الدين الحق

البطاقه الشخصيه لخير
البشر و التي تهم كل مسلم و
مسلمة
1-اسمه ونسبه :
هو محمد بن عبدا لله بن عبد المطلب,من قبيلة
قريش,ينتهي نسبه إلى قبيلة عدنا ثم إلى إسماعيل بن
إبراهيم عليهما السلام 0
2-ولادته:
ولد صلى الله عليه وسلم في مكة بشعب بني هاشم صبيحة
يوم الاثنين 12ربيع الأول من عام الفيل الموافق
20أبريل عام 571- قبل الهجرة بثلاث وخمسين سنة 0
3-هجرته:
هاجر صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة
في يوم الاثنين 27 من شهر صفر عام 14 للبعثة المباركة
الموافق 12 سبتمبر عام 622م ووصل إلى المدينة المنورة
في يوم الاثنين 12 ربيع الأول عام 14 للبعثة الموافق
26 سبتمبر عام 622 .
وقيل وصل إلى المدينة المنورة في يوم الاثنين 8ربيع
الأول عام 14 للبعثة الموافق 23 سبتمبر عام 622م ولعل
هذا الاختلاف ناتج عن مدة الثلاثة أيام التي مكثها في
الغار
4- وفاته :
توفى صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين 12 ربيع
الأول عام 11للهجرة الموافق 8 يونية عام 632 وذلك في
المدينة المنورة ودفن في حجرة عائشة رضي الله عنها
,جنوب شرق المسجد النبوي.
5 كنيته : أبو القاسم
6- أسماؤه وصفاته وألقابه:
محمد,احمد,الماحي,العاقب , الحاشر,الخاتم,المقتفي ,نبي
الرحمة,البشير,النذير
,الأمين,الصادق,المصطفى,طه,يس,السراج,المنير,رؤوف,
رحيم ,واوصاف أخرى كثيرة
7-زوجاته:
1-خديجة بنت خويلد
2- سوده بنت زمعة
3- عائشة بنت أبى بكر الصديق
4- حفصة بنت عمر بن الخطاب
5- زينب بنت خزيمة
6- هند بنت أبي أمية(ام سلمة)
7- زينب بنت جحش
8- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان
9- ميمونة بنت الحارث
10- جويرية بنت الحارث
11- صفية بنت حيي بن أخطب
12- مارية القطبية
13- ريحانة بنت زيد من بني النظير
8-أولاده:
1-القاسم
2-عبدالله
3-إبراهيم
4-زينب
5-رقية
6-أم كلثوم
7-فاطمة
جميعهم من ام المؤمنين خديجة بنت خويلد ماعدا إبراهيم
فهو من مارية القطبية
9-أخواله:
أخواله : بنو زهرة, وبنو عدي بن النجار
10-عمـــــــلــــه:
كان صلى الله عليه وسلم قبل البعثة يرعى الغنم ثم عمل
بالتجارة وبعد البعثة تفرغ لامر الدعوة والجهاد
11-أبوه من الرضاعة:
هو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة 000من هوازن
12- أمــــه:
هي آمنة بنت وهب من بني زهرة
13- مرضعاته:
1-أ مــــه
2- ثوبية (جارية أبي لهب )
3- حليمة السعدية
14- أخوته من الرضاعة:
عبدالله بن الحارث ,أنيسة بنت الحارث, وحذافة بنت
الحارث (الشيماء)
15- أخوته من النسب
ليس له اخوة من النسب بل كان وحيد أبويه
أعمامه وعماته
1-الحارث بن عبد المطلب
2- أبو طالب واسمه عبدمناف
3- حمزة
4- أبو لهب واسمه عبد العزى
5- العباس
6- الزبير
7- حجلا
8- المقوم
9- ضرار
عمــــــــــاته ست :
1-صفية
2- البيضاء
3- عاتكة
4-أميمة
5-أروى
6- بره
17-أصهاره
1-العاص بن الربيع زوج زينب
2-عتبة بن أبى لهب تزوج رقية ثم طلقها
3- عتيبة بن أبى لهب تزوج ام كلثوم ثم طلقها
4- عثمان بن عفان تزوج رقية ثم ماتت فتزوج أم كلثوم
5- علي بن أبى طالب تزوج فاطمة الزهراء
18- صاحبه:
هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه واسمه عبدالله بن أبى
قحافة
19- سبطاه:
هم الحسن والحسين أبناء أبنته فاطمة
20-أمين سره :
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
21- حواريه:
الزبير بن العوام رضي الله عنه
22- حبــه:
زيد بن الحارثة رضي الله عنه
23- ابن حبه:
أسامة بن زيد بن الحارث ويطلق عليه أيضا حبه وابن حبه
24 شعراؤه :
حسان بن ثابت , عبدالله بن رواحه, كعب بن مالك
25-
خـــــــدمـــــــــــــــــه:
1-أنس بن مالك
2- هند وأسماء أبناء حارثة الاسلمي
3- أبو هريرة , سلمى, خضرة
4-رضوى
5- ميمونة بنت سعد
6-بركة أم أيمن
7- أنجشة
8- شقران
9- سفينة(مهران) ثوبان
10- يسار النوبي
11-رباح,أسلم (أبو رافع) فضالة
12-مدعم
13-رافع
14 -كركرة
26- حاضنته:
هي بركة أم ايمن
قابلته:
القابلة التي قامت على ولادته صلى الله عليه وسلم هي
الشفاء والدة عبد الرحمن بن عوف
27- كافــــــــلــه:
كفله جده عبد المطلب ,وبعد وفاته عمه أبو طالب
28- عمره:
توفى صلى الله عليه وسلم وعمره 63عاما
29- ساعيه:
هو عمرو بن أمية الضمري
30- حارسه:
محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه
31- فارسه:
أبوقتادة الأنصاري رضي الله عنه
32- المؤذنون في عهده
1-بلال بن رباح
2-عبدالله بن أم كلثوم
3-أبومحذوره واسمه أوس بن معير الجمحي , اسلم بعد حنين
وتوفى
عام 59هـ
33- حجاته:
حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحده وهي حجة الوداع
عام 10هـ
34- عمراته :
اعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عمرات هن:
1-عمرة الحديبة عام 6هـ
2-عمرة القضاء عام7هـ
3-وعمرة الجعرانه عام 8هـ
4-وعمرته التي قرنها مع حجته عام 10هـ وكانت جميع تلك
العمر في شهر ذي القعدة
35-أسماء سيوفه :
1-ذوالفقار
2-بتار
3-الحيف
4-رسوب
5-المخدم
6-مأثور(وهو السيف الذي ورثه عن والده )
7-العضب
8-القضيب
36-أسماء أقواسه:
1-الزوراء
2-الروحاء
3-الصفراء
4-الكتوم
5- السداد
37- أسماء دروعه :
ذات الفضول (وهي التي رهنها عند اليهود) ذات
الوشاح,ذات الحواشي , السعدية , فضة, البتراء ,الخرنق
بكسر الخاء
38-أسماء خيوله:
1-السكب
2-المرتجز
3-اللحيف
4-اللزاز
5-الطرب
6-سبحة أو(سبخة بالخاء)
7-الورد
39- أسماء نوقه وجماله ودوابه
الأخرى:
كان له ناقة واحده هي القصواء وهي التي هاجر عليها من
مكة إلى المدينة وكانت تسمى الجدعاء والعضباء
وكان عنده حمار يقال له عفير
واخر يسمى يعفور
البغال :
بغلة اسمها دلدل أهداها له المقوقس هي والحمار عفير
وبغلة أخرى اسمها فضة أهداها له فروة بن عمرو الجذامي
ومعها الحمار يعفور وقد أهداها صلى الله عليه وسلم هذه
البغله (فضة) إلى أبي بكر الصديق
وكان عنده من منائح المعز سبعة هن :
1-عجوة
2-زمزم
3-سقيا
4-بركة
5-ورسة
6-أطلال
7-أطراف ومن النوق اللقائح ذات اللبن سبع لقائح.
40- رايته :
أسم رايته صلى الله عليه وسلم العقاب
41- أشباهه:
كان يشبه من الصحابة
1- الحسن بن على بن أبى طالب
2- جعفر بن أبى طالب رضي الله عنه
3- قثم بن عباس بن عبد المطلب
4- أبو سفيان بن الحارث
5- السائب بن عبيد بن عبد مناف
6- عبدالله بن جعفر بن أبي طالب
42- كتابه:
كان هناك كتاب للرسول صلى الله عليه وسلم يكتبون ما
ينزل من القران الكريم أشهرهم :
1- أبو بكر الصديق
2- عمر ابن الخطاب
3- عثمان بن عفان
4- علي بن أبى طالب
5-معاذ بن جبل
6- زيد بن ثابت
7- معاوية بن أبى سفيان
8- ابي بن كعب
9- عبدالله بن مسعود
10- خالد بن الوليد
11- ثابت بن قيس
12- أبان ابن سعيد
وقد ذكر الحافظ العراقي اثنين واربعين كاتبا من كتاب
الوحي 0
الألولن المفضله لديه:
الأ خضــــــر
ت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو
المطلب،وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة،
فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمى؛ لسنِّه
وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من
أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من
ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى
الله عليه وسلم. وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة:
(لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لى
به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت).
وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية
تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف: إن رجلًا من زُبَيْد
قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمى، وحبس
عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار ومخزومًا،
وجُمَحًا وسَهْمًا وعَدِيّا فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي
قُبَيْس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعًا صوته، فمشى
في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك؟ حتى
اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فعقدوا الحلف ثم
قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي.
*حياة الكدح :
ولم يكن له صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا
أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنمًا، رعاها في بني سعد،
وفي مكة لأهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل
التجارة حين شب،فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي
السائب المخزومي فكان خير شريك له، لا يدارى ولا يمارى،
وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال: مرحبًا بأخي وشريكي.
وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرًا إلى الشام في مال
خديجة رضي الله عنها قال ابن إسحاق: كانت خديجة بنت
خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها،
وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا،
فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من
صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه
أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت
تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله
رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك،
وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام.
*زواجه بخديجة :
ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة
ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأي فيه صلى
الله عليه وسلم من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح،
ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة ـ وكان
السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبي عليهم ذلك ـ
فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه
ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضى
بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه،
وعلى إثر ذلك تم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر،
وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بَكْرة.
وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء
قومها نسبًا وثروة وعقلًا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها سوى إبراهيم،ولدت
له: أولًا القاسم ـ وبه كان يكنى ـ ثم زينب، ورقية، وأم
كلثوم، وفاطمة، وعبد الله. وكان عبد الله يلقب بالطيب
والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن
الإسلام فأسلمن وهاجرن،إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته
صلى الله عليه وسلم سوى فاطمة رضي الله عنها، فقد تأخرت
بعده ستة أشهر ثم لحقت به.
*بناء الكعبة وقضية التحكيم :
ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وسلم قامت قريش
ببناء الكعبة؛ وذلك لأن الكعبة كانت رَضْمًا فوق القامة،
ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن
لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها،
وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ باعتبارها أثرًا قديما ـ للعوادى
التي أدهت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى الله
عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت
الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى
تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا
في بنائها إلا طيبًا، فلا يدخلون فيها مهر بغى ولا بيع
ربًا ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ
بها الوليد بن المغيرة المخزومى، فأخذ المعول وقال:
اللّهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم
يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم يزالوا
في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في
البناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها.
فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى
البناء بناء رومي اسمه: باقوم. ولما بلغ البنيان موضع
الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه،
واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول
إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة
المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل
عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين،
رضيناه، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب
رداء فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن
يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا
أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف
رضى به القوم.
وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا
من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها
من الأرض؛ لئلا يدخلها إلا من أرادوا، ولما بلغ البناء
خمسة عشر ذراعًا سقفوه على ستة أعمدة.
وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقريبًا، يبلغ
ارتفاعه 15 مترًا، وطول ضلعه الذي فيه الحجر الأسود
والمقابل له 10 أمتار، والحجر موضوع على ارتفاع 1.50متر
من أرضية المطاف. والضلع الذي فيه الباب والمقابل له
12مترًا، وبابها على ارتفاع مترين من الأرض، ويحيط بها من
الخارج قصبة من البناء أسفلها، متوسط ارتفاعها 0.25مترًا
ومتوسط عرضها 0.30 مترًا وتسمى بالشاذروان، وهي من أصل
البيت لكن قريشًا تركتها.
*السيرة الإجمالية قبل النبوة :
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع في نشأته خير ما في
طبقات الناس من ميزات، وكان طرازًا رفيعًا من الفكر
الصائب، والنظر السديد، ونال حظًا وافرًا من حسن الفطنة
وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان يستعين بصمته
الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع
بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشئون الناس
وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة، ونأي عنها، ثم
عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حسنًا شارك
فيه وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، فكان لا يشرب الخمر، ولا
يأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا
احتفالًا، بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات
الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر
على سماع الحلف باللات والعزى.
ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس
لاستطلاع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد
غير المحمودة ـ تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه
وبينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هممت
بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل
ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به
حتى أكرمنى برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم
بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما
يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار
بمكة سمعت عزفًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان
بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذنـى فنمت، فما أيقظني
إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته، ثم قلت
ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول
ليلة... ثم ما هممت بسوء).
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما بنيت الكعبة
ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة، فقال
عباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك
يقيقك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء
ثم أفاق، فقال: (إزاري، إزاري) فشد عليه إزاره.
وفي رواية: فما رؤيت له عورة بعد ذلك.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة
وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة،
وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم
حديثًا، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفسًا وأكرمهم خيرًا،
وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه
قومه: [الأمين] لما جمع فيه من الأحوال الصالحة
والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي
الله عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين
على نوائب الحق.
حياة النبـوة و
الرسـالة والدعـوة
*النبــوة والدعــوة - العهـد المكـي :
تنقسم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن شرفه الله
بالنبوة والرسالة إلى عهدين يمتاز أحدهما عن الآخـر تمـام
الامتياز، وهما:
1 ـ العهد المكي، ثلاث عشرة سنة تقريبًا.
2 ـ العهد المدني، عشر سنوات كاملة.
ثم يشتمل كل من العهدين على عدة مراحل، لكل مرحلة منها
خصائص تمتاز بها عن غيرها، يظهر ذلك جليًا بعد النظر
الدقيق في الظروف التي مرت بها الدعوة خلال العهدين.
ويمكن تقسيم العهد المكي إلى ثلاث
مراحل:
1 ـ مرحلة الدعوة السرية، ثلاث
سنوات.
2 ـ مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة،
من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى هجرته صلى الله عليه
وسلم إلى المدينة.
3 ـ
مرحلة الدعوة خارج مكة وفشوها فيهم، من أواخر السنة
العاشرة من النبوة. وقد شملت العهد المدني وامتدت إلى
آخر حياته صلى الله عليه وسلم.
أما مراحل العهد المدني فسيجيء تفصيلها في موضعه.
* في ظلال النبوة والرسالة :
*في غار حراء :
لما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم الأربعين، وكانت
تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه،
حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السَّوِيق والماء، ويذهب إلى
غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة ـ وهو
غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع
من ذراع الحديد ـ فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في
العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها
من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد
الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق
واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه.
وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من
تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضَجَّة
الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تحول
لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحمل
الأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط
التاريخ... دبر الله له هذه العزلة قبل تكليفه
بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من
الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من
غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن
الله.
*جبريل ينزل بالوحي :
ولما تكامل له أربعون سنة ـ وهي رأس الكمال، وقيل: ولها
تبعث الرسل ـ بدأت طلائع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن
حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا
الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى
مضت على ذلك ستة أشهر ـ ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه
الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ـ فلما كان
رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وسلم بحراء
شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة،
وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن.
وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد
ذلك اليوم بأنه كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر
رمضان ليلًا، وقد وافق 10 أغسطس سنة 610 م، وكان عمره صلى
الله عليه وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية، وستة
أشهر، و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر
وعشرين يومًا.
ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي الله عنها تروى لنا قصة هذه
الوقعة التي كانت نقطة بداية النبوة، وأخذت تفتح دياجير
ظلمات الكفر والضلال حتى غيرت مجرى الحياة، وعدلت خط
التاريخ، قالت عائشة رضي الله عنها.
أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي
الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل
فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار
حراء، فيَتَحَنَّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد
قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة
فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه
الملك فقال: اقرأ: قال: (ما أنا بقارئ)، قال:
(فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال:
اقرأ، قلت: مـا أنـا بقـارئ، قـال: فأخذنى فغطنى
الثانية حتى بلـغ منـى الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ،
فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثـم أرسلـني
فـقـال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرَمُ}[العلق:1: 3])، فرجع بها رسول
الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت
خويلد فقال: (زَمِّلُونى زملونى)، فزملوه حتى ذهب
عنه الروع، فقال لخديجة: (ما لي؟) فأخبرها الخبر،
(لقد خشيت على نفسي)، فقالت خديجة: كلا، والله ما
يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب
المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به
خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن
عم خديجة ـ وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب
العبرانى، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن
يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي ـ فقالت له خديجة: يابن
عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي، ماذا
ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأي،
فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا
ليتني فيها جَذَعا، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجيّ هم؟)
قال:نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِىَ، وإن
يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن
توفي، وفَتَر الوحى.
*فَتْرَة الوحى :
أما مدة فترة الوحى فاختلفوا فيها على عدة أقوال.
والصحيح أنها كانت أيامًا، وقد روى ابن سعد عن ابن عباس
ما يفيد ذلك. وأما ما اشتهر من أنها دامت ثلاث سنوات
أو سنتين ونصفًا فليس بصحيح.
وقد ظهر لى شىء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي
أقوال أهل العلم. ولم أر من تعرض له منهم، وهو أن هذه
الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا، وهو شهر رمضان من كل سنة،
وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة،وأن سنة النبوة كانت هي
آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر
رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا ـ أي لأول يوم من
شهر شوال ـ ويعود إلى البيت.
وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على أن الوحى الذي
نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل وهو
صلى الله عليه وسلم راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام
الشهر.
أقول: فهذا يفيد أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه
وسلم بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد
نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحى؛ لأنه كان
آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول الوحى كان في
ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أن
فترة الوحى كانت لعشرة أيام فقط. وأن الوحى نزل بعدها
صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من
النبوة. ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من
رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال
بالعيد السعيد، والله أعلم.
وقد بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام الفترة
كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري
في كتاب التعبير ما نصه:
وفتر الوحي فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما
بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كى يتردى من رءوس شواهق
الجبال، فكلما أوْفي بذِرْوَة جبل لكى يلقى نفسه منه
تَبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا،
فيسكن لذلك جأشه، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه
فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفي بذروة الجبل تبدى له
جبريل فقال له مثل ذلك.
*جبريل ينزل بالوحي
مرة ثانية :
قال ابن حجر: وكان ذلك [أي انقطاع الوحي أيامًا]؛
ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل
له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجىء
الوحى أكرمه الله بالوحي مرة ثانية. قال: صلى الله
عليه وسلم:
(جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جوارى هبطت [فلما
استبطنت الوادي] فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا،
ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا،
ونظرت خلفي فلم أرشيئًا، فرفعت رأسى فرأيت شيئًا،
[فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين
السماء والأرض، فَجُئِثْتُ منه رعبًا حتى هويت إلى
الأرض] فأتيت خديجة فقلت: [زملوني، زملوني]،
دثرونى، وصبوا على ماء باردًا)، قال: (فدثرونى
وصبوا على ماء باردًا، فنزلت: {يَا أَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}
[المدثر: 1: 5]) وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم
حمى الوحى بعد وتتابع.
وهذه الآيات هي مبدأ رسالته صلى الله عليه وسلم وهي
متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحى. وتشتمل على نوعين
من التكليف مع بيان ما يترتب عليه:
النوع الأول: تكليفه صلى
الله عليه وسلم بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى:
{قُمْ فَأَنذِرْ} فإن معناه: حذر الناس من عذاب
الله إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغى والضلال وعبادة
غير الله المتعال، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق
و الأفعال.
النوع الثاني: تكليفه صلى
الله عليه وسلم بتطبيق أوامر الله سبحانه وتعالى على
ذاته، والالتزام بها في نفسه؛ ليحرز بذلك مرضاة الله،
ويصير أسوة حسنة لمن آمن بالله وذلك في بقية الآيات.
فقوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} معناه: خصه
بالتعظيم، ولا تشرك به في ذلك أحدًا. وقوله:
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} المقصود الظاهر منه:
تطهير الثياب والجسد، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين
يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا. وإذا كان هذا التطهر
مطلوبًا فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمال
والأخـلاق أولـى بالطـلب، وقولــه: {وَالرُّجْزَ
فَاهْجُرْ} معناه: ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه،
وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته. وقوله: {وَلَا
تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} أي: لا تحسن إحسانًا تريد
أجره من الناس أو تريد له جزاء أفضل في هذه الدنيا.
أما الآية الأخيرة ففيها تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه
حين يفارقهم في الدين ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده
وبتحذيرهم من عذابه وبطشه، فقال: {وَلِرَبِّكَ
فَاصْبِرْ}، ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوى ـ
في صوت الكبير المتعال ـ بانتداب النبي صلى الله عليه
وسلم لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر
والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة: {يَا أَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ}، كأنه قيل: إن الذي
يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي تحمل هذا
العبء الكبير فما لك والنوم؟ وما لك والراحة؟ وما لك
والفراش الدافئ؟ والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح!
قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك،
قم للجهد والنصب، والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم
والراحة، وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل، والجهاد
الطويل الشاق، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد.
إنها كلمة عظيمة رهيبة تنزعه صلى الله عليه وسلم من دفء
الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في
الخضم، بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر
الناس وفي واقع الحياة سواء.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظل قائمًا بعدها
أكثر من عشرين عامًا؛ لم يسترح ولم يسكن، ولم يعـش لنفسه
ولا لأهله. قام وظل قائمًا على دعوة الله، يحمل على
عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الأمانة
الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة
كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، عاش في
المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا؛ لا يلهيه
شأن عن شأن في خلال هذا الأمد منذ أن سمع النداء العلوى
الجليل، وتلقى منه التكليف الرهيب... جزاه الله
عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.
وليست الأوراق الآتية إلا صورة مصغرة بسيطة من هذا
الجهاد الطويل الشاق الذي قام به رسول الله صلى الله
عليه وسلم خلال هذا الأمد.
*أقسام الوحى :
وقبل الدخول في موضوع هذا الجهاد أرى من الأحسن أن
أستطرد إلى بيان أقسام الوحى ومراتبه. قال ابن القيم،
وهو يذكر تلك المراتب:
إحداها: الرؤيا الصادقة،
وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم.
الثانية: ما كان يلقيه
الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي صلى
الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعى أنه لن
تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في
الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية
الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته).
الثالثة: إنه صلى الله
عليه وسلم كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتى يَعِىَ
عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة
أحيانًا.
الرابعة: أنه كان يأتيه
في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيلتبس به الملك،
حتى أن جبينه ليتَفَصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد،
وحتى أن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد
جاء الوحى مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت
عليه حتى كادت ترضها.
الخامسة: إنه يرى الملك
في صورته التي خلق عليها، فيوحى إليه ما شاء الله أن
يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة
النجم.
السادسة: ما أوحاه الله
إليه، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة
وغيرها.
السابعة: كلام الله له
منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم الله موسى بن عمران،
وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن.
وثبوتها لنبينا صلى الله عليه وسلم هو في حديث
الإسراء.
وقـد زاد بعضهم مرتبة ثامنة؛ وهي تكليم الله له كفاحًا
من غير حجاب، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف. انتهي
مع تلخيص يسير في بيان المرتبة الأولى والثامنة.
* إسلام حمزة رضي
الله عنه :
خلال هذا الجو الملبد بغيوم الظلم والعدوان ظهر برق
أضاء الطريق، وهو إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله
عنه أسلم في أواخر السنة السادسة
من النبوة، والأغلب أنه أسلم في
شهر ذى الحجة.
وسبب إسلامه: أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله
عليه وسلم يومًا عند الصفا فآذاه ونال منه، ورسول
الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يكلمه، ثم ضربه
أبو جهل بحجر في رأسه فَشَجَّهُ حتى نزف منه الدم،
ثم انصرف عنه إلى نادى قريش عند الكعبة، فجلس
معهم، وكانت مولاة لعبد الله بن جُدْعَان في مسكن
لها على الصفا ترى ذلك، وأقبل حمزة من القَنَص
مُتَوَشِّحًا قوسه، فأخبرته المولاة بما رأت من
أبي جهل، فغضب حمزة ـ وكان أعز فتى في قريش وأشده
شكيمة ـ فخرج يسعى، لم يقف لأحد؛ معدًا لأبي جهل
إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد قام على
رأسه، وقال له: يا مُصَفِّرَ اسْتَه، تشتم ابن
أخي وأنا على دينه ؟ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة
منكرة، فثار رجال من بني مخزوم ـ حى أبي جهل ـ
وثار بنو هاشم ـ حي حمزة ـ فقال أبو جهل: دعوا
أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا.
وكان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل، أبي أن يهان
مولاه، ثم شرح الله صدره فاستمسك بالعروة الوثقى،
واعتز به المسلمون أيما اعتزاز.
* إسلام عمر بن الخطاب رضي
الله عنه :
وخلال هذا الجو الملبد بغيوم الظلم والعدوان أضاء
برق آخر أشد بريقًا وإضاءة من الأول، ألا وهو
إسلام عمر بن الخطاب، أسلم في ذى الحجـة سـنة سـت
مـن النبـوة. بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة رضي
الله عنه وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا
الله تعالى لإسلامه. فقد أخرج الترمذى عن ابن
عمر، وصححه، وأخرج الطبراني عن ابن مسعود وأنس أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللّهم أعز
الإسلام بأحب الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب أو
بأبي جهل بن هشام) فكان أحبهما إلى الله عمر رضي
الله عنه.
وبعد إدارة النظر في جميع الروايات التي رويت في
إسلامه يبدو أن نزول الإسلام في قلبه كان
تدريجيًا، ولكن قبل أن نسوق خلاصتها نرى أن نشير
إلى ما كان يتمتع به رضي الله عنه من العواطف
والمشاعر.
كان رضي الله عنه معروفًا بحدة الطبع وقوة
الشكيمة، وطالما لقى المسلمون منه ألوان الأذى،
والظاهر أنه كانت تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة؛
احترامه للتقاليد التي سنها الآباء والأجداد
وتحمسه لها، ثم إعجابه بصلابة المسلمين،
وباحتمالهم البلاء في سبيل العقيدة، ثم الشكوك
التي كانت تساوره ـ كأي عاقل ـ في أن ما يدعو إليه
الإسلام قد يكون أجل وأزكى من غيره، ولهذا ما إن
يَثُور حتى يَخُور.
وخلاصة الروايات ـ مع الجمع بينها ـ في إسلامه رضي
الله عنه: أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته،
فجاء إلى الحرم، ودخل في ستر الكعبة، والنبي صلى
الله عليه وسلم قائم يصلي، وقد استفتح سورة
{الْحَاقَّةُ}،فجعل عمر يستمع إلى القرآن،
ويعجب من تأليفه، قال: فقلت ـ أي في نفسي: هذا
والله شاعر، كما قالت قريش، قال: فقرأ
{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ
بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ}
[الحاقة:40، 41] قال: قلت: كاهن.
قال:{ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا
تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ
الْعَالَمِينَ} إلى آخر السورة [الحاقة:42،
43] . قال: فوقع الإسلام في قلبي.
كان هذا أول وقوع نواة الإسلام في قلبه، لكن كانت
قشرة النزعات الجاهلية، وعصبية التقليد، والتعاظم
بدين الآباء هي غالبـة على مخ الحقيقة التي كان
يتهمس بها قلبه، فبقى مجدًا في عمله ضد الإسلام
غير مكترث بالشعور الذي يكمن وراء هذه القشرة.
وكان من حدة طبعه وفرط عداوته لرسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه خرج يومًا متوشحًا سيفه يريد القضاء
على النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه نعيم بن عبد
الله النحام العدوي، أو رجل من بني زهرة، أو رجل
من بني مخزوم فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال:
أريد أن أقتل محمدًا. قال: كيف تأمن من بني
هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدًا؟ فقال له
عمر: ما أراك إلا قد صبوت، وتركت دينك الذي كنت
عليه، قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر! إن
أختك وخَتَنَكَ قد صبوا، وتركا دينك الذي أنت
عليه، فمشى عمر دامرًا حتى أتاهما، وعندهما خباب
بن الأرت، معه صحيفة فيها: [طه] يقرئهما
إياها ـ وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن ـ فلما
سمع خباب حس عمر توارى في البيت، وسترت فاطمة ـ
أخت عمر ـ الصحيفة. وكان قد سمع عمر حين دنا من
البيت قراءة خباب إليهما، فلما دخل عليهما قال:
ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ فقالا: ما
عدا حديثًا تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد
صبوتما. فقال له ختنه: يا عمر، أرأيت إن كان
الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ
شديدًا. فجاءت أخته فرفعته عن زوجها، فنفحها
نفحة بيده، فدمى وجهها ـ وفي رواية ابن إسحاق أنه
ضربها فشجها ـ فقالت، وهي غضبى: يا عمر، إن كان
الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد
أن محمدًا رسول الله.
فلما يئس عمر، ورأي ما بأخته من الدم ندم واستحيا،
وقال: أعطونى هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه،
فقالت أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون،
فقم فاغتسل، فقام فاغتسل، ثم أخذ الكتاب، فقرأ:
{بسم الله الرحمن الرحيم} فقال: أسماء طيبة
طاهرة. ثم قرأ [طه] حتى انتهي إلى قوله:
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ
لِذِكْرِي} [طه:14] فقال: ما أحسن هذا
الكلام وأكرمه؟ دلوني على محمد.
فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال: أبشر
يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة الرسول صلى الله
عليه وسلم لك ليلة الخميس: (اللّهم أعز
الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام)،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار التي في
أصل الصفا.
فأخذ عمر سيفه، فتوشحه، ثم انطلق حتى أتى الدار،
فضرب الباب، فقام رجل ينظر من خلل الباب، فرآه
متوشحًا السيف، فأخبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم، واستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم ؟
قالوا: عمر؟ فقال: وعمر؟ افتحوا له الباب،
فإن كان جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان جاء
يريد شرًا قتلناه بسيفه، ورسول الله صلى الله عليه
وسلم داخل يوحى إليه، فخرج إلى عمر حتى لقيه في
الحجرة، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، ثم جبذه
جبذة شديدة فقال: (أما أنت منتهيًا يا عمر حتى
ينزل الله بك من الخزى والنكال ما نزل بالوليد بن
المغيرة؟ اللهم، هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز
الإسلام بعمر بن الخطاب)، فقال عمر: أشهد أن
لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. وأسلم، فكبر
أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد.
كان عمر رضي الله عنه ذا شكيمة لا يرام، وقد أثار
إسلامه ضجة بين المشركين، وشعورا لهم بالذلة
والهوان، وكسا المسلمين عزة وشرفًا وسرورًا.
روى ابن إسحاق بسنده عن عمر قال: لما أسلمت
تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه
وسلم عداوة، قال: قلت: أبو جهل، فأتيت حتى
ضربت عليه بابه، فخرج إلىّ، وقال: أهلًا وسهلًا،
ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك إني قد آمنت بالله
وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به. قال: فضرب
الباب في وجهي، وقال: قبحك الله، وقبح ما جئت
به.
وذكر ابن الجوزي أن عمر رضي الله عنه قال: كان
الرجل إذا أسلم تعلق به الرجال، فيضربونه ويضربهم،
فجئت ـ أي حين أسلمت ـ إلى خالى ـ وهو العاصى بن
هاشم ـ فأعلمته فدخل البيت، قال: وذهبت إلى رجل
من كبراء قريش ـ لعله أبو جهل ـ فأعلمته فدخل
البيت.
وفي رواية لابن إسحاق، عن
نافع، عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر بن
الخطاب لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل
مكة أنشأ للحديث؟ فقالوا: جميل بن معمر
الجمحى. فخرج إليه وأنا معه، أعقل ما أرى
وأسمع، فأتاه، فقال: ياجميل، إني قد أسلمت،
قال: فو الله ما رد عليه كلمة حتى قام
عامدًا إلى المسجد فنادى [بأعلى صوته]
أن: يا قريش، إن ابن الخطاب قد صبأ. فقال
عمر ـ وهو خلفه: كذب، ولكنى قد أسلمت
[وآمنت بالله وصدقت رسوله]، فثاروا إليه
فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على
رءوسهم، وطَلَح ـ أي أعيا ـ عمر، فقعد، وقاموا
على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم،
فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد
تركناها لكم أو تركتموها لنا.
وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون
قتله.روى البخاري عن عبد الله بن عمر
قال:بينما هو ـ أي عمر ـ في الدار خائفًا إذ
جاءه العاص بن وائل السهمى أبو عمرو،وعليه حلة
حبرة وقميص مكفوف بحرير ـ وهو من بني سهم، وهم
حلفاؤنا في الجاهلية ـ فقال له: ما لك؟
قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت،
قال: لا سبيل إليك ـ بعد أن قالها أمنت ـ
فخرج العاص، فلقى الناس قد سال بهم الوادي،
فقال: أين تريدون؟ فقالوا: هذا ابن
الخطاب الذي قد صبأ، قال: لا سبيل إليه،
فَكَرَّ الناس. وفي لفظ في رواية ابن
إسحاق: والله، لكأنما كانوا ثوبًا كُشِطَ
عنه.
هذا بالنسبة إلى المشركين، أما بالنسبة إلى
المسلمين فروى مجاهد عن ابن عباس قال: سألت
عمر بن الخطاب: لأي شيء سميت الفاروق؟
قال: أسلم حمزة قبلى بثلاثة أيام ـ ثم قص
عليه قصة إسلامه. وقال في آخره: قلت ـ أي
حين أسلمت: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن
متنا وإن حيينا؟ قال: (بلى، والذي نفسي
بيده، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم)،
قال: قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك
بالحق لنخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزة في
أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين،
حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إلىّ قريش
وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها،
فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم
(الفاروق) يومئذ.
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ما كنا
نقدر أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر.
وعن صهيب بن
سنان الرومى رضي الله عنه قال: لما أسلم عمر
ظهر الإسلام، ودعى إليه علانية، وجلسنا حول
البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ
علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتى به.
وعن عبد الله بن مسعود قال: ما زلنا أعزة
منذ أسلم عمر.
* ممثل قريش بين يدي
الرسول صلى الله عليه وسلم :
وبعد إسلام هذين البطلين الجليلين ـ حمزة بن
عبد المطلب وعمـر بن الخطاب رضي الله عنهما
أخذت السحائب تتقشع، وأفاق المشركون عن سكرهم
في تنكيلهم بالمسلمين، وغيروا تفكيرهم في
معاملتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم
والمؤمنين، واختاروا أسلوب المساومات وتقديم
الرغائب والمغريات، ولم يدر هؤلاء المساكين أن
كل ما تطلع عليه الشمس لا يساوي جناح بعوضة
أمام دين الله والدعوة إليه، فخابوا وفشلوا
فيما أرادوا.
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد عن محمد
بن كعب القرظى قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة،
وكان سيدًا، قال يومًا ـ وهو في نادى قريش،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد
وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد
فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها،
فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم
حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون، فقالوا:
بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه، فقام
إليه عتبة،حتى جلس إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال: يابن أخي، إنك منا حيث قد
علمت من السِّطَةِ في العشيرة، والمكان في
النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به
جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم
ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى
أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها
بعضها. قال: فقال رسول صلى الله عليه
وسلم: (قل يا أبا الوليد أسمع).
قال: يابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به
من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى
تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا
سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت
تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي
يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا
لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه،
فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه
ـ أو كما قال له ـ حتى إذا فرغ عتبة ورسول
الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال:
(أقد فرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم،
قال: (فاسمع منى)، قال:أفعل، فقال:
{ بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنزِيلٌ مِّنَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ
آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ
أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا
تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت:1:
5]. ثم مضى رسول الله فيها، يقرؤها
عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت له، وألقى
يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم
انتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
السجدة منها فسجد ثم قال: (قد سمعت يا أبا
الوليد ما سمعت، فأنت وذاك).
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض:
نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه
الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما
وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت
قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو
بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر
قريش، أطيعونى واجعلوها بي، وخلوا بين هذا
الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن
لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب
فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه
ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به،
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه،
قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
وفي روايات أخرى: أن عتبة استمع حتى إذا بلغ
الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:
{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ
صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ
وَثَمُودَ} [فصلت:13] قال: حسبك،
حسبك، ووضع يده على فم رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وناشده بالرحم أن يكف، وذلك مخافة
أن يقع النذير، ثم قام إلى القوم فقال ما
قال.
*رؤساء
قريش يفاوضون رسول الله صلى الله عليه وسلم
:
وكأن رجاء قريش لم ينقطع بما أجاب به النبي
صلى الله عليه وسلم عتبة على اقتراحاته؛
لأنه لم يكن صريحًا في الرفض أو القبول، بل
تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم آيات لم
يفهمها عتبة، ورجع من حيث جاء، فتشاور رؤساء
قريش فيما بينهم وفكروا في كل جوانب القضية،
ودرسوا كل المواقف بروية وتريث، ثم اجتمعوا
يومًا عند ظهر الكعبة بعد غروب الشمس،
وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
يدعونه، فجاء مسرعًا يرجو خيرًا، فلما جلس
إليهم قالوا له مثل ما قال عتبة، وعرضوا
عليه نفس المطالب التي عرضها عتبة. وكأنهم
ظنوا أنه لم يثق بجدية هذا العرض حين عرض
عتبة وحده، فإذا عرضوا هم أجمعون يثق ويقبل،
ولكن قال لهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ما بي ما تَقُولُون، ما
جِئْتُكُم بما جِئْتُكُم بِه أَطْلُب
أَمْوَالكُم ولا الشَّرف فيكم، ولا المُلْكَ
عليكم، ولكنّ الله بَعَثَنِى إلَيْكُم
رَسُولًا، وَ أَنْزَلَ علىَّ كِتابًا،
وأَمَرَنِى أنْ أَكُونَ لَكُم بَشِيرًا
وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُم رِسَالاتِ ربي،
وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فإِنْ تَقْبَلُوا مِنّى
ما جِئْتُكُم بِه فَهُوَ حَظُّكُم في
الدُنيا والآخرة، وإنْ تَرُدُّوا علىّ
أَصْبِر لأمْرِ الله ِ حتّى يَحْكُم الله ُ
بَيْنِى وَ بَيْـنَكُم). أو كما قال.
فانتقلوا إلى نقطة أخرى، وطلبوا منه أن يسأل
ربه أن يسير عنهم الجبال، ويبسط لهم البلاد،
ويفجر فيها الأنهار، ويحيى لهم الموتى ـ ولا
سيما قصى بن كلاب ـ فإن صدقوه يؤمنون به.
فأجاب بنفس ما سبق من الجواب.
فانتقلوا إلى نقطة ثالثة، وطلبوا منه أن
يسأل ربه أن يبعث له ملكًا يصدقه، ويراجعونه
فيه، وأن يجعل له جنات وكنوزًا وقصورًا من
ذهب وفضة، فأجابهم بنفس الجواب.
فانتقلوا إلى نقطة رابعة، وطلبوا منه
العذاب: أن يسقط عليهم السماء كسفًا، كما
يقول ويتوعد، فقال: (ذلك إلى الله، إن
شاء فعل). فقالوا: أما علم ربك أنا
سنجلس معك، ونسألك ونطلب منك، حتى يعلمك ما
تراجعنا به، وما هو صانع بنا إذا لم نقبل.
وأخيرًا هددوه أشد التهديد، وقالوا:أما
والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو
تهلكنا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم
عنهم، وانصرف إلى أهله حزينًا أسفا لما فاته
ما طمع من قومه.
*عزم أبي جهل على قتل
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
عنهم خاطبهم أبو جهل في كبريائه وقال: يا
معشر قريش، إن محمدًا قد أبي إلا ما ترون من
عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا،
وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له
بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت
به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى،
فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم،
قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فامض
لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم
جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره،
وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان
يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في
أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل
الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع
منهزمًا ممتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه
على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه
رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا
الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت
لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه
فَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رأيت مثل
هَامَتِه، ولا مثل قَصَرَتِه ولا أنيابه
لفحل قط، فَهَمَّ بى أن يأكلنى.
قال ابن إسحاق: فذكر لى أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (ذلك جبريل عليه
السلام لو دنا لأخذه)
*مساومات وتنازلات :
ولما فشلت قريش في مفاوضتهم المبنية على
الإغراء والترغيب، والتهديد والترهيب، وخاب
أبو جهل فيما أبداه من الرعونة وقصد الفتك،
تيقظت فيهم رغبة الوصول إلى حل حصيف ينقذهم
عما هم فيه، ولم يكونوا يجزمون أن النبي صلى
الله عليه وسلم على باطل، بل كانوا ـ كما
قال الله تعالى {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ
مُرِيبٍ} [الشورى:14]. فرأوا أن
يساوموه صلى الله عليه وسلم في أمور الدين،
ويلتقوا به في منتصف الطريق، فيتركوا بعض ما
هم عليه، ويطالبوا النبي صلى الله عليه وسلم
بترك بعض ما هو عليه، وظنوا أنهم بهذا
الطريق سيصيبون الحق، إن كان ما يدعو إليه
النبي صلى الله عليه وسلم حقًا.
روى ابن إسحاق بسنده، قال: اعترض رسول
الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو يطوف بالكعبة
ـ الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى
والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن
وائل السهمى ـ وكانوا ذوى أسنان في قومهم ـ
فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد،
وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر،
فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد
أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما
تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله
تعالى فيهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ} السورة كلها.
وأخرج عَبْدُ بن حُمَـيْد وغيره عن ابن عباس
أن قريشًا قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا
إلهك. فأنزل الله: {قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ} السورة كلها وأخرج ابن
جرير وغيره عنه أن قريشًا قالوا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم: تعبد آلهتنا سنة،
ونعبد إلهك سنة،فأنزل الله:{قُلْ
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ
أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر:64]
ولما حسم الله تعالى هذه المفاوضة المضحكة
بهذه المفاصلة الجازمة لم تيأس قريش كل
اليأس، بل أبدوا مزيدًا من التنازل بشرط أن
يجرى النبي صلى الله عليه وسلم بعض التعديل
فيما جاء به من التعليمات، فقالوا:
{ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ
بَدِّلْهُ}، فقطع الله هذا السبيل أيضًا
بإنزال ما يرد به النبي صلى الله عليه وسلم
عليهم فقال: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ
أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ
أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس:15] ونبه على
عظم خطورة هذا العمل بقوله:{ وَإِن
كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا
غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً
وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ
تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً إِذاً
لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ
الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا
نَصِيرًا} [الإسراء:73: 75].
