ثم تنحى عن المكان.
وأقام رسول الله بمنى يومي 12
أو 13 ذي الحجة أي : طوال أيام التشريق الثلاثة. واستمر يصلي
الصلوات قصرا دون جمع. وخرج رسول الله متوجها إلى مكة بعد
زوال الشمس في الثالث عشر من ذي الحجة. وأقام في الطريق
بوادي المحصّب (بالأبطح)، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء
هنا وبات به ليلته، وقام قبل الفجر وذهب إلى الحرم، وطاف
طواف الوداع، وأدى صلاة الفجر بالكعبة. ومن ثم أمر الحجيج
بالمسير فتوجه الكل إلى مناطقهم، أما رسول الله فسار
بالمهاجرين والأنصار إلى المدينة.. وكان قد أقام بمكة - منذ
قدومه إلى أن خرج منها - عشرة أيام.
وعندما وصل رسول الله إلى ذي الحليفة بالقرب من المدينة توقف وبات به،
وتوجه في الصباح قبل طلوع الشمس إلى المدينة. وحين وقع بصره
على سواد المدينة كبـّر ثلاثا : الله أكبر لا إله إلا الله،
وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
آيبون تائبون، عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده
ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
ويقول أسامة بن شريك : خرجت
مع رسول الله حاجا فكان الناس يأتونه فمن قال : يا رسول الله
سعيت قبل أن أطوف أو قدّمتُ شيئا أو أخّـرت شيئا فكان يقول
:
لا حرج إلا على
رجل افترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك
دروس من حج الرسول
هناك دروس
هامة في الأسلوب الذي أدى به رسول الله حجة الوداع.. ومن أهم
هذه الدورس أن الحياة الاجتماعية تسير دائما على هدي
التقاليد، فتحطيم التقاليد الصالحة يؤدي إلى خلل لا سبيل إلى
تلافيه في الحياة الاجتماعية، ولذلك يجب أن نقوم بكل ما نقوم
به في الحياة الاجتماعية بدون تحطيم التقاليد القائمة
الصالحة.. وتحطيم التقاليد ليس هو الأسلوب الإسلامي. وقد روي
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله مكث بالمدينة تسع سنين لم
يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله حاج فقدم
المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ويعمل بمثل
عمله فخرج رسول الله وخرجنا معه .
ويثور السؤال
في ضوء هذه الأسوة النبوية:
لم لم يحج رسول الله لمدة تسع سنين
ومن الظاهر أنه كانت هناك مخاوف من أن قريشا ستقاوم مجيئه
للحج في
السنوات الأولى بعد الهجرة مثلما منعته من أداء العمرة عند واقعة
الحديبية. ولكن هذا العائق زال عندما فتحت مكة في رمضان سنة
8 هـ وكذلك لم يحج رسول الله في السنة التالية (9 هـ).. فلم
يحج إلا في السنة العاشرة من الهجرة، وتوفي إلى رحمة الله
بعد ذلك بشهرين ويعود السبب في هذا إلى أن رسول الله كان
يرغب في أن يتم الإصلاح المطلوب في نظام الحج بدون تحطيم
التقاليد.
والتقويم
السنوي من نوعين : قمري وشمسي.. ويتحدد التقويم القمري بدوام
القمر ويمكن لكل شخص أن يشاهده فهو يكبر ويصغر ويختفي ليظهر
من جديد.
أما التقويم
الشمسي فيحدده الرياضيون بعد إجراء عمليات حسابية دقيقة
لدوران الشمس.. وبكلمة أخرى: التقويم القمري تقويم طبيعي
بينما التقويم الشمسي تقويم حسابي.
وقد ارتضى
الله تعالى التقويم القمري لنظام العبادات. وليس هذا لأن
التقويم القمري أفضل من غيره أو لأنه يتمتع بقدسية، فالله
الذي حدد دوران القمر هو الذي حدد دوران الشمس. فكيف يمكن أن
يكون أحد التقويمين مقدسا والآخر غير مقدس. أما سبب تفضيل
أحد التقويمين على الآخر فيرجع إلى أهمية العملية ولا علاقة
له بالعقيدة. وتراعي كل العبادات البساطة الطبيعية ولذلك
أسست العبادات على التقويم القمري. وهذه هي الحقيقة التي
رويت في إحدى الروايات كما يلي:
عن ابن عبد
الله بن عمر قال: قال رسول الله:
إنا أمة أمية لا
نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام الثلاثين،
يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين
والشهر القمري قائم على رؤية الهلال، وهو لذلك يتكون من تسعة وعشرين
يوما أحيانا وثلاثين يوما أحيانا أخرى.. وقد أوضح رسول الله
هذا الأمر بصورة بسيطة بأن بسط أصابع يديه ثلاث مرات يعني 10
+ 10 + 10 = 30، ثم فعل الشيء نفسه ولكنه عقد إبهامه في
المرة الأخيرة يعني 10 + 10 + 9 = 29.
وهذا لا يعني
أن التقويم القمري تقويم ديني وأن من الواجبات الدينية أن
تتم كل المعاملات والحسابات وفق التقويم القمري فحسب، بل إن
التقويم القمري يتعلق بالعبادات ولا بد من مراعاته في
العبادات لكي يؤديها كل شخص بيسر وتناغم بالآخرين.
وكان نظام
الحج الذي وضعه إبراهيم عليه السلام قائما على التقويم
القمري مراعاة لهذه المصالح، ولكن قريش مكة، الذين كانوا
يتولون رعاية شئون الكعبة، أرادوا أن يحددوا أيام الحج وفق
التقويم الشمسي لكي تقع أيامه في موسم واحد دائما، الأمر
الذي كان مفيدا لتجارتهم.. واستعارت قريش لهذا الغرض مبدأ
النسيء أو الكبيسة من الشعوب الأخرى وأجرتها فيما يتعلق
بالحج. وتتكون السنة الشمسية من 365 يوما بينما تتكون السنة
القمرية من 354 يوما، أي أن هناك فارق أحد عشر يوما بينهما،
ويصل هذا الفارق إلى ثلاثة أشهر كل ثماني سنوات. وكانت قريش
تضيف إلى الشهور القمرية أياما بقدر هذا الفارق لكي يمشي
الشهران القمري والشمسي معا. وهكذا بدأت الشهور القمرية تقع
في غير أيامها الحقيقية. وكان هذا الدوران يتم في 33 سنة.
وهكذا استمرت قريش تقيم الحج لمدة 33 سنة متواصلة في غير
أيامه الأصلية.. وكان الحج سيقع في تاريخه الإبراهيمي
الأصلي- أي في ذي الحجة - مرة أخرى في العام الرابع
والثلاثين.. وعندما فتحت مكة في رمضان سنة 8 هـ كان هذا
الدوران ذو الثلاث والثلاثين سنة في آخر مراحله أي أن موسم
الحج خلال سنتي 8 و 9 هـ كان يقع في ذي القعدة وفق طريقة
النسيء السائدة حينذاك، أما
في السنة العاشرة الهجرية فكان هذا الدوران سيكتمل ليقع الحج مرة أخرى
في أيامه الأصلية أي في ذي الحجة المتطابق مع التقويم القمري
الحقيقي.
وكان رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - مجددا للدين الإبراهيمي وكان
الله تعالى قد كلفه بأن يعيد إنشاء نظام الحج على أسسه
الإبراهيمية. وكان يمكن للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن
يعلن هذا سنة 8 هـ بصفته فاتح مكة ولكنه لم يفعل هذا. وهكذا
كان يمكن لرسول الله أن يصدر التعليمات في السنة التالية
لأداء الحج في أيامه الإبراهيمية، ولكنه لم يقم بهذا العمل
الهام إلا في السنة العاشرة الهجرية حين وصلت أيام الحج
تلقائيا إلى الأيام الإبراهيمية.
والسبب في هذا
هو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو فعل هذا في
السنتين الثامنة والتاسعة لحطم تقاليد قائمة منذ قرون بينما
مطلبه كان سيتحقق في السنة العاشرة بدون تحطيم هذه التقاليد.
وللتقاليد أهمية قصوى في الحياة الاجتماعية ولذلك يحاول
الرسول دائما أن يحصل على هدفه بدون تحطيم التقاليد . فأدى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج في السنة العاشرة في
أيامه الإبراهيمية وأعلن أن هذا سيحدث للأبد من الآن فصاعدا.
وهذه هي الحكمة التي بينها رسول الله بالكلمات الآتية في
خطبة حجة الوداع:
أيها الناس: إن
الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن
عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا
.. ويعني هذا أن التاسع من ذي الحجة يقع في اليوم مرة أخرى
في موقعه الأصلي بعد دوران ثلاث وثلاثين سنة، وهذا يطابق
نظام الطبيعة، واليوم يلغى التقويم الصناعي. ومن الآن فصاعدا
سيؤدى الحج كل سنة في ذي الحجة وفق هذا التقويم الطبيعي.