حيرة قريش وتفكيرهم
الجاد واتصالهم باليهود
دعونى إليه من أحد؟
قال: نعم، ثم سمى له القوم، فاجتمعوا
عند الحَجُون، وتعاقدوا على القيام بنقض
الصحيفة، وقال زهير: أنا أبدأكم فأكون
أول من يتكلم.
فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير
عليه حلة، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على
الناس، فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام
ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا
يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه
الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل ـ وكان في ناحية المسجد:
كذبت، والله لا تشق.
فقال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب،
مارضينا كتابتها حيث كتبت.
قال أبو البخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما
كتب فيها، ولا نقر به.
قال المطعم بن عدى: صدقتما، وكذب من قال
غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب
فيها.
وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك.
فقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل،
وتُشُووِر فيه بغير هذا المكان.
وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، إنما
جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله صلى
الله عليه وسلم على أمر الصحيفة، وأنه
أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من
جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل،
فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن
ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا
خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم
عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا: قد أنصفت.
وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي
جهل، قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد
الأرضة قد أكلتها إلا (باسمك اللهم)،
وما كان فيها من اسم الله فإنها لم
تأكله.
ثم نقض الصحيفة وخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم ومن معه من الشعب، وقد رأي
المشركون آية عظيمة من آيات نبوته، ولكنهم
ـ كما أخبر الله عنهم {وَإِن يَرَوْا
آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ
مُّسْتَمِرٌّ} [القمر:2] ـ أعرضوا
عن هذه الآية وازدادوا كفرًا إلى كفرهم .
*آخر وفد قريش إلي أبي
طالب :
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الشعب، وجعل يعمل على شاكلته، وقريش وإن
كانوا قد تركوا القطيعة، لكنهم لم يزالوا
عاملين على شاكلتهم من الضغط على المسلمين
والصد عن سبيل الله، وأما أبو طالب فهو لم
يزل يحوط ابن أخيه، لكنه كان قد جاوز
الثمانين من سنه، وكانت الآلام والحوادث
الضخمة المتوالية منذ سنوات ـ لاسيما حصار
الشعب ـ قد وهنت وضعفت مفاصله وكسرت صلبه،
فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر
معدودات، وإذا هو يلاحقه المرض ويلح به،
وحينئذ خاف المشركون سوء سمعتهم في العرب
إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن أخيه،
فحاولوا مرة أخرى أن يفاوضوا النبي صلى
الله عليه وسلم بين يديه، ويعطوا بعض ما
لم يرضوا إعطاءه قبل ذلك. فقاموا بوفادة
هي آخر وفادتهم إلى أبي طالب.
قال ابن إسحاق وغيره: لما اشتكى أبو
طالب، وبلغ قريشًا ثقله، قالت قريش بعضها
لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا
أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا
بنا إلى أبي طالب، فليأخذ على ابن أخيه،
وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا
أمرنا، وفي لفظ: فإنا نخاف أن يموت هذا
الشيخ فيكون إليه شيء فتعيرنا به العرب،
يقولون: تركوه حتى إذا مات عمه
تناولوه.
مشوا إلى أبي طالب فكلموه، وهم أشراف
قومه؛ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة،
وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو
سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم ـ وهم
خمسة وعشرون تقريبًا ـ فقالوا: يا أبا
طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما
ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا
وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا، وخذ لنا
منه؛ ليكف عنا ونكف عنه، وليدعـنا وديننا
وندعه ودينه، فبعث أبو طالب، فجاءه
فقال: يابن أخي، هؤلاء أشراف قومك، قد
اجتمعوا لك ليعطوك، وليأخذوا منك، ثم
أخبـره بالذي قالوا له وعرضوا عليه من عدم
تعرض كل فريق للآخر. فقال لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم إن
أعطيتكم كلمة تكلمتم بها، ملكتم بها
العرب، ودانت لكم بها العجم) ، وفي لفظ
أنه قال مخاطبًا لأبي طالب: (إني
أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم
بها العرب، وتؤدى إليهم بها العجم
الجزية)، وفي لفظ آخر قال: (أي عم،
أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟)
قال: وإلام تدعوهم؟ قال: (أدعوهم
إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب،
ويملكون بها العجم)، ولفظ رواية ابن
إسحاق: (كلمة واحدة تعطونها تملكون
بها العرب، وتدين لكم بها العجم)، فلما
قال هذه المقالة توقفوا وتحيروا ولم
يعرفوا كيف يرفضون هذه الكلمة الواحدة
النافعة إلى هذه الغاية والحد. ثم قال
أبو جهل: ما هي؟ وأبيك لنعطيكها وعشر
أمثالها، قال: تقولون: (لا إله إلا
الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه).
فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا
محمد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن
أمرك لعجب.
ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا
الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا
وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله
بينكم وبينه، ثم تفرقوا.
وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: {ص
وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ
كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن
قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ
وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ
مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا
سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ
إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ
عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ
أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى
آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ
مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ
الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا
اخْتِلَاقٌ} [ص:1: 7].
عــام الحـــزن
*وفاة أبي طالب :
ألح المرض بأبي طالب، فلم يلبث أن وافته
المنية، وكانت وفاته في رجب سنة عشر من
النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر.
وقيل: توفي في رمضان قبل وفاة خديجة رضي
الله عنها بثلاثة أيام.
وفي الصحيح عن المسيب: أن أبا طالب لما
حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله
عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال: (أي
عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك
بها عند الله) فقال أبو جهل وعبد الله
بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة
عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال
آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(لأستغفرن لك ما لم أنه عنـه)،
فـنزلت:{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ
لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي
قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ
أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}
[التوبة:113] ونزلت: {إِنَّكَ
لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}
[القصص: 56].
ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب
من الحياطة والمنع، فقد كان الحصن الذي
احتمت به الدعوة الإسلامية من هجمات
الكبراء والسفهاء، ولكنه بقى على ملة
الأشياخ من أجداده، فلم يفلح كل الفلاح.
ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، قال
للنبى صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن
عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:
(هو في ضَحْضَاح من نار، ولولا أنا لكان
في الدرك الأسفل من النار)
وعن أبي سعيد الخدرى أنه سمع النبي صلى
الله عليه وسلم ـ وذكر عنده عمه ـ فقال:
(لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل
في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه)
*خديجة إلى رحمة الله
:
وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة
أيام ـ على اختلاف القولين ـ توفيت أم
المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها
وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة
العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة
على أشهر الأقوال، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره.
إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقيت معه
ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في
أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته،
وتشاركه في مغارم الجهاد المر،وتواسيه
بنفسها ومالها، يقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (آمنت بى حين كفر بى
الناس، وصدقتنى حين كذبني الناس، وأشركتنى
في مالها حين حرمنى الناس، ورزقنى الله
ولدها وحرم ولد غيرها)
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: أتى جبريل
النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا
رسول الله، هـذه خديجة قـد أتت، معها إناء
فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك
فاقـرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت
في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا
نَصَبَ.
*تراكم الأحزان :
وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى
الله عليه وسلم اشتدت على أصحابه حتى
التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه
إلى الهجرة عن مكة، فخرج حتى بلغ بَرْك
الغِمَاد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن
الدُّغُنَّة في جواره.
وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام
معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تزل
تتوالى عليه المصائب من قومه. فإنهم
تجرأوا عليه وكاشفوه بالنكال والأذى بعد
موت أبي طالب، فازداد غمًا على غم، حتى
يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجـاء أن
يستجيبوا لدعوتـه، أو يؤووه وينصـروه على
قومــه، فلم يـر مـن يؤوى ولم يـر ناصرًا،
بل آذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله
قومـه.
قال ابن إسحاق: لما هلك أبو طالب نالت
قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب،
حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على
رأسه ترابًا، ودخل بيته والتراب على رأسه،
فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه
التراب وهي تبكى، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول لها: (لا تبكى يابنية،
فإن الله مانع أباك). قال: ويقول
بين ذلك: (ما نالت منى قريش شيئًا
أكرهه حتى مات أبو طالب).
ولأجل توالى مثل هذه الآلام في هذا العام
سمى بعام الحزن، وعرف به في السيرة
والتاريخ.
*الزواج بسودة رضي
الله عنها :
وفي شوال من هذه السنة ـ سنة 10 من النبوة
ـ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة
بنت زمعة، كانت ممن أسلم قديمًا وهاجرت
الهجرة الثانية إلى الحبشة، وكان زوجها
السكران بن عمرو، وكان قد أسلم وهاجر
معها، فمات بأرض الحبشة، أو بعد الرجوع
إلى مكة، فلما حلت خطبها رسول الله صلى
الله عليه وسلم وتزوجها، وكانت أول امرأة
تزوجها بعد وفاة خديجة، وكانت قد وهبت
نوبتها لعائشة رضي الله عنها أخيرًا.
*عوامل الصبر والثبات
:
وهنا يقف الحليم حيران، ويتساءل عقلاء
الرجال فيما بينهم: ما هي الأسباب
والعوامل التي بلغت بالمسلمين إلى هذه
الغاية القصوى، والحد المعجز من الثبات؟
كيف صبروا على هذه الاضطهادات التي تقشعر
لسماعها الجلود، وترجف لها الأفئدة؟
ونظرًا إلى هذا الذي يتخالج القلوب نرى أن
نشير إلى بعض هذه العوامل والأسباب إشارة
عابرة بسيطة:
1 ـ الإيمــان بالله:
إن السبب الرئيسي في ذلك أولًا وبالذات هو
الإيمان بالله وحده ومعرفته حق المعرفة،
فالإيمان الجازم إذا خالطت بشاشته القلوب
يزن الجبال ولا يطيش، وإن صاحب هذا
الإيمان المحكم وهذا اليقين الجازم يرى
متاعب الدنيا مهما كثرت وكبرت وتفاقمت
واشتدت ـ يراها في جنب إيمانه ـ طحالب
عائمة فوق سَيْل جارف جاء ليكسر السدود
المنيعة والقلاع الحصينة، فلا يبالى بشيء
من تلك المتاعب أمام ما يجده من حلاوة
إيمانه، وطراوة إذعانه، وبشاشة يقينه {
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء
وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الأَرْضِ} [الرعد:17].
ويتفرع من هذا السبب
الوحيد أسباب أخرى تقوى هذا الثبات
والمصابرة وهي:
2 ـ قيادة تهوى إليها
الأفئدة:
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو
القائد الأعلى للأمة الإسلامية، بل
وللبشرية جمعاء ـ يتمتع من جمال الخلق،
وكمال النفس، ومكارم الأخلاق، والشيم
النبيلة، والشمائل الكريمة، بما تتجاذب
إليه القلوب وتتفإني دونه النفوس، وكانت
أنصبته من الكمال الذي يحبَّبُ لم يرزق
بمثلها بشر. وكان على أعلى قمة من الشرف
والنبل والخير والفضل. وكان من العفة
والأمانة والصدق، ومن جميع سبل الخير على
ما لم يتمار ولم يشك فيه أعداؤه فضلًا عن
محبيه ورفقائه، لا تصدر منه كلمة إلا
ويستيقنون صدقها.
اجتمع ثلاثة نفر من قريش، وكان قد استمع
كل واحد منهم إلى القرآن سرًا عن صاحبيه،
ثم انكشف سرهم، فسأل أحدهم أبا
جهل ـ وكان
من أولئك الثلاثة: ما رأيك فيما سمعت من
محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن
وبنو عبد مناف الشرف؛ أطعموا فأطعمنا،
وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا
تحاذينا على الركب، وكنا كَفَرَسىْ رِهَان
قالوا: لنا نبى يأتيه الوحى من السماء،
فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا،
ولا نصدقه.
وكان أبو جهل يقول: يا محمد، إنا لا
نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل
الله:{ فَإِنَّهُمْ لاَ
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ
بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ}
[الأنعام:33].
وغمزه صلى الله عليه وسلم الكفار يومًا
ثلاث مرات فقال في الثالثة: (يا معشر
قريش، جئتكم بالذبح)، فأخذتهم تلك
الكلمة حتى إن أشدهم عداوة يرفؤه بأحسن ما
يجد عنده.
ولما ألقوا عليه سَلاَ جَزُورٍ وهو ساجد،
دعا عليهم، فذهب عنهم الضحك، وساورهم الهم
والقلق، وأيقنوا أنهم هالكون.
ودعا على عتبة بن أبي لهب فلم يزل على
يقين من لقاء ما دعا به عليه حتى إنه حين
رأي الأسد قال: قتلنى والله ـ محمد ـ
وهو بمكة.
وكان أبي بن خلف يتوعده بالقتل. فقال:
(بل أنا أقتلك إن شاء الله)، فلما طعن
أبيًا في عنقه يوم أحد ـ وكان خدشًا غير
كبير ـ كان أبي يقول: إنه قد كان قال لى
بمكة: أنا أقتلك، فو الله لو بصق على
لقتلني ـ وسيأتي.
م على العود إلى مكة، وعلى القيام
باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله
الخالدة بنشاط جديد وبجد وحماس.
وحينئذ قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد
أخرجوك؟ يعنى قريشًا، فقال: (يا زيد، إن الله جاعل
لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر
نبيه). وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا
دنا من مكة مكث بحِرَاء، وبعث رجلًا من خزاعة إلى الأخنس
بن شَرِيق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير ،
فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال سهيل: إن بني عامر لا
تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدى، فقال
المطعم: نعم ، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه ، فقال:
البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت
محمدًا، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن
ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن
حارثة حتى انتهي إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدى
على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدًا
فلا يهجه أحد منكم، وانتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى الركن فاستلمه، وطاف بالبيت، وصلى ركعتين، وانصرف
إلى بيته، ومطعم بن عدى وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل
بيته.
وقيل: إن أبا جهل سأل مطعمًا: أمجير أنت أم متابع ـ
مسلم؟. قال: بل مجير. قال: قد أجرنا من
أجرت.
وقد حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم للمطعم هذا
الصنيع، فقال في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدى
حيًا ثم كلمنى في هؤلاء النتنى لتركتهم له).
*عرض الإسلام علي القبائل والأفراد :
في ذى القعدة سنة عشر من النبوة ـ في أواخر يونيو أو
أوائل يوليو سنة 619 م ـ عاد رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى مكة؛ ليستأنف عرض الإسلام على القبائل
والأفراد، ولاقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة
رجالا، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق لأداء فريضة
الحج، وليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام
معلومات، فانتهز رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه
الفرصة، فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم
إليه ، كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة ،
وقد بدأ يطلب منهم من هذه السنة ـ العاشرة ـ أن يؤووه
وينصروه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثه الله به.
*القبائل التي عرض عليها الإسلام :
قال الزهرى: وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم وعرض نفسه
عليهم: بنو عامر بن صَعْصَعَة، ومُحَارِب بن خَصَفَة،
وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعَبْس، وبنو نصر،
وبنو البَكَّاء، وكندة، وxxx، والحارث بن كعب، وعُذْرَة،
والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد.
وهذه القبائل التي سماها الزهرى لم يكن عرض الإسلام
عليها في سنة واحدة ولا في موسم واحد، بل إنما كان ما
بين السنة الرابعة من النبوة إلى آخر موسم قبل الهجرة.
ولا يمكن تسمية سنة معينة لعرض الإسلام على قبيلة معينة،
ولكن الأكثر كان في السنة العاشرة.
أما كيفية عرض الإسلام على هذه القبائل، وكيف كانت
ردودهم على هذا العرض فقد ذكرها ابن إسحاق، ونلخصها فيما
يلي:
1 ـ بنو عبد الله: أتى
النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطن منهم يقال لهم: بنو
عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه
ليقول لهم: (يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم
أبيكم)، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
2 ـ بنو حنيفة: أتاهم في منازلهم فدعاهم إلى
الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه
ردًا منهم.
3 ـ وأتى إلى بني عامر بن صعصعة: فدعاهم إلى
الله، وعرض عليهم نفسه، فقال بَيْحَرَة بن فِرَاس [رجل
منهم]: والله، لو إني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت
به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم
أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟
قال: (الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء)، فقال له:
أفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان
الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه.
ولما رجعت بنو عامر تحدثوا إلى شيخ لهم لم يواف الموسم
لكبر سنه، وقالوا له: جاءنا فتى من قريش من بني عبد
المطلب يزعم أنه نبى، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه،
ونخرج به إلى بلادنا، فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم
قال: يا بني عامر وهل لها من تَلاَف؟ هل لذُنَابَاها
من مَطْلَب؟ والذي نفس فلان بيده ما تَقَوَّلَها
إسماعيلى قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم؟.
*المؤمنون من غير أهل مكة :
وكما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام على
القبائل والوفود، عرض على الأفراد والأشخاص، وحصل من بعضهم
على ردود صالحة، وآمن به عدة رجال بعد هذا الموسم بقليل،
وهاك نبذة منهم:
1 ـ سويد بن الصامت:
كان شاعرًا لبيبًا، من سكان يثرب، يسميه قومه [الكامل]
لجلده وشعره وشرفه ونسبه، جاء مكة حاجًا أو معتمرًا، فدعاه
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: لعل
الذي معك مثل الذي معى. فقال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (وما الذي معك؟) قال: حكمة لقمان.
قال: (اعرضها عليَّ). فعرضها، فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (إن هذا لكلام حسن، والذي معى
أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله تعالى عليّ، هو هدى ونور)،
فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى
الإسلام، فأسلم، وقال: إن هذا لقول حسن. فلما قدم
المدينة لم يلبث أن قتل في وقعة بين الأوس والخزرج قبل يوم
بعاث. والأغلب أنه أسلم في أوائل السنة الحادية عشرة من
النبوة.
2 ـ إياس بن معاذ:
كان غلامًا حدثا من سكان يثرب، قدم في وفد من الأوس، جاءوا
يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، وذلك قبيل
حـرب بعاث في أوائل سنة 11 من النبوة؛ إذ كانت نيران
العداوة متقدة في يثرب بين القبيلتين ـ وكان الأوس أقل
عددًا من الخزرج ـ فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمقدمهم جاءهم، فجلس إليهم، وقال لهم: (هل لكم في خير
مما جئتم له؟) فقالوا: وما ذاك؟ قال: (أنا
رسول الله، بعثنى إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله
ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليّ الكتاب)، ثم ذكر لهم
الإسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ: أي
قوم، هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر أنس بن
رافع ـ رجل من الوفد ـ حفنة من تراب البطحاء فرمى بها وجه
إياس، وقال: دعنا فلعمرى لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس،
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرفوا إلى المدينة
من غير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش.
وبعد رجوعهم إلى يثرب لم يلبث إياس أن هلك، وكان يهلل
ويكبر ويحمد ويسبح عند موته، فلا يشكون أنه مات مسلمًا.
3 ـ أبو ذر الغفاري:
وكان من سكان نواحي يثرب، ولعله لما بلغ إلى يثرب خبر مبعث
النبي صلى الله عليه وسلم بسويد بن الصامت وإياس بن معاذ،
وقع في أذن أبي ذر أيضًا، وصار سببًا لإسلامه.
روى البخاري عن ابن عباس قال: قال أبو ذر: كنت رجلًا
من غفار، فبلغنا أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبى، فقلت
لأخي: انطلق إلى هذا الرجل وكلمه، وائتنى بخبره، فانطلق
فلقيه، ثم رجع، فقلت: ما عندك؟ فقال: والله، لقد
رأيت رجلًا يأمر بالخير، وينهي عن الشر، فقلت له: لم
تشفنى من الخبر، فأخذت جرابًا وعصا، ثم أقبلت إلى مكة،
فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم
وأكون في المسجد. قال: فمر بى عليّ. فقال: كأن
الرجل غريب؟ قال: قلت: نعم. فقال: فانطلق إلى
المنزل، فانطلقت معه لا يسألنى عن شيء ولا أسأله ولا
أخبره. فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد
يخبرنى عنه بشيء. قال: فمر بى عليّ فقال: أما نال
للرجل يعرف منزله بعد؟ قال: قلت: لا. قال:
فانطلق معي، قال: فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه
البلدة؟ قال: قلت له:إن كتمت عليّ أخبرتك، قال:
فإني أفعل، قال: قلت له: بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل
يزعم أنه نبى الله، فأرسلت أخي يكلمه فرجع ولم يشفنى من
الخبر، فأردت أن ألقاه.
فقال له: أما إنك قد رشدت. هذا وجهي إليه، ادخل حيث
أدخل فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كإني
أصلح نعلى، وامض أنت. فمضى ومضيت معه حتى دخل، ودخلت معه
على النبي صلى الله عليه وسلم.فقلت له:اعرض عليّ
الإسلام. فعرضه، فأسلمت مكإني ، فقال لي: (يا أبا
ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا
فأقبل). فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين
أظهرهم، فجئت إلى المسجد، وقريش فيه ، فقلت: يا معشر
قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده
ورسوله ، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا، فضربت
لأموت، فأدركنى العباس فأكب عليّ، ثم أقبل عليهم فقال:
ويلكم تقتلون رجلًا من غفار؟ ومتجركم وممركم على غفار،
فأقلعوا عنى. فلما أن أصبحت الغد، رجعت، فقلت مثل ما قلت
بالأمس. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصنع بي ما صنع
بالأمس، فأدركني العباس، فأكب عليّ وقال مثل مقالته
بالأمس.
4 ـ طُفَيْل بن عمرو الدَّوْسى:
كان رجلًا شريفًا، شاعرًا لبيبًا، رئيس
قبيلة دوس، وكانت لقبيلته إمارة أو شبه إمارة في بعض
نواحى اليمن، قدم مكة في عام 11 من النبوة، فاستقبله
أهلها قبل وصوله إليها، وبذلوا له أجل تحية وأكرم تقدير،
وقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي
بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا،
وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل
وأخيه ، وبين الرجل وزوجـه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما
قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئًا.
يقول طفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه
شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت أذنى حين غدوت إلى المسجد
كُرْسُفًا؛ فرقًا من أن يبلغنى شيء من قوله، قال:
فغدوت إلى المسجد فإذا هو قائم يصلى عند الكعبة، فقمت
قريبًا منه، فأبي الله إلا أن يسمعنى بعض قوله، فسمعت
كلامًا حسنًا، فقلت في نفسى: واثكل أمي، والله إني رجل
لبيب شاعر؛ ما يخفي عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن
أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان حسنًا قبلته، وإن
كان قبيحًا تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فاتبعته،
حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فعرضت عليه قصة مقدمى،
وتخويف الناس إياي، وسد الأذن بالكرسف، ثم سماع بعض
كلامه، وقلت له: اعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ الإسلام،
وتلا عليّ القرآن. فوالله ما سمعت قولًا قط أحسن منه،
ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت
له: إني مطاع في قومى، وراجع إليهم، وداعيهم إلى
الإسلام، فادع الله أن يجعل لى آية، فدعا.
وكانت آيته أنه لما دنا من قومه جعل الله نورًا في وجهه
مثل المصباح، فقال: اللهم في غير وجهي. أخشى أن
يقولوا: هذه مثلة، فتحول النور إلى سوطه، فدعا أباه
وزوجته إلى الإسلام فأسلما، وأبطأ عليه قومه في الإسلام،
لكن لم يزل بهم حتى هاجر بعد الخندق، ومعه سبعون أو
ثمانون بيتًا من قومه، وقد أبلى في الإسلام بلاء حسنًا،
وقتل شهيدًا يوم اليمامة.
5 ـ ضِمَاد الأزدى:
كان من أزْدِ شَنُوءَة من اليمن، وكان يرقى من هذا
الريح، قدم مكة فسمع سفهاءها يقولون: إن محمدًا مجنون،
فقال: لو إني أتيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدى،
فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقى من هذا الريح، فهل
لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الحمد
لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله
فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد).
فقال: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول
الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك
هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على
الإسلام، فبايعه.
*ست نسمات طيبة من أهل يثرب :
وفي موسم الحج من سنة 11 من النبوة ـ يوليو سنة 620م ـ
وجدت الدعوة الإسلامية بذورًا صالحة، سرعان ما تحولت إلى
شجرات باسقات، اتقى المسلمون في ظلالها الوارفة لفحات
الظلم والعدوان حتى تغير مجرى الأحداث وتحول خط
التاريخ.
وكان من حكمته صلى الله عليه وسلم إزاء ما كان يلقى من
أهل مكة من التكذيب والصد عن سبيل الله أنه كان يخرج إلى
القبائل في ظلام الليل، حتى لا يحول بينه وبينهم أحد من
أهل مكة المشركين.
فخرج ليلة ومعه أبو بكر وعلى، فمر على منازل ذُهْل
وشيبان بن ثعلبة ، وكلمهم في الإسلام. وقد دارت بين
أبي بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردود طريفة، وأجاب بنو
شيبان بأرجى الأجوبة، غير أنهم توقفوا في قبول
الإسلام.
ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقبة منى، فسمع
أصوات رجال يتكلمون فعمدهم حتى لحقهم، وكانوا ستة نفر من
شباب يثرب كلهم من الخزرج، وهم:
1 ـ أسعد بن زُرَارة [من بني
النجار].
2 ـ عوف بن الحارث بن رفاعة ابن عَفْراء [من بني
النجار].
3 ـ رافع بن مالك بن العَجْلان [من بني زُرَيْق].
4 ـ قُطْبَة بن عامر بن حديدة [من بني سلمة].
5 ـ عُقْبَة بن عامر بن نابي [من بني حَرَام بن كعب
].
6 ـ جابر بن عبد الله بن رِئاب [من بني عبيد بن غَنْم
].
وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من
يهود المدينة، إذا كان بينهم شيء، أن نبيًا من الأنبياء
مبعوث في هذا الزمان سيخرج، فنتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد
وإرم.
فلما لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:
(من أنتم؟) قالوا: نفر من الخزرج، قال: (من
موالى اليهود؟) أي حلفائهم، قالوا: نعم. قال:
(أفلا تجلسون أكلمكم؟) قالوا: بلى، فجلسوا معه،
فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله عز وجل،
وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله
يا قوم، إنه للنبى الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم
إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته، وأسلموا.
وكانوا من عقلاء يثرب، أنهكتهم الحرب الأهلية التي مضت
قريبًا، والتي لا يزال لهيبها مستعرًا، فأملوا أن تكون
دعوته سببًا لوضع الحرب، فقالوا: إنا قد تركنا قومنا
ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن
يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض
عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله
عليك فلا رجل أعز منك.
ولما رجع هؤلاء إلى المدينة حملوا إليها رسالة الإسلام،
حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيه ذكر رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
*استطراد ـ زواج رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعائشة :
وفي شوال من هذه السنة ـ سنة 11 من
النبوة ـ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة
الصديقة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين وبني بها
بالمدينة في شوال في السنة الأولى من الهجرة وهي بنت تسع
سنين.
الإســراء والمعــراج
وبينما النبي صلى الله عليه وسلم يمـر بهذه المرحلة، وأخذت
الدعوة تشق طريقًا بين النجاح والاضطهـاد، وبـدأت نجـوم
الأمل تتلمح في آفاق بعيدة، وقع حادث الإسراء والمعـراج.
واختلف في تعيين زمنه على أقوال شتى:
1 ـ فقيل: كان الإسراء في السنة التي أكرمه الله فيها
بالنبوة، واختاره الطبرى.
2 ـ وقيل: كان بعد المبعث بخمس سنين، رجح ذلك النووى
والقرطبى.
3 ـ وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة 10 من
النبوة.
4 ـ وقيل: قبل الهجرة بستة عشر شهرًا، أي في رمضان سنة 12
من النبوة.
5 ـ وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، أي في المحرم سنة 13 من
النبوة.
6 ـ وقيل: قبل الهجرة بسنة، أي في ربيع الأول سنة 13 من
النبوة.
وَرُدَّتِ الأقوالُ الثلاثة الأول بأن خديجة رضي الله عنها
توفيت في رمضان سنة عشر من النبوة، وكانت وفاتها قبل أن تفرض
الصلوات الخمس. ولا خلاف أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة
الإسراء. أما الأقوال الثلاثة الباقية فلم أجد ما أرجح به
واحدًا منها، غير أن سياق سورة الإسراء يدل على أن الإسراء
متأخر جدًا.
وروى أئمة الحديث تفاصيل هذه الوقعة، وفيما يلي نسردها
بإيجاز:
قال ابن القيم: أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده
على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا على
البُرَاق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك،
وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد.
ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا،
فاستفتح له جبريل ففتح له، فرأي هنالك آدم أبا البشر، فسلم
عليه، فرحب به ورد عليه السلام، وأقر بنبوته، وأراه الله
أرواح السعداء عن يمينه، وأرواح الأشقياء عن يساره.
ثم عرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح له، فرأي فيها يحيى
بن زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما وسلم عليهما، فردا عليه
ورحبا به، وأقرّا بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأي فيها يوسف، فسلم عليه
فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأي فيها إدريس، فسلم عليه،
فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأي فيها هارون بن عمران،
فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقى فيها موسى بن عمران،
فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له: ما يبكيك ؟ فقال: أبكى؛
لأن غلامًا بعث من بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها
من أمتى.
ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقى فيها إبراهيم عليه
السلام، فسلم عليه، فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم رفع إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبْقُها مثل قِلاَل هَجَر،
وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، ثم غشيها فراش من ذهب، ونور
وألوان، فتغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من
حسنها. ثم رفع له البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم
سبعون ألف ملك ثم لا يعودون. ثم أدخل الجنة، فإذا فيها
حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك. وعرج به حتى ظهر لمستوى
يسمع فيه صَرِيف الأقلام.
ثم عرج به إلى الجبّار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين
أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة،
فرجع حتى مرّ على موسى فقال له: بم أمرك ربك؟ قال:
(بخمسين صلاة). قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى
ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل، كأنه يستشيره
في ذلك، فأشار: أن نعم إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به
الجبار تبارك وتعالى، وهو في مكانه ـ هذا لفظ البخاري في بعض
الطرق ـ فوضع عنه عشرًا، ثم أنزل حتى مر بموسى، فأخبره،
فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين
موسى وبين الله عز وجل، حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع
وسؤال التخفيف، فقال: (قد استحييت من ربي، ولكني أرضى
وأسلم)، فلما بعد نادى مناد: قد أمضيت فريضتى وخففت عن
عبادى. انتهي.
ثم ذكر ابن القيم خلافًا في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه
تبارك وتعالى، ثم ذكر كلامًا لابن تيمية بهذا الصدد، وحاصل
البحث أن الرؤية بالعين لم تثبت أصلًا، وهو قول لم يقله أحد
من الصحابة. وما نقل عن ابن عباس من رؤيته مطلقًا ورؤيته
بالفؤاد فالأول لا ينافي الثاني.
ثم قال: وأما قوله تعالى في سورة النجم: {ثُمَّ دَنَا
فَتَدَلَّى} [النجم:8] فهو غير الدنو الذي في قصة
الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما
قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه، وأما الدنو
والتدلى في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك
وتعالى وتدليه، ولا تعرض في سورة النجم لذلك، بل فيه أنه رآه
نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. وهذا هو جبريل، رآه محمد صلى
الله عليه وسلم على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند
سدرة المنتهى، والله أعلم. انتهى.
وقد جاء في بعض الطرق أن صدره صلى الله عليه وسلم شق في هذه
المرة أيضًا، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه
الـرحلة أمورًا عديدة:
عرض عليه اللبن والخمر، فاختار اللبن، فقيل: هديت الفطرة
أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك.
ورأي أربعة أنهار يخرجن من أصل سدرة
المنتهى: نهران ظاهران ونهران باطنان، فالظاهران هما:
النيل والفرات، عنصرهما. والباطنان: نهران في الجنة.
ولعل رؤية النيل والفرات كانت إشارة إلى تمكن الإسلام من
هذين القطرين، والله أعلم.
ورأى مالكًا خازن النار، وهو لا يضحك، وليس على وجهه بشر ولا
بشاشة، وكذلك رأي الجنة والنار.
ورأى أكلة أموال اليتامى ظلمًا لهم مشافر كمشافر الإبل،
يقذفون في أفواههم قطعًا من نار كالأفهار، فتخرج من
أدبارهم.
ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا
عن أماكنهم، ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار
فيطأونهم.
ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب، إلى جنبه لحم غث منتن،
يأكلون من الغث المنتن، ويتركون الطيب السمين.
ورأى النساء اللاتى يدخلن على الرجال من ليس من أولادهم،
رآهن معلقات بثديهن.
ورأى عيرًا من أهل مكة في الإياب والذهاب، وقد دلهم على بعير
نَدَّ لهم، وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون، ثم ترك
الإناء مغطى، وقد صار ذلك دليلًا على صدق دعواه في صباح ليلة
الإسراء.
قال ابن القيم: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في
قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى، فاشتد
تكذيبهم له وأذاهم واستضرارهم عليه، وسألوه أن يصف لهم بيت
المقدس، فجلاه الله له، حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته،
ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا، وأخبرهم عن عيرهم في
مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير
الذي يقدمها، وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورًا،
وأبي الظالمون إلا كفورًا .
يقال: سُمى أبو بكر رضي الله عنه صديقًا؛ لتصديقه هذه
الوقعة حين كذبها الناس.
وأوجز وأعظم ما ورد في تعليل هذه الرحلة هو قوله تعالى:
{لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1] وهذه
سنة الله في الأنبياء، قال: {وَكَذَلِكَ نُرِي
إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام:75]، وقال
لموسى عليه السلام: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا
الْكُبْرَى} [طه:23]، وقد بين مقصود هذه الإراءة
بقوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} فبعد استناد
علوم الأنبياء إلى رؤية الآيات يحصل لهم من عين اليقين ما لا
يقادر قدره، وليس الخبر كالمعاينة، فيتحملون في سبيل الله ما
لا يتحمل غيرهم، وتصير جميع قوات الدنيا عندهم كجناح بعوضة
لا يعبأون بها إذا ما تدول عليهم بالمحن والعذاب.
والحكم والأسرار التي تكمن وراء جزئيات هذه الرحلة إنما محل
بحثها كتب أسرار الشريعة، ولكن هنا حقائق بسيطة تتفجر من
ينابيع هذه الرحلة المباركة، وتتدفق إلى حدائق أزهار السيرة
النبوية ـ على صاحبها الصلاة والسلام والتحية ـ أرى أن أسجل
بعضًا منها بالإيجاز:
يرى القارئ في سورة الإسراء أن الله ذكر قصة الإسراء في آية
واحدة فقط، ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ثم نبههم
بأن هذا القرآن يهدى للتى هي أقوم، فربما يظن القارئ أن
الآيتين ليس بينهما ارتباط، والأمر ليس كذلك، فإن الله تعالى
يشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس؛
لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية؛ لما
ارتكبوا من الجرائم التي لا مجال بعدها لبقائهم على هذا
المنصب، وإن الله سينقل هذا المنصب فعلا إلى رسوله صلى الله
عليه وسلم ويجمع له مركزى الدعوة الإبراهيمية كليهما، فقد آن
أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة؛ من أمة ملأت
تاريخها بالغدر والخيانة والإثم والعدوان، إلى أمة تتدفق
بالبر والخيرات، ولا يزال رسولها يتمتع بوحى القرآن الذي
يهدى للتى هي أقوم.
ولكن كيف تنتقل هذه القيادة، والرسول يطوف في جبال مكة
مطرودًا بين الناس؟ هذا السؤال يكشف الغطاء عن حقيقة أخرى،
وهي أن عهدًا من هذه الدعوة الإسلامية قد أوشك إلى النهاية
والتمام، وسيبدأ عهد آخر جديد يختلف عن الأول في مجراه،
ولذلك نرى بعض الآيات تشتمل على إنذار سافر ووعيد شديد
بالنسبة إلى المشركين { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ
قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ
عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا وَكَمْ
أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى
بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا}
[الإسراء:16، 17] وبجنب هذه الآيات آيات أخرى تبين
للمسلمين قواعد الحضارة وبنودها ومبادئها التي يبتنى عليها
مجتمعهم الإسلامى، كأنهم قد أووا إلى أرض امتلكوا فيها
أمورهم من جميع النواحى، وكونوا وحدة متماسكة تدور عليها رحى
المجتمع، ففيه إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيجد
ملجأ ومأمنًا يستقر فيه أمره، ويصير مركزًا لبث دعوته في
أرجاء الدنيا. هذا سر من أسرار هذه الرحلة المباركة، يتصل
ببحثنا فآثرنا ذكره.
ولأجل هذه الحكمة وأمثالها نرى أن الإسراء إنما وقع إما قبيل
بيعة العقبة الأولى أو بين العقبتين، والله أعلم.
*بيعة العقبة الأولى :
قد ذكرنا أن ستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موسم الحج سنة 11
من النبوة، ووعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ
رسالته في قومهم.
وكان من جراء ذلك أن جاء في الموسم التالي ـ موسم الحج سنة
12 من النبوة، يوليو سنة 621م ـ اثنا عشر رجلًا، فيهم خمسة
من الستة الذين كانوا قد التقوا برسول الله صلى الله عليه
وسلم في العام السابق ـ والسادس الذي لم يحضر هو جابر بن عبد
الله بن رِئاب ـ وسبعة سواهم، وهم:
1 ـ معاذ بن الحارث، ابن عفراء من بني
النجار [من الخزرج]
2 ـ ذَكْوَان بن عبد القيس من بني زُرَيْق. [من
الخزرج]
3 ـ عبادة بن الصامت من بني غَنْم [من الخزرج]
4 ـ يزيد بن ثعلبة من حلفاء بني غنم [من الخزرج]
5 ـ العباس بن عُبَادة بن نَضْلَة من بني سالم [من
الخزرج]
6 ـ أبو الهَيْثَم بن التَّيَّهَان من بني عبد الأشهل [من
الأوس].
7 ـ عُوَيْم بن ساعدة من بني عمرو بن عَوْف [من
الأوس].
الأخيران من الأوس، والبقية كلهم من الخزرج.
التقى هؤلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى
فبايعوه بيعة النساء، أي وفق بيعتهن التي نزلت بعد
الحديبية.
روى البخاري عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا،
ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا
ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف،
فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب
به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره
الله، فأمـره إلى الله؛ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا
عـنه). قــال: فبايعته ـ وفي نسخة: فبايعناه ـ على
ذلك.
*سفير الإسلام في المدينة :
وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم بعث النبي صلى الله عليه
وسلم مع هؤلاء المبايعين أول سفير في يثرب؛ ليعلم المسلمين
فيها شرائع الإسلام، ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإسلام
بين الذين لم يزالوا على الشرك، واختار لهذه السفارة شابًا
من شباب الإسلام من السابقين الأولين، وهو مُصْعَب بن
عُمَيْر العبدرى رضي الله عنه.
*النجاح المغتبط :
نزل مصعب بن عمير على أسعد بن زُرَارة، وأخذا يبثان الإسلام
في أهل يثرب بجد وحماس، وكان مصعب يُعْرَف بالمقرئ.
ومن أروع ما يروى من نجاحه في الدعوة أن أسعد بن زرارة خرج
به يومًا يريد دار بني عبد الأشهل ودار بني ظَفَر، فدخلا في
حائط من حوائط بني ظفر، وجلسا على بئر يقال لها: بئر
مَرَق، واجتمع إليهما رجال من المسلمين ـ وسعد بن معاذ
وأُسَيْد بن حُضَيْر سيدا قومهما من بني عبد الأشهل يومئذ
على الشرك ـ فلما سمعا بذلك قال سعد لأسيد: اذهب إلى هذين
اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن
يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك
لكفيتك هذا.
فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب:
هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس
أكلمه. وجاء أسيد فوقف عليهما متشتمًا، وقال: ما جاء
بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما
بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت
أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، فقال: أنصفت، ثم
ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن.
قال: فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في
إشراقه وتهلله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله؟ كيف تصنعون
إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
قالا له: تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى
ركعتين. فقام واغتسل، وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين، ثم
قال: إن ورائى رجلًا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه،
وسأرشده إليكما الآن ـ سعد بن معاذ ـ ثم أخذ حربته وانصرف
إلى سعد في قومه، وهم جلوس في ناديهم. فقال سعد: أحلف
بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.
فلما وقف أسيد على النادى قال له سعد: ما فعلت؟ فقال:
كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما
فقالا: نفعل ما أحببت.
وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ـ
وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ـ لِيُخْفِرُوك. فقام
سعد مغضبًا للذى ذكر له، فأخذ حربته، وخرج إليهما، فلما
رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما،
فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا
أمامة، لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رُمْتَ هذا منى،
تغشانا في دارنا بما نكره؟
وقـد كان أسعد قال لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه،
إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد، فقال مصعب لسعد بن معاذ:
أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك
ما تكره، قال: قد أنصفت، ثم ركز حربته فجلس. فعـرض
عليــه الإسلام، وقـرأ علـيه القـرآن، قـال: فعرفنـا والله
في وجهـه الإسلام قبـل أن يتكلم، في إشـراقه وتهلّله، ثـم
قـال: كيـف تصنـعون إذا أسلمتـم؟ قالا: تغتسل، وتطهر
ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ركعتين. ففعل ذلك.
ثم أخذ حربته فأقبل إلى نادى قومه، فلما رأوه قالوا: نحلف
بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمرى
فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة،
قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علىّ حرام حتى تؤمنوا بالله
ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة،
إلا رجل واحد ـ وهو الأُصَيْرِم ـ تأخر إسلامه إلى يوم أحد،
فأسلم ذلك اليوم وقاتل وقتل، ولم يسجد لله سجدة، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (عمل قليلًا وأجر كثيرًا).
وأقام مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام،
حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون،
إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخَطْمَة ووائل. كان
فيهم قيس بن الأسلت الشاعر ـ وكانوا يطيعونه ـ فوقف بهم عن
الإسلام حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة.
وقبل حلول موسم الحج التالى ـ أي حج السنة الثالثة عشرة ـ
عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم بشائر الفوز، ويقص عليه خبر قبائل يثرب، وما فيها من
مواهب الخير، وما لها من قوة ومنعة.
*بيعة العقبة الثانية :
في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة ـ يونيو سنة
622م ـ حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسًا من المسلمين
من أهل يثرب،جاءوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل
هؤلاء المسلمون فيما بينهم ـ وهم لم يزالوا في يثرب أو
كانوا في الطريق: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه
وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟
فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم
اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في
أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة
الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام
الليل.
ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي
الذي حول مجرى الأيام في صراع الوثنية والإسلام. يقول
كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه:
خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت
الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها،
ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر، سيد من
ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا ـ وكنا نكتم من
معنا من قومنا من المشركين أمرنا ـ فكلمناه وقلنا له: يا
أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا
نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدًا. ثم دعوناه
إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه
وسلم إيانا العقبة، قال: فأسلم وشهد معنا العقبة وكان
نقيبًا.
قال كعب: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا
مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله
عليه وسلم، نتسلل تسلل القَطَا، مستخفين، حتى اجتمعنا في
الشِّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان
من نسائنا؛ نُسَيْبَة بنت كعب ـ أم عُمَارة ـ من بني مازن
بن النجار،وأسماء بنت عمرو ـ أم منيع ـ من بني سلمة.
فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
جاءنا، ومعه عمه: العباس بن عبد المطلب ـ وهو يومئذ على
دين قومه ـ إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له،
وكان أول متكلم.
*بداية المحادثة وتشريح العباس لخطورة
المسئولية :
وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لإبرام التحالف
الدينى والعسكرى، وكان أول المتكلمين هو العباس بن عبد
المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكلم ليشرح لهم ـ
بكل صراحة ـ خطورة المسئولية التي ستلقى على كواهلهم نتيجة
هذا التحالف. قال:
يا معشر الخزرج ـ وكان العرب يسمون الأنصار خزرجـًا،
خزرجـها وأوسـها كليهما ـ إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد
منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه،فهو في عز من
قومه ومنعة في بلده. وإنه قد أبي إلا الانحياز إليكم
واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه
إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن
كنتم ترون أنكم مُسْلِمُوه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم
فمن الآن فدعوه. فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول
الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
وهذا الجواب يدل على ما كانوا عليه من عزم صميم، وشجاعة
مؤمنة، وإخلاص كامل في تحمل هذه المسئولية العظيمة، وتحمل
عواقبها الخطيرة.
وألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بيانه، ثم تمت
البيعة.
*بنود البيعة :
وقد روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصلًا. قال جابر:
قلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال:
(على السمع والطاعة في النشاط والكسل.
وعلى النفقة في العسر واليسر.
وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم.
وعلى أن تنصرونى إذا قدمت إليكم، وتمنعونى مما تمنعون منه
أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة).
وفي رواية كعب ـ التي رواها ابن إسحاق ـ البند الأخير فقط
من هذه البنود، ففيه: قال كعب: فتكلم رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في
الإسلام، ثم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون
منه نسائكم وأبناءكم). فأخذ البراء ابن مَعْرُور بيده
ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع
أُزُرَنا منه، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء
الحرب وأهل الْحَلْقَة، ورثناها كابرًا عن كابر.
قال: فاعترض القول ـ والبراء يكلم رسول الله صلى الله
عليه وسلم ـ أبو الهيثم بن التَّيَّهَان، فقال: يا رسول
الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها ـ يعنى
اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله إن
ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
(بل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الْهَدْمُ، أنا منكم
وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم).
*التأكيد من خطورة البيعة :
وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على
الـشروع في عقدها قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في
مواسم سنتى 11 و 12 من النبوة، قام أحدهما تلو الآخر؛
ليؤكدا للقوم خطورة المسئولية، حتى لا يبايعوه إلا على
جلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية،
ويتأكدا من ذلك.
قال ابن إسحاق: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة
بن نَضْلَة: هل تدورن علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر
والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نَهََكَتْ
أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو
والله إن فعلتم خزى الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم
وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَة الأموال وقتل
الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخـرة.
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما
لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال:
(الجنة). قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
وفي رواية جابر [قال]: فقمنا نبايعه،فأخذ بيده أسعد
بن زرارة ـ وهو أصغر السبعين ـ فقال: رويدا يا أهل يثرب،
إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول
الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم،
وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم
على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر
لكم عند الله.
عقد البيعة :
وبعد إقرار بنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد
البيعة بالمصافحة، قال جابر ـ بعد أن حكى قول أسعد بن
زرارة ـ قال: فقالوا: يا أسعد، أمِطْ عنا يدك.
فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها.
وحينئذ عرف أسعد مدى استعداد القوم للتضحية في هذا السبيل
وتأكد منه ـ وكان هو الداعية الكبير مع مصعب بن عمير ـ
فكان هو السابق إلى هذه البيعة. قال ابن إسحاق: فبنو
النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب
على يده. وبعد ذلك بدأت البيعة العامة، قال جابر:
فقمنا إليه رجلًا رجلًا فأخذ علينا البيعة، يعطينا بذلك
الجنة.
وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولًا. ما
صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أجنبية قط.
*اثنا عشر نقيبًا :
وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يختاروا اثنى عشر زعيمًا يكونون نقباء على قومهم، يكفلون
المسئولية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة، فقال للقوم:
أخرجوا إلىّ منكم اثنى عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما
فيهم.
فتم اختيارهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من
الأوس.وهاك أسماءهم:
نقباء الخزرج
1ـ أسعد بن زُرَارَة بن عدس.
2ـ سعد بن الرَّبِيع بن عمرو.
3ـ عبد الله بن رواحة بن ثعلبة.
4ـ رافع بن مالك بن العَجْلان.
5ـ البراء بن مَعْرُور بن صَخْر.
6ـ عبد الله بن عمرو بن حَرَام.
7ـ عبادة بن الصامت بن قيس.
8 ـ سعد بن عبادة بن دُلَيْم.
9ـ المنذر بن عمرو بن خُنَيْس.
نقباء الأوس
1ـ أُسَيْد بن حُضَيْر بن سِمَاك.
2ـ سعد بن خَيْثَمَة بن الحارث.
3ـ رفاعة بن عبد المنذر بن زبير.
ولما تم اختيار هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله
عليه وسلم ميثاقًا آخر بصفتهم رؤساء مسئولين.
قال لهم: (أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالـة
الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي) ـ يعنى
المسلمين ـ قالوا: نعم.
شيطان يكتشف المعاهدة
ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك الارفضاض،
اكتشفها أحد الشياطين؛ وحيث إن هذا الاكتشاف جاء في اللحظة
الأخيرة، ولم يكن يمكن إبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرًا،
ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب، قام ذلك الشيطان على
مرتفع من الأرض،وصاح بأنفذ صوت سمع قط: يا أهل الجَبَاجب
ـ المنازل ـ هل لكم في مُذَمَّم والصباة معه؟ قد اجتمعوا
على حربكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا أزَبُّ
العقبة، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك. ثم أمرهم أن
ينفضوا إلى رحالهم).
*استعداد الأنصار لضرب قريش :
وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة:
والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا
باسيافنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم نؤمر بذلك،
ولكن ارجعوا إلى رحالكم)، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا.
*قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب :
لما قـرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة، وساورتهم
القلاقل والأحزان؛ لأنهم كانوا على معرفة تامة بعواقب مثل
هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم، فما أن
أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى
أهل يثرب؛ ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة، قال
الوفد:
(يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا
هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه
والله ما من حى من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب
بيننا وبينهم منكم).
ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئًا عن هذه البيعة؛
لأنها تمت في سرية تامة في ظلام الليل، انبعث هؤلاء
المشركون يحلفون بالله: ما كان من شيء وما علمناه، حتى
أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، فجعل يقول: هذا باطل، وما
كان هذا،وما كان قومى ليفتاتوا على بمثل هذا، ولو كنت
بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني.
أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت، فلم
يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات.
ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين، فرجعوا خائبين.
*تأكد الخبر لدى قريش ومطاردة
المبايعين :
عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر، لكنهم
لم يزالوا يَتَنَطَّسُونه ـ يكثرون البحث عنه ويدققون
النظر فيه ـ حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح، والبيعة قد تمت
فعلًا. وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم، فسارع
فرسانهم بمطاردة اليثربيين، ولكن بعد فوات الأوان، إلا
أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر ابن عمرو
فطاردوهما، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا
القبض عليه، فربطوا يديه إلى عنقه بنِسْع رَحْلِه، وجعلوا
يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم
بن عدى والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم؛ إذ كان
سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار
حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فوصل
القوم جميعًا إلى المدينة.
هذه هي بيعة العقبة الثانية ـ التي تعرف ببيعة العقبة
الكبرى ـ وقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب والولاء،
والتناصر بين أشتات المؤمنين، والثقة والشجاعة والاستبسال
في هذا السبيل. فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه
المستضعف في مكة، ويتعصب له،ويغضب من ظالمه، وتجيش في
حناياه مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبه بالغيب في ذات
الله.
ولم تكن هذه المشاعر والعواطف نتيجة نزعة عابرة تزول على
مر الأيام، بل كان مصدرها هو الإيمان بالله وبرسوله
وبكتابه، إيمان لا يزول أمام أي قوة من قوات الظلم
والعدوان، إيمان إذا هبت ريحه جاءت بالعجائب في العقيدة
والعمل، وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على
أوراق الدهر أعمالًا، ويتركوا عليها آثارًا خلا عن نظائرها
الغابر والحاضر، وسوف يخلو المستقبل
*طلائـع الهجـرة :
وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح الإسلام في تأسيس
وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة ـ وهو أخطر كسب حصل
عليه الإسلام منذ بداية دعوته ـ أذن رسول الله صلى الله
عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن.
ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح، والتضحية
بالأموال، والنجاة بالشخص فحسب، مع الإشعار بأنه مستباح
منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو
مستقبل مبهم، لا يدرى ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان.
وبدأ المسلمون يهاجرون وهم يعرفون كل ذلك، وأخذ المشركون
يحولون بينهم وبين خروجهم؛ لما كانوا يحسون به من الخطر،
وهاك نماذج من ذلك:
1 ـ كان من أول المهاجرين أبو سلمة ـ هاجر قبل
العقبة الكبرى بسنة على ما قاله ابن إسحاق ـ وزوجته وابنه،
فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا
عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في
البلاد؟ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة
لرجلهم،فقالوا: لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من
صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به.
وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة.
وكانت أم سلمة رضي الله عنها و بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها
تخرج كل غداة بالأبطح تبكى حتى تمسى، ومضى على ذلك نحو
سنة، فرق لها أحد ذويها وقال: ألا تخرجون هذه
المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها:
الحقى بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد
المدينة ـ رحلة تبلغ حوالى خمسمائة كيلو متر تمر بين شواهق
الجبال ومهالك الأودية ـ وليس معها أحد من خلق الله. حتى
إذا كانت بالتَّنْعِيم لقيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة،
وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر
إلى قباء، قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة
الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة.
2 ـ وهاجر صُهَيْب بن سِنان الرومى بعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فلما أراد الهجرة قال له كفار قريش:
أتيتنا صعلوكًاا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم
تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك. فقال
لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى؟
قالوا: نعم، قال: فأني قد جعلت لكم مالى، فبلغ ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ربح صهيب، ربح
صهيب).
3 ـ وتواعد عمر بن الخطاب، وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام
بن العاص بن وائل
موضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف يصبحون عنده، ثم
يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما
هشام.
ولما قدما المدينة ونزلا بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث
إلى عياش ـ وأم الثلاثة واحدة، وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة ـ
فقالا له: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط، ولا تستظل
بشمس حتى تراك، فَرَقَّ لها. فقال له عمر: يا عياش،
إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم،
فوالله لو آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر
مكة لاستظلت، فأبي عياش إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه،
فقال له عمر: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتى هذه،
فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم
ريب فانج عليها.
فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو
جهل: يابن أمي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا
تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، فأناخ وأناخا ليتحول
عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم
دخلا به مكة نهارًا موثقًا، وقالا: يا أهل مكة، هكذا
فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا.
هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة
إذا علموا ذلك. ولكن على رغم ذلك خرج الناس أرسالًا يتبع
بعضهم بعضًا. وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة
الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبو بكر وعلى ـ أقاما بأمره لهما ـ وإلا من
احتبسه المشركون كرهًا، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه.
روى البخاري عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم للمسلمين: (أني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين
لابَتَيْن) ـ وهما الحرتان ـ فهاجر من هاجر قبل المدينة،
ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو
بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(على رِسْلِك، فأني أرجو أن يؤذن لي). فقال له أبو
بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: (نعم)، فحبس
أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه،
وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمَر ـ وهو الخَبَطُ ـ
أربعة أشهر.
*في دار الندوة [برلمان قريش] :
ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد تجهزوا وخرجوا، وحملوا وساقوا الذرارى والأطفال
والأموال إلى الأوس والخزرج أصابتهم الكآبة والحزن،
وساورهم القلق والهم بشكل لم يسبق له مثيل، فقد تجسد
أمامهم خطر حقيقى عظيم، أخذ يهدد كيانهم الوثني
والاقتصادي.
فقد كانوا يعلمون ما في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم من
غاية قوة التأثير مع كمال القيادة والإرشاد، وما في أصحابه
من العزيمة والاستقامة والفداء في سبيله، ثم ما في قبائل
الأوس والخزرج من القوة والمنعة، وما في عقلاء هاتين
القبيلتين من عواطف السلم والصلاح، والتداعي إلى نبذ
الأحقاد، ولاسيما بعد أن ذاقوا مرارة الحروب الأهلية طيلة
أعوام من الدهر.
كما كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي
بالنسبة إلى المحجة التجارية التى تمر بساحل البحر الأحمر
من اليمن إلى الشام. وقد كان أهل مكة يتاجرون إلى الشام
بقدر ربع مليون دينار ذهب سنويًا، سوى ما كان لأهل الطائف
وغيرها. ومعلوم أن مدار هذه التجارة كان على استقرار
الأمن في تلك الطريق.
فلا يخفي ما كان لقريش من الخطر البالغ في تمركز الدعوة
الإسلامية في يثرب، ومجابهة أهلها ضدهم.
شعر المشركون بتفاقم الخطر الذي كان يهدد كيانهم، فصاروا
يبحثون عن أنجح الوسائل لدفع هذا الخطر الذي مبعثه الوحيد
هو حامل لواء دعوة الإسلام محمدصلى الله عليه وسلم.
وفي يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق
12 من شهر سبتمبر سنة 622م ـ أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من
بيعة العقبة الكبرى ـ عقد برلمان مكة [دار الندوة] في
أوائل النهارأخطر اجتماع له في تاريخه، وتوافد إلى هذا
الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة حاسمة
تكفل القضاء سريعًا على حامل لواء الدعوة الإسلامية؛ وتقطع
تيار نورها عن الوجود نهائيًا. وكانت الوجوه البارزة في
هذا الاجتماع الخطير من نواب قبائل
قريش:
1 ـ أبو جهل بن هشام، عن قبيلة بني
مخزوم.
2، 3، 4ـ جبير بن مُطْعِم، وطُعَيْمَة بن عدى، والحارث بن
عامر، عن بني نَوْفَل بن عبد مناف.
5، 6، 7ـ شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، عن بني
عبد شمس بن عبد مناف.
8 ـ النَّضْر بن الحارث، عن بني عبد الدار.
9، 10، 11ـ أبو البَخْتَرِى بن هشام، وزَمْعَة بن الأسود،
وحَكِيم بن حِزَام، عن بني أسد بن عبد العزى.
12، 13ـ نُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج، عن بني سهم.
14ـ أمية بن خَلَف، عن بني جُمَح.
ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في
هيئة شيخ جليل، عليه بَتٌّ له، ووقف على الباب، فقالوا:
من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له
فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا
ونصحًا. قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم.
*النقاش البرلماني والإجماع على قرار
غاشم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم :
وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار
النقاش طويلًا. قال أبو الأسود: نخرجه من بين أظهرنا
وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد
أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
قال الشيخ النجدى: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا
حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى
به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حى من
العرب، ثم يسير بهم إليكم ـ بعد أن يتابعوه ـ حتى يطأكم
بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيًا غير
هذا.
قال أبو البخترى: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا،
ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله
ـ زهيرًا والنابغة ـ ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى
يصيبه ما أصابهم.
قال الشيخ النجدى: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن
حبستموه ـ كما تقولون ـ ليخرجن أمره من وراء الباب الذي
أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه
من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا
لكم برأي، فانظروا في غيره.
وبعد أن رفض البرلمان هذين الاقتراحين، قدم إليه اقتراح
آثم وافق عليه جميع أعضائه، تقدم به كبير مجرمى مكة أبو
جهل بن هشام. قال أبو جهل: والله إن لى فيه رأيًا ما
أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟
قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبا
وَسِيطًا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم
يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح
منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم
يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا
بالعَقْل، فعقلناه لهم.
قال الشيخ النجدى: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي
لا رأي غيره.
ووافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، ورجع
النواب إلى بيوتهم وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فورًا.
هجـرة النبـي صلى الله
عليه وسلم
*بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه
وتعالى :
من طبيعة مثل هذا الاجتماع السرية للغاية، وألا يبدو على
السطح الظاهر أي حركة تخالف اليوميات، وتغاير العادات
المستمرة، حتى لا يشم أحد رائحة التآمر والخطر، ولا يدور
في خلد أحد أن هناك غموضًا ينبئ عن الشر، وكان هذا مكرًا
من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى، فخيبهم
من حيث لا يشعرون. فقد نزل جبريل عليه السلام إلى النبي
صلى الله عليه وسلم بوحى من ربه تبارك وتعالى فأخبره
بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت
الهجرة، وبين له خطة الرد على قريش فقال: لا تبت هذه
الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح
الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه
مراحل الهجرة، قالت عائشة رضي الله عنها: بينما نحن جلوس
في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا
رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا، في ساعة لم يكن
يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمى، والله ما
جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.،
فاستأذن،فأذن له فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي
بكر: (أخرج مَنْ عندك). فقال أبو بكر: إنما هم
أهلك، بأبي أنت يا رسول الله. قال: (فأني قد أذن لى
في الخروج)، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول
الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم).
ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجىء
الليل. وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم
يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، أو لأي أمر آخر اتقاء مما
قررته قريش.
*تطويق منزل الرسول صلى الله عليه وسلم
:
أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد سرا لتنفيذ
الخطة المرسومة التى أبرمها برلمان مكة [دار الندوة]
صباحًا، واختير لذلك أحد عشر رئيسًا من
هؤلاء الأكابر، وهم:
1ـ أبو جهل بن هشام.
2ـ الحَكَم بن أبي العاص.
3ـ عُقْبَة بن أبي مُعَيْط.
4ـ النَّضْر بن الحارث.
5ـ أُمية بن خَلَف.
6ـ زَمْعَة بن الأسود.
7ـ طُعَيْمة بن عَدِىّ.
8 ـ أبو لهب.
9ـ أبي بن خلف.
10ـ نُبَيْه بن الحجاج.
11ـ أخوه مُنَبِّه بن الحجاج.
وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام في
أوائل الليل بعد صلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى
المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليًا رضي الله
عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده الحضرمي
الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه.
فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء، ونام عامة الناس جاء
المذكورون إلى بيته صلى الله عليه وسلم سرًا، واجتمعوا على
بابه يرصدونه، وهم يظنونه نائمًا حتى إذا قام وخرج وثبوا
عليه، ونفذوا ما قرروا فيه.
وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية،
حتى وقف أبو جهل وقفة الزهو والخيلاء، وقال مخاطبًا
لأصحابه المطوقين في سخرية واستهزاء: إن محمدًا يزعم
أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم
بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم
تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت
لكم نار تحرقون فيها.
وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل في وقت
خروجه صلى الله عليه وسلم من البيت، فباتوا متيقظين
ينتظرون ساعة الصفر، ولكن الله غالب على أمره، بيده ملكوت
السموات والأرض، يفعل ما يشاء، وهو يجير ولا يجـار عليه،
فقـد فعـل مـا خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما
بعد: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ
الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30].
*الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر بيته
:
وقد فشلت قريش في خطتهم فشلًا ذريعًا مع غاية التيقظ
والتنبه؛ إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت،
واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على
رءوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو:
{وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ
خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ
يُبْصِرُونَ} [يس:9]. فلم يبق منهم رجل إلا وقد
وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة
في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه
اليمن.
وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها
تجلت لهم الخيبة والفشل، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم،
ورآهم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا.
قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذر على رءوسكم
التراب، وانطلق لحاجته، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا
ينفضون التراب عن رءوسهم.
ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليًا، فقالوا: والله
إن هذا لمحمد نائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى
أصبحوا. وقام علىٌّ عن الفراش، فسقط في أيديهم، وسألوه
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا علم لي به.
*من الدار إلى الغار :
غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر
صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12/13 سبتمبر سنة 622م.
وأتى إلى دار رفيقه ـ وأمنّ الناس عليه في صحبته وماله ـ
أبي بكر رضي الله عنه. ثم غادر منزل الأخير من باب خلفي؛
ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشًا
سَتَجِدُّ في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار
لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسى المتجه شمالًا، فسلك
الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوب مكة،
والمتجه نحو اليمن، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ
إلى جبل يعرف بجبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب
المرتقى، ذو أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وقيل: بل كان يمشى في الطريق على أطراف قدميه
كى يخفي أثره فحفيت قدماه، وأيا ما كان فقد حمله أبو بكر
حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهي به إلى غار في
قمة الجبل عرف في التاريخ بغار ثور.
*إذ هما في الغار :
ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله لا تدخله حتى
أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد
في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان
فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في
حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك
مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دموعه
على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما لك
يا أبا بكر؟) قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فذهب ما يجده.
وكَمُنَا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت
وليلة الأحد. وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما.