خطبة حجة الوداع
خطبة الوداع
هي آخر خطبة ألقاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه
هي الخطبة التي ألقاها بجبل عرفات في التاسع من ذي الحجة سنة
10 هـ. ويمكن اعتبار حجة الوداع أكبر تجمع إسلامي في العهد
النبوي، فقد تجمع بعرفات في ذلك الوقت نحو 125 ألفا من أصحاب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ألقى رسول الله هذه
الخطبة قبل وفاته بنحو شهرين، وأعلن فيها بصورة أخيرة
ونهائية كل تلك الأشياء التي بعث من أجلها.
وتذكر كتب الأحاديث حجة الوداع
بصورة مفصلة، ولكن لا يوجد المتن الكامل لخطبة حجة الوداع في
أي من هذه الروايات. بل نجد أجزاء متفرقة في عدد من
الروايات، وقد حاول بعض أهل العلم أن يجمعوا هذه الأجزاء
المتفرقة في مجموعة واحدة.
ويمكن أن نلخص هذه الخطبة بكلمة
واحدة: إنها إعلان عظمة الله ومساواة البشر.. فقد أخبرنا
رسول الله أن هناك فارقا واحدا بين البشر وهو الفارق بين
المؤمنين بالله والخارجين عليه. أما الفوارق الأخرى فهي كلها
اصطناعية، وقد ألغى الله تعالى كل هذه الفروق ونصب أمته
مسئولة للأبد لكي تعلن هذا على العالم دوما. وكان المظهر
العملي لهذا الإعلان أن عبدين محررين كانا أقرب الناس إليه
عندما ألقى هذه الخطبة في نحو 125 ألفا من البشر معلنا عظمة
الله ومساواة البشر، وكان أحدهما بلالا الحبشي الذي كان يمسك
بخطام ناقته، وكان الآخر هو أسامة بن زيد الذي كان يمسك
بقطعة من القماش ليقي رسول الله من حر الشمس.
وفيما يلي نص هذه الخطبة التي
خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة:
أيها الناس: " إن دماءكم
وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في
بلدكم هذا. ألا وإن كل شيء من
أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. ودماء الجاهلية موضوعة. وإن
أول دم أضعه من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث [ كان
مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل]،. وربا الجاهلية موضوع،
وأول ربا أضع من ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه
موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن - بأمانة
الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن
فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح.
ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن
تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وسنة نبيه. وأنتم
تسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟ [ قالوا: نشهد أنك قد بلغت
وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها
إلى الناس: " اللهم اشهد " [ ثلاث مرات].
أما الخطبة التي ألقاها رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في أوسط أيام التشريق فنصها كما
يلي:
" يا أيها الناس ! أتدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم
وفي أي بلد أنتم " [ فقالوا: في يوم حرام، وبلد حرام، وشهر
حرام]، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة
يومكم هذا في شهركم هذا، وفي بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه.
اسمعوا مني تعيشوا: ألا لا تظلموا ! ألا لا تظلموا ! ألا لا
تظلموا ! إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ألا
وإن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه، إلى
يوم القيامة وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد
المطلب، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، وإن الله عز وجل
قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب، لكم رؤوس
أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. ألا وإن الزمان قد استدار
كهيئته يوم خلق السماوات والأرض [ثم قرأ]،
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق
السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا
فيهن أنفسكم
ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن
الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكنه رضي بالتحريش بينكم،
واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن
شيئا، وإن لهن عليكم حقا، ولكم عليهن حقا: ألا يوطئن فرشكم
أحدا غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه. فإن خفتم
نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير
مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة
الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله عز وجل، ألا ومن كانت
عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها [ وبسط يديه وقال:]
ألا هل بلغت ؟ ألا هل بلغت، [ ثم قال:] ليبلغ الشاهد الغائب،
فرب مبلغ أوعى من سامع .
وخلاصة هذه
الخطبة كلها تكمن في كلمة ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا ..
فهذه الخطبة تهدف إلى سد كل أبواب الظلم سواء أكانت ناتجة عن
أوهام كاذبة أو قوانين خاطئة أو أنانية فرد من الأفراد أو
استبداده.. ولهذا أعلن رسول الله أن دماء المسلم وأمواله
وعرضه حرام على أخيه المسلم إلا أن يكون بسند من الشريعة
الإلهية، فحظر كل الأعمال التي كانت تتم وفق التقاليد
الجاهلية والعواطف الانتقامية حظرا مطلقا. وكذلك ألغى رسول
الله التعامل الربوي الذي يؤدي إلى الظلم الاقتصادي وإذكاء
أوار الحقد بين مختلف فئات المجتمع ويعوق العدالة الاجتماعية
بطرق غير مباشرة. وأوضح رسول الله حقوق النساء بكل وضوح ومنع
الرجال من أن يظلموهن استغلالا لضعفهن.
وأعلن رسول الله أن كتاب الله وسنة رسوله هما
المعياران الوحيدان لتنظيم المعاملات بين البشر.. وألزم رسول
الله كل الناس بأن يحلوا كل نزاعاتهم في ضوء
أحكام القرآن والسنة النبوية، سواء أكان حكم القرآن والسنة يوافق هواهم
أم لا يوافق.
ومنع رسول الله
المسلمين وشدد عليهم ألا يتقاتلوا فيما بينهم.. وهذا القتال
الداخلي هو السبب الأكبر للخلافات داخل الأمة الإسلامية. وقد
حفظ الله دينه وأحكمه لدرجة أنه لا سبيل أمام الشيطان إلى
إفساد الدين نفسه إلا أنه سيدفع المسلمين للقتال فيما بينهم
على نزاعات تافهة بمختلف العناوين والشعارات.. ولن يصيب
المسلمين شيء من الأذى لو نجوا من هذه الفتنة.
ويقتضي الإيمان بالإسلام أن يشعر
المسلمون بأهمية أداء الأمانات إلى أهلها. ومن أهم هذه
الأمانات إبلاغ الرسالة الإلهية إلى الآخرين، ومنها كذلك
إعادة أموال الناس إليهم، والاعتراف بكفاية الكفء. فإخلاء
المكان والمنصب للكفء هو الآخر من أداء الأمانات. والمسلمون
ملزمون بأن يكونوا أمناء ومسئولين في كل المعاملات وفي أداء
الأمانات.
وخطبة رسول الله
هذه هي إعلان حي، والحاج الحقيقي هو الذي يسمع إلى هذا
النداء ويعود من الحج وقد أصبحت هذه الخطبة منهاج حياته
كلها.
الحج هو ركن الإسلام الخامس
وهو فرض على كل مسلم ومسلمة مرة واحدة في حياتهما في حالة
الاستطاعة. وهو يؤدى في خمسة أيام، من 8 ذي الحجة إلى 12
منه، كل عام.
ويجب على كل من ينوي الحج أن
يحرم، أي : ينوي الحج ثم يرتدي ملابس الحج الخاصة، في مكان
معين قبل التوجه إلى مكة، ويسمى هذا المقام بالميقات، وميقات
القادمين من الشرق، كالهند وباكستان، هو قرن المنازل، وميقات
القادمين من ناحية المدينة هو ذو الحليفة، وميقات القادمين
من ناحية الكوفة والبصرة وبغداد هو ذات عرق، والجحفة هي
ميقات القادمين من تركيا والشام. ولا بد من الإحرام عند
الميقات قبل التوجه إلى مكة.
ويسمى يوم الثامن من ذي الحجة
بيوم التروية. ويسن للحاج أن يغتسل ليلة الثامن من ذي الحجة
أو في صباحه ويتعطر ويتجه إلى الكعبة وهو في ملابس الإحرام،
فيطوف حولها، ثم يصلي عند مقام إبراهيم صلاة نافلة من ركعتين
تسمى بسنة الطواف، ثم يدعو ويستغفر ربه، ثم يصلي ركعتين بنية
الإحرام، وينوي كما يلي : اللهم إني أريد الحج فيسره لي
وتقبله مني ، وذلك بقلبه أو بقلبه ولسانه في بعض الآراء.
والحاج يردد الدعاء الآتي ابتداء
من الإحرام وحتى نهاية الحج : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك
لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك ويؤدي
الرجال هذا الدعاء الذي يسمى بالتلبية بصوت مسموع.
أما النساء فيرددنه بصوت خافت.
ويجب
السعي بين الصفا والمروة مرة
واحدة للمقرن أو المفرد خلال الحج، ويمكن أداؤه قبل الذهاب
إلى عرفات أو بعد طواف النفل أو طواف الزيارة، أما المتمتع
فعليه سعيان سعي للعمرة وسعي للحج لا يفعل إلا بعد طواف
الإفاضة ومن الأفضل أداء طواف الزيارة بعد العودة إلى منى،
إلا أنه يجوز للضعفاء أن يؤدوه مسبقا خوفا من هجوم الناس،
وذلك بعد منتصف الليل.