قالت عائشة: وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن، فيُدْلِج من
عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا
يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط
الظلام، و [كان] يرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَة مولى
أبي بكر مِنْحَة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من
العشاء، فيبيتان في رِسْل ـ وهو لبن مِنْحَتِهما
ورَضيفِهما ـ حتى يَنْعِق بها عامر بن فُهَيْرَة بغَلَس،
يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث، وكان عامر بن
فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى
مكة ليُعَفي عليه.
أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله
صلى الله عليه وسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة. فأول ما
فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليًا، وسحبوه إلى الكعبة،
وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما.
ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر
وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا
لها: أين أبوك؟ قالت: لا أدرى والله أين أبي؟
فـرفع أبو جهل يـده ـ وكان فاحشًا خبيثًا ـ فلطم خـدها
لطمـة طـرح منها قرطها.
وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل
التي يمكن بها القبض على الرجلين، فوضعت جميع الطرق
النافذة من مكة [في جميع الجهات] تحت المراقبة المسلحة
الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل
كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنًا
من كان.
وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب،
وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون
جدوى وبغير عائدة.
وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على
أمره، روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال: كنت مع النبي
صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدام
القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره
رآنا. قال: (اسكت يا أبا بكر، اثنان، الله
ثالثهما)، وفي لفظ: (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله
ثالثهما).
وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم،
فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات
معدودة.
*في الطريق إلى المدينة :
وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت
ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون
جدوى، تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج
إلى المدينة.
وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُرَيْقِط الليثى، وكان
هاديًا خِرِّيتًا ـ ماهرًا بالطريق ـ وكان على دين كفار
قريش، وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار
ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلة الاثنين ـ
غرة ربيع الأول سنة 1هـ / 16 سبتمبر سنة 622م ـ جاءهما عبد
الله بن أريقط بالراحلتين، وكان قد قال أبو بكر للنبى صلى
الله عليه وسلم عند مشاورته في البيت: بأبي أنت يا رسول
الله، خذ إحدى راحلتى هاتين، وقرب إليه أفضلهما، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالثمن. وأتتهما أسماء بنت أبي
بكر رضي الله عنها بسُفْرَتِهما، ونسيت أن تجعل لها
عِصَامًا، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس لها
عصام، فشقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت
بالآخر فسميت: ذات النطاقين.
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله
عنه وارتحل معهما عامر بن فُهَيْرة، وأخذ بهم الدليل ـ عبد
الله بن أريقط ـ على طريق السواحل.
وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه
الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربًا نحو الساحل، حتى إذا وصل
إلى طريق لم يألفه الناس، اتجه شمالًا على مقربة من شاطئ
البحر الأحمر، وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا.
وقد ذكر ابن إسحاق المواضع التي مر بها رسول الله صلى الله
عليه وسلم في هذا الطريق، قال: لما خرج بهما الدليل سلك
بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق
أسفل من عُسْفَان، ثم سلك بهما على أسفل أمَج، ثم استجاز
بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قُدَيْدًا، ثم أجاز
بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الْخَرَّار، ثم سلك بهما
ثَنَّية الْمَرَّة، ثم سلك بهما لِقْفًا، ثم أجاز بهما
مَدْلَجَة لِقْف، ثم استبطن بهما مَدْلَجة مِجَاج، ثم سلك
بهما مَرْجِح مِجَاح، ثم تبطن بهما مَرْجِح من ذى
الغُضْوَيْن، ثم بطن ذى كَشْر، ثم أخذ بهما على
الْجَدَاجِد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن
أعدا مَدْلَجَة تِعْهِنَ، ثم على العَبَابيد، ثم أجاز بهما
الفَاجَة، ثم هبط بهما الْعَرْج، ثم سلك بهما ثنية
العَائِر ـ عن يمين رَكُوبة ـ حتى هبط بهما بطن رِئْم، ثم
قدم بهما على قُباء.
وهاك بعض ما وقع في الطريق
1ـ روى البخاري عن أبي بكر
الصديق رضي الله عنه قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى
قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا
صخرة طويلة، لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عنده،
وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانًا بيدى، ينام عليه،
وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك
ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل
بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت له:
لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة أو مكة.
قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب؟
قال: نعم. فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من التراب
والشعر والقَذَى، فحلب في قعب كُثْبة من لبن، ومعى إداوة
حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم، يرتوى منها، يشرب
ويتوضأ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه،
فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد
أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم
قال: (ألم يأن للرحيل؟) قلت: بلى، قال:
فارتحلنا.
2ـ وكان من دأب أبي بكر رضي
الله عنه أنه كان ردفًا للنبى صلى الله عليه وسلم، وكان
شيخًا يعرف، ونبى الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف،
فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا الرجل الذي بين
يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهدينى الطريق، فيحسب الحاسب
أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير.
3ـ وفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتى أم
مَعْبَد الخزاعية، وكان موقعهما بالمُشَلَّل من ناحية
قُدَيْد على بعد نحو 130 كيلو مترًا من مكة، وكانت أم معبد
امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة، ثم تطعم وتسقى من مر
بها، فسألاها: هل عندها شيء؟ فقالت: والله لو كان
عندنا شيء ما أعوزكم، القِرَى والشاء عازب، وكانت سَنَةٌ
شَهْباء.
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة،
فقال: (ما هذه الشاة يا أم معبد؟) قالت: شاة
خلفها الجهد عن الغنم، فقال: (هل بها من لبن؟)
قالت: هي أجهد من ذلك. فقال: (أتأذنين لى أن
أحلبها؟) قالت: نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبًا
فاحلبها. فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها،
وسمى الله ودعا، فتَفَاجَّتْ عليه ودَرَّتْ، فدعا بإناء
لها يَرْبِض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها،
فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه
ثانيًا، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا.
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن
هزلًا، فلما رأي اللبن عجب، فقال: من أين لك هذا؟
والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله إلا
أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا
وكذا، قال: أني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صِفِيه
لى يا أم معبد، فوصفته بصفاته الكريمة وصفًا بديعًا كأن
السامع ينظر إليه وهو أمامه ـ وسننقله في بيان صفاته صلى
الله عليه وسلم في أواخر الكتاب ـ فقال أبو معبد: والله
هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن
أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. وأصبح صوت بمكة
عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل:
جزى الله رب العرش خير جزائه ** رفيقين حَلاَّ خيمــتى أم
مَعْبـَــدِ
هـمـا نزلا بالبِـــرِّ وارتحــلا بــه ** وأفلح من أمسى
رفيق محمـــد
فيا لقُصَىّ مــا زَوَى الله عنكــم ** به من فعال لا
يُحَاذى وسُــؤْدُد
لِيَهْنِ بني كعـب مكــان فَتاتِهـــم ** ومقعدُهــا
للمؤمنـين بَمْرصَـــد
سَلُوا أختكم عن شاتهـا وإنائـهـا ** فإنكم إن تسألوا
الشـاة تَشْـهَـــد
قالت أسماء: ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات،
والناس يتبعونه ويسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من
أعلاها. قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة.
4ـ وتبعهما في الطريق سُرَاقة بن مالك. قال
سراقة: بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومى بني
مُدْلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال:
يا سراقة، أني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا
وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم
ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم
لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتى أن تخرج
فرسى، وهي من وراء أكَمَة، فتحبسها عَلَىَّ، وأخذت رمحى،
فخرجت به من ظهر البيت، فخَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرض،
وخَفَضْتُ عاليه، حتى أتيت فرسى فركبتها، فرَفَعْتُها
تُقَرِّب بى حتى دنوت منهم، فعَثَرَتْ بى فرسى فخررت عنها،
فقمت، فأهويت يدى إلى كنانتى، فاستخرجت منها الأزلام،
فاستقسمت بها، أضُرُّهُمْ أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت
فرسي ـ وعصيت الأزلام ـ تُقَرّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يلتفت، وأبو بكر
يكثر الالتفات ـ سَاخَتْ يدا فرسى في الأرض حتى بلغتا
الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تَكَدْ تخرج
يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في
السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره،
فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع في
نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمْرُ رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك
الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم
الزاد والمتاع فلم يَرْزَأني، ولم يسألأني إلا أن قال:
(أَخْفِ عنا)، فسألته أن يكتب لى كتاب أمْنٍ، فأمر
عامر بن فُهَيْرة، فكتب لى في رقعة من أدم، ثم مضى رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية عن أبي بكر قال: ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم
يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك بن جُعْشُم، على فرس
له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، فقال:
{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}
[التوبة:40].
ورجع سراقة فوجد الناس في الطلب فجعل يقول: قد استبرأت
لكم الخبر، قد كفيتم ما ها هنا. وكان أول النهار جاهدًا
عليهما، وآخره حارسًا لهما.
5 ـ وفي الطريق لقى النبي صلى الله عليه وسلم
بُريْدَة بن الحُصَيْب الأسلمى ومعه نحو ثمانين بيتًا،
فأسلم وأسلموا، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء
الآخرة فصلوا خلفه، وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحُد.
وعن عبد الله بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يتفاءل ولا يتطير، فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته
من بني سهم، فلقى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له:
(ممن أنت؟) قال: من أسلم، فقال: لأبي بكر:
سلمنا، ثم قال: (مِنْ بني مَنْ؟) قال: من بني
سهم. قال: (خرج سهمك)
6ـ ومر رسول الله صلى الله
عليه وسلم بأبي أوْس تميم بن حَجَر أو بأبي تميم أوس بن
حجر الأسلمى، بقحداوات بين الجُحْفَة وهَرْشَى ـ بالعرج ـ
وكان قد أبطأ عليه بعض ظهره، فكان هو وأبو بكر على جمل
واحد، فحمله أوس على فحل من إبله، وبعث معهما غلامًا له
اسمه مسعود، وقال: اسلك بهما حيث تعلم من محارم الطريق
ولا تفارقهما، فسلك بهما الطريق حتى أدخلهما المدينة، ثم
رد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسعودًا إلى سيده، وأمره
أن يأمر أوسًا أن يسم إبله في أعناقها قيد الفرس، وهو
حلقتان، ومد بينهما مدًا، فهي سمتهم. ولما أتى المشركون
يوم أحد أرسل أوس غلامه مسعود بن هُنَيْدَة من العَرْج على
قدميه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بهم. ذكره
ابن مَاكُولا عن الطبرى، وقد أسلم بعد قدوم رسول الله صلى
الله عليه وسلم المدينة، وكان يسكن العرج.
7ـ وفي الطريق ـ في بطن رِئْم ـ لقى رسول الله صلى
الله عليه وسلم الزبير، وهو في ركب من المسلمين، كانوا
تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبا بكر ثيابًا بياضًا.
* النزول بقباء:
وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة ـ وهي
السنة الأولى من الهجرة ـ الموافق 23 سبتمبر سنة 622م نزل
رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء.
قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى
الحَرَّة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا
بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أَوْفي رجل
من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم
السراب، فلم يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته: يا معاشر
العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى
السلاح. وتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر
الحرة.
قال ابن القيم: وسُمِعت الوَجْبَةُ والتكبير في بني عمرو
بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه،
فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله،
والسكينة تغشاه، والوحى ينزل عليه: {فَإِنَّ اللَّهَ
هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}
[التحريم:4].
قال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن
عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر
للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا، فطفق من
جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم
يحىى ـ وفي نسخة: يجىء ـ أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه
بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند
ذلك.
وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يومًا مشهودًا
لم تشهد المدينة مثله في تاريخها، وقد رأي اليهود صدق
بشارة حَبْقُوق النبي: إن الله جاء من التيمان، والقدوس
من جبال فاران.
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن
الهدم، وقيل: بل على سعد بن خَيْثَمَة، والأول أثبت.
ومكث على بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاثًا حتى أدى عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده
للناس، ثم هاجر ماشيًا على قدميه حتى لحقهما بقباء، ونزل
على كلثوم بن الهَدْم.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام:
الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. وأسس مسجد قباء
وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما
كان اليوم الخامس ـ يوم الجمعة ـ ركب بأمر الله له، وأبو
بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار ـ أخواله ـ فجاءوا متقلدين
سيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني
سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادى،
وكانوا مائة رجل.
*الدخول في المدينة :
ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة حتى دخل
المدينة ـ ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى
الله عليه وسلم، ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا ـ وكان يومًا
مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد
والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور:
طـلـع الــبـدر عـلـينا **مـن ثـنيــات الـوداع
وجـب الشـكـر علـينا ** مـــا دعــا لـلـه داع
أيـهـا المبــعــوث فـينا ** جـئـت بـالأمـر المطاع
والأنصار وإن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد
منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عليه،
فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته:
هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم:
(خلوا سبيلها فإنها مأمورة)، فلم تزل سائرة به حتى
وصلت إلى موضع المسجد النبوى اليوم فبركت، ولم ينزل عنها
حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها
الأول، فنزل عنها، وذلك في بني النجار ـ أخواله صلى الله
عليه وسلم ـ وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أن ينزل على
أخواله، يكرمهم بذلك، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى
الله عليه وسلم في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصارى
إلى رحـله، فأدخله بيته،فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: (المرء مع رحله)، وجـاء أسعد بن زرارة فأخـذ
بزمام راحلته، فكانت عنــده.
وفي رواية أنس عند البخاري، قال نبى الله صلى الله عليه
وسلم: (أي بيوت أهلنا أقرب؟) فقال أبو أيوب: أنا
يا رسول الله، هذه دارى، وهذا بأبي. قال: (فانطلق
فهيئ لنا مقيلًا)، قال: قوما على بركة الله.
وبعد أيام وصلت إليه زوجته سَوْدَة، وبنتاه فاطمة وأم
كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن
أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي
العاص، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر.
قالت عائشة: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فكان
بُطْحَان يجرى نَجْلًا، أي ماءً آجِنًا.
وقالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة
وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف
تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا
أخذته الحُمَّى يقول:
كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ** والموت أدنى من شِرَاك
نَعْلِه
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شِعْرِى هل أبيتَنَّ ليلة ** بـوَادٍ وحـولى
إذْخِرٌ وجَلِيـــلُ
وهل أردْن يومــًا ميـاه مِجَنَّة ** وهل يَبْدُوَنْ لى
شامة وطَفِيلُ
قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فأخبرته، فقال: (اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن
ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض
الوباء). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها،
وبارك في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها
بالجُحْفَة).
وقد استجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم، فأرى في المنام
أن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت
بالمَهْيَعَة، وهي الجحفة. وكان ذلك عبارة عن نقل وباء
المدينة إلى الجحفة، وبذلك استراح المهاجرون عما كانوا
يعانونه من شدة مناخ المدينة.
إلى هنا انتهي بيان قسم من حياته
صلى الله عليه وسلم بعد النبوة، وهو العهد المكى. وفيما
يلى نقدم بالإيجاز عهده المدنى صلى الله عليه وسلم.
وبالله التوفيق.
العهد المدني عهد
الدعوة والجهاد والنجاح
*مراحل الدعوة والجهاد في العهد المدني
:
يمكن تقسيم العهد المدني إلى ثلاث مراحل:
1 ـ مرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي، وتمكين الدعوة
الإسلامية، وقد أثيرت في هذه المرحلة القلاقل والفتن من
الداخل، وزحف فيها الأعداء من الخارج؛ ليستأصلوا شأفة
المسلمين، ويقلعوا الدعوة من جذورها. وقد انتهت هذه
المرحلة بتغلب المسلمين وسيطرتهم على الموقف مع عقد صلح
الحديبية في ذى القعدة سنة ست من الهجرة.
2 ـ مرحلة الصلح مع العدو الأكبر، والفراغ لدعوة
ملوك الأرض إلى الإسلام، وللقضاء على أطراف المؤامرات.
وقد انتهت هذه المرحلة بفتح مكة المكرمة في رمضان سنة ثمان
من الهجرة.
3 ـ مرحلة استقبال الوفود، ودخول الناس في دين الله
أفواجًا. وقد امتدت هذه المرحلة إلى وفاة الرسول صلى
الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة.
*سكان المدينة وأحوالهم عند الهجرة :
لم يكن معنى الهجرة التخلص والفرار من الفتنة فحسب، بل
كانت الهجرة تعنى مع هذا تعاونًا على إقامة مجتمع جديد في
بلد آمن، ولذلك أصبح فرضًا على كل مسلم يقدر على الهجرة أن
يهاجر ويسهم في بناء هذا الوطن الجديد، ويبذل جهده في
تحصينه ورفعة شأنه.
ولاشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام
والقائد والهادى في بناء هذا المجتمع، وكانت إليه أزمة
الأمور بلا نزاع.
والذين قابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة
كانوا على ثلاثة أصناف، يختلف أحوال كل واحد منها بالنسبة
إلى الآخر اختلافًا واضحًا، وكان يواجه بالنسبة إلى كل صنف
منها مسائل عديدة غير المسائل التي كان يواجهها بالنسبة
إلى الآخر.
وهذه الأصناف الثلاثة هي:
1 ـ أصحابه الصفوة الكرام البررة رضي
الله عنهم.
2 ـ المشركون الذين لم يؤمنوا بعد، وهم من صميم قبائل
المدينة.
3 ـ اليهــود.
أ ـ والمسائل التي كان
يواجهها بالنسبة إلى أصحابه هو أن ظروف المدينة بالنسبة
إليهم كانت تختلف تمامًا عن الظروف التي مروا بها في مكة،
فهم في مكة وإن كانت تجمعهم كلمة جامعة وكانوا يستهدفون
هدفًا واحدًا، إلا أنهم كانوا متفرقين في بيوتات شتى،
مقهورين أذلاء مطرودين، لم يكن لهم من الأمر شيء، وإنما
كان الأمر بيد أعدائهم في الدين، فلم يكن هؤلاء المسلمون
يستطيعون أن ينشئوا مجتمعًا إسلاميًا جديدًا بمواده التي
لا يستغنى عنها أي مجتمع إنسإني في العالم؛ ولذلك نرى
السور المكية تقتصر على تفصيل المبادئ الإسلامية، وعلى
التشريعات التي يمكن العمل بها لكل فرد وحده، وعلى الترغيب
في البر والخير ومكارم الأخلاق والترهيب عن الرذائل
والدنايا.
أما في المدينة فكان أمر المسلمين بأيديهم منذ أول يوم،
ولم يكن يسيطر عليهم أحد من الناس، وهذا يعنى أنهم قد آن
لهم أن يواجهوا مسائل الحضارة والعمران، والمعيشة
والاقتصاد، والسياسة والحكومة، والسلم والحرب، وأن تفصل
لهم مسائل الحلال والحرام، والعبادة والأخلاق، وما إلى ذلك
من شئون الحياة.
أي آن للمسلمين أن يكونوا مجتمعًا إسلاميًا يختلف في جميع
مراحل الحياة عن المجتمع الجاهلي، ويمتاز عن أي مجتمع يوجد
في العالم الإنساني، ويكون ممثلًا للدعوة الإسلامية التي
عانى لها المسلمون ألوانًا من النكال والعذاب طيلة عشر
سنوات.
ولا يخفي أن تكوين أي مجتمع على هذا النمط لا يمكن أن
يستتب في يوم واحد، أو شهر واحد، أو سنة واحدة، بل لابد له
من زمن طويل يتكامل فيه التشريع والتقنين والتربية
والتثقيف والتدريب والتنفيذ شيئًا فشيئًا، وكان الله
كفيلًا بهذا التشريع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
قائمًا بتنفيذه والإرشاد إليه، وبتربية المسلمين وتزكيتهم
وفق ذلك {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ
رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2].
وكان الصحابة رضي الله عنهم مقبلين عليه بقلوبهم،يتحلون
بأحكامه،ويستبشرون بها {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2].
وليس تفصيل هذه المسائل كلها من مباحث موضوعنا، فنقتصر
منها على قدر الحاجة.
وكان هذا أعظم ما واجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالنسبة للمسلمين، وهو الهدف الأسمى والمطلب النبيل
المقصود من الدعوة الإسلامية والرسالة المحمدية، ومعلوم
أنه ليس بقضية طارئة تطلب الاستعجال، بل هي قضية أصيلة
تحتاج إلى آجال. نعم، كانت هناك قضايا طارئة تطلب الحل
العاجل والحكيم، أهمها أن المسلمين كانوا على قسمين:
قسم كانوا في أرضهم وديارهم وأموالهم، لا يهمهم من ذلك إلا
ما يهم الرجل وهو آمن في سِرْبِـه، وهم الأنصار، وكان
بينهم تنافر مستحكم وعداء مزمن منذ أمد بعيد.
وقسم آخر فاتهم كل ذلك، ونجوا بأنفسهم إلى المدينة، وهم
المهاجرون، فلم يكن لهم ملجأ يأوون إليه، ولا عمل يكسبون
به ما يسد حاجتهم، ولا مال يبلغون به قَوَامًا من العيش،
وكان عدد هؤلاء اللاجئين غير قليل، ثم كانوا يزيدون يومًا
فيوما؛ إذ كان قد أوذن بالهجرة لكل من آمن بالله ورسوله.
ومعلوم أن المدينة لم تكن على ثروة طائلة فتزعزع ميزانها
الاقتصادى، وفي هذه الساعة الحرجة قامت القوات المعادية
للإسلام بشبه مقاطعة اقتصادية، قَلَّت لأجلها المستوردات
وتفاقمت الظروف.
ب ـ أما القوم الثاني ـ وهم
المشركون من صميم قبائل المدينة ـ فلم تكن لهم سيطرة على
المسلمين، وكان منهم من يتخالجه الشكوك ويتردد في ترك دين
الآباء، ولكن لم يكن يبطن العداوة والكيد ضد الإسلام
والمسلمين، ولم تمض عليهم مدة طويلة حتى أسلموا وأخلصوا
دينهم لله.
وكان فيهم من يبطن شديد الإحن والعداوة ضد رسول الله صلى
الله عليه وسلم والمسلمين، ولكن لم يكن يستطيع أن يناوئهم،
بل كان مضطرًا إلى إظهار الودّ والصفاء نظرًا إلى الظروف،
وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي، فقد كانت الأوس والخزرج
اجتمعوا على سيادته بعد حرب بُعَاث ـ ولم يكونوا اجتمعوا
على سيادة أحد قبله ـ وكانوا قد نظموا له الخَرْز،
ليُتَوِّجُوه ويُمَلّكُوه، وكان على وشك أن يصير ملكًا على
أهل المدينة إذ بوغت بمجىء رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وانصراف قومه عنه إليه، فكان يرى أنه استلبه الملك، فكان
يبطن شديد العداوة ضده، ولما رأي أن الظروف لا تساعده على
شركه، وأنه سوف يحرم بقايا العز والشرف وما يترتب عليهما
من منافع الحياة الدنيا أظهر الإسلام بعد بدر، ولكن بقى
مستبطنًا الكفر، فكان لا يجد مجالًا يكيد فيه برسول الله
صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين إلا ويأتيه، وكان أصحابه ـ
من الرؤساء الذين حرموا المناصب المرجوة في ملكه ـ
يساهمونه ويدعمونه في تنفيذ خططه، وربما كانوا يتخذون بعض
الشباب وسذجة المسلمين عميلًا لتنفيذ خطتهم من حيث لا
يشعر.
جـ ـ أما القوم الثالث ـ وهم
اليهود ـ فإنهم كانوا قد انحازوا إلى الحجاز زمن الاضطهاد
الأشورى والروماني كما أسلفنا، وكانوا في الحقيقة
عبرانيين، ولكن بعد الانسحاب إلى الحجاز اصطبغوا بالصبغة
العربية في الزى واللغة والحضارة، حتى صارت أسماؤهم وأسماء
قبائلهم عربية، وحتى قامت بينهم وبين العرب علاقة الزواج
والصهر، إلا أنهم احتفظوا بعصبيتهم الجنسية، ولم يندمجوا
في العرب قطعًا، بل كانوا يفتخرون بجنسيتهم الإسرائيلية ـ
اليهودية ـ وكانوا يحتقرون العرب احتقارًا بالغًا وكانوا
يرون أن أموال العرب مباحة لهم، يأكلونها كيف شاءوا، قال
تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ
بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن
تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا
دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ
لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل
عمران: 75]. ولم يكونوا متحمسين في نشر دينهم، وإنما
جل بضاعتهم الدينية هي: الفأل والسحر والنفث والرقية
وأمثالها، وبذلك كانوا يرون أنفسهم أصحاب علم وفضل وقيادة
روحانية.
وكانوا مَهَرَةً في فنون الكسب والمعيشة، فكانت في أيديهم
تجارة الحبوب والتمر والخمر والثياب، كانوا يستوردون
الثياب والحبوب والخمر، ويصدرون التمر، وكانت لهم أعمال من
دون ذلك هم لها عاملون، فكانوا يأخذون المنافع من عامة
العرب أضعافًا مضاعفة، ثم لم يكونوا يقتصرون على ذلك، بل
كانوا أكالين للربا، يعطون القروض الطائلة لشيوخ العرب
وساداتهم؛ ليكسبوا بها مدائح الشعراء والسمعة الحسنة بين
الناس بعد إنفاقها من غير جدوى ولا طائلة، وكانوا يرتهنون
لها أرض هؤلاء الرؤساء وزروعهم وحوائطهم، ثم لا يلبثون إلا
أعوامًا حتى يتملكونها.
وكانوا أصحاب دسائس ومؤامرات وعتو وفساد؛ يلقون العداوة
والشحناء بين القبائل العربية المجاورة، ويغرون بعضها على
بعض بكيد خفي لم تكن تشعره تلك القبائل، فكانت تتطاحن في
حروب، ولم تكد تنطفئ نيرانها حتى تتحرك أنامل اليهود مرة
أخرى لتؤججها من جديد. فإذا تم لهم ذلك جلسوا على حياد
يرون نتائج هذا التحريض والإغراء، ويستلذون بما يحل بهؤلاء
المساكين ـ العرب ـ من التعاسة والبوار، ويزودونهم بقروض
ثقيلة ربوية حتى لا يحجموا عن الحرب لعسر النفقة. وبهذا
التدبير كانوا يحصلون على فائدتين كبيرتين: هما الاحتفاظ
على كيانهم اليهودى، وإنفاق سوق الربا؛ ليأكلوه أضعافًا
مضاعفة، ويكسبوا ثروات طائلة.
وكانت في يثرب منهم ثلاث قبائل
مشهورة:
1ـ بنو قَيْنُقَاع : وكانوا حلفاء
الخزرج، وكانت ديارهم داخل المدينة.
2ـ بنو النَّضِير: وكانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم
بضواحى المدينة.
3ـ بنو قُرَيْظة: وكانوا حلفاء الأوس، وكانت ديارهم
بضواحى المدينة.
وهذه القبائل هي التي كانت تثير الحروب بين الأوس والخزرج
منذ أمد بعيد، وقد ساهمت بأنفسها في حرب بُعَاث، كل مع
حلفائها.
وطبعًا فإن اليهود لم يكن يرجى منهم أن ينظروا إلى الإسلام
إلا بعين البغض والحقد؛ فالرسول لم يكن من أبناء جنسهم حتى
يُسَكِّن جَأْشَ عصبيتهم الجنسية التي كانت مسيطرة على
نفسياتهم وعقليتهم، ودعوة الإسلام لم تكن إلا دعوة صالحة
تؤلف بين أشتات القلوب، وتطفئ نار العداوة والبغضاء، وتدعو
إلى التزام الأمانة في كل الشئون، وإلى التقيد بأكل الحلال
من طيب الأموال، ومعنى كل ذلك أن قبائل يثرب العربية
ستتآلف فيما بينها، وحينئذ لابد من أن تفلت من براثن
اليهود، فيفشل نشاطهم التجارى، ويحرمون أموال الربا الذي
كانت تدور عليه رحى ثروتهم، بل يحتمل أن تتيقظ تلك
القبائل، فتدخل في حسابها الأموال الربوية التي أخذتها
اليهود، وتقوم بإرجاع أرضها وحوائطها التي أضاعتها إلى
اليهود في تأدية الربا.
كان اليهود يدخلون كل ذلك في حسابهم منذ عرفوا أن دعوة
الإسلام تحاول الاستقرار في يثرب؛ ولذلك كانوا يبطنون أشد
العداوة ضد الإسلام، وضد رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ
أن دخل يثرب، وإن كانوا لم يتجاسروا على إظهارها إلا بعد
حين.
ويظهر ذلك جليًا بما رواه ابن إسحاق عن أم المؤمنين صفية
رضي الله عنها قال ابن إسحاق: حدثت عن صفية بنت حيي بن
أخطب أنها قالت: كنت أحَبَّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي
ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذإني دونه.
قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة
ونزل قباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي؛ حيى بن أخطب،
وعمى أبو ياسر بن أخطب مُغَلِّسِين، قالت: فلم يرجعا حتى
كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كَالَّيْن كسلانين
ساقطين يمشيان الهُوَيْنَى. قالت: فهششت إليهما كما
كنت أصنع، فوالله ما التفت إلىَّ واحد منهما، مع ما بهما
من الغم. قالت: وسمعت عمى أبا ياسر، وهو يقول لأبي حيي
بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه
وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال:
عداوته والله ما بقيت.
ويشهد بذلك أيضًا ما رواه البخاري في إسلام عبد الله بن
سَلاَم رضي الله عنه فقد كان حبرًا من فطاحل علماء اليهود،
ولما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في
بني النجار جاءه مستعجلًا، وألقى إليه أسئلة لا يعلمها إلا
نبى، ولما سمع ردوده صلى الله عليه وسلم عليها آمن به
ساعته ومكانه، ثم قال له: إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن
علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتُونِى عندك، فأرسل رسول
الله صلى الله عليه وسلم فجاءت اليهود، ودخل عبد الله بن
سلام البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي
رجل فيكم عبد الله بن سلام؟) قالوا: أعلمنا وابن
أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا ـ وفي لفظ: سيدنا وابن
سيدنا. وفي لفظ آخر: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن
أفضلنا ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفرأيتم
إن أسلم عبد الله؟) فقالوا: أعاذه الله من ذلك
(مرتين أو ثلاثا)، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد
أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، قالوا:
شرّنا وابن شرّنا، ووقعوا فيه. وفي لفظ: فقال: يا
معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم
لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق. فقالوا: كذبت.
وهذه أول تجربة تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من
اليهود في أول يوم دخل فيه المدينة.
وهذه هي الظروف والقضايا الداخلية التي واجهها الرسول صلى
الله عليه وسلم حين نزل بالمدينة.
أما من ناحية الخارج فكان يحيط بها من يدين بدين قريش،
وكانت قريش ألـد عـدو للإسلام والمسلمين، جربت عليهم طوال
عشرة أعوام ـ حينما كان المسلمون تحت أيديها ـ كل أساليب
الإرهاب والتهديد والمضايقة والتعذيب، والمقاطعة والتجويع،
وأذاقتهم التنكيلات والويلات، وشنت عليهم حربًا نفسية
مضنية مع دعاية واسعة منظمة، ولما هاجر المسلمون إلى
المدينة صادرت أرضهم وديارهم وأموالهم، وحالت بينهم وبين
أزواجهم وذرياتهم، بل حبست وعذبت من قدرت عليه، ولم تقتصر
على هذا، بل تآمرت على الفتك بصاحب الدعوة صلى الله عليه
وسلم، والقضاء عليه وعلى دعوته، ولم تَأْلُ جهدًا في تنفيذ
هذه المؤامرة. فكان من الطبيعى جدًا، حينما نجا المسلمون
منها إلى أرض تبعد نحو خمسمائة كيلو متر، أن تقوم بدورها
السياسى والعسكرى، لما لها من الصدارة الدنيوية والزعامة
الدينية بين أوساط العرب بصفتها ساكنة الحرم ومجاورة بيت
الله وسدنته، وتغرى غيرها من مشركي الجزيرة ضد أهل
المدينة، وفعلًا قامت بذلك كله حتى صارت المدينة محفوفة
بالأخطار، وفي شبه مقاطعة شديدة قَلَّتْ لأجلها
المستوردات، في حين كان عدد اللاجئين إليها يزيد يومًا بعد
يوم، وبذلك كانت [حالة الحرب] قائمة بين هؤلاء الطغاة
من أهل مكة ومن دان دينهم، وبين المسلمين في وطنهم
الجديد.
وكان من حق المسلمين أن يصادروا أموال هؤلاء الطغاة كما
صودرت أموالهم، وأن يديلوا عليهم من التنكيلات بمثل ما
أدالوا بها، وأن يقيموا في سبيل حياتهم العراقيل كما
أقاموها في سبيل حياة المسلمين، وأن يكيلوا لهؤلاء الطغاة
صاعًا بصاع حتى لا يجدوا سبيلًا لإبادة المسلمين واستئصال
خضرائهم.
وهذه هي القضايا والمشاكل الخارجية التي واجهها رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعدما ورد المدينة، وكان عليه أن
يعالجها بحكمة بالغة حتى يخرج منها مكللًا بالنجاح.
وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعالجة كل القضايا
أحسن قيام، بتوفيق من الله وتأييده، فعامل كل قوم بما
كانوا يستحقونه من الرأفة والرحمة أو الشدة والنكال،وذلك
بجانب قيامه بتزكية النفوس وتعليم الكتاب والحكمة، ولا شك
أن جانب التزكية والتعليم والرأفة والرحمة كان غالبًا على
جانب الشدة والعنت ـ حتى عاد الأمر إلى الإسلام وأهله في
بضع سنوات، وسيجد القارئ كل ذلك جليًا في الصفحات
الآتية.
يتبع
*المرحلة
الأولى: بناء مجتمع جديد :
قد أسلفنا أن نزول رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالمدينة
في بني النجار كان يوم الجمعة
[12 ربيع الأول سنة 1 هـ/
الموافق 27 سبتمبر سنة
622م]، وأنه نزل في أرض
أمام دار أبي أيوب، وقال:
(هاهنا المنزل إن شاء
الله)، ثم انتقل إلى بيت
أبي أيوب رضي الله عنه
*بناء
المسجد النبوي :
وأول خطوة خطاها رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعد ذلك
هو بناء المسجد النبوي،
واختار له المكان الذي بركت
فيه ناقته صلى الله عليه
وسلم، فاشتراه من غلامين
يتيمين كانا يملكانه، وأسهم
في بنائه بنفسه، فكان ينقل
اللبِن والحجارة ويقول:
(اللهم لا عَيْشَ إلا
عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ
للأنصار والمُهَاجِرَة)
وكان يقول:
(هذا الحِمَالُ لا حِمَال
خَيْبَر ** هــذا أبـَــرُّ
رَبَّنَا وأطْـهَر)
وكان ذلك مما يزيد نشاط
الصحابة في العمل، حتى إن
أحدهم ليقول:
لئن قَعَــدْنا والنبي
يَعْمَل ** لـذاك مِــنَّا
العَمَــلُ المُضَلَّل
وكانت في ذلك المكان قبور
للمشركين، وكان فيه خرب ونخل
وشجرة من غَرْقَد، فأمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم
بقبور المشركين فنبشت،
وبالخَرِب فسويت، وبالنخل
والشجرة فقطعت، وصفت في قبلة
المسجد، وكانت القبلة إلى بيت
المقدس، وجعلت عضادتاه من
حجارة، وأقيمت حيطانه من
اللبن والطين، وجعل سقفه من
جريد النخل، وعُمُده الجذوع،
وفرشت أرضه بالرمال والحصباء،
وجعلت له ثلاثة أبواب، وطوله
مما يلى القبلة إلى مؤخره
مائة ذراع، والجانبان مثل ذلك
أو دونه، وكان أساسه قريبًا
من ثلاثة أذرع.
وبني بجانبه بيوتًا بالحجر
واللبن، وسقفها بالجريد
والجذوع، وهي حجرات أزواجه
صلى الله عليه وسلم، وبعد
تكامل الحجرات انتقل إليها من
بيت أبي أيوب.
ولم يكن المسجد موضعًا لأداء
الصلوات فحسب، بل كان جامعة
يتلقى فيها المسلمون تعاليم
الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى
تلتقى وتتآلف فيه العناصر
القبلية المختلفة التي طالما
نافرت بينها النزعات الجاهلية
وحروبها، وقاعدة لإدارة جميع
الشئون وبث الانطلاقات،
وبرلمان لعقد المجالس
الاستشارية والتنفيذية.
وكان مع هذا كله دارًا يسكن
فيها عدد كبير من فقراء
المهاجرين اللاجئين الذين لم
يكن لهم هناك دار ولا مال ولا
أهل ولا بنون.
وفي أوائل الهجرة شرع الأذان،
تلك النغمة العلوية التي تدوى
في الآفاق، وتهز أرجاء
الوجود، تعلن كل يوم خمس مرات
بأن لا إله إلا الله وأن
محمدًا رسول الله، وتنفي كل
كبرياء في الكون وكل دين في
الوجود، إلا كبرياء الله،
والدين الذي جاء به عبده محمد
رسول الله. وقد تشرف برؤيته
في المنام أحد الصحابة
الأخيار عبد الله بن زيد بن
عبد ربه رضي الله عنه فأقره
النبي صلى الله عليه وسلم وقد
وافقت رؤياه رؤيا عمر بن
الخطاب رضي الله عنه فأقره
النبي صلى الله عليه وسلم،
والقصة بكاملها مروية في كتب
السنة والسيرة.
*المؤاخاة
بين المسلمين :
ثم إن النبي صلى الله عليه
وسلم بجانب قيامه ببناء
المسجد: مركز التجمع
والتآلف، قام بعمل آخر من
أروع ما يأثره التاريخ، وهو
عمل المؤاخاة بين المهاجرين
والأنصار، قال ابن القيم:
ثم أخي رسول الله صلى الله
عليه وسلم بين المهاجرين
والأنصار في دار أنس بن مالك،
وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من
المهاجرين، ونصفهم من
الأنصار، أخي بينهم على
المواساة، ويتوارثون بعد
الموت دون ذوى الأرحام إلى
حين وقعة بدر، فلما أنزل الله
عز وجل: {وَأُوْلُواْ
الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ}
[الأنفال: 75] رد
التوارث إلى الرحم دون عقد
الأخوة.
وقد قيل: إنه أخي بين
المهاجرين بعضهم مع بعض
مؤاخاة ثانية... والثبت
الأول، والمهاجرون كانوا
مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة
الدار وقرابة النسب عن عقد
مؤاخاة فيما بينهم، بخلاف
المهاجرين مع الأنصار.
اهـ.
ومعنى هذا الإخاء أن تذوب
عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق
النسب واللون والوطن، فلا
يكون أساس الولاء والبراء إلا
الإسلام.
وقد امتزجت عواطف الإيثار
والمواساة والمؤانسة وإسداء
الخير في هذه الأخوة، وملأت
المجتمع الجديد بأروع
الأمثال.
روى البخاري: أنهم لما
قدموا المدينة أخي رسول الله
صلى الله عليه وسلم بين عبد
الرحمن وسعد ابن الربيع، فقال
لعبد الرحمن: إني أكثر
الأنصار مالًا، فاقسم مالى
نصفين، ولى امرأتان، فانظر
أعجبهما إليك فسمها لي،
أطلقها، فإذا انقضت عدتها
فتزوجها، قال: بارك الله لك
في أهلك ومالك، وأين سوقكم؟
فدلوه على سوق بني قينقاع،
فما انقلب إلا ومعه فضل من
أقِطٍ وسَمْنٍ، ثم تابع
الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر
صُفْرَة، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم:
(مَهْيَمْ؟) قال:
تزوجت. قال: (كم سقت
إليها؟) قال: نواة من
ذهب.
وروى عن أبي هريرة قال:
قالت الأنصار للنبى صلى الله
عليه وسلم: اقسم بيننا وبين
إخواننا النخيل. قال:
(لا)، فقالوا: فتكفونا
المؤنة ونشرككم في الثمرة.
قالوا: سمعنا وأطعنا.
وهذا يدلنا على ما كان عليه
الأنصار من الحفاوة البالغة
بإخوانهم المهاجرين، ومن
التضحية والإيثار والود
والصفاء، وما كان عليه
المهاجرون من تقدير هذا الكرم
حق قدره، فلم يستغلوه ولم
ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم
أودهم.
وحقًا فقد كانت هذه المؤاخاة
حكمةً فذةً، وسياسةً حكيمةً،
وحلًا رشيدًا لكثير من
المشاكل التي كان يواجهها
المسلمون، والتي أشرنا
إليها.
*ميثاق
التحالف الإسلامي :
وكما قام رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعقد هذه المؤاخاة
بين المؤمنين، قام بعقد
معاهدة أزاح بها ما كان بينهم
من حزازات في الجاهلية، وما
كانوا عليه من نزعات قبلية
جائرة، واستطاع بفضلها إيجاد
وحدة إسلامية شاملة.
وفيما يلى
بنودها ملخصًا:
هذا كتاب من محمد النبي صلى
الله عليه وسلم بين المؤمنين
والمسلمين من قريش ويثرب، ومن
تبعهم فلحق بهم، وجاهد
معهم:
1ـ إنهم
أمة واحدة من دون الناس.
2ـ
المهاجرون من قريش على
رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم،
وهم يَفْدُون عَانِيهم
بالمعروف والقسط بين
المؤمنين، وكل قبيلة من
الأنصار على ربعتهم يتعاقلون
معاقلهم الأولى، وكل طائفة
منهم تفدى عانيها بالمعروف
والقسط بين المؤمنين.
3ـ وإن المؤمنين لا يتركون
مُفْرَحًابينهم أن
يعطوه بالمعروف في فداء أو
عقل.
4ـ وإن المؤمنين المتقين
على من بغى منهم، أو ابتغى
دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان
أو فساد بين المؤمنين.
5ـ وإن أيديهم عليه جميعًا،
ولو كان ولد أحدهم.
6ـ ولا يقتل مؤمن مؤمنا في
كافر.
7ـ ولا ينصر كافرًا على
مؤمن.
8 ـ وإن ذمة الله واحدة يجير
عليهم أدناهم.
9ـ وإن من تبعنا من يهود
فإن له النصر والأسوة، غير
مظلومين ولا متناصرين
عليهم.
10ـ وإن سلم المؤمنين واحدة؛
لا يسالم مؤمن دون مؤمن في
قتال في سبيل الله إلا على
سواء وعدل بينهم.
11 ـ وإن المؤمنين يبيء بعضهم
على بعض بما نال دماءهم في
سبيل الله.
12 ـ وإنه لا يجير مشرك مالًا
لقريش ولا نفسًا، ولا
يحول دونه على مؤمن.
13 ـ وإنه من اعتبط مؤمنًا
قتلًا عن بينة فإنه
قود به إلا أن يرضى ولي
المقتول.
14 ـ وإن المؤمنين عليه كافة،
ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
15 ـ وإنه لا يحل لمؤمن أن
ينصر محدثًا ولا
يؤويه، وأنه من نصره أو آواه
فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم
القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْف
ولا عَدْل.
16 ـ وإنكم مهما اختلفـتم فيه
من شيء، فإن مرده إلى
الله ـ عز وجل ـ وإلى محمـد
صلى الله عليه وسلم.