ويتكون الطواف من سبع دورات حول
الكعبة وينبغي بدؤه بعد استلام الحجر الأسود أو الإشارة إليه
في حالة الزحام، ثم تقوم بالاضطباع والرمل
في الدورات الثلاث الأولى. والاضطباع هو أن تخرج طرفا من
رداء، الإحرام العلوي من تحت الكتف الأيمن وتضعه على الكتف.
والرمل هو مشية الرجل القوي السريعة. ولا اضطباع ولا رمل على
النساء، ثم تؤدي دورات الطواف الأربعة الباقية بالمشية
المعتادة، وتظل تدعو ربك خلال دوران الطواف، ثم تصلي ركعتين
عند مقام إبراهيم ثم تأتي الملتزم وتدعو الله ثم تتوجه إلى
بئر زمزم وتشرب من مائه وتدعو الله، ثم تتوجه إلى باب الصفا
للسعي من جبل الصفا إلى المروة. وتكتمل دورة السعي الواحدة
بالسعي من الصفا إلى المروة، وتكتمل الدورة الثانية بالسعي
من المروة إلى الصفا عائدا، وهكذا تكمل سبع دورات. وتظل
مكبرا ومهللا وداعيا خلال هذه الدورات. وينبغي على الرجال أن
يسعوا بما يشبه السعي في المسافة بين الميلين الأخضرين الذين
تعينهما علامات بارزة. وينبغي أن تنتهي دورة السعي السابعة
عند المروة.
ويتوجه الحاج إلى منى في صباح
الثامن من ذي الحجة. وينبغي على الحاج أن يصل مني قبل الظهر
لكي يؤدي هناك صلاة الظهر. ومجموع الأيام التي
سيقضيها الحاج بمنى خمسة أيام، وينبغي في حالة الإمكان أن تؤدى الصلوات
الخمس بمسجد الخيف ابتداء من ظهر الثامن من ذي الحجة إلى فجر
التاسع من ذي الحجة، ثم تذهب إلى عرفات في التاسع من ذي
الحجة وتقيم هناك.
ووقوف عرفة هو ركن الحج الأعظم
وهنا نجمع صلاتي الظهر والعصر، ونعود من عرفات في نفس اليوم
لنقضي الليلة بالمزدلفة، ثم نتوجه إلى منى مرة أخرى صباح
العاشر من ذي الحجة قبل طلوع الشمس، ونستمر في هذه الأثناء
في ترديد التلبية والتوجه بالدعاء إلى الله تعالى. ومن هذه
الأدعية لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير . ومن السنة أن نبقى
بجبل عرفات حتى غروب الشمس، ثم نتوجه إلى المزدلفة بعد
المغرب في العاشر من ذي الحجة ونصلي هناك صلاتي المغرب
والعشاء جمعا. ويمكننا أن نتوقف خلال هذه الرحلة في أي مكان
في الطريق ما عدا وادي محسر. ونعود في العاشر من ذي الحجة
نفسه إلى منى مرة أخرى. وتوجد ثلاثة مقامات بين منى ومكة
وتسمى الجمرة الأولى، والجمرة الوسطى، والجمرة الكبرى
(العقبة) وترمي هذه الجمرات ثلاث مرات بسبع جمرات في أوقات
مختلفة.
وننحر الأضاحي بعد رمي الجمار،
ثم نحلق رؤوسنا أو نكتفي بتقصير الشعر ونغتسل ونلبس الملابس
العادية ونذهب لنحر الأضاحي. ويمكن توكيل فردين أو ثلاثة
أفراد ليقوموا بالنحر نيابة عن قافلة أو مجموعة من الحجاج.
فليس من الضروري على كل حاج أن ينحر أضحيته بيده. ويتحرر
الحاج من محرمات الحج بعد الحلق أو التقصير ما عدا الرفث.
والآن يقوم الحاج بطواف الزيارة.
ويستحسن القيام بطواف الزيارة قبل غروب الشمس في العاشر من
ذي الحجة. ويمكن أداء هذا الطواف حتى قبيل غروب الشمس في
الثاني عشر من ذي الحجة. وينبغي على المرء أن يكثر من الذكر
والدعاء عند طواف الزيارة
ونعود إلى منى مرة أخرى بعد طواف الزيارة ونقوم برمي الجمرات
في اليومين الحادي والثاني عشر من ذي الحجة بعد الزوال.
والطريقة المسنونة لرمي الجمرات بعد العودة إلى منى هي رمي
الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى. ومن السنة أن نقيم ثلاث
ليال في منى بعد العودة من المزدلفة. ويمكن الانصراف من منى
بعد قضاء ليلتين بها قبل غروب الشمس في الثاني عشر من ذي
الحجة.
لقد اكتمل حجك هنا وينبغي أن
تطوف بالكعبة كل يوم داعيا خاشعا ما بقيت مقيما بمكة بعد
هذا، وأن تقوم بطواف الوداع عند الخروج النهائي من مكة.
ليس من أركان الحج وفرائضه أن
تتوجه إلى المدينة أو أن تصلي بالمسجد النبوي وتزور روضة
الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا أن له ثوابا كبيرا،
وينبغي على الحاج - من باب السنة - ألا تفوته زيارة المدينة
المنورة، وعليه أن يتوجه إلى المدينة من مكة بعد طواف
الوداع.
وينبغي على المرء أن يكثر من
الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في
رحلته نحو المدينة، وأن يغتسل بعد الوصول إليها، ثم يتوجه
إلى المسجد النبوي ليصلي ركعتين ثم يدعو ربه، وبعد الفراغ من
الصلاة والدعاء، عليه أن يأتي بكل أدب إلى نوافذ المواجهة
الشريفة ويصلي ويسلم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
وعليك أن تحاول - أيها الزائر-
أداء أكبر قدر من الصلوات في المسجد النبوي خلال إقامتك
بالمدينة. وينبغي بعد الفراغ من الصلاة في المسجد النبوي
والتسليم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن تزور مقامات
المدينة التي ترتبط بتاريخ الإسلام مثل جنة البقيع، التي هي
مقبرة عدد كبير من الصحابة الكرام ومسجد قباء الذي صلى فيه
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول ما صلى في المدينة،
وجبل أحد الذي وقعت عنده ثاني حرب كبرى في تاريخ الإسلام،
ومسجد القبلتين الذي نزل به حكم تغيير القبلة أثناء الصلاة
وغيرها من المقامات والآثار الإسلامية.
والأشياء التالية محرمة على الحاج بعد الإحرام :
|
1- |
الجدال والخصام.
|
|
2- |
الكذب. |
|
3- |
الغيبة وذكر الآخرين
بالسوء. |
|
4- |
القذف. |
|
5- |
الكلام البذيء والفاحش
(ملاحظة : هذه الأشياء محرمة في كل الأحوال إلا أن
شناعتها تزداد كثيرا خلال الحج). |
|
6- |
صيد الحيوانات البرية أو
تحريض الآخرين على اصطيادها. |
|
7- |
حلق الشعر وتقليم
الأظافر. |
|
8- |
ارتداء الجوارب والخفاف
أو أحذية تغطي القدم إلى الكعبين. |
|
9- |
ارتداء العمامة أو
القلنسوة. |
|
10- |
ارتداء الملابس المخيطة.
|
|
11- |
اجتثاث الأعشاب
والنباتات وكسر أغصان الأشجار. |
|
12- |
استخدام العطر أو وضع
الزيت على الرأس. |
|
13- |
المباشرة الزوجية أو
الانشغال في أحاديث الهوى. |
|
1- |
الخروج من البيت بنية
الحج. |
|
2- |
الإحرام عند حدود
الميقات. |
|
3- |
دخول مكة بعد الاستحمام
أو الوضوء. |
|
4- |
دخول الحرم وطواف الكعبة
بالطريقة المقررة. |
|
5- |
السعي بعد الطواف بين
الصفا والمروة. |
|
6- |
التوجه إلى منى بعد طواف
القدوم في الثامن من ذي الحجة. |
|
7- |
التوجه إلى عرفات في
التاسع من ذي الحجة وجمع صلاتي الظهر والعصر بها. |
|
8- |
التوجه إلى المزدلفة
ليلة العاشر من ذي الحجة وجمع صلاتي المغرب والعشاء بها،
وقضاء الليل بها. |
|
9- |
الذهاب إلى منى في
العاشر من ذي الحجة ورمي الجمرات (جمرة العقبة). |
|
10- |
نحر الأضاحي وحلق الرأس. |
|
11- |
الذهاب إلى مكة لطواف
الزيارة في العاشر من ذي الحجة بعد حلق الرأس والعودة
إلى منى، وكذلك السعي بين الصفا والمروة إن فاتك السعي
في الثامن من ذي الحجة. |
|
12- |
القيام بمنى في الحادي
عشر والثاني عشر من ذي الحجة ورمي الجمرات على الجمرات
الثلاث بالترتيب. |
|
13- |
وقد اكتمل حجك هنا
ويمكنك العودة إلى مكة والطواف حول الكعبة والارتواء من
ماء زمزم لشكر الله تعالى على هذه النعمة.
|
|
1- |
الآفاقي: الحاج القادم
من خارج حدود الميقات. |
|
2- |
الإحرام: ارتداء لباس
بسيط يتكون من ردائين بنية الحج أو العمرة.
|
|
3- |
الاستلام: تقبيل الحجر
الأسود أو لمسه. |
|
4- |
الاضطباع: ارتداء رداء
الإحرام الأعلى بإخراجه من الإبط الأيمن ووضعه على الكتف
الأيسر. |
|
5- |
الإفراد: الإحرام للحج
وحده، ويسمى الذي يؤدي مثل هذا الحج بالمفرد. |
|
6- |
أهل الحرم: سكان مكة
والحرم. |
|
7- |
أهل الحل: الذين يسكنون
خارج حدود الحرم ولكن داخل حدود الميقات. |
|
8- |
التحليق: حلق الرأس بعد
نحر الأضحية. |
|
9- |
التقصير: تقصير الشعر
بعد تقديم الأضحية. |
|
10- |
التقليد: وضع قلادة في
عنق الهدي. |
|
11- |
التلبية: ترديد الدعاء
لبيك اللهم لبيك . |
|
12- |
التمتع: أداء العمرة
قبيل أيام الحج ثم التحلل من الإحرام، والإحرام من جديد
لأجل الحج. ويسمى من يقوم بالتمتع بالمتمتع. |
|
13- |
التهليل: ترديد لا إله
إلا الله، محمد رسول الله . |
|
14- |
الجمرات: هي الجمرات
الثلاثة: الجمرة الأولى، والجمرة الوسطى، وجمرة العقبة.
وهي تقع بالقرب من مسجد الخيف. |
|
15- |
الحجر الأسود: حجر موضوع
في الجانب الجنوبي الشرقي من بناية الكعبة.
|
|
16- |
الحطيم: أرض ملاصقة للكعبة كانت جزءا
منها في قديم الزمان إلا أنها خارجة الآن عن بنايتها
المكعبة. |
|
17- |
الرفث: فعل أو كلام
فاحش، وهو محرم في أيام الحج. |
|
18- |
الرمل: مشي سريع مع هز
الكتفين. |
|
19- |
الرمي: رمي الحصى - على
الجمرات الثلاث وهي الجمرة الأولى والجمرة الوسطى وجمرة
العقبة. |
|
20- |
الركن الأسود: الركن
الرابع من الكعبة حيث يبدأ الطواف بعد استلام الحجر
الأسود. |
|
21- |
السعي: السعي سبع مرات
بين جبلي الصفا والمروة. |
|
22- |
الشوط: هو طواف واحد حول
الكعبة أو سعي واحد بين الصفا والمروة. |
|
23- |
الطواف: الدوران حول
الكعبة في سبعة أشواط. وله أنواع مثل طواف القدوم وطواف
الزيارة وطواف الوداع. |
|
24- |
العمرة: وهو الحج الأصغر
في غير أيام الحج، ويتكون من الإحرام والطواف والسعي. |
|
25- |
القران: الإحرام بنية
أداء العمرة والحج معا. ويقال لمن يقوم بالقران : القارن
. |
|
26- |
الكفارة: نحر حيوان أو
التصدق أو الصوم لتلافي خطأ ما في أداء مناسك الحج. |
|
27- |
المزدلفة: واد بين عرفات
ومنى يبعد مسافة ميلين عن منى في جهة الشرق. |
|
28- |
المطاف: المنطقة المحيطة
بالكعبة، التي يؤدي عليها الطواف. |
|
29- |
مقام إبراهيم: حجر وقف عليه إبراهيم
عليه السلام عند بناء الكعبة. |
|
30- |
الملتزم: هو المكان بين
الحجر الأسود وباب الكعبة الذي يدعو فيه الحاج أدعيته
الخصوصية. |
|
31- |
منى: مكان يبعد عن مكة
بثلاثة أميال. |
|
32- |
الميلان الأخضران -
عمودان أخضران بين الصفا والمروة يسعى بينهما الحاج أو
المعتمر سعيا سريعا. |
|
33- |
الميقات: أمكنة محددة
للإحرام قبل الدخول إلى مكة بنية الحج أو العمرة. |
|
34- |
النحر: وهو ذبح الأضحية
بمنى بعد الرمي. |
|
35- |
الهدي: وهو الحيوان الذي
يصحبه الحاج معه بنية ذبحه في الحج. |
|
36- |
الوقوف: هو الوقوف بجبل
عرفات والتوقف في المزدلفة. |
|
1- |
أحد: جبل بالقرب من
المدينة حيث وقعت غزوة أحد. |
|
2- |
بدر: مكان بالقرب من
المدينة حيث وقعت أول حرب مع أعداء الإسلام.
|
|
3- |
بئر عثمان: بئر قديم
بالقرب من المدينة ينسب إلى ثالث الخلفاء الراشدين عثمان
بن عفان رضي الله تعالى عنه. |
|
4- |
جبل المكبر: جبل بمنى.
|
|
5- |
جبل الثور: جبل به غار
أقام فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث ليال
عند الهجرة. |
|
6- |
جبل الرحمة: جبل بوادي
عرفات ألقى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة
حجة الوداع. |
|
7- |
جبل قزح: جبل بالمزدلفة. |
|
8- |
جبل النور: جبل بالقرب
من مكة في أعلاه غار حراء. |
|
9- |
الجحفة: ميقات القادمين
من مصر والشام وأوربا ويسمى بـ " رابغ " الآن. |
|
10- |
جنة البقيع: أكبر مقابر
المدينة. |
|
11- |
جنة المعلى: مقبرة بمكة
بها قبر السيدة خديجة وغيرها من الصحابة. |
|
12- |
حراء: غار بالقرب من مكة
نزل به أول وحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . |
|
13- |
ذات عرق: ميقات الحجاج
القادمين من ناحية العراق. |
|
14- |
ذو الحليفة: ميقات
القادمين من المدينة واسمه الحالي بئر علي . |
|
15- |
الشميسية: المكان الذي
أخذ فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان
من أصحابه. |
|
16- |
الصفا: جبل بالقرب من الكعبة يبدأ منه
الحاج أو المعتمر سعيه إلى المروة. |
|
17- |
عرفات: جبل كبير يقيم
فيه الحجاج في التاسع من ذي الحجة. |
|
18- |
قرن المنازل: اسم جبل،
هو ميقات القادمين من ناحية نجد. |
|
19- |
محسر: ميدان بالقرب من
المزدلفة نزل فيه العذاب الإلهي على أصحاب الفيل. |
|
20- |
المدينة: البلدة التي
هاجر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسميت
بالمدينة وكانت تعرف قبل هجرته بـ " يثرب " . |
|
21- |
المروة: جبل ينتهي عنده
السعي من الصفا. |
|
22- |
المزدلفة: ميدان بين منى
وعرفات. |
|
23- |
المساجد الخمسة: هي خمسة
مساجد في المدينة يقال : إنها تقع في المكان الذي حفر
فيه الخندق عند غزوة الأحزاب. |
|
24- |
مسجد الخيف: مسجد بميدان
منى حيث يقيم الحجاج في الثامن من ذي الحجة. |
|
25- |
مسجد قباء: مسجد بالقرب
من المدينة، وهو أول مسجد بني في الإسلام. |
|
26- |
مسجد القبلتين: مسجد
بالعقيق الذي نزل فيه . |
|
27- |
مسجد نمرة: مسجد بإحدى
نواحي عرفات صلاتي الظهر والعصر جمعا في التاسع من ذي
الحجة. |
|
28- |
المشعر الحرام: مقام
بالمزدلفة حيث يقف الحجاج. |
|
29- |
مكة: أشهر مدن الجزيرة
العربية حيث بنى إبراهيم عليه السلام بيت الله. |
|
30- |
منى: اسم مكان ترمى فيه الجمرات . |
|
31- |
يلملم: ميقات الحجاج
القادمين من ناحية اليمين . |
|
32- |
قرن المنازل (السيل
الكبير) : ميقات أهل الهند وباكستان والشرق .
|
المصدر: موقع الحج و العمرة علي
الانترنت
¨
(الرســـول: الـــــزوج المـــــرح)
لماذا نرى أن المرح
شىء غير مُستحب وأن الإلتزام يفرض
علينا أن نُصبح غير مرحين
فالوجه عابس والحديث حاسم وهذا يحدُث
أيضاً بداخل الأُسرة المُسلمة
فالرجُل يعتبر أن المرح مع زوجته
وأولاده يلغى حواجز الإحترام والهيبة
فى حين أنه يفعل العكس تماماً فحينما
يكون هُناك بعض المرح والسعادة
الأُسرية
فتقوى عاطفة الحُب والمودة بين أفراد
الأُسرة المُسلمة
ويقف هُنا الحديث .. أمام عظمة ومكانة
حديث الحبيب - صلى الله عليه وسلم - :
( قالت عائشة ( رضى الله
عنها ) : والله رأيت النبى - صلى الله
عليه وسلم - على باب حُجرتى ، والحبشة
يلعبون بالحراب فى المسجد ، ورسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يسترنى بردائه ،
لأنظر إلى لعبهم ، بين أذنه وعاتقه ، ثم
يقوم من أجلى حتى أكون أنا التى أنصرف ،
فأقدروا قدر الجارية الحديثة السن
الحريصة على اللهو ) رواه البخارى
ومُسلم .
فما أحلمك يا رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - فلقد راعى نفسية
زوجته السيدة عائشة ( رضى الله عنها )
وجعلها تسعد برؤيتها للحبشة يلعبون ولم
يُعنفها أو يصُدها عن ذلك ، بل وتركها
حتى انتهت واكتفت من النظر واللهو
المُباح ..
وهُنا حديث آخر عن الحبيب
- صلى الله عليه وسلم - :
( قالت عائشة ( رضى الله
عنها ) : قال لى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - إنى اعلم إذا كُنت عنى
راضية ، وإذا كُنتِ على غضبى !
فقلت : من أين تعرف ذلك ؟!
فقال : إذا كُنتِ راضية : فإنكِ تقولين
: لا ورب محمد .. وإذا كُنتِ على غضبى ،
قلتِ لا ورب إبراهيم .
أترون حبيباتِ :
كم لهذا الحديث من معنى
جميل ورائع وكيف لا وهو من الحبيب الذى
قال عنه المولى - جل وعلا - ( وإنك لعلى
خلق عظيم ) ، فلم يقل لها كلمة تُحزنها
حينما تكون غاضبة عليه بل راعى حالتها
النفسية وداعبها بقوله لها ذلك .
وهُنا حديث آخر أيضاً عن
الحبيب - صلى الله عليه وسلم - :
( قالت عائشة ( رضى الله
عنها ) : إنها كانت مع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فى سفر ، وهى جارية ،
فقالت : لم أحمل اللهم ولم أبدن . فقال
لأصحابه : تقدموا ، فتقدموا قم قال :
تعالى أسابقكِ ! فسابقته على رجليّ ،
فلما كان بعد - وفى رواية - فسكت عنى
حتى إذا حملت اللحم ( أى سمنت ) وبدنت
ونسيت ، خرجت معه فى سفر ، فقال لأصحابه
: تقدموا ، فتقدموا ، ثم قال : تعالى
أسابقكِ ، ونسيت الذى كان ، وقد خملت
اللحم ، فقلت : كيف أسابقك يا رسول الله
، وأنا على هذه الحال ؟! فقال : لتفعلن
، فسابقته فسبقنى ، فجعل يضحك وقال :
هذه بتلك السبقة ) رواه أو داوود
والنسائى ، حديث حسن صحيح .
يا الله ،
ما أروع تلك العلاقة
الزوجية النبوية فلعل رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - أراد بذلك تعليم كُلاً
من الزوجين كيفية الإستمتاع بالحياة
الزوجية فلا مانع من أن يتخللها بعض من
المرح والمُداعبة وأيضاً بعض الأنشطة
الرياضية المُفيدة ، وكم أنك يا حبيبى
يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ليس لك مثيل فى هذا الكون فهل ترون
حبيباتِ ضحكتهُ مع زوجته .. هل ترون كمّ
أنهُ مرح ورقيق المشاعر مع أم المؤمنين
عائشة ( رضى الله عنها ) .. صلى الله
عليكِ يا حبيبى يا رسول الله وعلى آلك
وصحبك وسلم ..
وهُنا حديث آخر أيضاً عن
الحبيب - صلى الله عليه وسلم - :
( قدم رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - من غزوة تبوك أو حنين
، وفى صهوتى ( أى بيت صغير شبيه
بالخزانة أو المخدع وقيل غير ذلك ) سِتر
، فهبت ريح . فكشفت ناحية السِتر عن
بنات لعائشة لُعب . فقال : ما هذه يا
عائشة ؟ فقالت بناتى !
ورأى بينهُن فرساً له جناحان من رِقاع .
فقال :
ما هذا الذى أرى وسطهُن ؟!
قالت : فرسى !
قال : وما الذى عليه ؟!
قالت : جناحان .
قال : أما سمعتِ أن لسليمان خيلاً لها
أجنحة ؟
قالت : فضحك حتى رأيت نواجذه ) رواه أبو
داوود ، حديث صحيح .
ألا ترين أيتُها
الحبيبات كم كان يتواصل مع زوجته
السيدة عائشة ( رضى الله عنها ) وكيف
راعى حُبها للعب ..
وتؤكد ذلك السيدة عائشةحينما سُألت عن
حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إذا خلا بالبيت؟
قالت: ألين الناس، بساما ضحاكا .
فأين نحن حبيباتِ اليوم
من قدوتنا وحبيبنا رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - أليس هو المثل
الأعلى والقدوة الحسنة .. فدعوة لنا
جميعاً أن نقتدى به وبمواقفه العظيمة
والنبيلة .
|
|
|
منقول
للفائدة
¨°o.O (الرســـول: الـــــزوج
الوفـــى) O.o°¨
كُلما سمِعنا عن
مواقف نبيله وفيّه ، وحينما تُحكى
لنا قصص عن الوفاء.. نتسائل ..
تُرى هل تلك القصة واقعية ؟ وهل
بطلها فعل ذلك حقيقةً ؟
وكم مر علينا قصص خيالية ، وأُخرى
بها جزء واقعى ومبنى عليه خيال كاتب
..
أما حينما نذكُر قصة وفاء رسولنا
الحبيب - صلى الله عليه وسلم -
للسيدة خديجة - رضى الله عنها -
ومواقفهُ تجاهها ..
نُسلّم بأن ذلك الوفاء لم يرقى
إليه بشرًُ أبدا
وإنها للقصة النبوية
الحقيقية الأصيله ..
فتعالينَ معى حبيباتِ للتمعُن أكثر فى
حديث السيدة عائشة - رضى الله عنها -
حينما قالت :
( ما غِرتُ على أحد من
نساء النبى - صلى الله عليه وسلم - ما
غِرت من خديجة ( رضى الله عنها )، وما
رأيتُها قط ! ولكن كان الرسول - صلى
الله عليه وسلم - يُكثر ذكرها ورُبما
ذبح شاة ثم يُقطعها أعضاء ، ثم
يبعثُها إلى صدائق خديجة ! ، ورُبما
قُلت له لم يكُن فى الدُنيا أمرأة إلا
خديجة ، فيقول : إن كانت وكانت ، وكان
لى منها ولدّ !
" خير نسائها مريم بنت عمران . وخير
نسائها خديجة ، وأشار إلى السماء
والأرض " رواه البُخارى ومُسلم
فما أروع ذلك الوفاء
وما أجملهُ ، فكيف للحبيب - صلى الله
عليه وسلم - أن ينسى من واستهُ فى
مِحنته مع قُريش بمالها ونفسها
وكلماتها الطيبة المُشجعه الدافعة
للخير ومن كانت ملاذهُ ليلة الوحى
حينما قالت له - رضى الله عنها -
حينما رجع الحبيب - صلى الله عليه
وسلم - يرجف فؤاده
فقال: زملوني زملوني،
فزملوه حتى ذهب عنه الروع ،فأخبرها
الخبر و قال: لقد خشيت على نفسي ..
فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله
أبداً، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف،
وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على
نوائب الحق.
إلا يحق لرسول الله -
صلى الله عليه وسلم - أن لا ينساها
أبدا وأن يذكُرها دوماً بالخير الذى
صنعتهُ يداها معهُ ( فنعمّ الزوجةُ
الصالحة ) التى تكُن عوناً لزوجها
وسنداً لهُ ..
فعن أبن عباس - رضى
الله عنهُما - قال : ( قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - سيدة نساء أهل
الجنة بعد مريم : فاطمة ، وخديجة ،
وأمرأة فرعون آسيه )
فلم تكُن تنال تلك
المنزله عند ربها - جل وعلا - وزوجها
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من
فراغ .
فكان - صلى الله عليه
وسلم - الزوج الوفىّ لزوجتهُ حتى بعد
مماتها ، وبعد زواجهُ بغيرها فكان
دوماً يذُكرها بالخير وبمواقفها
الطيبة معهُ ونذكُر هُنا أيضاً حديثهُ
- صلى الله عليه وسلم - عن عائشة -
رضى الله عنها - قالت :
( ما غِرت على أمرأة قط
ما غرت على خديجة من كثرة ذكر النبى -
صلى الله عليه وسلم - إياها ، ولقد
ذكرها يوماً فقُلت : ما تصنع بعجوز
حمراء الشّدقين ؟! قد أبدلك الله
خيراً منها ؟!
فقال : والله ما أبدلنى الله خيراً
منها آمنت بى حين كفر الناس ،
وصدّقتنى إذ كذّبنى الناس ، وواستنى
بمالها إذ حرمنى الناس ، ورزقنى منها
الله الولد دون غيرها من النساء )
رواه البُخارى وأحمد والطبرانى .
ولم تعاود السيدة عائشة
- رضى الله عنها - ذكر خديجة - رضى
الله عنها - هكذا على لسانها من بعد
ذلك الحديث الشريف .
فقد ظل الحبيب - صلى
الله عليه وسلم - زوجاً وفياً طوال
حياته مع السيدة خديجة - رضى الله
عنها - فلم يتزوج عليها بالرغم من كبر
سنها فقد كان حين تزوجها فى الخامسة
والعشرين وهى فى الأربعين من عُمرها ،
وأيضاً بعد موتها ظل حافظاً لصُنعها
الجميل معه ..
بل وقد بشرها المولى -
جل وعلا - بالجزاء الأوفى بالجنة
حينما قال جبريل - عليه السلام -
للحبيب - صلى الله عليه وسلم - :
هذه خديجة أتتك معها
إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا
هى أتتك ، فاقرأ عليها السلام من ربى
ومنى ، وبشّرها ببيت فى الجنة من قصب
، لا صخب فيه ولا نصب ) روى عن أبى
زرعه ، عن أبى هُريره .
فيبقى الوفاء درساً
خالداً صنعهُ الحبيب - صلى الله عليه
وسلم - حتى يكُن عبّرة للأزواج
والزوجات ..
ولم يكُن الحبيب - صلى
الله عليه وسلم - وفياً لها فحسب بل
وظل وفياً لصحباتها أيضاً فقد روت
السيدة عائشة - رضى الله عنها - :
( أن عجوزاً جاءت إلى
النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال
لها : من أنتِ ؟ فقالت : جثامة
المُزنية ، فقال : أنت حسّانه ! كيف
أنتُم ؟ كيف حالكُم ؟ كيف كُنتُم
بعدنا ؟
قالت : بخير ، بأبى أنت وأُمى !
فلما خرجت قالت عائشة - رضى الله عنها
- : يا رسول الله ! تقبل هذه العجوز
هذا الإقبال ؟!
قال : إنها كانت تأتينا زمن خديجة !
وإن حُسن العهد من الإيمان ! ) رواه
الحاكم وصححهُ ووافقهُ الذهبى
لا
يدُل ذلك الوفاء العظيم سوى عن
شخصية عظيمة ونبيله ذات خُلق عظيم
وهى رسولنا الحبيب - صلى الله عليه
وسلم - دوماً سيبقى الأسوةُ الحسنه
والنور الذى يُضىء جنبات النفس
المؤمنه فيعمُرها بالرضى والسعاده
جزاك الله عنا خيراً يا سيد ولد آدم
، اللهُم أعطه الوسيلة والدرجة
العالية الرفيعه
وابعثهُ مقاماً محموداً الذى وعدتهُ
.. آمين إنك على كُل شىء قدير
وصلى اللهُم وسلم وبارك على الحبيب
وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
|
|
|
منقول للفائدة
¨°o.O (الرســـول: الـــــزوج
الصـــبوّر) O.o°¨
هل أحسستُن بالغيرة
على أزواجكُن ذات يوم
?
هل
مر عليكُن موقف ما أحسستُن بالغيرة
الشديدة على أزواجكُن ولم تتمالكنّ
أعصابكُن وصدر منكُن رد فعل غير
عقلانى ؟!
بالطبع .. أعتقد أن الإجابة هى :
نعـــم ..!
- فمن منا أخواتِ الحبيبات لم تغاّر
على زوجها !
ولكن ليس هُنا مقصدى من تلك الكلمات
والأستفسارات .. فإن مقصدى ...
( ما هو رد فعل أزواجكُن فى تلك
المواقف ؟ .. ماذا فعلوا ؟ )
- أليس هُناك من البيوت من لم تستمر
فى الحياة الزوجية من أجل غيرة
شديدة من الزوجة ؟
* فتعالينَ
معى حبيباتِ لرؤية ذلك الموقف النبوى
الرائع ، المثالى ، العظيم :
( عن أنس - رضى الله
عنه - قال : أهدى بعض نساء النبى -
صلى الله عليه وسلم - له قصعة فيها
ثريد ، وهو فى بيت بعض نسائه فضربت
عائشة يد الخادم ، انكسرت القصعة ،
فجعل النبى - صلى الله عليه وسلم -
يأخذ الثريد ويرده فى فلق القصعة
ويقول : كلوا ! غارت أمكم !! ثم حبس
الخادم حتى أتى بصفحة من عند التى هو
فى بيتها ، فدفع الصفعة إلى التى كسرت
صفحتها . ) رواه البُخارى .
- فما أعظم تلك الحكمة
وما أجمله من صبر ، صبر رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - على غيرة عائشة
- رضى الله عنها - فلم يُقابل الموقف
بالإهانة أو الضرب أو الإساءة ولكنه -
صلى الله عليه وسلم - قد راعى نفسية
زوجته وعرف أن الغيرة مما جُبلت عليه
المرأة بالدُنيا ، فالمشاعر تتحكم بها
أكثر من العقل ، وينتُج عن ذلك
تصرُفات غير عقلانية ، نابعة من
أحساسها المُرهف وشدة حُبها لزوجها ..
- راعى الحبيب - صلى الله عليه وسلم -
تلك الغيرة ولم تكُن سبباً فى الفراق
بينه وبين زوجته أم المؤمنين عائشة -
رضى الله عنها - وإنما صبر عليها وبعد
أن هدأ الموقف عاقب على الغيرة أيضاً
حينما طلب تعويض للصفحة مقابل كسرها
.. فما أحلمك يا رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - !!!
... فبمثل ذلك فليقتدى الأزواج .
وهُنــا معنــا حديث آخر فلنقرأه
سوياً أيتُها الحبيبات : -
( قالت عائشة - رضى
الله عنها - : ( لما كانت ليلتى التى
كان النبى فيها عندى ، وظن أنى قد
رقدت فخرج .. فانطلقت على أثره " وقد
ظنت أنه ذهب إلى إحدى ضراتها فتبعته "
حتى جاء البقيع .. ثم انحرف فانحرفت
فأسرع فأسرعت ، فهرول فهرولت ، فسبقته
.. فدخل فقال : مالك يا عائش حشيا
رابية ؟! " أى يخفق صدركِ كثيراً "
فأخبرته .. قال : أظننتِ أن يحيف الله
عليكِ ورسوله ؟ " أى يظلمك " ) الحديث
مُختصر ، رواه مُسلم .
فما أعظم خُلُقك يا
حبيبى يا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وما أعدل الله وأعدلك ..
فكيف لا والله هو الذى ربّاك وأحسن
خُلُقك !!!
وحينما سأل رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عائشة - رضى الله عنها - :
( أغرتِ ؟! فأجابت :
ومالي لا يغارُ مثلي على مثلك ! )
رواه أحمد فى المُسند
ويحضُرنا حديث آخر
للحبيب - صلى الله عليه وسلم - :
( أرق رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فخرج إلى
البقيع يحى الراقدين هُناك .. فلما
أصبح مر بعائشة فى الغداة فوجدها تشكو
صداعاً وتئن متوجعه : وارأساه !
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وقد بدأ يحس ألم المرض بل أنا والله
يا عائشة : وارأساه ! فلما كررت
الشكوى داعبها بقوله : ما ضركِ
لو مُتِ قبلي ! فقُمت عليكِ وكفنتكِ
وصليت عليكِ ودفنتكِ ؟ !!
فصاحت عائشة - رضى الله عنها - وقد
هاجت غيرتها : ليكُن ذلك حظى غيرى !!
والله لكأنى بك لو فعلت ذلك ، لقد
رجعت إلى بيتى ، فأعرست فيه ببعض
نسائك !
فأشرق وجه رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بابتسامه لطيفه وسكن عنهُ
الألم هوناً ) . رواه الحاكم وصححه .
فما أجمل المودة التى
جعلها الله بين الأزواج أخواتِ ..
أنظُرن إلى الحوار الجميل بين الرسول
- صلى الله عليه وسلم - وزوجته
المُحبه له والتى تغار عليه حتى بعد
الممات! ، فلو أدرك الأزواج ذلك
الشعور الأُنثوى وتفهموه ما حدث
الخلاف بين الزوجين وما نتج عنهُ خراب
للبيوت وضياع للأولاد ..
فقد كانت أمنا عائشة - رضى الله عنها
- تغار على الحبيب - صلى الله عليه
وسلم - وكيف لا تغار عليه وهو زوجُها
وهو رسول الله وهو خير ولد آدم !!!
فى حديث لها - رضى الله
عنها - قالت :
( كُنتُ أغار من الآتى
وهبت أنفُسهُن لرسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فقُلت : أتهب المرأة
نفسها ؟ ! ) ..
فما أنزل الله تعالى قوله : ( تُرْجِي
مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي
إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ
ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكَ ) الأحزاب : 51 ..
قُلت : أى للرسول - ما أرى " أى ما
أظُن " ربك إلا يُسارع فى هواك ! ) .
رواه البُخارى ومُسلم .
وتعالين معى حبيباتِ
لقراءة ذلك الحديث الرائع وتلك
المُداعبة الجميلة من زوجات رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - :
( قالت عائشة - رضى
الله عنها - كان رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - إذا خرج أقرع بين نسائه ،
فطارت القُرعة على عائشة وحفصه - رضى
الله عنهُما - ، خرجتا معه جميعاً ،
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث
معها ..
فقالت حفصة لعائشة : ألا تركبين
الليلة بعيرى ، وأركب بعيركِ ،
فتنظُرين وأنظُر !!
قالت بلى ! فركبت عائشة على بعير حفصه
وركبت حفصه على بعير عائشة .
فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- إلى جمل عائشة وعليه حفصه فسلم ثم
سار معها حتى نزلوا ، فافتقدته عائشة
فغارت !
فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها فى الآذخر
وتقول : يارب سلط عليّ عقرباً أو
حية تلدغني ، رسولك ، ولا
أستطيع أن أقول شيئاً !! ). رواه
مُسلم .
سُبحان الله
؛ فمن تلك
الأحاديث النبوية الشريفة نرى كم كان
رسولنا الحبيب - صلى الله عليه وسلم -
صبوراً وحليماً وحكيماً على غيرة
زوجته عائشة - رضى الله عنها - ولم
يُقابل تلك الغيرة بشىء من الإساءة
النفسية أو الجسدية ، بل عالج الأمر
بالحكمة التى وهبها الله له وبخُلقه
الذى قال الله فيه سُبحانهُ :
( وَإِنَّكَ لَعَلى
خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم : 4
..
- ينبغى على الأزواج أن
يصبروا ويتخذوا رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - القدوة الحسنة ، ويتفهموا
طبيعة زوجاتهم وما جعله الله فى
طبائعهن ، ويُقدّرون ذلك ..
- وينبغى على الزوجات أن يجعلن
لغيرتهُن حدوداً فلا تتعداها لأن لا
يوجد بعد رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - من يصبر ويكُن حليماً على
الزوجة من الرجال ، مهما بلغ من
الخُلق مبلغاً عظيما ..
* فبالتعاون من الجانبين والتفاهُم
ومُراعاة نفسية كل منهُما للآخر ..
وبالمزيد من الصبر من جانب الزوج
والتفهُم وأن يحتسب ذلك عند الله
ويعلم أن غيرة زوجته عليه ما هى سوى
من مُنطلق حُبّها الشديد له تمضى
سفينة الحياة الزوجية بسلام ..
أسئل
الله أن يُحسّن أخلاقنا ويُهدأ غيرتنا
على أزواجِنا ويحفظهم من كُل سوء ،
ويحفظ كُل بيت مُسلم ..
ولنا فى رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - دوماً
الأسوة الحسنة
|
|
|
¨°o.O
(الرســـول: الـــــزوج المُــتعاون)
O.o°¨
سلام الله عليكُن
ورحمتهُ تعالى وبركاته
هل من المُمكن أن
تثتابعن معى سياق الحديث هذا ، وهو
يدور بين زوجة وأُختها ..
.
.
موافقون .. إذن هيا بنا نُتابع ما
يُقال ... " مع العلم أنه لا يُقصد
به النميمة - معاذ الله - (: "
الزوجة :
سلام الله عليكِ أختى ورحمتهُ تعالى
وبركاته
اختها :
وعليكُم السلام ورحمة
الله وبركاته ، كيف أحوالكِ حبيبتى (
أم ... )
الزوجة :
الحمدلله - وتنطلق من
داخلها تنهيده ساخنه - لكنى مُتعبة
قليلاً ..
أختها :
وما الذى يُتعبكِ ..
أحكى لى .. أنا أُختكِ
الزوجة :
آه .. مسئولية البيت ، وما أدراكِ ما
هى مسئولية البيت ، يجب على أن أقوم
بكُل صغيرة وكبيرة بالمنزل ، فزوجى
يعتمد علي أعتماداً كُلي وجزئى ..
أختها :
وما المُشكلة حبيبتى ،
كُلنا هكذا ، فهذا الواجب علينا ،
ويجب أن تصبرى ..
الزوجة :
بالطبع يا حبيبتى تلك
هى مسئوليتنا أمام الله ، ولكنى
كثيراً ما أشعُر بالتعب وأن المسئولية
كبيرة والألتزامات كثيرة ، فيجب أن
أُنظف المنزل وأعتنى به .. وأطبخ
الطعام .. وأرعى الأولاد من نظافتهُم
ومُذاكرتى لهُم حتى الأطمئنان عليهم
وهُم نائمون .. هذا بالأضافة إلى
تصليح ما يخرب بالمنزل من كُل شىء مما
أقدر على إصلاحه .. بالأضافة إلى
أهتمامى بنفسى من أجل زوجى وأهتمامى
بزوجى نفسهُ .. فأجدنى فى نهاية الأمر
أشعُر بالتعب ..
أختها :
حبيبتى أستعينى بالله
وبالذكر والدُعاء ، والله يُيسر لكِ
جميع أمركِ ، ولا تنسين التسبيح كما
علمهُ رسولنا الحبيب - صلى الله عليه
وسلم - لأبنتهُ وقال لها أنه خير لكم
من الخادم ، فلا تعلمين ما به من بركه
وتيسير للأمور وأيضاً ستجدين السهولة
فى عمل المنزل ، بإذن الله ..
الزوجة :
والله حبيبتى أفعل
ولكنى بإذن الله سأزيد بنصيحتكِ تلك ،
جزاكِ الله خيراً ، لكنى كثيراً ما
أتذكر رسولنا الحبيب كم أنه كان
متعاوناً مع زوجاتهُ ، وأتأمل زوجى
فلا أجدهُ يفعل مثله ، ولا يتخذهُ
قدوة حسنة له فى ذلك الأمر ...
أختها :
حبيبتى لا تنسين أن
زوجكِ يعمل طوال اليوم من أجلكِ
وأولادكِ ، فالله يُعينهُ عليكُم ،
فالتمسى له العُذر ...
الزوجة :
معكِ حق أختى الحبيبة ،
ولكنى كُنت أتمنى أن أجدهُ ذات يوم
يحس بى ويُساعدنى بالمنزل ولو بالقليل
.. كما كان يفعل رسولنا الحبيب ..
فأسعد بذلك ...
أختها :
حبيبتى إن العصر مُختلف
الأن وضغوط الحياة كثيرة والألتزام
بذلك صعب قليلاً من ناحية زوجكِ ..
فاستعينى بالله واصبرى واسألى الله أن
يُعينكِ على مسئوليتكِ ..
الزوجة :
إن شاء الله أدعوه أن
يتقبل وأن يأتى باليوم الذى يتعاون
فيه معى زوجى بالبيت ...
وانتهى الحديث أخواتِ
الحبيبات ..
حبيباتِ ؛
أليس كثيراً ما يمُر
علينا ذلك الحديث ، بأن يدور فيما
بيننا أو نسمعهُ .. فيوجد نماذج من
الأزواج بهذا الشكل فنجدهُم لا
يتعاونون مع زوجاتهم بالمنزل أو
بتربية الأبناء ، ويقولون عيب .. كيف
أساعد النساء فى أعمال البيت ، فهذا
لا يصح .. ويُحرج من أن يفعل ذلك ،
وإذا فعله يخشى من أن يعلمهُ إخوانهُ
من الرجال حتى لا يُقال عليه ما
يفرضهُ علينا المُجتمع من عادات
وتقاليد أن الزوج الذى يُساعد زوجتهُ
هو الزوج المُتخاذل الضعيف الشخصية
أمام زوجتهُ وأن ذلك عيب فى حقه ..
وكرامته لا تسمح بذلك .. وغيرها
الكثير ..
ونسوا حديث رسولنا
الحبيب - صلى الله عليه وسلم : (
أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الفضل
الكلاعي بحمص، قال: حدثنا هشام بن
عبدالملك ، و يحيى بن عثمان ، قالا:
حدثنا محمد بن يوسف ، عن الثوري ، عن
هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة ،
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم
لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه)) ، قال
أبو حاتم رضي الله عنه: قوله صلى الله
عليه وسلم ((فدعوه)) يعني لا تذكروه
إلا بخير).
إذن فتعالين معى لنتعرف
أكثر على أعظم شخصية فى العالم مُنذُ
بداية الخلق إلى أن يرث الله الأرض
ومن عليها ..
فإنه رسولنا الحبيب صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
مِلءُ السموات والأرض
فأنظُرن معى حبيباتِ إلى ذلك الحديث
الشريف :
( حدثنا عبد الله حدثني
أبي ثنا حماد بن خالد قال : ثنا ليث
بن سعد عن معاوية عن صالح عن يحيى بن
سعيد عن القاسم عن عائشة قالت : (
سئلت ما كان رسول الله صلى الله عليه
و سلم يعمل في بيته ؟ قالت : كان
بشراً من البشر يفلي ثوبه و يحلب شاته
و يخدم نفسه ).
أخبرنا أبو علي الروذباري ثنا أبو بكر
بن محمويه العسكري ثنا جعفر القلانسي
ثنا آدم بن أبي إياس ثنا شعبة عن
الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال : (
سألت عائشة رضي الله عنها ما كلن رسول
الله صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله
، فقالت : كان يكون في مهنة أهله ،
قال : تعني في خدمة أهله ، فإذا حضرت
الصلاة خرج إلى الصلاة . رواه البخاري
في الصحيح عن آدم ).
يا الله ؛
ما أكرمك يا رسول الله
ومن مثلك بذلك التعاون المُثمر ،
بالطبع ليس يوجد مثيل ، فكم كان فى
بيت زوجاته مثال الزوج المُتعاون الذى
يرعى زوجاته ، فيُساعدهُن ويتقاسم
معهن أعباء مسئولية البيت ، فكان
يُساعد ولو بالقليل ، وكم لهذا من
معنى بالغ الأهمية فى حياتنا ، فإن
رسول الله هو القدوة الحسنة لنا
والمثال الطيب ، فعلى ذلك فاليعمل
الأزواج ..
وكم حبيباتِ من أن ذلك
يبعث السعادة فى نفس الزوجة ويُقرّب
المسافة بين الأزواج وزوجاتهم ، فيكون
هُناك التعاون والشعور المُتبادل
فيُصبح هُناك تواصُل فى الحياة
اليومية وتفاهُم وأنسجام ..
فهكذا كان رسولنا
الحبيب - صلى الله عليه وسلم - ببيته
.. فليتخذهُ القدوة الحسنة أزواجُنا
وليعملوا على منهاجه ، كما قال الله
تعالى فى كتابه الكريم :{
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن
كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
}الأحزاب21
فلم يكُن يقول ما لى
وأمور البيت ، فذلك الرسول العظيم
القائد .. المُحارب .. الداعى إلى
الله .. المُصلح لنا دُنيانا
وأخرتنا.. الرحمة المُهداة .. لم
يستكبر عن المُساعدة .. بل عمل عليها
وأمرنا بها ..
أرأيتُن أخواتِ
الحبيبات كم أن رسولنا الحبيب - صلى
الله عليه وسلم - هو أعظم وسيد ولد
آدم ..
حتى بداخل منزله ..
وصلى اللهم وبارك على
الحبيب وآله وصحبه وسلم
ويعجز المداد على مواصلة الكلمات ..
ويبقى دوماً للحديث عن الحبيب بقية
لا تعجز ولا تنتهى
|
|
|
بعض السنن التى
يجـب ان نتبعــها لنسيـر على
خـطى نبينـا الكريـم عليه الصلاة والسلام
1- النوم على وضوء: قـال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
للبراء بن عازب رضي الله عنه : (( إذا أتيت مضجعك ، فتوضأ
وضوءك للصلاة ، ثم اضطجع على شقك الأيمن... الحديث )) [
متفق عليه:6311-6882] .
2- قراءة سورة الإخلاص ، والمعوذتين قبل النوم: عن عائشة
رضي الله عنها ، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا
أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما ، فقرأ
فيهما: (( قل هو الله أحد )) و (( قل أعوذ برب الفلق )) و
(( قل أعوذ برب الناس )) ، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده
، يبدأ بهما على رأسه ووجهه ، وما أقبل من جسده ، يفعل ذلك
ثلاث مرات. [ رواه البخاري: 5017]
3- التكبير والتسبيح عند المنام : عن علي رضي الله عنه ،
أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال حين طلبت منه
فاطمة ـ رضي الله عنها ـ خادمًا: ((
ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم ؟ إذا أويتما إلى
فراشكما ، أو أخذتما مضاجعكما ، فكبرا أربعًا وثلاثين ،
وسبحا ثلاثًا وثلاثين ، واحمدا ثلاثًا وثلاثين. فهذا خير
لكما من خادم )) [متفق عليه: 6318 – 6915]
4- الدعاء حين الاستيقاظ أثناء النوم : عن عبادة بن الصامت
رضي الله عنه ، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ((
من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له
، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله ،
وسبحان الله ، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم
قال: اللهم اغفر لي، أو دعا ، استُجيب له ، فإنْ توضأ وصلى
قُبِلت صلاته )) [ رواه البخاري: 1154].
5- الدعاء عند الاستيقاظ من النوم بالدعاء الوارد : ((
الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا ، وإليه النشور )) [
رواه البخاري من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : 6312
] .
سنن الوضوء والصلاة
6- المضمضة والاستنشاق من غرفة
واحدة: عن عبدالله بن زيد رضي الله عنه ، أنَّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم : (( تمضمض ، واستنشق من كف واحدة )) [
رواه مسلم: 555 ] .
7-الوضوء قبل الغُسل : عن عائشة رضي الله عنها ، أنَّ
النبي صلى الله عليه وسلم : (( كان إذا اغتسل من الجنابة ،
بدأ فغسل يديه ، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يُدخل
أصابعه في الماء ، فيخلل بها أصول الشعر ، ثم يَصُب على
رأسه ثلاث غُرف بيديه ، ثم يُفيض الماء على جلده كله )) [
رواه البخاري :248 ].
8-التشهد بعد الوضوء: عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما منكم من
أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول : أشهد أنَّ لا إله إلا
الله ، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله إلاَّ فتحت له أبواب
الجنة الثمانية ، يدخل من أيها شاء )) [ رواه مسلم: 553 ]
.
9-الاقتصاد في الماء: عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: (( كان
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد
، ويتوضأ بالـمُد )) [ متفق عليه: 201- 737 ].
10- صلاة ركعتين بعد الوضوء: قال النبي صلى الله عليه وسلم
: (( من توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين لا يُحَدِّثُ
فيهما نفسه ، غُفر له ما تقدم من ذنبه )) [ متفق عليه من
حديث حُمران مولى عثمان رضي الله عنهما:159- 539 ] .
11-الترديد مع المؤذن ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه
وسلم : عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما ، أنه سمـع
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقــول: (( إذا سمعتم المؤذن
فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ
صلاة ، صلى الله عليه بها عشرًا ... الحديث)) [ رواه مسلم:
849 ].
ثم يقول بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم رب
هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدًا الوسيلة
والفضيلة ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته ) رواه
البخاري. من قال ذلك حلت له شفاعة النبي صلى الله عليه
وسلم .
12- الإكثار من السواك: عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( لولا أنْ أشق
على أمتي ، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )) [ متفق
عليه:887 - 589 ]
.
** كما أن من السنة، السواك عند الاستيقاظ من النوم ، وعند
الوضوء ، وعند تغير رائحة الفم ، وعند قراءة القرآن ، وعند
دخول المنزل.
13- التبكير إلى المسجد : عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ... ولو
يعلمون ما في التهجير ( التبكير ) لاستبقوا إليه ...
الحديث )) [ متفق عليه: 615-981 ] .
14-الذهاب إلى المسجد ماشيا: عن أبي هريرة رضي الله عنه ،
أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( ألا أدلكم
على ما يمحو الله به الخطايا ، ويرفع به الدرجات )) قالوا:
بلى يا رسول الله. قال: (( إسباغ الوضوء على المكاره ،
وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة،
فذلكم الرباط )) [ رواه مسلم: 587 ].
15- إتيان الصلاة بسكينة ووقار: عن أبي هـريرة ـ رضي الله
عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:
(( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، وأتوها تمشون ،
وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا )) [
متفق عليه: 908 - 1359 ]
.
16- الدعاء عند دخول المسجد ، و الخروج منه : عن أبي حُميد
الساعدي ، أو عن أبي أُسيد ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا دخل أحدكم المسجد
فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليقل: اللهم
إني أسألك من فضلك )) [ رواه مسلم: 1652 ].
17- الصلاة إلى سترة : عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا وضع أحدكم بين يديه
مثل مؤخرة الرحل فليُصَلِّ ، ولا يبال مَنْ مر وراء ذلك))
[ رواه مسلم: 1111 ].
* السترة هي: ما يجعله المصلي أمامه حين الصلاة ، مثل:
الجدار ، أو العمود ، أو غيره.
ومؤخرة الرحل: ارتفاع ثُلثي ذراع تقريبا.
18- الإقعاء بين السجدتين: عن أبي الزبير أنه سمع طاووسا
يقول: قلنا لابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في الإقعاء على
القدمين ، فقال : (( هي السنة ))، فقلنا له: إنا لنراه
جفاء بالرجل ، فقال ابن عباس: (( بل هي سنة نبيك صلى الله
عليه وسلم )) [ رواه مسلم: 1198 ] .
* الإقعاء هو: نصب القدمين والجلوس على
العقبين ، ويكون ذلك حين الجلوس بين السجدتين.