*أثر
المعنويات في المجتمع :
بهذه الحكمة وبهذا التدبير
أرسى رسول الله صلى الله عليه
وسلم قواعد مجتمع جديد، كانت
صورته الظاهرة بيانا وآثارًا
للمعاني التي كان يتمتع بها
أولئك الأمجاد بفضل صحبة
النبي صلى الله عليه وسلم،
وكان النبي صلى الله عليه
وسلم يتعهدهم بالتعليم
والتربية، وتزكية النفوس،
والحث على مكارم الأخلاق،
ويؤدبهم بآداب الود والإخاء
والمجد والشرف والعبادة
والطاعة.
سأله رجل: أي الإسلام
خير؟ قال: (تطعم
الطعام، وتقرئ السلام على من
عرفت ومن لم تعرف).
قال عبد الله بن سلام: لما
قدم النبي صلى الله عليه وسلم
المدينة جئت، فلما تبينت
وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه
كذاب، فكان أول ما قال:
(يا أيها الناس، أفشوا
السلام، وأطعموا الطعام،
وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل
والناس نيام، تدخلوا الجنة
بسلام)
وكان يقول: (لا يدخل
الجنة من لا يأمن جاره
بوائقه)
ويقول: (المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده)
ويقول: (لا يؤمن أحدكم
حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه)
ويقول: (المؤمنون كرجل
واحد، إن اشتكى عينه اشتكى
كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى
كله).
ويقول: (المؤمن للمؤمن
كالبنيان يشد بعضه بعضاً)
ويقول: (لا تباغضوا، ولا
تحاسدون، ولا تدابروا، وكونوا
عباد الله إخواناً، ولا يحل
لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة
أيام). ويقول: (المسلم أخو
المسلم لا يظلمه ولا يسلمه،
ومن كان في حاجة أخيه كان
الله في حاجته، ومن فرج عن
مسلم كربة فرج الله عنه كربة
من كربات يوم القيامة، ومن
ستر مسلماً ستره الله يوم
القيامة) ويقول: (ارحموا من
في الأرض يرحمكم من في
السماء). ويقول: (ليس المؤمن
بالذي يشبع وجاره جائع إلى
جانبه). ويقول: (سِباب المؤمن
فسوق، وقتاله كفر). وكان يجعل
إماطة الأذى عن الطريق صدقة،
ويعدها شعبة من شعب الإيمان .
ويقول: (الصدقة تطفئ الخطايا
كما يطفئ الماء النار).
ويقول: (أيما مسلم كسا مسلماً
ثوباً على عُرى كساه الله من
خُضر الجنة، وأيما مسلم أطعم
مسلماً على جوع أطعمه الله من
ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى
مسلماً على ظمأ سقاه الله من
الرحيم المختوم) ويقول:
(اتقوا الناء ولو بشق تمرة،
فإن لم تجد فبكلمة طيبة).
وبجانب هذا كان يحث حثاً
شديداً على الاستعفاف عن
المسألة، ويذكر فضائل الصبر
والقناعة، فكان يعد المسألة
كدوحاً أو خدوشاً أو خموشاً
في وجه السائل اللهم إلا إذا
كان مضطراً. كما كان يبين لهم
ما في العبادات من الفضائل
والأجر والثواب عند الله،
وكان يربطهم بالوحي النازل
عليه من المساء ربطاً مؤثقاً،
فكان يقرؤه عليهم ويقرؤونه:
لتكون هذه الدراسة إشعاراً
بما عليهم من حقوق الدعوة
وتبعات الرسلة، فضلاً عن
ضرورة الفهم والتدبر. وهكذا
هذب تفكيرهم، وربع معنوياتهم،
وأيقظ مواهبهم، وزودهم بأعلى
القيم والأقدار، حتى وصولا
إلى أعلى قمة من الكمال عرفت
في تاريخ البشر بعد الأنبياء.
يقول عبد الله بن مسعود رضى
الله عنه: من كان مستنا
فليستن بمن قد مات، فإن الحي
لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك
أصحاب محمد صلى الله عليه
وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة؛
وأبرها قلوباً، وأعمقها علما،
وأقلها تكلفاً، اختارهم الله
لصحبة نبيه، ولإقامة دينه،
فاعرفوا لهم فضلهم، وابتعوهم
على أثرهم، وتمسكوا بما
استطعتم من أخلاقهم وسيرهم،
فإنهم كانوا على الهدى
المستقيم. ثم إن هذا الرسول
القائد الأعظم صلى الله عليه
وسلم كان يتمتع من الصفات
المعنوية والظاهرة، ومن
الكمالات المواهب، والأمجاد
والفضائل، ومكارم الأخلاق
ومحاسن الأعمال بما جعتله
تهوى إليه الأفئدة، وتتفانى
عليه النفوس، فما يتكلم بكلمة
إلا ويبادر صحابته رضي الله
عنهم إلى امتثالها، وما يصدر
من إرشاد أو توجيه إلا
ويتسابقون إلى العمل به. بمثل
هذا استطاع النبي صلى الله
عليه وسلم أن يبني في المدينة
مجتمعاً جديداً أروع وأشرف
مجتمع عرفة التاريخ، وأن يضع
لمشاكل هذا المجتمع حلاً
تنفست له الإنسانية الصعداء،
بعد أن كانت قد تعبت في غياهب
الزمان ودياجير الظلمات.
وبمثل هذه المعنويات الشامخة
تكاملت عناصر المجتمع الجديد
الذي واجه كل تيارات الزمان
حتى صرف وجهتها، وحول مجرى
التاريخ والأيام.
معاهدة مع
اليهود :
بعد أن أرسى رسول الله صلى
الله وعليه وسلم قواعد مجتمع
جديد وأمة إسلامية حديدة،
بإقامة الوحدة العقدية
والسياسية والنظامية بين
المسلمين، بدأ بتنظيم علاقاته
بغير المسلمين، وكان قصده
بذلك توفير الأمن والسلام
والسعادة الخير للبشرية
جمعاء، مع تنظيم المنطقة في
وفاق واحد، فسن في ذلك قوانين
السماح والتجاوز التي لم تعهد
في ذلك العالم الملئ بالتعصب
والأغراض الفردية والعرقية.
وأقرب من كان يجاور المدينة
من غير المسلمين هم اليهود -
كما أسلفنا - وهم وإن كانوا
يبطنون العداوة للمسلمين، لكن
لم يكونوا أظهروا أية مقاومة
أو خصومة بعد، فعقد معهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم
معاهدة قرر لهم فيها النصح
والخير، وترك لهم فيها مطلق
الحرية في الدين والمال، ولم
يتجه إلى سياسة الإبعاد أو
المصادرة والخصام.
وفيما يلى أهم بنود هذه
المعاهدة:
*بنود المعاهدة :
1- إن يهود بنى عوف أمة مع
المؤمنين، لليهود
دينهم وللمسلمين دينهم
مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير
بنى عوف من اليهود.
2-وإن على اليهود نفقتهم،
وعلى المسلمين نفقتهم.
3- وإن بينهم النصر على من
حارب أهل هذه الصحيفة.
4- وإن بينهم النصح والنصحية،
والبر دون الإثم.
5- وإنه لم يأثم امرؤ
بحليفه.
6- وإن
النصر للمظلوم.
7- وإن اليهود ينفقون مع
المؤمنين ما داموا محاربين.
8-وإن يثرب حرام جوفها لأهل
هذه الصحيفة.
9- وإنه
ما كان بين أهل هذه الصحيفة
من حدث أو اشتجار يخاف فساده
فإن مرده إلى الله عز وجل،
وإلى محمد رسول الله صلى الله
عليه وسلم.
10-
وإنه لا تجار قريش ولا من
نصرها.
11- وإن بينهم النصر على
من دَهَم يثرب.. على كل
أناس حصتهم من جابنهم الذي
قبلهم.
12- وإنه لا يحول هذا الكتاب
دون ظالم أو آثم.
وبإبرام هذه المعاهدة صارت
المدينة وضواحيها دولة
وفاقية، عاصمتها المدينة،
ورئيسها ـ إن صح هذا التعبير
ـ رسول الله صلى الله عليه
وسلم، والكلمة النافذة
والسلطان الغالب فيها
للمسلمين.
ولتوسيع منطقة الأمن والسلام
عاهد النبي صلى الله عليه
وسلم قبائل أخرى في المستقبل
بمثل هذه المعاهدة، حسب ما
اقتضته الظروف، وسيأتي ذكر
شيء عنها.
* الكفاح
الدامي :
*استفزازات قريش واتصالهم
بعبد الله بن أبي :
تقدم ما أدلى به كفار مكة من
التنكيلات والويلات على
المسلمين في مكة، ثم ما أتوا
به من الجرائم التي استحقوا
لأجلها المصادرة والقتال، عند
الهجرة، ثم إنهم لم يفيقوا من
غيهم ولا امتنعوا عن عدوانهم
بعدها، بل زادهم غيظاً أن
فاتهم المسلمون ووجدوا مأمناً
ومقراً بالمدنية، فكتبوا إلى
عبد الله بن أبي سلول- وكان
إذ ذاك مشركاً - بصفته رئيس
الأنصار قبل الهجرة - فمعلوا
أنهم كانوا قد اتفقوا عليه،
وكادوا يجعلونه ملكاً على
أنفسهم لولا أن هاجر رسول
الله صلى الله عليه وسلم
إليهم، وآمنوا به - كتبوا
إليه وإلى أصحابه المشركين،
يقولون لهم في كلمات باتة:
إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم
بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه،
أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى
نقتل مقاتلتكم، ونستبيح
نساءكم.
وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام
عبد الله بن أبي ليمتثل أوامر
إخوانه المشركين من أهل مكة -
وقد كان يحقد على النبي صلى
الله عليه وسلم: لما يراه
أنه استبله ملكه- يقول عبد
الرحمن بن كعب: فلما بلغ
ذلك عبد الله بن أبي ومن كان
معه من عبدة الأوثان اجتمعوا
لقتال رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فلما بلغ ذلك
النبي صلى الله عليه وسلم
لقيهم، فقال: (لقد بلغ
وعيد قريش منكم المبالغ، ما
كانت تكيدكم بأكثر ما تريدون
أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون
أن تقالوا أبناءكم
وإخوانكم)، فلما سمعوا ذلك
من النبي صلى الله عليه وسلم
تفرقوا.
امتنع عبد الله بن أبي بن
سلول عن القتال إذ ذلك، لما
رأي خوراً أو رشداً في
أصحابه، ولكن يبدو من تصرفاته
أنه كان متواطئاً مع قريش،
فكان لا يجد فرصة إلا
وينتهزها لإيقاع الشر بين
المسلمين والمشركين، وكان يضم
معه اليهود، ليعينوه على ذلك،
ولكن تلك هي حكمة النبي صلى
الله عليه وسلم التي كانت
تطفئ نار شرهم حينا بعد
حين.
*إعلان
عزيمة الصد عن المسجد الحرام
:
ثم أن سعد بن معاذ انطلق إلى
مكة معتمراً، فنزل على أمية
بن خلف بمكة، فقال لأمية:
انظر لي ساعة خلوة لعلي أن
أطوف البيت، فخرج به قريباً
من نصف النهار، فلقيهما أبو
جهل، فقال: يا أبا صفوان،
من هذا معك؟ فقال: هذا
سعد، فقال له أبو جهل: ألا
أراك تطوف بمكة آمناً وقد
آويتم الصباة، وزعمتم أنكم
تنصرونهم، وتعينونهم، أما
والله لولا أنك مع أبي صفوان
ما رجعت إلى أهلك سالماً،
فقال له سعد - ورفع صوته
عليه: أما والله لئن منعتني
هذا لأمنعك ما هو أشد عليكم
منه: طريقك على أهل
المدينة.
*قريش
تهدد المهاجرين :
وكأن قريشاً كانت تعتزعلى
شر أشد من هذا، وتفكر في
القيام بنفهسا للقضاء على
المسلمين، وخاصة على النبي
صلى الله عليه وسلم.
ولم يكن هذا مجرد وهم أو
خيال، فقد تأكد لدى رسول
الله صلى الله عليه وسلم من
مكائد قريش وإرادتها على
الشر ما كان لأجله لا يبيت
إلا ساهراً، أو في حرس من
الصحابة. روى الشيخان في
صحيحيهما عن عائشة رضى الله
عنها قالت: سهر رسول الله
صلى الله عليه وسلم مقدمه
المدينة ليلة فقال:
(ليت رجلاً صالحاً من
أصحابي يحرسني الليلة)،
قالت: فبينما نحن كذلك
سمعنا خشخشة سلاح، فقال:
(من هذا ؟) قال:
سعد بن أبي وقاص، فقال له
رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ما جاء بك؟)
فقال: وقع في نفسي خوف
على رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فجئت أحرسه،
فدعا له رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ثم نام.
ولم تكن هذه الحراسة مختصة
ببعض الليالي، بل كان ذلك
أمراً مستمراً، فقد روى عن
عائشة قالت: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم
يحرس ليلاً حتى نزل:
{وَاللّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ}
[المائدة: 67]، فأخرج
رسول الله صلى الله عليه
وسلم رأسه من القبة،
فقال: (يا أيها الناس،
انصرفوا عني فقد عصمني الله
عز وجل).
ولم يكن الخطر مقتصراً على
رسول الله صلى الله عليه
وسلم، بل كان يحدق
بالمسلمين كافة، فقد روى
أبي بن كعب، قال: لما قدم
رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه المدينة،
وآوتهم الأنصار رمتهم العرب
عن قوس واحدة، وكانوا لا
يبيتون إلا بالسلاح، ولا
يصبحون إلا فيه.
*الإذن
بالقتال :
في هذه الظروف الخطيرة التي
كانت تهدد كيان المسلمين
بالمدينة، وتنبئ عن قريش
أنهم لا يفيقون عن غيهم ولا
يمتنعون عن تمردهم بحال،
أنزل الله تعالى الإذن
بالقتال للمسلمين ولم يفرضه
عليهم، قال تعالى:
{أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ
ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ
عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ} [الحج:
39].
وأنزل معه آيات بين لهم
فيها أن هذا الإذن إنما هو
لإزاحة الباطل وإقامة شعائر
الله، قال تعالى:
{الَّذِينَ إِن
مَّكَّنَّاهُمْ فِي
الْأَرْضِ أَقَامُوا
الصَّلَاةَ وَآتَوُا
الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا
عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ
عَاقِبَةُ الْأُمُورِ }
[الحج: 41].
وكان الإذن مقتصراً على
قتال قريش، ثم تطور فيما
بعد مع تغير الظروف حتى وصل
إلى مرحلة الوجوب، وجاوز
قريشاً إلى غيرهم، ولا بأس
أن نذكر تلك
المراحل
بإيجاز قبل أن ندخل في ذكر
الأحداث:
1- اعتبار مشركي قريش
محاربين؛ لأنهم
بدأوا بالعدوان، فحق
للمسلمين أن يقاتلوهم
ويصادروا أموالهم دون غيرهم
من بقية مشركي العرب.
2- قتال كل من تمالأ من
مشركي العرب مع قريش
واتحد معهم، وكذلك كل من
تفرد بالاعتداء على
المسلمين من غير قريش.
3- قتال من خان أو تحيز
للمشركين من اليهود
الذين كان لهم عقد وميثاق
مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ونبذ ميثاقهم إليهم
على سواء.
4- قتال من بدأ بعداوة
المسلمين من أهل
الكتاب، كالنصارى، حتى
يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون.
5- الكف عمن دخل في
الإسلام، مشركاً كان
أو يهودياً أو نصرانياً أو
غير ذلك، فلا يتعرض لنفسه
وماله إلا بحق الإسلام،
وحسابه على الله.
ولما نزل الإذن بالقتال رأى
رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يبسط سيطرته على
الطريق الرئيس الذي تسلكه
قريش من مكة إلى الشام في
تجاراتهم،
واختار
لذلك خطتين:
الأولى: عقد
معاهدات الحلف أو عدم
الاعتداء مع القبائل التي
كانت مجاورة لهذا الطريق،
أو كانت تقطن ما بين هذا
الطريق وما بين المدينة،
وقد عقد صلى الله عليه وسلم
معاهدة مع جهينة قبل الأخذ
في النشاط العسكري، وكانت
مساكنهم على ثلاث مراحل من
المدينة، كما عقد معاهدات
أخرى أثناء دورياته
العسكرية، وسيأتي ذكرها.
الثانية: إرسال
البعوث واحدة تلو الأخرى
إلى هذا الطريق
|
|
حياة الرسول
عليه السلام مع زوجاته
بسم الله الرحمن
الرحيم
السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته
الناظر إلى سيرة
المصطفى صلى الله عليه وسلم يجد ان رسول الإنسانية صلى
الله عليه وسلم كان يقدر المرأة (الزوجة) ويوليها عناية
فائقة...ومحبة لائقة.
ولقد ضرب أمثلة رائعة
من خلال حياته اليومية
•
الشرب والأكل في موضع واحد:
لحديث عائشة : كنت
أشرب فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع
فيّ, واتعرق العرق فيضع فاه على موضع فيّ . رواه مسلم
•
الاتكاء على الزوجة:
لقول عائشة : كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض.
رواه مسلم
•
تمشيط شعره , وتقليم أظافره:
لقول عائشة رضي الله
عنها :ليدخل علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وهو
في المسجد فأرجّله. رواه مسلم
• التنزه مع الزوجة
ليلاً: كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا كان بالليل سار
مع عائشة يتحدث . رواه البخارى
•
الضحك من نكاتها وفكاهتها:
وعن عائشة – رضي الله
عنها- قالت: قلتُ: يا رسول الله ! أرأيت لو نزلت وادياً
وفيه شجرة أُكل منها، ووجدت شجراً لم يؤكل منها، في أيّها
كنت تُرْتِعُ بعيرك؟ قال: "في التي لم يُرْتعْ فيها :تعني
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها
.أخرجه البخاري .
•
مساعدتها في أعباء المنزل:
سئلت عائشة ما كان
النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟
قالت: كان في مهنة
أهله . رواه البخارى
•
يهدي لأحبتها:
كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم اذا ذبح شاة يقول : أرسلوا بـها الى أصدقاء
خديجة . رواه مسلم.
•
يمتدحها :
لقوله : ان فضل عائشة
على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . رواه مسلم
•
يسرّ اذا اجتمعت بصو يحباتها:
قالت عائشة :كانت
تأتيني صواحبي فكن ينقمعن (يتغيبن) من رسول الله صلى الله
عليه وسلم فكان يُسربـهن إلى(يرسلهن الى ) . رواه مسلم
•
يعلن حبها :
قوله صلى الله عليه
وسلم عن خديجة "أنى رزقت حُبها ". رواه مسلم
•
ينظر الى محاسنها:
لقوله صلى الله عليه
وسلم "لايفرك مؤمن مؤمنة ان كره منها خلقا رضي منها آخر .
رواه مسلم
•
اذا رأى امرأة يأت أهله ليرد ما في نفسه:
لقوله " اذا أبصر
أحدكم امرأة فليأت أهله فان ذلك يرد ما في نفسه" رواه مسلم
• لا
ينشر خصوصياتها:
قال صلى الله عليه
وسلم: ان من أشر الناس عند الله منزله يوم القيامة الرجل
يفضى الى امرأته وتفضي اليه ثم ينشر سرها . رواه مسلم
•
التقبيل:
كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقبل وهو صائم . رواه مسلم
•
التطيب في كل حال :
عن عائشة رضي الله
عنها قالت: كأني انظر الى وبيص المسك في مفرق رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو محرم . رواه مسلم
•
يرضى لها بالهدايا:
عن عائشة رضي الله
عنها قالت: ان الناس كانوا يتحرون بـهداياهم يوم عائشة
يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه
مسلم
•
يعرف مشاعرها:
عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال لعائشة : أنى لأعلم اذا كنت عنى راضية
واذا كنت عنى غضبى ..أما اذا كنت عنى راضية فانك تقولين لا
ورب محمد ., واذا كنت عنى غضبى قلت : لا ورب ابراهيم؟؟
رواه مسلم
•
يحتمل صدودها :
عن عمر بن الخطاب قال
: صخبت علىّ امرأتي فراجعتني , فأنكرت ان تراجعني!
قالت : ولم تنكر ان
أراجعك؟ فوا لله ان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
ليراجعنه, وان أحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. رواه
البخارى
•
لايضربها:
قالت عائشة رضي الله
عنها : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة له قط"
رواه النسائي
•
يواسيها عند بكائها:
كانت صفية مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم في سفر , وكان ذلك يومها, فأبطت
في المسير , فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى
تبكى, وتقول حملتني على بعير بطيء, فجعل رسول الله يمسح
بيديه عينيها , ويسكتها,.."رواه النسائي
•
يرفع اللقمة الى فمها:
قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : انك لن تنفق نفقة الا أجرت عليها حتى
اللقمة ترفعها الى في امرأتك" رواه البخارى
•
إحضار متطلباتها :
قال الرسول صلى الله
عليه وسلم : أطعم اذا طعمت وأكس اذا اكتسيت" رواه الحاكم
وصححه الألباني
• الثقة بها:
نـهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم ان يطرق الرجل أهله ليلاً , ان يخونـهم ,
أو يلتمس عثراتـهم. رواه مسلم
•
المبالغة في حديث المشاعر:
للحديث ان رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يرخص في شيء من الكذب الا في ثلاث
منها:الرجل يحدث امرأته, والمرأة تحدث زوجها. رواه النسائي
•
العدل مع نساءه :
من كان له امرأتان
يميل لإحداهما على الأخرى , جاء يوم القيامة أحد شقيه
مائل" رواه الترمذي وصححه الألباني
•
يتفقد الزوجة في كل حين:
عن أنس رضي الله عنه
قال " كان صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة