بسم  الله الرحمن الرحيم

الصفحة الرئيسية

الصحابة

 

الفاروق عمر بن الخطاب

من هو:

الفاروق أبو حفص ، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي ، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ( 40 عام قبل الهجرة ) ، عرف في شبابه بالشـدة والقـوة ، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات وأول من لقب بأمير المؤمنين0

اسلامه

أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية المشرفة ، فقد كان الخباب بن الأرت يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطـاب متقلـدا سيفه الذي خـرج به ليصفـي حسابه مع الإسـلام ورسوله ، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى قال :( دلوني على محمد )  

وسمع خباب كلمات عمر ، فخرج من مخبئه وصاح : يا عمـر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصـك بدعـوة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، فإني سمعته بالأمس يقول :( اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك ، أبي الحكم بن هشام ، وعمر بن الخطاب ) فسأله عمر من فوره :( وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟) وأجاب خباب :( عند الصفـا في دار الأرقـم بن أبي الأرقـم )  

ومضى عمر الى دار الأرقم فخرج إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال :( أما أنت منتهيا يا عمر حتى يُنزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب ، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب )

فقال عمر :( أشهد أنّك رسول الله )  

وباسلامه ظهر الاسلام في مكة اذ قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في دار الأرقم :( والذي بعثك بالحق لتخرجن ولنخرجن معك )

وخرج المسلمون ومعهم عمر ودخلوا المسجد الحرام وصلوا حول الكعبة دون أن تجـرؤ قريش على اعتراضهم أو منعهم ، لذلك سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( الفاروق ) لأن الله فرق بين الحق والباطل   

لسان الحق

هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ومن علماء الصحابة وزهادهم ، وضع الله الحق على لسانه اذ كان القرآن ينزل موافقا لرأيه ، يقول علي بن أبي طالب :( إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه )  كما قال عبد الله بن عمر :( مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر ، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر )  

‏عن ‏أبي هريرة ‏-‏رضي الله عنه- ‏‏قال :‏ ‏قال رسـول اللـه ‏-‏صلى اللـه عليه وسلم-‏ ‏:( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ‏‏محدثون ،‏ ‏فإن يك في أمتي أحد فإنه ‏‏عمر ‏) ‏

‏عن ‏أبي هريرة ‏‏قال ‏: ‏قال النبي ‏ ‏-صلى الله عليه وسلم :( ‏ لقد كان فيمن كان قبلكم من ‏بني إسرائيل‏ ‏رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي منهم أحد ‏‏فعمر ) ‏‏قال ‏‏ابن عباس ‏-‏رضي الله عنهما-:( ‏‏من نبي ولا محدث ‏)  

قوة الحق

كان قويا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم ، فقد ‏استأذن ‏‏عمر بن الخطاب ‏‏على رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏وعنده ‏‏نسوة ‏من ‏قريش ،‏ ‏يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن على صوته ، فلما استأذن ‏‏عمر بن الخطاب ‏قمن فبادرن الحجاب ، فأذن له رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم-،‏ ‏فدخل ‏‏عمر ‏‏ورسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏يضحك ، فقال ‏‏عمر :(‏ ‏أضحك الله سنك يا رسول الله )

فقال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ ‏:( عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب )

فقال ‏‏عمر :(‏ ‏فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله ) ثم قال عمر ‏:( ‏يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم-) ‏

فقلن :( نعم ، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم-) ‏

فقال رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏:( إيه يا ‏ابن الخطاب ‏، ‏والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا ‏فجا ‏قط إلا سلك ‏‏فجا ‏غير‏فجك )

ومن شجاعته وهيبته أنه أعلن على مسامع قريش أنه مهاجر بينما كان المسلمون يخرجون سرا ، وقال متحديا لهم :( من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ) فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه  

عمر في الأحاديث النبوية

رُويَ عن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- العديد من الأحاديث التي تبين فضل عمـر بن الخطاب نذكر منها ( إن الله سبحانـه جعل الحق على لسان عمر وقلبه )

( الحق بعدي مع عمـر حيث كان )

( إن الشيطان لم يلق عمـر منذ أسلم إلا خرَّ لوجهه )

( ما في السماء ملك إلا وهو يوقّر عمر ، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر )

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأةِ أبي طلحة وسمعت خشفاً أمامي ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا بلال

ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية ، فقلت : لمن هذا القصر ؟

قالوا : لعمر بن الخطاب ، فأردت أن أدخله فأنظر إليه ، فذكرت غيْرتك ) فقال عمر :( بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار !)  

وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بيْنا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبنٍ ، فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري ، ثم أعطيت فضْلي عمر بن الخطاب )

قالوا :( فما أوّلته يا رسول الله ؟)    قال :( العلم )

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك ، وعُرِضَ عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه )

قالوا :( فما أوَّلته يا رسول الله ؟)    قال :( الدين )  

خلافة عمر

رغب أبو بكر -رضي الله عنه- في شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية من بعده ، واتجه رأيه نحو عمر بن الخطاب فاستشار في ذلك عدد من الصحابة مهاجرين وأنصارا فأثنوا عليه خيرا ومما قاله عثمان بن عفان :( اللهم علمي به أن سريرته أفضل من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله ) وبناء على تلك المشورة وحرصا على وحدة المسلمين ورعاية مصلحتهم

أوصى أبو بكر الصديق بخلافة عمر من بعده ، وأوضح سبب اختياره قائلا :(اللهم اني لم أرد بذلك الا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم ، واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم )  ثم أخذ البيعة العامة له بالمسجد اذ خاطب المسلمين قائلا :(أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فوالله ما آليـت من جهـد الرأي ، ولا وليت ذا قربى ، واني قد استخلفـت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ) فرد المسلمون :(سمعنا وأطعنا) وبايعوه سنة ( 13 هـ ) 

انجازاته

استمرت خلافته عشر سنين تم فيها كثير من الانجازات المهمة لهذا وصفه ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال :( كان اسلام عمر فتحا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت إمامته رحمه ، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي الى البيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا)  فهو أول من جمع الناس لقيام رمضان في شهر رمضان سنة ( 14 هـ ) ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة في شهر ربيع الأول سنة ( 16 هـ ) ، وأول من عسّ في عمله ، يتفقد رعيته في الليل وهو واضع الخراج ، كما أنه مصّـر الأمصار ، واستقضـى القضـاة ، ودون الدواويـن ، وفرض الأعطيـة ، وحج بالناس عشر حِجَـجٍ متواليـة ، وحج بأمهات المؤمنين في آخر حجة حجها

وهدم مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزاد فيه ، وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد ، ووسّعه وبناه لمّا كثر الناس بالمدينة ، وهو أول من ألقى الحصى في المسجد النبوي ، فقد كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم ، فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق ، فبُسِط في مسجد الرسول -صلى الله علي وسلم-

وعمر -رضي الله عنه- هو أول من أخرج اليهود وأجلاهم من جزيرة العرب الى الشام ، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة

الفتوحات الإسلامية

لقد فتح الله عليه في خلافته دمشق ثم القادسية حتى انتهى الفتح الى حمص ، وجلولاء والرقة والرّهاء وحرّان ورأس العين والخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبَيْسان واليرموك والجابية والأهواز والبربر والبُرلُسّ وقد ذلّ لوطأته ملوك الفرس والروم وعُتاة العرب حتى قال بعضهم :( كانت درَّة عمر أهيب من سيف الحجاج )

هَيْـبَتِـه و تواضعه

وبلغ -رضي الله عنه- من هيبته أن الناس تركوا الجلوس في الأفنية ، وكان الصبيان إذا رأوه وهم يلعبون فرّوا ، مع أنه لم يكن جبّارا ولا متكبّرا ، بل كان حاله بعد الولاية كما كان قبلها بل زاد تواضعه ، وكان يسير منفردا من غير حرس ولا حُجّاب ، ولم يغرّه الأمر ولم تبطره النعمة 

استشهاده

كان عمر -رضي الله عنه- يتمنى الشهادة في سبيل الله ويدعو ربه لينال شرفها :( اللهم أرزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك) وفي ذات يوم وبينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد طعنه أبو لؤلؤة المجوسي ( غلاما للمغيرة بن شعبة ) عدة طعنات في ظهره أدت الى استشهاده ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة  ولما علم قبل وفاته أن الذي طعنه ذلك المجوسي حمد الله تعالى أن لم يقتله رجل سجد لله تعالى سجدة ودفن الى جوار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الحجرة النبوية الشريفة الموجودة الآن في المسجد النبوي في المدينة المنورة

 

 

 

 

المصدر ابن القيم

أبو الدرداء

 

يوم اقتنع أبو الدرداء -رضي الله عنه- بالاسلام دينا ، وبايع الرسول -صلى الله عليه وسلم على هذا الديـن ، كان تاجر ناجحا من تجار المدينة ، ولكنه بعد الايمان بربـه يقول :"أسلمت مع النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- وأنا تاجر ، وأردت أن تجتمع لي العبـادة والتجارة فلم يجتمعا ، فرفضـت التجارة وأقبلت على العبادة ، وما يسرنـي اليوم أن أبيع وأشتري فأربح كل يوم ثلاثمائة دينار ، حتى لو يكون حانوتي على باب المسجد ، ألا اني لا أقول لكم ان اللـه حرم البيع ، ولكني أحـب أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله )
 

جهاده ضد نفسه

لقد كان أبو الدرداء -رضي الله عنه- حكيم تلك الأيام العظيمة ، تخصصه ايجاد الحقيقة  فآمن بالله ورسوله ايمانا عظيما ، وعكف على ايمانه مسلما اليه نفسه ، واهبا كل حياته لربه مرتلا آياته :"

ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين

كان -رضي الله عنه- يقول لمن حوله :( ألا أخبركم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند باريكم وأنماها في درجاتكم ، وخير من أن تغزو عدوكم ، فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم ، وخير من الدراهم والدنانير  ذكر الله ، ولذكر الله أكبر )

 

ومضات من حكمته وفلسفته

سئلت أمه -رضي الله عنه- عن أفضل ما كان يحب ، فأجابت :( التفكر والاعتبار )وكان هو يحض اخوانه دوما على التأمل ويقول :( تفكر ساعة خير من عبادة ليلة )وكان -رضي الله عنه- يرثي لأولئك الذين وقعوا أسرى لثرواتهم فيقول :( اللهم اني أعوذ بك من شتات القلب ) ، فسئل عن شتات القلب فأجاب :( أن يكون لي في كل واد مال )فهو يمتلك الدنيا بالاستغناء عنها ، فهو يقول :( من لم يكن غنيا عن الدنيا ، فلا دنيا له )
كان يقول :( لا تأكل الا طيبا ولا تكسب الا طيبا ولا تدخل بيتك الا طيبا )
ويكتب لصاحبه يقول :( أما بعد ، فلست في شيء من عرض الدنيا ، الا وقد كان لغيرك قبلك  وهو صائر لغيرك بعدك ، وليس لك منه الا ماقدمت لنفسك ، فآثرها على من تجمع له المال من ولدك ليكون له ارثا ، فأنت انما تجمع لواحد من اثنين : اما ولد صالح يعمل فيه بطاعة الله ، فيسعد بما شقيت به ، واما ولد عاص ، يعمل فيه بمعصية الله ، فتشقى بما جمعت له  فثق لهم بما عند الله من رزق ، وانج بنفسك )
وانه ليقول :( ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير أن يعظم حلمك ، ويكثر علمك  وأن تباري الناس في عبادة الله تعالى )
عندما فتحت قبرص وحملت غنائم الحرب الى المدينة ، وشوهد أبا الدرداء وهو يبكي  فسأله جبير بن نفير :( يا أبا الدرداء ، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الاسلام وأهاه ؟)فأجاب أبوالدرداء :( ويحك يا جبير ، ما أهون الخلق على الله اذا هم تركوا أمره ، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة ، لها الملك ، تركت أمر الله ، فصارت الى ما ترى ) فقد كان يرى الانهيار السريع للبلاد المفتوحة ،وافلاسها من الروحانية الصادقة والدين الصحيح
وكان يقول :( التمسوا الخير دهركم كله ، وتعرضوا لنفحات رحمة الله فان لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده ، وسلوا الله أن يستر عوراتكم ، ويؤمن روعاتكم )
في خلافة عثمان ، أصبح أبو الدرداء واليا للقضاء في الشام ، فخطب بالناس يوما وقال :( يا أهل الشام ، أنتم الاخوان في الدين ، والجيران في الدار ، والأنصار على الأعداء ، ولكن مالي أراكم لا تستحيون ؟؟تجمعون مالا تأكلون ، وتبنون مالا تسكنون ، وترجون مالا تبلغون ، قد كانت القرون من قبلكم يجمعون فيوعون ، ويؤملون فيطيلون ، ويبنون فيوثقون  فأصبح جمعهم بورا ، وأملهم غرورا ، وبيوتهم قبوراأولئك قوم عاد ، ملئوا ما بين عدن الى عمان أموالا وأولادا )ثم ابتسم بسخرية لافحة :( من يشتري مني تركة أل عاد بدرهمين ؟!)

تقديسه للعلم

كان -رضي الله عنه- يقدس العلم كثيرا ، ويربطه بالعبادة ، فهو يقول :( لا يكون أحدكم تقيا حتى يكون عالما ، ولن يكون بالعلم جميلا ، حتى يكون به عاملا )كما يقول :( ما لي أرى علماءكم يذهبون ، وجهالكم لا يتعلمون ؟؟ألا ان معلم الخير والمتعلم في الأجر سواء ، ولا خير في سائر الناس بعدهما )ويقول -رضي الله عنه- :( ان أخشى ما أخشاه على نفسي أن يقال لي يوم القيامة على رؤوس الخلائق : يا عويمر ، هل علمت ؟؟فأقول : نعمفيقال لي : فماذا عملت فيما علمت ؟؟)

وصيته

ويوصي أبو الدرداء -رضي الله عنه- بالاخاء خيرا ، ويقول :( معاتبة الأخ خير لك من فقده ، ومن لك بأخيك كله ؟أعط أخاك ولن له ، ولا تطع فيه حاسدا فتكون مثله ، غدا يأتيك الموت فيكفيك فقده وكيف تبكيه بعد الموت ، وفي الحياة ما كنت أديت حقه ؟)
ويقول رضي الله عنه وأرضاه :( اني أبغض أن أظلم أحدا ، ولكني أبغض أكثر وأكثر ، أن أظلم من لا يستعين علي الا بالله العلي الكبير )

هذا هو أبو الدرداء ، تلميذ النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وابن الاسلام الأول ، وصاحب أبي بكر وعمر ورجال مؤمنين
 

أبو الهيثم بن النيهان واسمه مالك

 

أول من اسلم من الأنصار:
كان يكره الأصنام في الجاهلية ويقول بالتوحيد هو وأسعد بن زرارة وكانا أول من أسلم من الأنصار الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثم شهد العقبة مع السبعين . وهو أحد النقباء الاثني عشر شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي في خلافة عمر رضي الله عنهما.

 

أبو أيوب الأنصاري

 

انه أبو أيوب الانصاري - خالد بن زيد ، حفيد مالك بن النجار ، خرج مع وفد المدينة لمبايعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكة ( بيعة العقبة الثانية ) فكان من السبعين مؤمنا الذين شدوا أيمانهم على يمين الرسول مبايعين مناصرين

أول دار يسكنها الرسول بالمدينة

قدم الرسول -صلى الله عليه وسلم- المدينة يوم الجمعة ، وسار وسط جموع المسلمين وكل منهم يريد أن أن ينزل الرسول الكريم عنده ، فيجيبهم باسما شاكرا لهم :" خلوا سبيلها فانها مأمورة "حتى وصلت ناقته الى دار بني مالك بن النجار فبركت ، فلم ينزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوثبت الناقة ثانية ، فسارت غير بعيد ثم التفتت الى خلفها فرجعت وبركت مكانها الأول ، فنزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وتقدم أبو أيوب الأنصاري فرحا مبتهجا ، وحمل رحل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوضعه في بيته ، فأقام الرسول الكريم في بيت أبي أيوب الأنصاري حتى بني له مسجده ومسكنه ، وحين نزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيت أبي أيوب الأنصاري نزل في السفل ، وأبو أيوب في العلو ، فوجدها أبو أيوب لعظيمة فقال :( يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، اني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي ، فاظهر أنت فكن في العلو ، وننزل نحن فنكون في السفل ) وألح على الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى قبل

جهاده

أصبح أبو أيوب الأنصاري مجاهدا قويا بائعا نفسه في سبيل الله ، فشهد المشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ولم يتخلف عن أي معركة كتب على المسلمين خوضها بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان شعاره دوما

قوله تعالى :"( انفروا خفافا وثقالا ")

الا مرة واحدة تخلف عن جيش أعطى الخليفة امارته لشاب من المسلمين لم يقتنع أبو أيوب بامارته ، ومع هذا بقي الندم ملازما له دوما ، فيقول :( ما علي من استعمل علي ؟)

 

موقفه من الفتنة

ولما وقع الخلاف بين علي ومعاوية وقف أبو أيوب -رضي الله عنه- مع علي لأنه الامام الذي أعطي بيعة المسلمين ، ولما استشهد علي -رضي الله عنه- وقف أبو أيوب بنفسه الزاهدة الصامدة لايرجو من الدنيا الا أن يظل له مكان فوق أرض الوغى مع المجاهدين 

استشهاده

وجاء فتح القسطنطينية ، فسارع أبو أيوب الأنصاري الى ركوب فرسه وحمل سيفه ، فأصيب في هذه المعركة ، وجاء قائد الجيش - يزيد بن معاوية - يعوده فسأله :( ما حاجتك يا أبا أيوب ؟)فيا له من مطلب نفذه يزيد بناءا على هذه الوصية ، فقد طلب أن يحمل جثمانه فوق فرسه ، ويمضي به أطول مسافة ممكنة في أرض العدو ، وهنالك يدفنه ، ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق ، حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره ، فيدرك آنئذ ، أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز !!وفي قلب القسطنطينية وفي (اسطنبول) ثوي جثمانه -رضي الله عنه- ،حتى أصبح قبره لأهل قسطنطينية وقبل أن يصل لهم الاسلام قبر قديس يتعاهدونه ويزورونه ويستسقون به اذا قحطوا !!

 أبو بكر الصديق

 

هو عبد الله بن أبي قحافة، من قبيلة قريش، ولد بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بثلاث سنيـن ، أمه أم الخير سلمى بنت صخر التيمية بنت عم أبيه ، كان يعمل بالتجارة ومـن أغنياء مكـة المعروفين ، وكان أنسب قريشاً لقريش وأعلم قريـش بها وبما كان فيها من خير وشـر وكان ذا خلق ومعروف يأتونه الرجال ويألفونـه اعتنـق الاسلام دون تردد فهو أول من أسلم من الرجال الأحرار ثم أخذ يدعو لدين اللـه فاستجاب له عدد من قريش من بينهم عثمـان بن عفـان ، والزبيـر بن العـوام ، وعبدالرحمـن بن عـوف ، والأرقـم ابن أبي الأرقـم

إسلامه

لقي أبو بكر -رضي الله عنه- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال :( أحقّ ما تقول قريش يا محمد من تركِكَ آلهتنا ، وتسفيهك عقولنا وتكفيرك آباءَنا ؟!)فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( إني رسول الله يا أبا بكر ، ونبّيه بعثني لأبلغ رسالته ، وأدعوك الى الله بالحق  فوالله إنه للحق أدعوك الى الله يا أبا بكر ، وحده لا شريك له ، ولا نعبد غيره ، والموالاة على طاعته أهل طاعته )وقرأ عليه القرآن فلم ينكر ، فأسلم وكفر بالأصنام وخلع الأنداد ، وأقرّ بحقّ الإسلام ورجع أبو بكر وهو مؤمن مُصَدّق يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كَبْوَة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عَتّم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه )

أول خطيب

عندما بلغ عدد المسلمين تسعة وثلاثين رجلاً ، ألح أبو بكر على الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الظهور فقال الرسول :( يا أبا بكر إنّا قليل )فلم يزل يلح حتى ظهر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتفرّق المسلمون في نواحي المسجد ، وكل رجل معه ، وقام أبو بكر خطيباً ورسول الله جالس ، وكان أول خطيب دعا الى الله عزّ وجل والى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين ، فضربوهم ضربا شديدا ، ووُطىءَ أبو بكر ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة ، فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ، وأثّر على وجه أبي بكر حتى لا يعرف أنفه من وجهه ، وجاء بنو تيم تتعادى ، فأجلوا المشركين عن أبي بكر ، وحملوا أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه ولا يشكون في موته ، ورجعوا بيوتهم و قالوا :( والله لئن مات أبو بكـر لنقتلـن عُتبة )ورجعوا الى أبي بكر وأخذوا يكلمونـه حتى أجابهم فتكلم آخر النهار فقال :( ما فعـل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟)فنالوه بألسنتهم وقاموا

أم الخير

ولمّا خلت أم الخير ( والـدة أبي بكر ) به جعـل يقول :( ما فعل رسول الله -صلـى اللـه عليه وسلم-؟)قالت :( والله ما لي علم بصاحبك )قال :( فاذهبي الى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه )فخرجت حتى جاءت أم جميل ، فقالت :( إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟)قالت :( ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن تحبي أن أمضي معك الى ابنك فعلت ؟)قالت :( نعم )فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا ، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت :( إنّ قوما نالوا منك هذا لأهل فسق ؟! وإنّي لأرجو أن ينتقـم اللـه لك )قال :( فما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟) قالت :( هذه أمك تسمع ؟)قال :( فلا عين عليك منها ) قالت :( سالم صالح ) قال :( فأين هو ؟) قالت :( في دار الأرقم ) قال :( فإن لله عليّ ألِيّة ألا أذوق طعاما أو شرابا أو آتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) فأمهَلَتا حتى إذا هدأت الرِّجْل وسكن الناس خرجتا به يتكىء عليهما حتى دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانكب عليه يقبله وانكبّ عليه المسلمون ورقّ رسول الله فقال أبو بكر :( بأبي أنت وأمي ليس بي إلاّ ما نال الفاسق من وجهي ، وهذه أمي بَرّة بوالديها ، وأنت مبارك فادعها الى الله ، وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار ) فدعا لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم دعاها الى الله عزّ وجل ، فأسلمت فأقاموا مع رسول الله في الدار شهراً ، وكان حمزة يوم ضُرِب أبو بكر قد أسلم 

جهاده بماله

أنفق أبوبكر معظم ماله في شراء من أسلم من العبيد ليحررهم من العبودية ويخلصهم من العذاب الذي كان يلحقه بهم ساداتهم من مشركي قريش ، فأعتق بلال بن رباح وستة آخرين من بينهم عامر بن فهيرة وأم عبيس

فنزل فيه قوله تعالى :"( وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ") 

منزلته من الرسول

كان -رضي الله عنه- من أقرب الناس الى قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأعظمهم منزلة عنده حتى قال فيه :( ان من أمَنِّ الناس علي في صحبته وماله أبوبكر ، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الاسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدّ إلا باب أبي بكر ) 
كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن أبا بكر أرحم الأمة للأمة ، وأنه أول من يدخل معه الجنة فقد قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي ) وأنه صاحبه على الحوض فقد قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في الغار ) 
كما أن أبو بكر الصديق هو والد أم المؤمنين عائشة لذا كان عظيـم الإفتخـار بقرابته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومصاهرته له وفي ذلك يقول :( والذي نفسي بيـده لقرابة رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- أحبُّ إليّ من أن أصل قرابتي ) 

الإسراء والمعراج

وحينما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم- من مكة الى بيت المقدس ذهب الناس الى أبي بكر فقالوا له :( هل لك يا أبا بكر في صاحبك ، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع الى مكة !) فقال لهم أبو بكر :( إنكم تكذبون عليه ) فقالوا :( بلى ، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس ) فقال أبو بكر :( والله لئن كان قاله لقد صدق ، فما يعجّبكم من ذلك ! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء الى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ! فهذا أبعد مما تعجبون منه ) ثم أقبل حتى انتهى الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( يا نبي الله ، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة ؟) قال ( نعم ) قال :( يا نبي الله فاصفه لي ، فإني قد جئته ) فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم( فرفع لي حتى نظرت إليه) فجعل الرسول الكريم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر :( صدقت  أشهد أنك رسول الله ) حتى إذا انتهى قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر :( وأنت يا أبا بكر الصديق ) فيومئذ سماه الصديق 

الصحبة

ولقد سجل له القرآن الكريم شرف الصحبة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء الهجرة الى المدينةالمنورة

فقال تعالى :"( ثاني اثنين اذ هما في الغار ، اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا )" 

كان أبو بكر رجلا ذا مال ، فاستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في الهجرة فقال له الرسول :( لا تعْجل لعل الله يجعل لك صاحباً ) فطمع بأن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما يعني نفسه حين قال له ذلك ، فابتاع راحلتين فاحتبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك ، وفي يوم الهجرة ، أتى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيت أبي بكر بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها ، فلما رآه أبو بكر قال :( ما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-هذه الساعة إلا لأمر حدث ) فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس عند أبي بكر إلا أسماء وعائشة ، فقال الرسول :( أخرج عني من عندك ) فقال أبو بكر :( يا رسول الله ، إنما هما ابنتاي ، وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي !) فقال :( إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة ) فقال أبو بكر :( الصُّحبة يا رسول الله ؟) قال :( الصُّحبة ) تقول السيدة عائشة :( فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ) ثم قال أبو بكر :( يا نبيّ الله إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا ) فاستأجرا عبد الله بن أرْقَط ، وكان مشركاً يدلهما على الطريق ، فدفعا إليه راحلتيهما ، فكانت عنده يرعاهما لميعادهما 

 

مناقبه وكراماته

مناقب أبو بكر -رضي الله عنه- كثيرة ومتعددة فمن مناقبه السبق الى أنواع الخيرات والعبادات حتى قال عمر بن الخطاب :( ما سبقت أبا بكر الى خير إلاّ سبقني ) وكان أبو بكر الصديق يفهم إشارات الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي تخفى على غيره كحديث :( أن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عنده ) ، ففهم أنه عليه الصلاة والسلام ينعي نفسه ، ومن ذلك أيضا فتواه في حضرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإقراره على ذلك وهو أول خليفة في الإسلام ، وأول من جمع المصحـف الشريـف ، وأول من أقام للناس حجّهـم في حياة رسول الله -صلى الله عليـه وسلم- وبعده وكان في الجاهلية قد حرم على نفسه شرب الخمر ، وفي الإسلام امتنع عن قول الشعر كما أنه -رضي الله عنه- لم يفته أي مشهد مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد قال له الرسول -صلى اللـه عليه وسلم- :( أنت عتيق الله من النار ) ، فسمّي عتيقاً 

خلافته

وفي أثناء مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يصلي بالمسلمين ، وبعد وفاة الرسول الكريم بويع أبوبكر بالخلافة في سقيفة بني ساعدة ، وكان زاهدا فيها ولم يسع اليها  اذ دخل عليه ذات يوم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فوجده يبكي ، فساله عن ذلك فقال له ( يا عمر لا حاجة لي في امارتكم !!)  فرد عليه عمر :( أين المفر ؟ والله لا نقيلك ولا نستقيلك)  

جيش أسامة

وجَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد في سبعمائة الى الشام ، فلمّا نزل بـذي خُشُـب -واد على مسيرة ليلة من المدينة- قُبِض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وارتدّت العرب حول المدينة ، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا :( يا أبا بكر رُدَّ هؤلاء ، تُوجِّه هؤلاء الى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟!) فقال :( والذي لا إله إلا هو لو جرّت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رَدَدْت جيشاً وجَّهه رسول الله ولا حللت عقدَهُ رسول الله ) فوجّه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا :( لولا أن لهؤلاء قوّة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم ) فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام 

حروب الردة

بعد وفـاة الرسـول -صلى الله عليه وسلم- ارتدت العرب ومنعت الزكاة ، واختلـف رأي الصحابة في قتالهم مع تكلمهم بالتوحيـد ، قال عمر بن الخطاب :( كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءَهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله )؟!) فقال أبو بكر :( الزكاة حقُّ المال ) وقال :( والله لأقاتلن من فرّق الصلاة والزكاة ، والله لو منعوني عَنَاقاً كانوا يُؤدّونها الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها ) ونصب أبو بكر الصديق وجهه وقام وحده حاسراً مشمِّراً حتى رجع الكل الى رأيه ، ولم يمت حتى استقام الدين ، وانتهى أمر المرتدين 

جيوش العراق والشام

ولمّا فرغ أبو بكر -رضي الله عنه- من قتال المرتدين بعث أبا عبيدة الى الشام وخالد بن الوليد الى العراق ، وكان لا يعتمد في حروب الفتوحات على أحد ممن ارتدَّ من العرب ، فلم يدخل في الفتوح إلا من كان ثابتا على الإسلام 

استخلاف عمر

لمّا أراد أبو بكر أن يستخلف عمر بن الخطاب بعث إليه وقال :( إني أدعوك إلى أمر متعب لمن وليه ،فاتق الله يا عمر بطاعته ، وأطعه بتقواه ، فإن المتقي آمن محفوظ ، ثم إن الأمر معروض لا يستوجبه إلا من عمل به ، فمن أمر بالحق وعمل بالباطل ، وأمر بالمعروف وعمل بالمنكر يوشك أن تنقطع أمنيتُهُ ، وأن يحبط عمله ، فإن أنت وليت عليهم أمرهم فإن استطعت أن تخفّ يدك من دمائهم ، وأن تصم بطنك من أموالهم ، وأن يخف لسانك عن أعراضهم ، فافعل ولا حول ولا قوة إلا بالله ) 

وفاته

ولد أبو بكر في مكة عام ( 51 قبل الهجرة ) ومات بالمدينة بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بسنتين وثلاثة أشهر وبضع ليال سنة ( 13 هـ ) ولمّا كان اليوم الذي قُبض فيه أبو بكر رجّت المدينة بالبكاء ، ودهش الناس كيوم قُبض الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا وهو يقول :( اليوم انقطعت خلافة النبوة) حتى وقف على البيت الذي فيه أبو بكر مسجّىً فقال :( رحمك الله يا أبا بكر ، كنت أول القوم إسلاما  وأكملهم إيمانا ، وأخوفهم لله ، وأشدهم يقينا ، وأعظمهم عناءً ، وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم- ، وأحدبهم على الإسلام ، وآمنهم على أصحابه ، وأحسنهم صُحْبة  وأفضلهم مناقب ، وأكثرهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأشبههم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- به هدياً وخُلُقاً وسمتاً وفعلاً

 

أبو جابر

 

 

و عبدالله بن عمرو بن حرام أحد السبعين الذين بايعوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة الثانية ، جعله الرسول الكريم نقيبا على قومه من بني سلمة ولما عاد الى المدينة وضع نفسه وماله في خدمة الاسلام ، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- ليلا نهارا بعد هجرته الى المدينة 

احساس الشهادة

في غزوة أحد ، غمره احساسا رائعا بأنه لن يعود ، فدعا ابنه جابر بن عبدالله وقال له :( اني لا أراني الا مقتولا في هذه الغزوة ، بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين ، واني والله  لا أدع أحدا بعدي أحب الي منك بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وان علي دينا فاقض عني ديني ، واستوص باخوتك خيرا )  

أحد والشهادة

وفي غزوة أحد ، دارت معركة قوية بين المسلمين والمشركين ، كاد أن يكون النصر للمسلمين لولا انكشاف ظهرهم ، عندما انشغل الرماة بجمع الغنائم ، ففاجأهم العدو بهجوم خاطف حول النصر الى هزيمة   ولما ذهب المسلمون بعد المعركة ينظرون شهدائهم ، ذهب جابر بن عبدالله يبحث عن أبيه ، حتى وجده شهيدا ، وقد مثل به المشركون ، ووقف جابر وبعض أهله يبكون الشهيد عبدالله بن عمرو بن حرام فمر بهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( ابكوه أو لا تبكوه فان الملائكة لتظله بأجنحتها )  وعندما جاء دور عبدالله ليدفن نادى الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ادفنوا عبدالله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد ، فانهما كانا في الدنيا متحابين ، متصافيين )  

الرسول ينبأ بشغف أبوجابر للشهادة

كان حبه-رضي الله عنه- بل شغفه للموت في سبيل الله منتهى أطماحه وأمانيه ، ولقد أنبأ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- عنه فيما بعد نبأ عظيم يصور شغفه بالشهادة ، فقال -عليه الصلاة و السلام- لولده جابر يوما :( يا جابر : ما كلم الله أحدا قط الا من وراء حجاب ، ولقد كلم كفاحا -أي مواجهة-  

فقال له :" يا عبدي ، سلني أعطيك "  
فقال :( يا رب ، أسألك أن تردني الى الدنيا ، لأقتل في سبيلك ثانية )
قال الله له :" انه قد سبق القول مني : أنهم اليها لا يرجعون "
قال :( يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة )

فانزل الله تعالى :" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنزن "

ابو ذر

 

هو جندب بن جنادة من غفار ، قبيلة لها باع طويل في قطع الطريق ، فأهلها مضرب الأمثال في السطو غير المشروع ، انهم حلفاء الليل ، والويل لمن يقع في أيدي أحد من غفار ولكن شاء المولى أن ينير لهذه القبيلة دربها بدأ من أبي ذر -رضي الله عنه- ، فهو ذو بصيرة ، و ممن يتألهون في الجاهلية ويتمردون على عبادة الأصنام ، ويذهبون الى الايمان باله خالق عظيم ، فما أن سمع عن الدين الجديد حتى شد الرحال الى مكة  

اسلامه

ودخل أبو ذر -رضي الله عنه- مكة متنكرا ، يتسمع الى أخبار أهلها والدين الجديد ، حتى وجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في صباح أحد الأيام جالسا ، فاقترب منه وقال :( نعمت صباحا يا أخا العرب ) فأجاب الرسول :( وعليك السلام يا أخاه ) قال أبوذر :( أنشدني مما تقول ) فأجاب الرسول :( ما هو بشعر فأنشدك ، ولكنه قرآن كريم ) قال أبوذر :( اقرأ علي ) فقرأ عليه وهو يصغي، ولم يمض غير وقت قليل حتى هتف أبو ذر :( أشهد أن لا اله الا الله  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله )  وسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- :( ممن أنت يا أخا العرب ) فأجابه أبوذر :( من غفار )  وتألقت ابتسامة واسعة على فم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، واكتسى وجهه بالدهشة والعجب ، وضحك أبو ذر فهو يعرف سر العجب في وجه الرسول الكريم ، فهو من قبيلة غفار أفيجيء منهم اليوم من يسلم ؟!  وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ان الله يهدي من يشاء ) أسلم أبو ذر من فوره ، وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس ، فقد أسلم في الساعات الأولى للاسلام  

تمرده على الباطل

وكان أبو ذر -رضي الله عنه- يحمل طبيعة متمردة ، فتوجه للرسول -صلى الله عليه وسلم- فور اسلامه بسؤال :( يا رسول الله ، بم تأمرني ؟) فأجابه الرسول :( ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري ) فقال أبو ذر :( والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد ) هنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته :( أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ) كانت هذه الصيحة أول صيحة تهز قريشا ، من رجل غريب ليس له في مكة نسبا ولا حمى ، فأحاط به الكافرون وضربوه حتى صرعوه ، وأنقذه العباس عم النبي بالحيلة فقد حذر الكافرين من قبيلته اذا علمت ، فقد تقطع عليهم طريق تجارتهم ، لذا تركه المشركين ، ولا يكاد يمضي يوما آخر حتى يرى أبو ذر -رضي الله عنه- امرأتين تطوفان بالصنمين ( أساف ونائلة ) وتدعوانهما ، فيقف مسفها مهينا للصنمين ، فتصرخ المرأتان ، ويهرول الرجال اليهما ، فيضربونه حتى يفقد وعيه ، ثم يفيق ليصيح -رضي الله عنه- مرة أخرى :( أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله )  

اسلام غفار

ويعود -رضي الله عنه- الى قبيلته ، فيحدثهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن الدين الجديد ، وما يدعو له من مكارم الأخلاق ، فيدخل قومه بالاسلام ، ثم يتوجه الى قبيلة ( أسلم ) فيرشدها الى الحق وتسلم ، ومضت الأيام وهاجر الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى المدينة ، واذا بموكب كبير يقبل على المدينة مكبرا ، فاذا هو أبو ذر -رضي الله عنه- أقبل ومعه قبيلتي غفار و أسلم ، فازداد الرسول -صلى الله عليه وسلم- عجبا ودهشة ، ونظر اليهم وقال :( غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله ) وأبو ذر كان له تحية مباركة من الرسول الكريم حيث قال :( ماأقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء ،أصدق لهجة من أبي ذر )  

غزوة تبوك

وفي غزوة تبوك سنة 9 هجري ، كانت أيام عسرة وقيظ ، خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم وصحبه ، وكلما مشوا ازدادوا تعبا ومشقة ، فتلفت الرسول الكريم فلم يجد أبا ذر فسأل عنه ، فأجابوه :( لقد تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره ) فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( دعوه ، فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ) وفي الغداة ، وضع المسلمون رحالهم ليستريحوا ، فأبصر أحدهم رجل يمشي وحده ، فأخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فقال الرسول :( كن أبا ذر ) وأخذ الرجل بالاقتراب فاذا هو أبو ذر -رضي الله عنه- يمشي صوب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فلم يكد يراه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى قال :( يرحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده )  

وصية الرسول له

ألقى الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أبا ذر في يوم سؤال :( يا أبا ذر ، كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء ) فأجاب قائلا :( اذا والذي بعثك بالحق ، لأضربن بسيفي ) فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( أفلا أدلك على خير من ذلك ؟ اصبر حتى تلقاني ) وحفظ أبو ذر وصية الرسول الغالية فلن يحمل السيف بوجوه الأمراء الذين يثرون من مال الأمة ، وانما سيحمل في الحق لسانه البتار  

جهاده بلسانه

ومضى عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده عهد أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- ، في تفوق كامل على مغريات الحياة وفتنتها ، وجاء عصر عثمان -رضي الله عنه- وبدأ يظهر التطلع الى مفاتن الدنيا ومغرياتها ، وتصبح السلطة وسيلة للسيطرة والثراء والترف ، رأى أبو ذر ذلك فمد يده الى سيفه ليواجه المجتمع الجديد ، لكن سرعان ما فطن الى وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ " فكان لابد هنا من الكلمة الصادقة الأمينة ، فليس هناك أصدق من أبي ذر لهجة ، وخرج أبو ذر الى معاقل السلطة والثروة معترضا على ضلالها ، وأصبح الراية التي يلتف حولها الجماهير والكادحين ، وذاع صيته وهتافه يردده الناس أجمعين :( بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة )  
وبدأ أبو ذر بالشام ، أكبر المعاقل سيطرة ورهبة ، هناك حيث معاوية بن أبي سفيان وجد أبو ذر -رضي الله عنه- فقر وضيق في جانب ، وقصور وضياع في الجانب الآخر ، فصاح بأعلى صوته :( عجبت لمن لا يجد القوت في بيته ، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه ) ثم ذكر وصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بوضع الأناة مكان الانقلاب ، فيعود الى منطق الاقناع والحجة ، ويعلم الناس بأنهم جميعا سواسية كأسنان المشط ، جميعا شركاء بالرزق ، الى أن وقف أمام معاوية يسائله كما أخبره الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غير خوف ولا مداراة ، ويصيح به وبمن معه :( أفأنتم الذين نزل القرآن على الرسول وهو بين ظهرانيهم ؟؟) ويجيب عنهم :( نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن ، وشهدتم مع الرسول المشاهد)، ويعود بالسؤال :( أولا تجدون في كتاب الله هذه الآية :"  

والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم ، فتكوى بها جباههم ، وجنوبهم ، وظهورهم ، هذا ما كنزتم لأنفسكم ، فذوقوا ما كنتم تكنزون "  

فيقول معاوية :(لقد أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب ) فيصيح أبو ذر :( لا بل أنزلت لنا ولهم )  ويستشعر معاوية الخطر من أبي ذر فيرسل الى الخليفة عثمان -رضي الله عنه- :( ان أبا ذر قد أفسد الناس بالشام ) فيكتب عثمان الى أبي ذر يستدعيه ، فيودع الشام ويعود الى المدينة ويقول للخليفة بعد حوار طويل :( لا حاجة لي في دنياكم ) وطلب الاذن بالخروج الى ( الربذة ) وهناك طالبه البعض برفع راية الثورة ضد الخليفة ولكنه زجرهم قائلا :( والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة ، أو جبل، لسمعت وأطعت ، وصبرت واحتسبت ، ورأيت ذلك خيرا لي )  
فأبو ذر لا يريد الدنيا ، بل لا يتمنى الامارة لأصحاب رسول الله ليظلوا روادا للهدى  لقيه يوما أبو موسى الأشعري ففتح له ذراعيه يريد ضمه فقال له أبو ذر :( لست أخيك ، انما كنت أخيك قبل أن تكون واليا وأميرا ) كما لقيه يوما أبو هريرة واحتضنه مرحبا ، فأزاحه عنه وقال :( اليك عني ، ألست الذي وليت الامارة ، فتطاولت في البنيان ، واتخذت لك ماشية وزرعا ) وعرضت عليه امارة العراق فقال :( لا والله لن تميلوا علي بدنياكم أبدا )  

 

اقتدائه بالرسول

عاش أبو ذر -رضي الله عنه- مقتديا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو يقول :( أوصاني خليلي بسبع ، أمرني بحب المساكين والدنو منهم ، وأمرني أن أنظر الى من هو دوني ولا أنظر الى من هو فوقي ، وأمرني ألا أسأل أحدا شيئا ، وأمرني أن أصل الرحم ، وأمرني أن أقول الحق ولو كان مرا ، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم ، وأمرني أن أكثر من : لاحول ولا قوة الا بالله ) وعاش على هذه الوصية ، ويقول الامام علي - رضي الله عنه - :( لم يبق اليوم أحد لايبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر )  
وكان يقول أبو ذر لمانعيه عن الفتوى :( والذي نفسي بيده ، لو وضعتم السيف فوق عنقي ، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن تحتزوا لأنفذتها ) ورآه صاحبه يوما يرتدي جلبابا قديما فقال له :( أليس لك ثوب غير هذا ؟ لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين ؟) فأجابه أبو ذر :( يا بن أخي ، لقد أعطيتهما من هو أحوج اليهما مني ) قال له :( والله انك لمحتاج اليهما ) فأجاب أبو ذر :( اللهم غفرا انك لمعظم للدنيا ، ألست ترى علي هذه البردة ، ولي أخرى لصلاة الجمعة، ولي عنزة أحلبها، وأتان أركبها، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟)  

وفاته

في ( الربذة ) جاءت سكرات الموت لأبي ذر الغفاري ، وبجواره زوجته تبكي ، فيسألها :( فيم البكاء والموت حق ؟) فتجيبه بأنها تبكي :( لأنك تموت ، وليس عندي ثوب يسعك كفنا !) فيبتسم ويطمئنها ويقول لها :( لا تبكي ، فاني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول :" ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض ، تشهده عصابة من المؤمنين " وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ، ولم يبق منهم غيري   وهأنذا بالفلاة أموت ، فراقبي الطريق فستطلع علينا عصابة من المؤمنين ، فاني والله ما كذبت ولا كذبت ) وفاضت روحه الى الله ، وصدق فهذه جماعة مؤمنة تأتي وعلى رأسها عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما أن يرى وجه أبي ذر حتى تفيض عيناه بالدمع ويقول :( صدق رسول الله ، تمشي وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ) وبدأ يقص على صحبه قصة هذه العبارة التي قيلت في غزوة تبوك كما سبق ذكره  
 

ابو سفيان

 

أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب ، ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخو الرسول من الرضاعة ، اذ أرضعته حليمة السعدية مرضعة الرسول بضعة أيام واخوته الثلاثة نوفل وربيعة وعبـدالله قد سبقوه الى الاسلام ، أما هو فعشرون عاما منذ بعث الرسول الكريم حتى اقترب فتح مكة وهو مع المشركين من قريـش يشد أزرهم ويهجو الرسـول ، ولا يتخلف عن حشد تحشده قريش لقتال  

اسلامه

وأنار الله بصيرة أبي سفيان وقلبه للايمان ، وخرج مع ولده جعفر الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تائبا لله رب العالمين ، وعند الأبواء لمح مقدمة جيش لجب ، وأدرك أنه الرسول قاصدا مكة ، وتنكر أبوسفيان حتى أخفى ملامحه ، لأن اذا ما رأه أحد من المسلمين فسيقتله ، فقد أهدر الرسول -صلى الله عليه وسلم- دمه ، ومشى حتى ألقى بنفسه أمام الرسول الكريم ، وأزاح قناعه فعرفه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحول وجهه عنه ، فأتاه أبوسفيان من الجهة الأخرى ، فأعرض الرسول عنه ، فصاح أبو سفيان وولده :( نشهد أن لا اله الا الله ، ونشهد أن محمدا رسول الله ) واقترب من النبي قائلا :( لا تثريب يا رسول الله ) وأجابه الرسول :( لا تثريب يا أبا سفيان ) ثم أسلمه الى علي بن أبي طالب وقال له :( علم ابن عمك الوضوء والسنة ورح به الي ) وذهب به علي ثم رجع فقال له الرسول :( ناد في الناس أن رسول الله قد رضي عن أبي سفيان فارضوا عنه )  
وقال العباس بن عبد المطلب لرسول الله :( ان أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا )  قال الرسول :( نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن )   

جهاده

ومن أولى لحظات اسلامه ، راح يعوض ما فاته من حلاوة الايمان والعبادة ، فكان عابدا ساجدا ، خرج مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-فيما تلا فتح مكة من غزوات ، ويوم حنين حيث نصب المشركون للمسلمين كمينا خطيرا ، وثبت الرسول مكانه ينادي :( الي أيها الناس ، أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ) في تلك اللحظات الرهيبة قلة لم تذهب بصوابها المفاجأة  وكان منهم أبوسفيان وولده جعفر ، لقد كان أبوسفيان يأخذ بلجام فرس الرسول بيسراه ، يرسل السيف في نحور المشركين بيمناه ، وعاد المسلمون الى مكان المعركة حول نبيهم ، وكتب الله لهم النصر المبين ، ولما انجلى غبارها ، التفت الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمن يتشبت بمقود فرسه وتأمله وقال :( من هذا ؟  أخي أبو سفيان بن الحارث ؟) وما كاد يسمع أبوسفيان كلمة أخي حتى طار فؤاده من الفرح ، فأكب على قدمي رسول الله يقبلهما  

وفاته

ذات يوم شاهده الناس في البقيع يحفر لحدا ، ويسويه ويهيئه ، فلما أبدوا دهشهم مما يصنع ، قال لهم :( اني أعد قبري ) وبعد ثلاثة أيام لاغير ، كان راقدا في بيته ، وأهله من حوله يبكون  وفتح عينيه عليهم في طمأنينة سابغة وقال لهم :( لا تبكوا علي ، فاني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت )  وقبل أن يحني رأسه على صدره ، لوح به الى أعلى ، ملقيا على الدنيا تحية الوداع

 

أبو موسى الأشعري

 

انه عبـدالله بن قيـس المكني ب( أبي موسى الأشعري )، غادر وطنه اليمن الى الكعبة فور سماعه برسول ظهر هناك يدعو الى التوحيد ، وفي مكة جلس بين يدي الرسول الكريم وتلقى عنه الهدى واليقين ، وعاد الى بلاده يحمل كلمة اللـه ، ثم رجع الى الرسـول بعد فتح خيبر  ووافق قدوم جعفر بن أبي طالب مع أصحابه من الحبشة ، فأسهم الرسول لهم جميعا ، وجاء معه بضعة وخمسون من أهل اليمن ، مع شقيقاه : أبورهم ، وأبوبردة   وسمى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الوفد بالأشعريين وبأنهم أرق الناس أفئدة  

ايمانه

ومن ذلك اليوم أخذ أبوموسى مكانه العالي بين المؤمنين ، فكان فقيها حصيفا ذكيا ، ويتألق بالافتاء والقضاء حتى قيل :( قضاة هذه الأمة أربعة : عمر وعلي وأبوموسى وزيد بن ثابت ) وكان من أهل القرآن حفظا وفقها وعملا ، ومن كلماته المضيئة :( اتبعوا القرآن ولا تطمعوا في أن يتبعكم القرآن ) واذا قرأ القرآن فصوته يهز أعماق من يسمعه حتى قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :" لقد أوتي أبوموسى مزمارا من مزامير آل داود " وكان عمر يدعوه للتلاوة قائلا :( شوقنا الى ربنا يا أبا موسى )  وكان من أهل العبادة المثابرين وفي الأيام القائظة كان يلقاها مشتاقا ليصومها قائلا:( لعل ظمأ الهواجر يكون لنا ريا يوم القيامة )  

في مواطن الجهاد

كان أبوموسى -رضي الله عنه- موضع ثقة الرسول وأصحابه وحبهم ، فكان مقاتلا جسورا   ومناضلا صعبا ، فكان يحمل مسئولياته في استبسال جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول عنه :" سيد الفوارس أبوموسى " ويقول أبوموسى عن قتاله :( خرجنا مع رسول الله في غزاة   نقبت فيها أقدامنا ، ونقبت قدماي ، وتساقطت أظفاري ، حتى لففنا أقدامنا بالخرق ) وفي حياة رسول الله ولاه مع معاذ بن جبل أمر اليمن  

الامارة

وبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- عاد أبوموسى من اليمن الى المدينة ، ليحمل مسئولياته مع جيوش الاسلام ، وفي عهد عمر ولاه البصرة ، فجمع أهلها وخطب فيهم قائلا :( ان أمير المؤمنين عمر بعثني اليكم ، أعلمكم كتاب ربكم ، وسنة نبيكم ، وأنظف لكم طرقكم ) فدهش الناس لأنهم اعتادوا أن يفقههم الأمير ويثقفهم ، ولكن أن ينظف طرقاتهم فهذا ما لم يعهدوه أبدا   وقال عنه الحسن -رضي الله عنه- :( ما أتى البصرة راكب خير لأهلها منه )  كما أن عثمان  رضي الله عنه- ولاه الكوفة  

أهل أصبهان

وبينما كان المسلمون يفتحون بلاد فارس ، هبط الأشعري وجيشه على أهل أصبهان الذين صالحوه على الجزية فصالحهم ، بيد أنهم لم يكونوا صادقين ، وانما أرادوا أن يأخذوا الفرصة للاعداد لضربة غادرة ، ولكن فطنة أبي موسى التي لم تغيب كانت لهم بالمرصاد ، فعندما هموا بضربتهم وجدوا جيش المسلمين متأهبا لهم ، ولم ينتصف النهار حتى تم النصر الباهر  

موقعة تستر

في فتح بلاد فارس أبلى القائد العظيم أبوموسى الأشعري البلاء الكريم ، وفي موقعة التستر بالذات كان أبوموسى بطلها الكبير ، فقد تحصن الهرمزان بجيشه في تستر ، وحاصرها المسلمون أياما عدة ، حتى أعمل أبوموسى الحيلة فأرسل مائتي فارس مع عميل فارسي أغراه أبوموسى بأن يحتال حتى يفتح باب المدينة ، ولم تكاد تفتح الأبواب حتى اقتحم جنود الطليعة الحصن وانقض أبوموسى بجيشه انقضاضا ، واستولى على المعقل في ساعات ، واستسلم قائد الفرس ، فأرسله أبوموسى الى المدينة لينظر الخليفة في أمره  

الفتنة

لم يشترك أبوموسى -رضي الله عنه- في قتال الا أن يكون ضد جيوش مشركة ، أما حينما يكون القتال بين مسلم ومسلم فانه يهرب ولا يكون له دور أبدا ، وكان موقفه هذا واضحا في الخلاف بين علي ومعاوية ، ونصل الى أكثر المواقف شهرة في حياته ، وهو موقفه في التحكيم بين الامام علي ومعاوية ، وكانت فكرته الأساسية هي أن الخلاف بينهما وصل الى نقطة حرجة ، راح ضحيتها الآلاف ، فلابد من نقطة بدء جديدة ، تعطي المسلمين فرصة للاختيار بعد تنحية أطراف النزاع ، وأبوموسى الأشعري على الرغم من فقهه وعلمه فهو يعامل الناس بصدقه ويكره الخداع والمناورة التي لجأ اليها الطرف الآخر ممثلا في عمرو بن العاص الذي لجأ الى الذكاء والحيلة الواسعة في أخذ الراية لمعاوية  
ففي اليوم التالي لاتفاقهم على تنحية علي ومعاوية وجعل الأمر شورى بين المسلمين  دعا أبوموسى عمرا ليتحدث فأبى عمرو قائلا :( ما كنت لأتقدمك وأنت أكثر مني فضلا وأقدم هجرة وأكبر سنا ) وتقدم أبوموسى وقال :( يا أيها الناس ، انا قد نظرنا فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمة ويصلح أمرها ، فلم نر شيئا أبلغ من خلع الرجلين - علي ومعاوية - وجعلها شورى يختار الناس لأنفسهم من يرونه لها ، واني قد خلعت عليا ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من أحببتم ) وجاء دور عمرو بن العاص ليعلن خلع معاوية كما تم الاتفاق عليه بالأمس ، فصعد المنبر وقال :( أيها الناس ، ان أباموسى قد قال ما سمعتم ، وخلع صاحبه ، ألا واني قد خلعت صاحبه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ، فانه ولي أمير المؤمنين عثمان والمطالب بدمه ، وأحق الناس بمقامه !!)  
ولم يحتمل أبوموسى المفاجأة ، فلفح عمرا بكلمات غاضبة ثائرة ، وعاد من جديد الى عزلته الى مكة الى جوار البيت الحرام ، يقضي هناك ما بقي له من عمر وأيام  

وفاته

وجاء أجل أبوموسى الأشعري ، وكست محياه اشراقة من يرجو لقاء ربه وراح لسانه في لحظات الرحيل يردد كلمات اعتاد قولها دوما :( اللهم أنت السلام ، ومنك السلام )

 

أبو عبيدة

 

أبوعبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح الفهري يلتقي مع النبي-صلى الله عليه وسلم- في أحد أجداده (فهر بن مالك) وأمه من بنات عم أبيه أسلمت وقتل أبوه كافرا يوم بدر  كان -رضي الله عنه- طويل القامة ، نحيف الجسم ، خفيف اللحية أسلم على يد أبي بكر الصديق في الأيام الأولى للاسلام ، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية ثم عاد ليشهد مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- المشاهد كلها  

غزوة بدر

في غزوة بدر جعل أبو ( أبو عبيدة ) يتصدّى لأبي عبيدة ، فجعل أبو عبيدة يحيد عنه ، فلمّا أكثر قصدَه فقتله ، فأنزل الله هذه الآية  

قال تعالى :"( لا تجدُ قوماً يؤمنون بالله واليومِ الآخر يُوادُّون مَنْ حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءَ هُم أو أبناءَ هم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتبَ في قلوبهم الأيمان ")

 

غزوة أحد

يقول أبوبكر الصديق -رضي الله عنه-:( لما كان يوم أحد ، ورمي الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر ، أقبلت أسعى الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وانسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا ، فقلت : اللهم اجعله طاعة ، حتى اذا توافينا الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اذا هو أبوعبيدة بن الجراح قد سبقني ، فقال : ( أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) فتركته   فأخذ أبوعبيدة بثنيته احدى حلقتي المغفر ، فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه   ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت ، فكان أبوعبيدة في الناس أثرم )  

غزوة الخبط

أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- أباعبيدة بن الجراح أميرا على ثلاثمائة وبضعة عشرة مقاتلا   وليس معهم من الزاد سوى جراب تمر ، والسفر بعيد ، فاستقبل أبوعبيدة واجبه بغبطة وتفاني   وراح يقطع الأرض مع جنوده وزاد كل واحد منهم حفنة تمر ، وعندما قل التمر أصبح زادهم تمرة واحدة في اليوم ، وعندما فرغ التمر راحوا يتصيدون ( الخبط ) أي ورق الشجر فيسحقونه ويسفونه ويشربون عليه الماء ، غير مبالين الا بانجاز المهمة  لهذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط   

مكانته أمين الأمة

قدم أهل نجران على النبي-صلى الله عليه وسلم- وطلبوا منه ان يرسل اليهم واحدا فقال عليه الصلاة والسلام :( لأبعثن -يعني عليكم- أمينا حق امين ) فتشوف أصحابه رضوان الله عليهم يريدون أن يبعثوا لا لأنهم يحبون الامارة أو يطمعون فيها  ولكن لينطبق عليهم وصف النبي -صلى الله عليه و سلم- "أمينا حق امين" وكان عمر نفسه-رضي الله عليه-من الذين حرصوا على الامارة لهذا آنذاك بل صار -كما قال يتراءى- أي يري نفسه - للنبي صلى الله عليه وسلم- حرصا منه -رضي الله عنه- أن يكون أمينا حق أمين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم- تجاوز جميع الصحابة وقال :( قم يا أباعبيدة )  
كما كان لأبي عبيدة مكانة عالية عند عمر فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يجود بأنفاسه :( لو كان أبوعبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته فان سألني ربي عنه ، قلت : استخلفت أمين الله ، وأمين رسوله )  

معركة اليرموك

في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الامبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- ، وتولى الخلافة بعده عمر -رضي الله عنه-  وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد وصل الخطاب الى أبىعبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة ، ثم أخبر خالدا بالأمر ، فسأله خالد :( يرحمك الله أباعبيدة ، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب ؟) فأجاب أبوعبيدة :( اني كرهت أن أكسر عليك حربك ، وما سلطان الدنيا نريد ، ولا للدنيا نعمل ، كلنا في الله أخوة ) وأصبح أبوعبيدة أمير الأمراء بالشام  

تواضعه

ترامى الى سمعه أحاديث الناس في الشام عنه ، وانبهارهم بأمير الأمراء ، فجمعهم وخطب فيهم قائلا :( يا أيها الناس ، اني مسلم من قريش ، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود  يفضلني بتقوى الا وددت أني في اهابه !!)  
وعندما زار أمير المؤمنين عمر الشام سأل عن أخيه ، فقالوا له :( من ؟) قال :( أبوعبيدة بن الجراح ) وأتى أبوعبيدة وعانقه أمير المؤمنين ثم صحبه الى داره ، فلم يجد فيها من الأثاث شيئا ، الا سيفه وترسه ورحله ، فسأله عمر وهو يبتسم :( ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس ؟) فأجاب أبوعبيدة :( يا أمير المؤمنين ، هذا يبلغني المقيل )  

طاعون عمواس

حل الطاعون بعمواس وسمي فيما بعد "طاعون عمواس" وكان أبوعبيدة أمير الجند هناك  فخشي عليه عمر من الطاعون فكتب اليه يريد أن يخلصه منه قائلا : (اذا وصلك خطابي في المساء فقد عزمت عليك ألا تصبح الامتوجها الي واذا وصلك في الصباح ألا تمسي الا متوجها الي فان لي حاجة اليك) وفهم أبوعبيدة المؤمن الذكي قصد عمر وانه يريد أن ينقذه من الطاعون فكتب الى عمر متأدبا معتذرا عن عدم الحضور اليه وقال : ( لقد وصلني خطابك يا أمير المؤمنين وعرفت قصدك وانما أنا في جند من المسلمين يصيبني ما أصابهم فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين) ولما وصل الخطاب الى عمر بكى فسأله من حوله :(هل مات أبوعبيدة ؟) فقال :(كأن قد) والمعنى أنه اذا لم يكن قد مات بعد والا فهو صائر الى الموت لا محالة اذ لا خلاص منه مع الطاعون  

كان أبو عبيـدة -رضي الله عنه- في ستة وثلاثيـن ألفاً من الجُند ، فلم يبق إلاّ ستـة آلاف رجـل والآخرون ماتوا مات أبوعبيـدة -رضي الله عنه- سنة (18) ثماني عشرة للهجرة في طاعون عمواس وقبره في غور الأردن رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى

أبو هريرة

 

كان اسمه في الجاهلية عبد شمس ، ولما أسلم سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عبد الرحمن ولقد كان عطوفا على الحيوان ، وكانت له هرة ، يرعاها ويطعمها وينظفها وتلازمه فدعي أبا هريرة -رضي الله عنه  

نشأته و اسلامه

يتحدث عن نفسه -رضي الله عنه- فيقول :( نشأت يتيما ، وهاجرت مسكينا ، وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، كنت أخدمهم اذا نزلوا ، وأحدو لهم اذا ركبوا ، وهأنذا وقد زوجنيها الله ، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما ، وجعل أبا هريرة أماما ) قدم الى النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة سبع للهجرة وهو بخيبر وأسلم ، ومنذ رأى الرسول الكريم لم يفارقه لحظة  وأصبح من العابدين الأوابين ، يتناوب مع زوجته وابنته قيام الليل كله ، فيقوم هو ثلثه ، وتقوم زوجته ثلثه ، وتقوم ابنته ثلثه ، وهكذا لا تمر من الليل ساعة الا وفي بيت أبي هريرة عبادة وذكر وصلاة  

اسلام أم أبي هريرة

لم يكن لأبي هريرة بعد اسلامه الا مشكلة واحدة وهي أمه التي لم تسلم ، وكانت دوما تؤذيه بذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالسوء ، فذهب يوما الى الرسول باكيا :( يا رسول الله  كنت أدعو أم أبي هريرة الى الاسلام فتأبى علي ، واني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره ، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة الى الاسلام ) فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :" اللهم اهد أم أبي هريرة " فخرج يعدو يبشرها بدعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلما أتاها سمع من وراء الباب خصخصة الماء ، ونادته :( يا أبا هريرة مكانك ) ثم لبست درعها، وعجلت من خمارها وخرجت تقول:( أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ) فجاء أبوهريرة الى الرسول صلى الله عليه وسلم- باكيا من الفرح وقال :( أبشر يا رسول الله ، فقد أجاب الله دعوتك ، قد هدى الله أم أبي هريرة الى الاسلام)  ثم قال :( يا رسول الله ، ادع الله أن يحببني وأمي الى المؤمنين والمؤمنات ) فقال :( اللهم حبب عبيدك هذا وأمه الى كل مؤمن ومؤمنة)

امارته للبحرين

وعاش -رضي الله عنه- عابدا ومجاهدا ، لا يتخلف عن غزوة ولا عن طاعة ، وفي خلافة عمر -رضي الله عنه- ولاه امارة البحرين ، وكان عمر -رضي الله عنه- اذا ولى أحدا الخلافة راقب ماله ، فاذا زاد ثراءه ساءله عنه وحاسبه ،وهذا ما حدث مع أبي هريرة ، فقد ادخر مالا حلالا له ، وعلم عمر بذلك فأرسل في طلبه ، يقول أبو هريرة : قال لي عمر :( يا عدو الله ، وعدو كتابه  أسرقت مال الله )  قلت :( ما أنا بعدو لله ولا عدو لكتابه لكني عدو من عاداهما ، ولا أنا من يسرق مال الله )  قال:( فمن أين اجتمعت لك عشرة ألاف ؟) قلت:( خيل لي تناسلت ، وعطايا تلاحقت ) قال عمر :( فادفعها الى بيت مال المسلمين ) ودفع أبو هريرة المال الى عمر ثم رفع يديه الى السماء وقال :( اللهم اغفر لأمير المؤمنين ) وبعد حين دعا عمر أبا هريرة ، وعرض عليه الولاية من جديد ، فأباها واعتذر عنها ، وعندما سأله عمر عن السبب قال :( حتى لا يشتم عرضي ، ويؤخذ مالي ، ويضرب ظهري ) ثم قال :( وأخاف أن أقضي بغير علم ، وأقول بغير حلم )  

سرعة الحفظ و قوة الذاكرة

ان أبطال الحروب من الصحابة كثيرون ، والفقهاء والدعاة والمعلمون كثيرون ، ولكن كان هناك قلة من الكتاب ، ولم يكونوا متفرغين لتدوين كل ما يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم  وعندما أسلم أبو هريرة لم يملك أرض يزرعها أو تجارة يتبعها ، وانما يملك موهبة تكمن في ذاكرته ، فهو سريع الحفظ قوي الذاكرة ، فعزم على تعويض مافاته بان يأخذ على عاتقه حفظ هذا التراث وينقله الى الأجيال القادمة  فهو يقول :( انكم لتقولون أكثر أبو هريرة في حديثه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وتقولون ان المهاجرين الذين سبقوه الى الاسلام لا يحدثون هذه الأحاديث ، ألا ان أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق ، وان أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم ، واني كنت امرءا مسكينا ، أكثر مجالسة رسول الله ، فأحضر اذا غابوا ، وأحفظ اذا نسوا ، وان الرسول -صلى الله عليه وسلم- حدثنا يوما فقال :" من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثم يقبضه اليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني " فبسطت ثوبي فحدثني ثم ضممته الي فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه ، وأيم الله لولا أية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا ، هي :"  

ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون "

مقدرته على الحفظ

أراد مروان بن الحكم يوما أن يختبر مقدرة أبي هريرة على الحفظ ، فدعاه اليه ليحدثه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأجلس كاتبا له وراء حجاب ليكتب كل ما يسمع من أبي هريرة   وبعد مرور عام ، دعاه ثانية ، وأخذ يستقرئه نفس الأحاديث التي كتبت ، فما نسي أبو هريرة منها شيئا  وكان -رضي الله عنه- يقول :( ما من أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثا عنه مني الا ما كان من عبدالله بن عمرو بن العاص ، فانه كان يكتب ولا أكتب ) وقال عنه الامام الشافعي :( أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره ) وقال البخاري :( روى عن أبي هريرة نحو ثمانمائة أو أكثر من الصحابة والتابعين وأهل العلم )  

وفاته

وعندما كان يعوده المسلمين داعيين له بالشفاء ، كان أبو هريرة شديد الشوق الى لقاء الله ويقول :( اللهم اني أحب لقاءك ، فأحب لقائي ) وعن ثماني وسبعين سنة مات في العام التاسع والخمسين للهجرة ، وتبوأ جثمانه الكريم مكانا مباركا بين ساكني البقيع الأبرار  وعاد مشيعوه من جنازته وألسنتهم ترتل الكثير من الأحاديث التي حفظها لهم عن رسولهم الكريم  

ابي بن كعب

 

أبي بن كعب بن قيس بن عُبيدالنجّار - أبو منذر - الأنصاري الخزرجي كان قبل الإسلام حَبْراً من أحْبار اليهود ، مطلعاً على الكتب القديمة ولمّا أسلم كان في كتاب الوحي ، شهد العقبـة و بدرا وبقية المشاهـد وجمع القرآن في حياة الرسـول -صلى الله عليه وسلم- وكان رأساً في العلم وبلغ في المسلمين الأوائل منزلة رفيعة ، حتى قال عنه عمر بن الخطاب ( أبي سيد المسلمين )

كتابة الوحي

كان أبي بن كعب في مقدمة الذين يكتبون الوحي ويكتبون الرسائل ، وكان في حفظه القرآن وترتيله وفهم أياته من المتفوقين ، قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( يا أبي بن كعب  اني أمرت أن أعرض عليك القرآن ) وأبي يعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انما يتلقى أوامره من الوحي هنالك سأل الرسول الكريم في نشوة غامرة : ( يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، وهل ذكرت لك باسمي ؟ )   فأجاب الرسول - صلى الله عليه وسلم- :( نعم ، باسمك ونسبك في الملأ الأعلى ) كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أقـرأ أمتي أبَيّ )

علمه

سأله النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما :( يا أبا المنذر ، أي أية من كتاب الله أعظم ؟) فأجاب قائلا :( الله ورسوله أعلم ) وأعاد النبي -صلى الله عليه وسلم- سؤاله :( يا أبا المنذر  أي أية من كتاب الله أعظم ؟) وأجاب أبي :( الله لا اله الا هو الحي القيوم ) فضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- صدره بيده ، وقال له والغبطة تتألق على محياه :( ليُهْنِكَ العلم أبا منذر

وعن أبي بن كعب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلّى بالناس ، فترك آية فقال :( أيُّكم أخذ عليّ شيئاً من قراءتي ؟) فقال أبيُّ :( أنا يا رسول الله ، تركتَ آية كذا وكذا ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم- :( قد علمتُ إنْ كان أحدٌ أخذها عليّ فإنّكَ أنت هو )  

وقال أبي بن كعب لعمر بن الخطاب :( يا أمير المؤمنين إني تلقيتُ القرآن ممن تلقّاه من جبريل وهو رطب )  

زهده

وعن جُندب بن عبد الله البجلي قال : أتيت المدينة ابتغاء العلم ، فدخلت مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا الناس فيه حَلَقٌ يتحدّثون ، فجعلت أمضـي الحَلَقَ حتى أتيتُ حلقـةً فيها رجل شاحبٌ عليه ثوبان كأنّما قـدم من سفر فسمعته يقول :( هلك أصحاب العُقـدة ورب الكعبـة ، ولا آسى عليهم ) أحسبه قال مراراً فجلست إليه فتحدّث بما قُضيَ له ثم قام ، فسألت عنه بعدما قام قلت :( من هذا ؟) قالوا :( هذا سيد المسلمين أبي بن كعب ) فتبعته حتى أتى منزله ، فإذا هو رثُّ المنزل رثُّ الهيئة ، فإذا هو رجل زاهد منقطعٌ يشبه أمره بعضه بعضاً  

ورعه وتقواه

قال أبي بن كعب :( يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إني أكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لك في صلاتي ؟) قال :( ما شئت ، وإن زدت فهو خيرٌ ) قال :( الرُّبـع ؟) قال :( ما شئـت ، وإن زدت فهو خيرٌ ) قال :( أجعلُ النصـف ؟) قال :( ما شئـت ، وإن زدت فهو خيرٌ ) قال :( الثلثيـن ؟)  قال :( ما شئـت ، وإن زدت فهو خيرٌ ) قال :( اجعـل لك صلاتي كلّها ؟) قال :( إذاً تُكفـى همَّك ويُغفَر ذنبُك )  

وبعد انتقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى الرفيق الأعلى ، ظل أبي على عهده في عبادته وقوة دينه ، وكان دوما يذكر المسلمين بأيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويقول :( لقد كنا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ووجوهنا واحدة ، فلما فارقنا اختلفت وجوهنا يمينا وشمالا ) وعن الدنيا يتحدث ويقول :( ان طعام ابن آدم ، قد ضرب للدنيا مثلا ، فان ملحه وقذحه فانظر الى ماذا يصير ؟) وحين اتسعت الدولة الاسلامية ورأى المسلمين يجاملون ولاتهم ، أرسل كلماته المنذرة:( هلكوا ورب الكعبة ، هلكوا وأهلكوا ، أما اني لا آسى عليهم ، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين ) وكان أكثر ما يخشاه هو أن يأتي على المسلمين يوما يصير بأس أبنائهم بينهم شديد  

وقعة الجابية

شهد أبـي بن كعـب مع عمـر بن الخطاب وقعة الجابيـة ، وقد خطـب عمـر بالجابية فقال :( أيها الناس من كان يريـد أن يسأل عن القرآن فليأتِ أبـيَّ بن كعـب )  

الدعوة المجابة

عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال : قال عمر بن الخطاب :( اخرجوا بنا إلى أرض قومنا ) قال : فخرجنا فكنت أنا وأبي بن كعب في مؤخَّر الناس ، فهاجت سحابة ، فقال أبيُّ :( اللهم اصرف عنّا أذاها ) فلحقناهم وقد ابتلّت رحالهم ، فقال عمر :( أمَا أصابكم الذي أصابنا ؟) قلت :( إن أبا المنذر دعا الله عزّ وجلّ أن يصرف عنّا أذاها ) فقال عمر( ألا دعوتُمْ لنا معكم )

الوصية

قال رجلٌ لأبي بن كعب :( أوصني يا أبا المنذر ) قال :( لا تعترض فيما لا يعنيك ، واعتزل عدوَّك ، واحترس من صديقك ، ولا تغبطنَّ حيّاً إلا بما تغبطه به ميتاً ، ولا تطلب حاجةً إلى مَنْ لا يُبالي ألا يقضيها لك )  

مرضه

عن عبـد اللـه بن أبي نُصير قال : عُدْنا أبي بن كعـب في مرضه ، فسمع المنادي بالأذان فقال :( الإقامة هذه أو الأذان ؟) قلنا :( الإقامـة ) فقال :( ما تنتظرون ؟ ألا تنهضون إلى الصلاة ؟)  فقلنا :( ما بنا إلا مكانك ) قال :( فلا تفعلوا قوموا ، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى بنا صلاة الفجر ، فلمّا سلّم أقبل على القوم بوجهه فقال :( أشاهدٌ فلان ؟ أشاهدٌ فلان ؟) حتى دعا بثلاثة كلهم في منازلهم لم يحضروا الصلاة فقال :( إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْواً ، واعلم أنّ صلاتك مع رجلٍ أفضل من صلاتك وحدك ، وإن صلاتك مع رجلين أفضل من صلاتك مع رجل ، وما أكثرتم فو أحب إلى الله ، وإن الصفّ المقدم على مثل صف الملائكة ، ولو يعلمون فضيلته لابتدروه ألا وإن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحدَه أربعاً وعشرين أو خمساً وعشرين )  

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ما مِنْ شيءٍ يصيب المؤمن في جسده إلا كفَّر الله عنه به من الذنوب ) فقال أبي بن كعب :( اللهم إنّي أسألك أن لا تزال الحُمّى مُضارِعةً لجسدِ أبيٌ بن كعب حتى يلقاك ، لايمنعه من صيام ولا صلاة ولا حجّ ولا عُمرة ولا جهاد في سبيلك ) فارتكبته الحمى فلما تفارقه حتى مات ، وكان في ذلك يشهد الصلوات ويصوم ويحج ويعتمر ويغزو  

وفاته

توفـي -رضي اللـه عنه- سنة ( 30هـ ) ، يقول عُتيّ السعـديّ : قدمت المدينة في يـوم ريحٍ وغُبْـرةٍ ، وإذا الناس يموج بعضهم في بعـض ، فقلت :( ما لي أرى الناس يموج بعضهم في بعض ؟) فقالـوا :( أما أنـت من أهل هذا البلـد ؟) قلت :( لا ) قالوا :( مات اليـوم سيد المسلمين  أبيّ بن كعب )

أبيض بن حمال

 

هو أبيض بن حمّال بن مرثد المازني الحميري ، له صحبة ورواية كان في وجهه حزازة فالتقمـتْ أنفه ، فدعاه الرسـول -صلى الله عليه وسلـم- فمسح على وجهه فلم يُمْـسِ ذلك اليوم وفيه أثرٌ  

أبيض والرسول

وفد على النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- فاستقطعه الملح الذي بمأرب فأقطعه إيّاه ، فقال رجل :( أتدري ما أقطعتَه يا رسـول اللـه ؟ إنما أقطعته الماء العدّ ) أي الدائم الذي لا انقطاع له   فرجع فيه وقال :( فلا آذن ) ثم قطع له -صلى اللـه عليه وسلم- أرضاً وغيلاً بالجوف   جوف مراد ، وقد سأل النبـي عن صدقة القطن فصالحه على سبعين حُلّة من بزِّ المعافر كلّ سنة عمن بقي من سبأ وسأله عن حمى الأراك ، فقال :( لا حِمَى في الأراك )  

أبيض وأبو بكر

وعاد أبيض الى اليمن ، وأقام بها إلى أن جاء أبو بكر الصديق ، فوفد على أبي بكر لمّا انتقض عليه عمّال اليمن ، فأقرّه أبو بكر على ما صالح عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الصدقة  ثم انتقض بعد أبي بكر وصار الى الصدقة

أرطاة بن كعب

أرطاة بن كعب بن شَراحيل النخعيّ ، وفد على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأسلم مع أخيه  عقد له الرسـول الكريم لواءً  وقد شهـد به القادسيـة ، واستشهد في القادسيـة ومعه اللواء فأخذه أخوه دُريد بن كعـب فقُتِـلَ  

ذي الخلصة

عن جرير بن عبد اللـه أن النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- بعثه إلى ذي الخلصة يهدمها ، قال  فبعث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بريداً يُقال له أرطاة ، فجاء فبشره ، فخرّ النبـي صلى اللـه عليه وسلم- ساجداً  

النخع

مرّت النخع بعمر بن الخطاب ، فأتاهم فتصفّحهم ، وهم ألفان وخمسمائة وعليهم رجلٌ يقال له أرطاة ، فقال :( إني لا أرى السرو فيكم متربعاً سيروا الى إخوانكم من أهل العراق فقاتِلوا ) فقالوا :( بل نسير الى الشام ) قال :( سيروا الى العراق ) فساروا الى العراق قال أبو الحارث :( فأتينا القادسية ، فقُتِلَ منا كثير ، ومن سائر الناس قليل) فسئل عمر عن ذلك فقال ( إنّ النخع وَلُوا عِظَمَ الأمر وحده )

 

أسامة بن زيد

 

أسامـة بن زيـد بن حارثة بن شراحيـل الكَلْبي ، أبو محمد ، من أبناء الإسلام الذين لم يعرفوا الجاهلية أبدا ،ابن زيد خادم الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- الذي آثـر الرسـول الكريم على أبيه وأمه وأهله والذي وقف به النبـي على جموع من أصحابه يقول :( أشهدكم أن زيدا هذا ابني يرثني وأرثه ) وأمه هي أم أيمن مولاة رسـول الله وحاضنته ، ولقد كان له وجه أسود وأنف أفطس ولكن مالكا لصفات عظيمة قريبا من قلب رسول الله  

حب الرسول له

عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت : عثَرَ أسامة على عتبة الباب فشَجَّ جبهتَهُ ، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمصُّ شجّته ويمجُّه ويقول :( لو كان أسامة جارية لكسوتُهُ وحلّيتُهُ حتى أنفِقَهُ )  
كما قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها- :( ما ينبغي لأحد أن يُبغِضَ أسامة بن زيد بعدما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( من كان يُحِبُّ الله ورسوله ، فليحبَّ أسامة )  
وقد اشترى الرسول -صلى الله عليه وسلم- حَلّةً كانت لذي يَزَن ، اشتراها بخمسين ديناراً ، ثم لبسها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجلس على المنبر للجمعة ، ثم نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكسا الحُلّة أسامة بن زيد  

نشأته وايمانه

على الرغم من حداثة سن أسامة -رضي الله عنه- الا أنه كان مؤمنا صلبا ، قويا ، يحمل كل تبعات دينه في ولاء كبير ، لقد كان مفرطا في ذكائه ، مفرطا في تواضعه ، وحقق هذا الأسود الأفطس ميزان الدين الجديد ( ان أكرمكم عند الله أتقاكم ) فهاهو في عام الفتح يدخل مكة مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أكثر ساعات الاسلام روعة  

الدروس النبوية

قبل وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعامين خرج أسامة أميرا على سرية للقاء بعض المشركين ، وهذه أول امارة يتولاها ، وقد أخذ فيها درسه الأكبر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهاهو يقول :( فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أتاه البشير بالفتح ، فاذا هو متهلل وجه ، فأدناي منه ثم قال :( حدثني ) فجعلت أحدثه ، وذكرت له أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت اليه بالرمح ، فقال :( لا اله الا الله ) فطعنته فقتلته ، فتغير وجه رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- وقال :( ويحك يا أسامة ! فكيف لك بلا اله الا اللـه ؟ ويحك يا أسامة ! فكيف لك بلا اله الا الله ؟) فلم يزل يرددها علي حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته ، واستقبلت الاسلام يومئذ من جديد ، فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله الا الله بعد ماسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)  

أهمَّ قريش شأن المرأة التي سرقت ، فقالوا :( من يكلّم فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟) فقالوا :( ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- ؟)  فكلّمه أسامة فقال رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- :( لم تشفعْ في حدّ من حدود الله ؟) ثم قام النبـي -صلى الله عليه وسلم- فاختطب فقال :( إنّما أهلك الله الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيْمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يَدَها )  

جيش أسامة

وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد بن حارثة الى الشام ، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره ، وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس وخرج مع أسامة المهاجرون الأولون ، وكان ذلك في مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأخير ، فاستبطأ الرسول الكريم الناس في بعث أسامة وقد سمع ما قال الناس في امرة غلام حدث على جلة من المهاجرين والأنصار ! فحمدالله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم- :( أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في امارته لقد قلتم في امارة أبيه من قبله ، وانه لخليق بالامارة ، وان كان أبوه لخليقا لها ) فأسرع الناس في جهازهم ، وخرج أسامة والجيش ، وانتقل الرسول الى الرفيق الأعلى ، وتولى أبو بكر الخلافة وأمر بانفاذ جيش أسامة وقال :( ما كان لي أن أحل لواء عقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) وخرج ماشيا ليودع الجيش بينما أسامة راكبا فقال له :( يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن ) فرد أبوبكر :( والله لا تنزل ووالله لا أركب ، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة ) ثم استأذنه في أن يبقى الى جانبه عمر بن الخطاب قائلا له :( ان رأيت أن تعينني بعمر فافعل ) ففعل وسار الجيش وحارب الروم وقضى على خطرهم ،وعاد الجيش بلا ضحايا ، وقال المسلمون عنه :( ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة )  

أسامة والفتنة

وعندما نشبت الفتنة بين علي ومعاوية التزم أسامة حيادا مطلقا ، كان يحب عليا كثيرا ويبصر الحق بجانبه ، ولكن كيف يقتل من قال لا اله الا الله000وقد لامه الرسول في ذلك سابقا! فبعث الى علي يقول له :( انك لو كنت في شدق الأسد ، لأحببت أن أدخل معك فيه ، ولكن هذا أمر لم أره ) ولزم داره طوال هذا النزاع ، وحين جاءه البعض يناقشونه في موقفه قال لهم :( لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا ) فقال أحدهم له :( ألم يقل الله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ؟) فأجاب أسامة :( أولئك هم المشركون ، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله )  

وفاته

وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة ، وفي أواخر خلافة معاوية ، أسلم -رضي الله عنه  روحه الطاهرة للقاء ربه ، فقد كان من الأبرار المتقين فمات بالمدينة وهو ابن ( 75 )

اسعد بن زرارة

 

أسعد بن زرارة الأنصاري ، وكنيته أبو أمامة ، وهو أول الأنصار إسلاماً ، صحابي جليل ، قديم الإسلام ، شهد العَقَبتَين ، وكان نقيباً على قبيلته ، ولم يكن في النقباء أصغر سناً من سنه ، وهو أول من بايع ليلة العقبة  

أول الأنصار إسلاماً

خرج أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس إلى مكة يتنافران الى عتبة بن ربيعة ، فسمعا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتياه فعرض عليهما الإسلام ، وقرأ عليهما القرآن ، فأسلما ولم يقربا عتبة بن ربيعة ، ورجعا الى المدينة فكانا أول من قدم بالإسلام بالمدينة  

ليلة العقبة

أخذ أسعد بن زرارة بيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة فقال :( يا أيها الناس ، هل تدرون على ما تُبايعون محمداً إنكم تبايعونه على أن تحاربوا العرب والعجم ، والجنّ والإنس مُجِلِبَةً ) فقالوا :( نحن حرب لمن حارب وسلم لمن سالم ) فقال أسعد بن زرارة :( يا رسول الله اشترط عليّ ) فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( تبايعوني على أن تشهدوا ألا إله إلا الله  وأني رسول الله ، وتقيموا الصلاة ، وتُؤْتُوا الزكاة ، والسمع والطاعة ، ولا تنازعوا الأمر أهله ، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم ) قالوا :( نعم ) قال قائل الأنصار :( نعم ، هذا لك يا رسول الله ، فما لنا ؟) قال :( الجنّة والنصر )  

مسجد الرسول

تقول النّوار أم زيد بن ثابت : أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة يصلي بالناس الصلوات الخمس ، ويجمّع بهم في مسجد بناه في مِرْبَدِ سهل وسهيل ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ ، قالت :( فأنظر الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمّا قدم صلى في ذلك المسجد وبناه ، فهو مسجده اليوم )  

فضله

عن كعب بن مالك قال :( كان أسعد أول من جمّع بنا بالمدينة قبل مقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- في حرّة بني بَيَاضة في نقيع الخَضِمات وكان أسعد بن زرارة وعُمارة بن حزم وعوف بن عفراء لمّا أسلموا كانوا يكسرون أصنام بني مالك بن النجار

بناته

أوصى أبو أمامة -رضي الله عنه- ببناته الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وكُنَّ ثلاثاً ، فكنّ في عيال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، يَدُرْن معه في بيوت نسائه ، وهُنَّ : كبشة وحبيبة والفارعة وهي الفُريعة ، بنات أسعد بن زرارة  

وعن زينب بنتُ نبيط بن جابر امرأة أنس بن مالك قالت :( أوصى أبو أمامة ، أسعد بن زرارة ، بأمّي وخالتي إلى رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- ، فقدم عليه حَلْيٌ فيه ذهب ولؤلؤ ، يُقال له : الرِّعاث ، فحلاّهنَّ رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- من تلك الرّعاث ، فأدركت بعض ذلك الحلي عند أهلي )  

وفاته

لمّا توفي أسعد بن زرارة حضر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غُسْلَه ، وكفّنه في ثلاثة أثواب منها بُرد ، وصلى عليه ، ورُئي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمشي أمام الجنازة  ودفنه بالبقيع  

 أسيد بن أبي إياس

 

صحابي أسلم يوم الفتح ، وكان قد أهدر النبـي -صلى الله عليه وسلم- دمه ، فجاء مستأمنا فأمّنه النبي الكريم فأسلم ، وصحب النبي -صلى الله عليه وسلم  

إهدار دمه

إنّ وفد بني عديّ بن الديل قدموا على النبي ، وطلبوا منه أن لا يُقاتلوه ولا يُقاتلوا معه قريشاً   وتبرّؤوا من أسيد بن أبي إياس ، وقالوا :( إنه قد نال منك ) فأباح النبي -صلى الله عليه وسلم  دمه ، وبلغ أسيد ذلك ، فأتى الطائف ، فلمّا كان عام الفتح خرج سارية بن زنيم إلى الطائف   فأخبر أسيداً بذلك ، وكان قال له :( يا ابن أخي أخرجْ إليه ، فإنّه لا يقتل من أتاه ) وأخذه وأتى به النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فجلس بين يديه وأسلم ، فأمّنه رسول الله ومسح على وجهه وصدره فقال أسيد :(  
وأنت الفتـى تهـدي معدّاً لدينهـا___بل الله يهديها وقال لك أشهد
فما حملـتْ من ناقة فـوق كورها___أبرّ وأوفى ذمّـة من محمـد
وأكسـى لبرد الحـال قبل ابتذالـه___وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلـم رسـول اللـه أنـك قادر___على كلّ حيّ متهمين ومنجد
تعلـم بأنّ الركـب ركب عويمـر___هم الكاذبون المخلفو كل موعد
انبـوا رسـول اللـه أن قد هجوتـه___فلا رفعت سوطي إليّ إذن يدي
سوى أننـي قد قلت ويـل أم فتيـة___أصيبوا بنحس لا يطاق وأسعد
وهي أكثر من هذا ، فلمّا أنشده :( وأنت الفتى تهدي معدّاً لدينها ) قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( بل الله يهديها ) قال الشاعر :( بل الله يهديها وقال لك أشهد )

 

أسيد بن حضير

أسَيْد بن الحُضَير بن سمّاك الأوسي الأنصاري أبوه حضير الكتائب زعيم الأوس ، وكان واحدا من أشـراف العـرب في الجاهلية وورث أسيد عن أبيـه مكانته وشجاعته وجـوده ، فكان قبل اسلامـه من زعماء المدينة وأشـراف العـرب ، ورماتها الأفذاذ ، كان أحد الاثني عشـر نقيباً حيث شهد العقبـة الثانية ، وشهد أحداً وثبت مع الرسـول الكريم حيث انكشف الناس عنه وأصيب بسبع جراحات  

اسلامه

أرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مصعب بن عمير الى المدينة ليعلم المسلمين الأنصار الذين بايعوا الرسول في بيعة العقبة الأولى ، وليدعو غيرهم الى الايمان ، ويومئذ كان يجلس أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وكانا زعيمي قومهما يتشاوران بأمر الغريب الآتي ، الذي يدعو لنبذ دين الأباء والأجداد وقال سعد :( اذهب الى هذا الرجل وازجره )  
وحمل أسيد حربته وذهب الى مصعب الذي كان في ضيافة أسعد بن زرارة وهو أحد الذين سبقوا في الاسلام ، ورأى أسيد جمهرة من الناس تصغي باهتمام لمصعب -رضي الله عنه- ، وفاجأهم أسيد بغضبه وثورته ، فقال له مصعب :( هل لك في أن تجلس فتسمع ، فان رضيت أمرنا قبلته ، وان كرهته كففنا عنك ما تكره ) فقال أسيد الرجل الكامل بعد غرس حربته في الأرض : ( لقد أنصفت ، هات ما عندك )  
وراح مصعب يقرأ من القرآن ، ويفسر له دعوة الدين الجديد ، حتى لاحظ الحاضرين في المجلس الاسلام في وجه أسيد قبل أن يتكلم ، فقد صاح أسيد مبهورا :( ما أحسن هذا الكلام وأجمله ، كيف تصنعون اذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟) فقال له مصعب : (تطهر بدنك ، وثوبك وتشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ) فقام أسيد من غير ابطاء فاغتسل وتطهر ، ثم سجد لله رب العالمين  

اسلام سعد

وعاد أسيد الى سعد بن معاذ الذي قال لمن معه :( أقسم ، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به ) وهنا استخدم أسيد ذكاءه ليدفع بسعد الى مجلس مصعب سفير الرسول لهم ، ليسمع ما سمع من كلام الله ، فهو يعلم بأن أسعد بن زرارة هو ابن خالة سعد بن معاذ ، فقال أسيد لسعد :( لقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا الى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وهم يعلمون أنه ابن خالتك ) وقام سعد وقد أخذته الحمية ، فحمل الحربة وسار مسرعا الى أسعد حيث معه مصعب والمسلمين ، ولما اقترب لم يجد ضوضاء ، وانما سكينة تغشى الجماعة ، وآيات يتلوها مصعب في خشوع ، وهنا أدرك حيلة أسيد ، وما كاد أن يسمع حتى شرح صدره للاسلام ، وأخذ مكانه بين المؤمنين السابقين  

قراءة القرآن

وكان الاستماع الى صوت أسيد -رضي الله عنه- وهو يرتل القرآن احدى المغانم الكبرى ، وصوته الخاشع الباهر أحسن الناس صوتاً ، قال : قرأت ليلة سورة البقرة ، وفرس مربوط ويحيى ابني مضطجع قريب منّي وهو غلام ، فجالت الفرس فقمتُ وليس لي همّ إلا ابني ، ثم قرأتُ فجالتِ الفرسُ فقمتُ وليس لي همّ إلا ابني ، ثم قرأتُ فجالت الفرسُ فرفعتُ رأسي فإذا شيء كهيئة الظلّة في مثل المصابيح مقبلٌ من السماء فهالني ، فسكتُ ، فلمّا أصبحتُ غدوتُ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته ، فقال : ( اقرأ أبا يحيى ) فقلت :( قد قرأتُ فجالتِ الفرس فقمتُ وليس لي همّ إلا ابني ) فقال -صلى الله عليه وسلم- :( اقرأ أبا يحيى ) فقلتُ : ( قد قرأتُ فجالت الفرس ؟) فقال :( اقرأ أبا يحيى ) فقلت :( قد قرأتُ فرفعتُ رأسي فإذا كهيئة الظلّة فيها المصابيح فهالني ) فقال -صلى الله عليه وسلم- : ( تلك الملائكة دَنَوْا لصوتك ، ولو قرأتَ حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون إليهم !)  

فضله

عن أنس بن مالك قال :( كان أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ليلة ظلماء حِنْدِس ، فتحدّثنا عنده حتى إذا خرجا أضاءتْ عَصَا أحدهما فمشيا في ضوئها ، فلمّا تفرَّق لهما الطريق أضاءت لكلّ واحدٍ منهما عَصَاه فمشى في ضوئها )  

القصاص

كان أسيد رجلاً صالحاً مليحاً ، فبينما هو عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُحدّث القومَ ويُضحكهم ، فطعن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في خاصرته ، فقال : ( أوجَعْتَني !) قال :( اقتصَّ )000قال : ( يا رسول الله عليك قميصٌ ولم يكن عليّ قميص ) فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قميصه ، فاحتضنَهُ ثم جعل يقبّل كشحتَهُ فقال : ( بأبي أنت وأمي يا رسول الله أردت هذا )  

غزوة بدر

لقي أسيد بن الحضير رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- حين أقبل من بدر ، فقال : ( الحمدُ للـه الذي أظفرك وأقرَّ عينك ، واللـه يا رسـول اللـه ما كان تخلّفي عن بدر ، وأنا أظنّ أنك تلقى عدوّاً ، ولكن ظننتُ أنّها العير ، ولو ظننتُ أنّه عدوّ ما تخلّفت ) فقال رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- : ( صدقت )  

غزوة بني المصطلق

كان يتمتع -رضي الله عنه- بحلم وأناة وسلامة في التقدير ،ففي غزوة بني المصطلق أثار عبدالله بن أبي الفتنة ، فقد قال لمن معه من أهل المدينة : ( لقد أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا الى غير دياركم ، أما والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) سمع هذا الكلام الصحابي الجليل زيد بن أرقم وقد كان غلاما فأخبر الرسول -صلىالله عليه وسلم- بذلك ، وتألم الرسول كثيرا ، وقابله أسيـد فقال له الرسـول الكريـم :( أوما بلغـك ما قال صاحبكـم ) قال :( وأي صاحـب يا رسـول اللـه ) قال : ( عبداللـه بن أبي ) قال : ( وما قال ؟) قال الرسـول :( زعم أنه ان رجع الى المدينة ليخرجن الأعـز منها الأذل ) فقال أسيـد :( فأنت يا رسول الله تخرجه منها ان شئت ، هو والله الذليل وأنت العزيز ) ثم قال :( يا رسـول الله ، ارفق به ، فوالله لقد جاءنا الله بك وان قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ، فانه ليرى أنك قد استلبته ملكا )  

يوم السقيفة

وفي يوم السقيفة ، اثر وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث أعلن فريق من الأنصار على رأسهم سعد بن عبادة أحقيتهم بالخلافة ، وطال الحوار ، واحتدم النقاش ، كان موقف أسيد وهو الزعيم الأنصاري موقفا واضحا وحاسما ، فقد قال للأنصار من قومه :( تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- كان من المهاجرين ، فخليفته اذن ينبغي أن يكون من المهاجرين ، ولقد كنا أنصار رسول الله ، وعلينا اليوم أن نكون أنصار خليفته ) فكانت كلماته بردا وسلاما  

وفاته

في شهر شعبان عام عشرين للهجرة مات أسيد -رضي الله عنه- ، وأبى أمير المؤمنين عمر الا أن يحمل نعشه فوق كتفه ، وتحت ثرى البقيع وارى الأصحاب جثمان مؤمن عظيم وقد هلك أسيد -رضي الله عنه- وترك عليه أربعة آلاف درهم دَيْناً ، وكان ماله يُغِلُّ كل عامٍ ألفاً ، فأرادوا بيعه ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فبعث إلى غرمائه فقال :( هل لكم أن تقبضوا كل عام ألفاً فتستوفون في أربع سنين ؟)  قالوا :( نعم يا أمير المؤمنين ) فأخروا ذلك فكانوا يقبضون كل عامٍ ألفا  

أشجّ عبدالقيس

يُقـال له أشج بن عَصَر ، مشهور بلقبه هذا ، وذُكِر أنه قدم على النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- سنة عشر أو سنة ثمان للهجرة وحين وصل تريّث في لبس ملابسه ونفض غباره في حين تسابق القـوم يسلّمون ويُقبِّلون الرسـول الكريم ، فقال له -صلى اللـه عليه وسلم :( إنه فيه خصلتان يحبهما الله هما الحلم والأناة )

وفد عبد القيس

كتب النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- الى أهـل البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلاً رَأسَهم عبـد اللـه بن عوف الأشج ، وكان قدومهم عام الفتـح فقيل :( يا رسول الله هؤلاء وفد عبد القيس ) قال :( مرحباً بهم ، نِعْم القومُ عبد القيس )  

صبيحة القدوم

نظر الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى الأفق صبيحة ليلة قدموا وقال :( ليأتين ركب من المشركين لم يُكْرَهوا على الإسلام ، وقد أنْضوا الرِّكاب وأفنوا الزّاد ، بصاحبهم علامة ، اللهم اغفر لعبد قيس ، أتوني لا يسألوني مالاً ، هم خير أهل المشرق ) فجاؤوا في ثيابهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم- في المسجد ، فسلّموا عليه  

الحلم والأناة

وسألهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( أيُّكم عبد الله الأشَجُّ ؟)  قال :( أنا يا رسول الله ؟!) وكان رجلاً دميماً ، فنظر إليه الرسول الكريم ، فقال :( إنه لا يُستسقى في مسوك الرجال إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه ) فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( فيكَ خَصْلتان يُحِبُّهما اللـه ) فقال عبد اللـه :( وما هما ؟) قال :( الحلم والأناة )  قال :( أشيء حَدَثَ أم جُبلتُ عليـه ؟) قال :( بل جُبلتَ عليه ) فقال :( الحمد لله الذي جبلني على خلقين يُحبهما الله )  

الجوائز

كانت ضيافة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تجري على وفد عبد القيس عشرة أيام ، وكان عبد الله الأشج يسائل الرسول الكريم عن الفقه والقرآن ، وكان يأتي أبيّ بن كعب فيقرأ عليه  وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للوفد بجوائز ، وفضّل عليهم عبد الله الأشجّ ، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشاً ، وكان ذلك أكثر ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجيز به الوفد

اصيد بن سلمة

بعث رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- سريّة ، فأسروا رجلاً من بني سُليم يقال له الأصيد بن سلمة ، فلمّا رآه رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- رقّ له ، وعرض عليه الإسلام فأسلم

إسلام والده

وكـان لـه أب شيـخ كبيـر ، فبلغـه ذلـك فكتـب إليـه :(  
مَنْ راكبٌ نحو المدينة سالما___حتى يُبلِّغَ ما أقولُ الأصْيَدا
أتركتَ دينَ أبيكَ والشمّ العُلى___أوْدَوا وتابعتَ الغداة محمدا
فـلأيّ أمرٍ يا بني عققتنـي___وتركتني شيخاً كبيراً مفندا
فاستـأذن النبـي -صلـى اللـه عليـه وسلـم- فـي جوابـه ، فـأذن لـه ، فكتـب إليـه :
إنّ الذي سمَكَ السماءَ بقدرةً___حتى علا في ملكه فتوحدا
بعثَ الذي لا مثله فيما مضى___يدعو لرحمتهِ النبي محمدا
ضخم الدسيعة كالغزالة وجهُهُ___قرناً تأزّرَ بالمكارم وارتدَى
فدعـا العبـادَ لدينـهِ فتتابعـوا___طوْعاً وكْرْهاً مقبلين على الهُدى
وتخوَّفوا النّارَ التي من أجلها___كان الشقيّ الخاسرُ المتلددّا
واعلـم بأنّـك ميّـتٌ ومحاسـبٌ___فإليَّ مِن هذي الضلالةِ والرَّدَى
فلمّـا قـرأ كتـاب ابنـه أقبـل إلـى النبـي -صلـى اللـه عليـه وسلـم- فأسلـم  

الأرقم بن أبي الأرقم

 

الأرقم بن أبي الأرقم القرشي صحابي جليل من السابقين الى الإسلام أسلم بمكة ، وكان سابع سبعة في الإسلام ، وهو الذي استخفى رسول اللـه -صلى الله عليه وسلم- في داره والمسلمون معه ، فكانت داره أول دار للدعوة الى الإسلام  

دار الأرقم

كانت داره على الصفا ، وهي الدار التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجلس فيها في الإسلام ، وبقي الرسول -صلى الله عليه وسلم- يدعو الى الإسلام في دار الأرقم حتى تكاملوا أربعين رجلاً ، خرجوا يجهرون بالدعوة الى الله ، ولهذه الدار قصة طويلة ، وأن الأرقم أوقفها ، وأن أحفاده بعد ذلك باعوها لأبي جعفر المنصور  

جهاده

شهد الأرقم بن أبي الأرقم بدراً وأحُداً والمشاهد كلها ، واقطعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- داراً بالمدينة ، في بني زريق  

الصلاة في مسجد الرسول

تجهّز الأرقم -رضي الله عنه- يريد البيت المقدس ، فلمّا فرغ من جهازه جاء الى النبي -صلى الله عليه وسلم- يودّعه ، فقال :( ما يُخرجك ؟ أحاجة أم تجارة ؟) قال :( لا يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، ولكنّي أريد الصلاة في بيت المقدس ) فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( صلاة في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ) فجلس الأرقم  

وفاته

توفي الأرقم بالمدينة وصلى عليه سعد بن أبي وقاص ، وكان عمر الأرقم بضعاً وثمانين سنة  رضي الله تعالى عنه  

 

أصيرم بني عبدالأشهل

 

كان أبو هريرة يقول : حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يُصلِّ قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه : من هو ؟ فيقول : أصيرم بني عبد الأشهل ، عمرو بن ثابت بن وقش وكان يأبى الإسلام على قومه   فلما كان يوم خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى أحد بدا له في الإسلام فأسلم ، ثم أخذ سيفه فعدا حتى دخل في عرض الناس ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة ، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به ، فقالوا :( والله إن هذا للأصيرم ، ما جاء به ؟) فقالوا :( ما جاء بك يا عمرو ؟ أحَدَبٌ على قومك أم رغبة في الإسلام ؟) قال :( بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ثم أخذت سيفـي فغدوت على رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- ثم قاتلت حتى أصابنـي ما أصابني ) ثم لم يلبـث أن مات في أيديهم ، فذكروه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال :( إنه من أهل الجنة)

الأعشى المازني

 

واسمه الأعشى : عبد الله بن الأعور المازني ، ويُقال له الحرمازي ومازن وحرماز أخوان من بني تميم
الأعشى وامرأته أتـى الأعشـى النبـي -صلـى اللـه عليـه وسلـم- وأنشـده :  
يا مالكَ الناس وديّان العـرب___إني لقيتْ ذِرْبَةً من الذُّرَب
غدوتُ أبغيها الطعام في رجب___فخلفتني في نِزاعٍ وهَرَب
أخلفـتِ العهدَ ولطـتْ بالذنب___وهُنّ شرُّ غالِبٍ لِمَنْ غَلَب
وسبب هذه الأبيات أن الأعشى كانت عنده امرأة اسمها معاذة ، فخرج يمير أهله من هجر  فهربت امرأته بعده ناشزاً عليه ، فعاذَتْ برجل منهم يُقال له مطرف بن بهصل ، فجعلها خلف ظهره ، فلمّا قدم الأعشى لم يجدها في بيته ، وأُخبر أنها نشزت عليه ، وإنها عاذَتْ بمطرفٍ  فأتاه فقال له :( يا ابن عم عندك امرأتي مُعاذة ، فادْفَعها إليّ ) فقال :( ليست عندي ، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك ) وكان مطرف أعز منه ، فسار الى النبي -صلى الله عليه وسلم  فعَاذَ به وقال الأبيات ، وشكا إليه امرأته وما صنعت ، وأنّها عند مطرف بن بهصل ، فكتب النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- الى مطرف :( انظر امرأة هذا مُعاذة ، فادفعْها إليه ) فأتاه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقُرِىء عليه فقال :( يا مُعاذة ، هذا كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فيكِ ، وأنا دافِعُكِ إليه ) قالت :( خُذْ لي العهد والميثاق وذمة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يُعاقبني فيما صنعت ) فأخذ لها ذلك ودفعها إليه ، فأنشأ يقول :  
لعمرك ما حبّي معاذة بالذي___يغيّره الواشي ولا قدم العهد
ولا سوء ما جاءت به إذ أزلها___غواة رجال إذ ينادونها بعدي

الأقرع بن حابس التميمي

 

وفد على النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- ، وشهد فتح مكة وحُنينـاً والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم  وقد حسن إسلامه ، وقد كان الأقرع حَكَماً في الجاهلية وقيل له الأقرع لقَرعٍ كان برأسه  

وفد بني تميم

في العام التاسع للهجرة في عام الوفود ، قدم على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفد من أشراف بني تميم منهم الأقرع بن حابس التميمي ، فلمّا دخل الوفد المسجد نادوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من وراء حُجُراته :( أن اخرج إلينا يا محمد ) فآذى ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من صياحهم ، فخرج إليهم ، فقالوا :( يا محمد جئناك نفاخرك فأذنْ لشاعرنا وخطيبنا ) قال :( قد أذنت لخطيبكم فليقل )  

فقام خطيب تميم فقال :( الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن ، وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكاً ، ووهب لنا أموالاً عظاماً نفعل فيها المعروف ، وجعلنا أعزّ أهل المشرق ، وأكثره عدداً ، وأيسره عُدةً ، فمن مثلُنا من الناس ؟  أقول هذه لأن تأتونا بمثل قولنا ، وأمر أفضل من أمرنا )  
ثم جلس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لثابت بن قيس بن الشماس :( قم فأجب الرجل في خطبته ) فقام ثابت فقال :( الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه ، قضى فيهن أمره ، ووسع كرسيه علمه ، ولم يك شيء قط إلا من فضله ، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكاً ، واصطفى من خير خلقه رسولاً أكرمه نسباً ، وأصدقه حديثاً ، وأفضله حسباً ، فأنزل عليه كتابه ، وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة الله من العالمين ، ثم دعا الناس الى الإيمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه ، أكرم الناس حسباً ، وأحسن الناس وجوهاً ، وخير الناس فعالاً ، ثم كان أول خلقٍ أجابه واستجاب لله حين دعاه رسول الله نحن  فنحن أنصار الله ، ووزراء رسوله ، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ، فمن آمن بالله ورسوله مَنَع منا ماله ودمه ، ومن كفر جاهدناه في الله أبداً ، وكان قتله علينا يسيراً ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات ، والسلام عليكم )  

فقام شاعر تميم فأنشد :

نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا___منا الملوك وفينا تُنْصَبُ البيَعُ
وكم قسرنا من الأحياء كلهم___عند النِّهابِ وفضلُ العزّ يتّبعُ                            
ونحن يطعِمُ عند القحط مطعمُنا___من الشواء إذا لم يؤنَس القزَعُ                                    إذا أبينا ولا يأبى لنا أحـدٌ___إنا كذلك عند الفخر نرتفع                            

وكان حسّان غائباً ، فبعث إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فحضر ، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أجبه ) فقال :( أسمعني ما قلت ) فأسمعه ، فقال حسّان :  
ان الذوائـب من فهـرٍ وإخوتهـم___قد بيّنوا سنّـةً للنـاسِ تُتبـعُ
يرضى بهم كل من كانت سريرتـه___تقوى الإله وكلَّ الخيرِ يَصطنعُ     
أكرمْ بقومٍ رسـول الله شيعتُهم___إذا تفاوتت الأهواءُ والشيعُ
أهدى لهـم مدحتـي قلبٌ يؤازرُهُ___فيما أحِبَّ لسانٌ حائك صَنَع
فإنّهـم أفضــلُ الأحيــاءِ كلهــم___إن جد بالناس جد القول أو شمعوا

إسلام بني تميم

فقام الأقرع بن حابس فقال :( يا هؤلاء ، ما أدري ما هذا الأمر ، تكلّم خطيبنا فكان خطيبهم أرفع صوتاً ، وتكلّم شاعرنا فكان شاعرهم أرفع صوتاً وأحسن قولاً ) ثم دنا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّك رسول الله ) فقال رسول الله :( لا يضرّك ما كان قبل هذا ) وأسلم القوم وقال أبو بكر :( يا رسول الله أمِّر الأقرع ) فأمّره على قومه

جهاده

شهد الأقرع مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق ، وشهد معه فتح الأنبار ، وكان هو على مقدمة خالد بن الوليد واستعمله عبد الله بن عامر على جيشٍ سيّره الى خُرسان ، فأصيب بالجَوْزجان هو و الجيش ، وذلك في زمن عثمان ، وقُتِلَ من أولاد الأقرع في اليرموك عشرة

البراء بن مالك

 

البراء بن مالك أخو أنس بن مالك ، خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم ، ولقد تنبأ له الرسول الكريم بأنه مستجاب الدعوة ، فليس عليه الا أن يدعو وألا يعجل وكان شعاره دوما ( الله و الجنة ) لذا كان يقاتل المشركين ليس من أجل النصر وانما من أجل الشهادة ، أتى بعض اخوانه يعودونه فقرأ وجوههم ثم قال :( لعلكم ترهبون أن أموت على فراشي ، لا والله لن يحرمني ربي الشهادة )  

يوم اليمامة

كان البراء -رضي الله عنه- بطلا مقداما ، لم يتخلف يوما عن غزوة أو مشهد ، وقد كان عمر بن الخطاب يوصي ألا يكون البراء قائدا أبدا ، لأن اقدامه وبحثه على الشهادة يجعل قيادته لغيره من المقاتلين مخاطرة كبيرة ، وفي يوم اليمامة تجلت بطولته تحت امرة خالد بن الوليد ، فما أن أعطى القائد الأمر بالزحف ، حتى انطلق البراء والمسلمون يقاتلون جيش مسيلمة الذي ما كان بالجيش الضعيف ، بل من أقوى الجيوش وأخطرها ، وعندما سرى في صفوف المسلمين شيء من الجزع ، نادى القائد ( خالد ) البراء صاحب الصوت الجميل العالي :( تكلم يا براء ) فصاح البراء بكلمات قوية عالية :( يا أهل المدينة ، لا مدينة لكم اليوم ، انما هو الله ، والجنة ) فكانت كلماته تنبيها للظلام الذي سيعم لا قدر الله  
وبعد حين عادت المعركة الى نهجها الأول ، والمسلمون يتقدمون نحو النصر ، واحتمى المشركون بداخل حديقة كبيرة ، فبردت دماء المسلمون للقتال ، فصعد البراء فوق ربوة وصاح :( يا معشر المسلمين ، احملوني وألقوني عليهم في الحديقة ) فهو يريد أن يدخل ويفتح الأبواب للمسلمين ولوقتله المشركون فسينال الشهادة التي يريد ، ولم ينتظر البراء كثيرا فاعتلى الجدار وألقى بنفسه داخل الحديقة وفتح الباب واقتحمته جيوش المسلمين ، وتلقى جسد البطل يومئذ بضعا وثمانين ضربة ولكن لم يحصل على الشهادة بعد ، وقد حرص القائد خالد بن الوليد على تمريضه بنفسه  

في حروب العراق

وفي احدى الحروب في العراق لجأ الفرس الى كلاليب مثبتة في أطراف سلاسل محماة بالنار  يلقونها من حصونهم ، فتخطف من تناله من المسلمين الذين لا يستطيعون منها فكاكا  وسقط أحد هذه الكلاليب فجأة فتعلق به أنس بن مالك ، ولم يستطع أنس أن يمس السلسلة ليخلص نفسه ، اذ كانت تتوهج نارا ، وأبصر البراء المشهد ، فأسرع نحو أخيه الذي تصعد به السلسلة على سطح جدار الحصن ، وقبض البراء على السلسلة بيديه وراح يعالجها في بأس شديد حتى قطعها ، ونجا أنس -رضي الله عنه- وألقى البراء ومن معه نظرة على كفيه فلم يجدوهما مكانهما ، لقد ذهب كل مافيها من لحم ، وبقى هيكلها العظمي مسمرا محترقا  وقضى البطل فترة علاج بطيء حتى برىء  

موقعة تستر والشهادة

احتشد أهل الأهواز والفرس في جيش كثيف ليناجزوا المسلمين ، وكتب أمير المؤمنين عمر الى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- بالكوفة ليرسل الى الأهواز جيشا ، وكتب الى أبي موسى الأشعري بالبصرة ليرسل الى الأهواز جيشا على أن يجعل أمير الجند سهيل بن عدي وليكون معه البراء بن مالك ، والتقى الجيشان ليواجهوا جيش الأهواز والفرس   وبدأت المعركة بالمبارزة ، فصرع البراء وحده مائة مبارز من الفرس ، ثم التحمت الجيوش وراح القتلى يتساقطون من الطرفين ، واقترب بعض الصحابة من البراء ونادوه قائلين :( أتذكر يا براء قول الرسول عنك :" رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له ، لو أقسم على الله لأبره  منهم البراء بن مالك " يا براء اقسم على ربك ، ليهزمهم وينصرنا ) ورفع البراء ذراعيه الى السماء ضارعا داعيا :( اللهم امنحنا أكتافهم ، اللهم اهزمهم ، وانصرنا عليهم  وألحقني اليوم بنبيك ) وألقى على أخيه أنس الذي كان يقاتل قريبا منه نظرة كأنه يودعه ، واستبسل المسلمون استبسالا كبيرا ، وكتب لهم النصر  
ووسط شهداء المعركة ، كان هناك البراء تعلو وجهه ابتسامة كضوء الفجر ، وتقبض يمناه على حثية من تراب مضمخة بدمه الطهور ، وسيفه ممدا الى جواره قويا غير مثلوم ، وأنهى مع اخوانه الشهداء رحلة عمر جليل وعظيم

 

ألبراء بن معرور

 

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلا القرآن ودعا الى الله ورغّب بالإسلام ، ثم قال :( أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) أخذ البراء بيد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال :( نعم والذي بعثك بالحق نبياً ، لنَمنعَنّك مما نمنـع منه أُزُرَنا فبايعنا يا رسول الله   فنحن واللـه أبناء الحروب ، وأهـل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر ) فكان أول من ضرب على يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البراء ثم بايع بعد القوم  

التلب بن ثعلبة

 

التَّلِب بن ثَعْلَبة بن ربيعة التَّميمي العَنْبَري ، والد مِلْقام ، صحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورَوَى عنه ، وكان في الذين نادوا من وراء الحجرات من بني تميم  

 

الحسن بن علي بن أبي طالب

 

الحسن بن علي بن أبي طالب ، أبو محمد ، ولدته فاطمة في المدينة سنة ( 3هـ ) ، وهو أكبـر أبنائها ، كان عاقلاً حليماً محباً للخير وكان أشبه أهل النبي بجده النبي -صلى الله عليه وسلم-  

كرم النسب

قال معاوية وعنده عمرو بن العاص وجماعة من الأشراف :( من أكرم الناس أباً وأماً وجدّاً وجدّة وخالاً وخالةً وعمّاً وعمّةً ) فقام النعمان بن عجلان الزُّرَقيّ فأخذ بيد الحسن فقال :( هذا ! أبوه عليّ ، وأمّه فاطمة ، وجدّه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وجدته خديجة ، وعمّه جعفر ، وعمّته أم هانىء بنت أبي طالب ، وخاله القاسم ، وخالته زينب ) فقال عمرو بن العاص :( أحبُّ بني هاشم دعاك إلى ما عملت ؟)  قال ابن العجلان :( يا بن العاص أمَا علمتَ أنه من التمس رضا مخلوق بسخط الخالق حرمه الله أمنيّته ، وختم له بالشقاء في آخر عمره ، بنو هاشم أنضر قريش عوداً وأقعدها سَلَفاً ، وأفضل أحلاماً )  

حب الرسول له

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- والحسن على عاتقه :( اللهـم إني أحـبُّ حسنـاً فأحبَّـه ، وأحِـبَّ مَـنْ يُحبُّـه ) وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يصلي ، فإذا سجد وثب الحسنُ على ظهره وعلى عنقه ، فيرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رفعاً رفيقاً لئلا يصرع ، قالوا :( يا رسول الله ، رأيناك صنعت بالحسن شيئاً ما رأيناك صنعته بأحد ) قال:( إنه ريحانتي من الدنيا ، وإن ابني هذا سيّد ، وعسى الله أن يصلح به بين فئتيـن عظيمتيـن ) 

الهيبة والسؤدد

كان الحسن -رضي الله عنه- أشبه أهل النبي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقد صلّى أبو بكر الصديق صلاة العصر ثم خرج يمشي ومعه عليّ بن أبي طالب ، فرأى الحسن يلعبُ مع الصبيان  فحمله على عاتقه و قال :( بأبي شبيه بالنبيّ ، ليس شبيهاً بعليّ ) وعلي يضحك  
كما قالت زينب بنت أبي رافع : رأيت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتت بابنيها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شكواه الذي توفي فيه فقالت :( يا رسول الله ! هذان ابناك فورّثْهُما ) فقال :( أما حسنٌ فإن له هيبتي وسؤددي ، وأما حسين فإن له جرأتي وجودي )  

أزواجه

كان الحسن -رضي الله عنه- قد أحصن بسبعين امرأة ، وكان الحسن قلّما تفارقه أربع حرائر ، فكان صاحب ضرائر ، فكانت عنده ابنة منظور بن سيار الفزاري وعنده امرأة من بني أسد من آل جهم ، فطلقهما ، وبعث إلى كلِّ واحدة منهما بعشرة آلاف وزقاقٍ من عسل متعة ، وقال لرسوله يسار بن أبي سعيد بن يسار وهو مولاه :( احفظ ما تقولان لك ) فقالت الفزارية :( بارك الله فيه وجزاه خيراً ) وقالت الأسدية :( متاع قليل من حبيب مفارقٍ ) فرجع فأخبره ، فراجع الأسدية وترك الفزارية  

وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال : قال عليُّ :( يا أهل الكوفة ، لا تزوّجوا الحسن بن عليّ ، فإنه مطلاق ) فقال رجل من همدان :( والله لنزوِّجَنَّهُ ، فما رضي أمسك ، وما كره طلّق )  

فضله

قال معاوية لرجل من أهل المدينة :( أخبرني عن الحسن بن علي ) قال :( يا أمير المؤمنين ، إذا صلى الغداة جلس في مصلاّه حتى تطلع الشمس ، ثم يساند ظهره ، فلا يبقى في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجل له شرف إلاّ أتاه ، فيتحدثون حتى إذا ارتفع النهار صلى ركعتين ، ثم ينهض فيأتي أمهات المؤمنين فيُسلّم عليهن ، فربما أتحفنه ، ثم ينصرف إلى منزله ، ثم يروح فيصنع مثل ذلك ) فقال :( ما نحن معه في شيء )  

كان الحسن -رضي الله عنه- ماراً في بعض حيطان المدينة ، فرأى أسود بيده رغيف ، يأكل لقمة ويطعم الكلب لقمة ، إلى أن شاطره الرغيف ، فقال له الحسـن :( ما حَمَلك على أن شاطرتـه ؟ فلم يعاينه فيه بشـيء ) قال :( استحت عيناي من عينيه أن أعاينـه ) أي استحياءً من الحسـن ، فقال له :( غلام من أنت ؟) قال :( غلام أبان بن عثمان ) فقال :( والحائط ؟) أي البستان ، فقال :( لأبان بن عثمان ) فقال له الحسن :( أقسمتُ عليك لا برحتَ حتى أعود إليك ) فمرّ فاشترى الغلام والحائط ، وجاء الى الغلام فقال :( يا غلام ! قد اشتريتك ؟) فقام قائماً فقال :( السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي ) قال :( وقد اشتريت الحائط ، وأنت حرٌ لوجه الله ، والحائط هبة مني إليك ) فقال الغلام :( يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له )  

حكمته

قيل للحسن بن علي :( إن أبا ذرّ يقول : الفقرُ أحبُّ إلي من الغنى ، والسقم أحبُّ إليّ من الصحة )  فقال :( رحِمَ الله أبا ذر ، أما أنا فأقول :( من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمنّ أنه في غير الحالة التي اختار الله تعالى له ، وهذا حدُّ الوقوف على الرضا بما تصرّف به القضاء )  

قال معاوية للحسن بن عليّ :( ما المروءة يا أبا محمد ؟) قال :( فقه الرجل في دينه ، وإصلاح معيشته ، وحُسْنُ مخالَقَتِهِ )  

دعا الحسنُ بن عليّ بنيه وبني أخيه فقال :( يا بنيّ وبني أخي ، إنكم صغارُ قومٍ يوشك أن تكونوا كبارَ آخرين ، فتعلّموا العلم ، فمن لم يستطع منكم أن يرويه أو يحفظه ، فليكتبهُ وليضعه في بيته )

عام الجماعة

بايع أهل العراق الحسن -رضي الله عنه- بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة ( 40هـ ) ، وأشاروا عليه بالمسير الى الشام لمحاربة معاوية بن أبي سفيان ، فزحف بمن معه ، وتقارب الجيشان في موضع يقال له ( مسكن ) بناحية الأنبار ، ولم يستشعر الحسن الثقة بمن معه ، وهاله أن يقْتتل المسلمون وتسيل دماؤهم ، فكتب إلى معاوية يشترط شروطاً للصلح ، ورضي معاوية ، فخلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الأمر لمعاوية في بيت المقدس سنة ( 41هـ ) وسمي هذا العام ( عام الجماعة ) لاجتماع كلمة المسلمين فيه ، وانصرف الحسن -رضي الله عنه- الى المدينة حيث أقام  

الحسن ومعاوية

قال معاوية يوماً في مجلسه :( إذا لم يكن الهاشمـيُّ سخيّاً لم يشبه حسبه ، وإذا لم يكن الزبيـري شجاعاً لم يشبه حسبه ، وإذا لم يكن المخزومـي تائهاً لم يشبه حسبه ، وإذا لم يكن الأمـوي حليماً لم يشبه حسبه ) فبلغ ذلك الحسن بن علي فقال :( والله ما أراد الحق ، ولكنّه أراد أن يُغري بني هاشـم بالسخاء فيفنوا أموالهم ويحتاجون إليه ، ويُغري آل الزبيـر بالشجاعة فيفنوا بالقتل   ويُغري بني مخـزوم بالتيه فيبغضهم الناس ، ويُغري بني أميـة بالحلم فيحبّهم الناس !!)  

مرضه

قال عبد الله بن الحسين : إن الحسن كان سُقِيَ ، ثم أفلتَ ، ثم سُقِيَ فأفلتَ ، ثم كانت الآخرة توفي فيها ، فلمّا حضرته الوفاة ، قال الطبيب وهو يختلف إليه :( هذا رجلٌ قد قطع السُّمُّ أمعاءه ) فقال الحسين :( يا أبا محمد خبّرني من سقاك ؟) قال :( ولِمَ يا أخي ؟ ) قال :( اقتله ، والله قبل أن أدفنـك ، أولا أقدرُ عليه ؟ أو يكون بأرضٍ أتكلّف الشخـوص إليه ؟) فقـال :( يا أخـي ، إنما هذه الدنيا ليالٍ فانية ، دَعْهُ حتى ألتقـي أنا وهو عنـد الله ) فأبى أن يُسمّيَهُ ، قال :( فقد سمعتُ بعضَ من يقول : كان معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيَهُ سُمّاً )  

بكاؤه

لمّا أن حَضَرَ الحسن بن علي الموتُ بكى بكاءً شديداً ، فقال له الحسين :( ما يبكيك يا أخي ؟ وإنّما تَقْدُمُ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وعلى عليّ وفاطمة وخديجة ، وهم وُلِدوك   وقد أجرى الله لك على لسان النبي -صلى الله عليه سلم- :( أنك سيّدُ شباب أهل الجنة ) وقاسمت الله مالَكَ ثلاث مرات ، ومشيتَ الى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرّةً حاجّاً) وإنما أراد أن يُطيّب نفسه ، فوالله ما زاده إلا بكاءً وانتحاباً ، وقال :( يا أخي إني أقدِمُ على أمرٍ عظيم مهول   لم أقدم على مثله قط )  

وفاته

توفي الحسن -رضي الله عنه- في سنة ( 50هـ ) ، وقد دُفِنَ في البقيع ، وبكاه الناس سبعة أيام : نساءً وصبياناً ورجالاً ، رضي الله عنه وأرضاه وقد وقف على قبره أخوه محمد بن عليّ وقال :( يرحمك الله أبا محمد ، فإن عزّت حياتك لقد هَدَتْ وفاتك ، ولنعم الروحُ روحٌ تضمنه بدنك   ولنعم البدن بدن تضمنه كفنك ، وكيف لا يكون هكذا وأنت سليل الهدى ، وحليف أهل التقى   وخامس أصحاب الكساء ، غذتك أكف الحق ، وربيت في حجر الإسلام ورضعت ثدي الإيمان   وطبت حيّاً وميتاً ، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك فلا نشك في الخيرة لك ، رحمك الله )

 

الحسين بن علي بن أبي طالب

 

الإبن الثاني لفاطمة الزهراء ، ولد بالمدينة ونشأ في بيت النبوة وكنيته أبو عبد الله  

حُبَّ الرسول له

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( حُسين مني وأنا مِنْ حُسين ، أحَبَّ الله تعالى مَن أحبَّ حُسيناً ، حُسينٌ سِبْطٌ من الأسباط ) كما قال الرسول الكريم :( اللهم إني أحبه فأحبّه ) وعن أبي أيوب الأنصاري قال : دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحسن والحسين يلعبان بين يديه وفي حِجْره ، فقلت :( يا رسول الله أتحبُّهُما ) قال :( وكيف لا أحبُّهُما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمُّهُما ؟!)  وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( من أراد أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنة ، فلينظر الى الحسين بن عليّ )  

كما قالت زينب بنت أبي رافع : رأيت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتت بابنيها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شكواه الذي توفي فيه فقالت :( يا رسول الله ! هذان ابناك فورّثْهُما ) فقال :( أما حسنٌ فإن له هيبتي وسؤددي ، وأما حسين فإن له جرأتي وجودي )  

فضله

مرَّ الحسيـن -رضي اللـه عنه- يوماً بمساكين يأكلون في الصّفّة ، فقالوا :( الغـداء ) فنزل وقال :( إن اللـه لا يحب المتكبريـن ) فتغدى ثم قال لهم :( قد أجبتكم فأجيبوني ) قالوا :( نعم ) فمضى بهم الى منزله فقال لرّباب :( أخرجي ما كنت تدخرين )  

الحسن والحسين

جرى بين الحسـن بن علي وأخيه الحسيـن كلام حتى تهاجرا ، فلمّا أتى على الحسـن ثلاثة أيام ، تأثم من هجر أخيه ، فأقبل إلى الحسيـن وهو جالس ، فأكبّ على رأسه فقبله ، فلمّا جلس الحسـن قال له الحسيـن :( إن الذي منعني من ابتدائك والقيام إليك أنك أحقُّ بالفضل مني ، فكرهت أن أنازِعَكَ ما أنت أحقّ به )  

البيعة

توفي معاوية نصف رجب سنة ستين ، وبايع الناس يزيد ، فكتب يزيد للوليد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري ، وهو على المدينة :( أن ادعُ الناس ، فبايعهـم وابدأ بوجوه قريـش ، وليكن أول من تبدأ به الحسيـن بن عليّ ، فإن أمير المؤمنين رحمه اللـه عهد إليّ في أمره للرفق به واستصلاحه ) فبعث الوليد من ساعته نصف الليل الى الحسين بن علي ، وعبد الله بن الزبير   فأخبرهما بوفاة معاوية ، ودعاهما الى البيعة ليزيد ، فقالا :( نصبح وننظر ما يصنع الناس ) ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير ، وهو يقول :( هو يزيد الذي نعرف ، والله ما حدث له حزم ولا مروءة ) وقد كان الوليد أغلظ للحسين ، فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه ، فقال الوليد :( إن هجنَا بأبي عبد الله إلا أسداً ) فقال له مروان أو بعض جلسائه :( اقتله ) قال :( إن ذلك لدم مضنون في بني عبد مناف )  

من المدينة الى مكة

وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما الى مكة ، وأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد ، وطُلِبَ الحسين وابن الزبير فلم يوجدا ، فقدِما مكة ، فنزل الحسين دار العباس بن عبد المطلب ، ولزم الزبير الحِجْرَ ، ولبس المغافريَّ وجعل يُحرِّض الناس على بني أمية ، وكان يغدو ويروح الى الحسين ، ويشير عليه أن يقدم العراق ويقول :( هم شيعتك وشيعة أبيك )  

الخروج الى العراق

بلغ ابـن عمـر -رضي اللـه عنه- أن الحسيـن بن علـيّ قد توجّه الى العـراق ، فلحقه على مسيـرة ثلاث ليال ، فقـال لـه :( أيـن تريد ؟) فقال :( العراق ) وإذا معه طوامير كتب ، فقال :( هذه كتبهم وبيعتهم ) فقال :( لا تأتِهم ) فأبى ، قال ابن عمر :( إنّي محدّثك حديثاً : إن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فخيّره بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ولم يردِ الدنيا ، وإنكم بضعة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، والله لا يليها أحد منكم أبداً ، وما صرفها الله عنكم إلاّ للذي هو خير ) فأبى أن يرجع ، فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال :( استودِعُكَ الله من قتيل )

وقال ابن عباس -رضي الله عنه- للحسين :( أين تريد يا بن فاطمة ؟) قال :( العراق و شيعتي ) فقال :( إنّي لكارهٌ لوجهك هذا ، تخرج الى قوم قتلوا أباك ، وطعنوا أخاك حتى تركهم سَخْطةً ومَلّة لهم ، أذكرك الله أن لا تغرّر بنفسك )  

وقال أبو سعيد الخدري :( غلبني الحسين بن عليّ على الخروج ، وقد قُلت له : اتّق الله في نفسك ، والزم بيتك ، فلا تخرج على إمامك )  

وكتبـت له عمـرة بنت عبـد الرحمن تعظـم عليه ما يريد أن يصنع ، وتأمره بالطاعـة ولزوم الجماعة ، وتخبره إنه إنما يُساق إلى مصـرعه وتقول :( أشهد لحدّثتني عائشة أنها سمعت رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- يقول :( يُقتل حسينٌ بأرض بابل ) فلمّا قرأ كتابها قال :( فلابدّ لي إذاً من مصرعي ) ومضى  

مقتله

وبلغ يزيد خروج الحسين -رضي الله عنه- ، فكتب الى عبيد الله بن زياد عامله على العراقيأمره بمحاربته وحمله إليه ، إن ظفر به ، فوجّه عُبيد الله الجيش مع عمر بن سعيد بن أبي وقاص وعدل الحسين الى ( كربلاء )، فلقيه عمر بن سعيد هناك ، فاقتتلوا ، فقُتِلَ الحسين رضوان الله عليه ورحمته وبركاته في يوم عاشوراء ، العاشر من محرم سنة إحدى وستين  

السماء تبكي

قال ابن سيرين :( لم تبكِ السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا إلا على الحسين بن عليّ ) وعن خلف بن خليفة عن أبيه قال :( لمّا قُتِلَ الحسين اسودت السماء ، وظهرت الكواكب نهاراً ، حتى رأيت الجوزاء عند العصر وسقط التراب الأحمر ) وقالت أم خلاّد :( كنّا زماناً بعد مقتل الحسين ، وإن الشمس تطلع محمَّرة على الحيطان والجُدر بالغداة والعشيّ ) وكانوا لا يرفعون حجراً إلاّ يوجد تحته دمٌ !!  

الرؤى

استيقظ ابن عباس من نومه ، فاسترجع وقال :( قُتِلَ الحسين والله ) فقال له أصحابه :( كلا يا ابن عباس ، كلا ) قال :( رأيت رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- ومعه زجاجة من دم فقال :( ألا تعلم ما صنعت أمتي من بعـدي ؟ قتلوا ابني الحسيـن ، وهذا دمه ودم أصحابه ، أرفعها الى اللـه عزّ وجلّ ) فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه ، وتلك الساعة ، فما لبثوا إلاّ أربعة وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قُتِل ذلك اليوم وتلك الساعة .

الدفن

وقد نقل رأسه ونساؤه وأطفاله إلى ( يزيد ) بدمشق ، واختُلفَ في الموضع الذي دُفِنَ فيه الرأس ، فقيل في دمشق ، وقيل في كربلاء مع الجثة ، وقيل في مكان آخر

 

ذؤيب بن حلحلة

 

ذؤَيب بن حَلحَلة بن عمرو بن كُلَيْب الخُزاعي ، والد قَبيصة ، مات في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم

 

رافع بن خديج

 

رافِع بن خديج بن رافع بن عدي بن تزيد بن الأوس الأنصاري الحارثي ، أبو عبد الله ، شهد أحد والخندق ومات في زمن معاوية ( على الأرجح سنة 73 أو 74 للهجرة )  
 

رافع بن مالك

 

 

رافع بن مالك بن العَجْلان الأنصاري ، والد رفاعة ، حضر العقبة وبايع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ولم يشهد بدرا

 

رافع بن مكيث

 

رافع بن مَكيث الجُهَنيُّ شهد الحديبية ، وكان معه أحد ألوية جُهينة يوم الفتح ، واستعمله الرسول -صلى الله عليه وسلم- على صدقات قومه ، وشهد الجابية مع عمر -رضي الله عنه

 

 

ألزبير بن العوام

 

الزبير بن العوام يلتقي نسبه مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-في ( قصي بن كلاب )  كما أن أمه ( صفية ) عمة رسول الله ، وزوجته أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ، كان رفيع الخصال عظيم الشمائل ، يدير تجارة ناجحة وثراؤه عريضا لكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا أسلم الزبير وهو ابن ثماني سنين وهاجر وهو ابن ثماني عشرة  

الزبير وطلحة

يرتبط ذكرالزبيـر دوما مع طلحة بن عبيد الله ، فهما الاثنان متشابهان في النشأة والثراء والسخاء والشجاعة وقوة الدين ، وحتى مصيرهما كان متشابها فهما من العشرة المبشرين بالجنة وآخى بينهما الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ويجتمعان بالنسب والقرابة معه وتحدث عنهما الرسول قائلا :( طلحة والزبيـر جاراي في الجنة ) ، و كانا من أصحاب الشورى الستة الذين اختارهم عمر بن الخطاب لإختيار خليفته 

أول سيف شهر في الإسلام

أسلم الزبير بن العوام وعمره خمس عشرة سنة ، وكان من السبعة الأوائل الذين سارعوا بالإسلام ، وقد كان فارسا مقداما ، وإن سيفه هو أول سيف شهر بالإسلام ، ففي أيام الإسلام الأولى سرت شائعة بأن الرسول الكريم قد قتل ، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه وامتشقه ، وسار في شوارع مكة كالإعصار ،وفي أعلى مكة لقيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فسأله ماذا به ؟فأخبره النبأ فصلى عليه الرسول ودعا له بالخير ولسيفه بالغلب

إيمانه وصبره

كان للزبير -رضي الله عنه- نصيبا من العذاب على يد عمه ، فقد كان يلفه في حصير ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه ، ويناديه :( اكفر برب محمد أدرأ عنك هذا العذاب )فيجيب الفتى الغض :( لا والله ، لا أعود للكفر أبدا )ويهاجر الزبير الى الحبشة الهجرتين ، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم

غزوة أحد

في غزوة أحد وبعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكة ، ندب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الزبير وأبوبكر لتعقب جيش المشركين ومطاردته ، فقاد أبوبكر والزبير -رضي الله عنهما- سبعين من المسلمين قيادة ذكية ، أبرزا فيها قوة جيش المسلمين ، حتى أن قريش ظنت أنهم مقدمة لجيش الرسول القادم لمطاردتهم فأسرعوا خطاهم لمكة هاربين

بنو قريظة

وفي يوم الخندق قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( مَنْ رجلُ يأتينا بخبر بني قريظة ؟)فقال الزبير :( أنا )فذهب ، ثم قالها الثانية فقال الزبير :( أنا ) فذهب ، ثم قالها الثالثة فقال الزبيـر :( أنا ) فذهب ، فقال النبـي -صلى الله عليه وسلم- :( لكل نبيّ حَوَارِيٌّ، والزبيـر حَوَاريَّ وابن عمتي )
وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أرسل الرسول الزبيـر وعلي بن أبي طالب فوقفا أمام الحصن يرددان:( والله لنذوقن ماذاق حمزة ، أو لنفتحن عليهم حصنهم )ثم ألقيا بنفسيهما داخل الحصن وبقوة أعصابهما أحكما وأنزلا الرعب في أفئدة المتحصـنين داخله وفتحا للمسلمين أبوابه

يوم حنين

وفي يوم حنين أبصر الزبيـر ( مالك بن عوف ) زعيم هوازن وقائد جيوش الشرك في تلك الغزوة ، أبصره واقفا وسط فيلق من أصحابه وجيشه المنهزم ، فاقتحم حشدهم وحده ، وشتت شملهم وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض المسلمين العائدين من المعركة

حبه للشهادة

كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة ، فهاهو يقول :( إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء ، وقد علم ألا نبي بعد محمد ، وإني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون)
وهكذا سمى ولده عبد الله تيمنا بالشهيد عبد الله بن جحش
وسمى ولده المنذر تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو
وسمى ولده عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو
وسمى ولده حمزة تيمنا بالشهيد حمزة بن عبد المطلب
وسمى ولده جعفرا تيمنا بالشهيد جعفر بن أبي طالب
وسمى ولده مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير
وسمى ولده خالدا تيمنا بالشهيد خالد بن سعيد
وهكذا أسماهم راجيا أن ينالوا الشهادة في يوم ما

وصيته

كان توكله على الله منطلق جوده وشجاعته وفدائيته ، وحين كان يجود بروحه أوصى ولده عبد الله بقضاء ديونه قائلا :( إذا أعجزك دين ، فاستعن بمولاي )وسأله عبد الله :( أي مولى تعني ؟) فأجابه :( الله ، نعم المولى ونعم النصير )يقول عبدالله فيما بعد :( فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت : يا مولى الزبير اقضي دينه ، فيقضيه )

موقعة الجمل

بعد استشهاد عثمان بن عفان أتم المبايعة الزبير و طلحة لعلي -رضي الله عنهم جميعا- وخرجوا الى مكة معتمرين ، ومن هناك الى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت ( وقعة الجمل ) عام 36 هجري  طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع علي -رضي الله عنه- عندما رأى أم المؤمنين ( عائشة ) في هودجها بأرض المعركة ، وصاح بطلحة :( يا طلحة ، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها ، وخبأت عرسك في البيت ؟) ثم قال للزبير :( يا زبير : نشدتك الله ، أتذكر يوم مر بك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، الا تحب عليا ؟؟0فقلت : ألا أحب ابن خالي ، وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟؟فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم ) فقال الزبير :( نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لاأقاتلك )
وأقلع طلحة و الزبير -رضي الله عنهما- عن الاشتراك في هذه الحرب ، ولكن دفعا حياتهما ثمنا لانسحابهما ، و لكن لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا فالزبير تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي ، وطلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته 

الشهادة

لمّا كان الزبير بوادي السباع نزل يصلي فأتاه ابن جرموز من خلفه فقتله و سارع قاتل الزبير الى علي يبشره بعدوانه على الزبير ويضع سيفه الذي استلبه بين يديه ، لكن عليا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن وأمر بطرده قائلا :( بشر قاتل ابن صفية بالنار )وحين أدخلوا عليه سيف الزبير قبله الإمام وأمعن في البكاء وهو يقول :( سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله )
وبعد أن انتهى علي -رضي الله عنه- من دفنهما ودعهما بكلمات انهاها قائلا :( اني لأرجو أن أكون أنا وطلحـة والزبيـر وعثمان من الذين قال الله فيهم :( ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين )ثم نظر الى قبريهما وقال :( سمعت أذناي هاتان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( طلحة و الزبير ، جاراي في الجنة )

الطفيل بن عمرو الدوسي

الطفيل بن عمرو الدوسي نشأ في أسرة كريمة في أرض ( دَوْس ) وذاع صيته كشاعر نابغة  وكان موقعه في سوق عكاظ في المقدمة ، وكان كثير التردد على مكة

اسلامه

وفي إحدى زياراته لمكة كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد شرع بدعوته ، وخشيت قريش أن يلقاه الطفيل ويسلم ، فيضع شعره في خدمة الإسلام ، لذا أحاطوا فيه وأنزلوه ضيفاً مكرماً   وراحوا يحذرونه من محمد ، بأن له قولاً كالسحر ، يفرق بين الرجل وأبيه ، والرجل وأخيه   والرجل وزوجته ، ويخشون عليه وعلى قومه منه ، ونصحوه بألا يسمعه أو يكلمه  
وحين خرج الطفيل من عندهم ، وضع في أذنه كُرسُفاً ( القطن ) كي لا يسمع شيئا ، فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- قائما يصلي عند الكعبة ، فقام قريبا منه فسمع بعض ما يقرأ الرسول الكريم ، فقال لنفسه :( واثُكْلَ أمي ، والله إني لرجل لبيب شاعر ، لا يخفى علي الحسن من القبيح  فما يمنعني أن أسمع من الرجل ما يقول ، فإن كان الذي يأتي به حسن قبلته ، وإن كان قبيحا رفضته )  
ثم تبع الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى منزله ودخل ورائه و قال :( يا محمد إن قومك قد حدثوني عنك كذا وكذا ، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ولكن الله شاء أن أسمع ، فسمعت قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك ) فعرض عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- الإسلام ، وتلا عليه القرآن ، فأسلم الطفيل وشهد شهادة الحق وقال :( يا رسول الله ، إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم ، وداعيهم الى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عوناً فيما أدعوهم إليه ) فقال عليه السلام :( اللهم اجعل له آية

أهل دَوْس

ما كاد الطفيل -رضي الله عنه- يصل الى داره في أرض ( دَوْس ) حتى أخبر والده ودعاه الى الإسلام ، وأخبره عن الرسول العظيم وأمانته وطهره ، فأسلم أبوه بالحال ، ثم دعا أمه فأسلمت ، ثم زوجته فأسلمت ، وبعدها انتقل الى عشيرته فلم يسلم أحد منهم سوى أبو هريرة -رضي الله عنه- ، وخذلوه حتى نفذ صبره معهم ، فركب راحلته وعاد الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يشكو إليه وقال :( يا رسول الله إنه قد غلبني على دَوْس الزنى والربا  فادع الله أن يهلك دَوْساً !) وكانت المفاجأة التي أذهلت الطفيل حين رفع الرسول -صلى الله عليه وسلم-كفيه الى السماء وقال :( اللهم اهْدِ دَوْساً وأت بهم مسلمين ) ثم قال للطفيل :( ارجع الى قومك فادعهم وارفق بهم ) فنهض وعاد الى قومه يدعوهم بأناة ورفق  

قدوم دَوْس

وبعد فتح خيبر أقبل موكب ثمانين أسرة من دَوْس الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكبرين مهللين ، وجلسوا بين يديه مبايعين ، وأخذوا أماكنهم والطفيل بين المسلمين ، وخلف النبي -صلى الله عليه وسلم  

فتح مكة

ودخل الطفيل بن عمرو الدوسي مكة فاتحا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين  فتذكر صنماً كان يصحبه اليه عمرو بن حُممة ، فيتخشع بين يديه ويتضرع إليه ، فاستأذن النبي الكريم في أن يذهب ويحرق الصنم ( ذا الكَفَين ) ، فأذن له النبي -صلى الله عليه وسلم-  فذهب وأوقد نارا عليه كلما خبت زادها ضراما وهو ينشد :( يا ذا الكفين لست من عُبّادكا ، ميلادنا أقدم من ميلادكا ، إني حشوت النار في فؤادكا )  

حروب الردة

وبعد انتقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى الرفيق الأعلى ، شارك الطفيل -رضي الله عنه- في حروب الردة حربا حربا ، وفي موقعة اليمامة خرج مع المسلمين وابنه عمرو بن الطفيل ، ومع بدء المعركة راح يوصي ابنه أن يقاتل قتال الشهداء ، وأخبره بأنه يشعر أنه سيموت في هذه المعركة وهكذا حمل سيفه وخاض القتال في تفان مجيد  

استشهاده

وفي موقعة اليمامة استشهد الطفيل الدوسي -رضي الله عنه- حيث هوى تحت وقع الطعان ، كما استشهد ابنه عمرو بن الطفيل في معركة اليرموك  

العباس بن عبدالمطلب

 

العباس بن عبد المطلب عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، يفصل بينهما سنتيـن أو ثلاث تزيد في عمر العباس عن عمر الرسول ، فكانت القرابة والصداقة بينهما ، إلى جانب خُلق العباس وسجاياه التي أحبها الرسول الكريم ، فقد كان وَصولاً للرحم والأهل ، لا يَضِنُّ عليهما بجهد ولا مال ، وكان فَطِناً الى حد الدهاء وله مكانا رفيعا في قريش  

إسلامه

العباس -رضي الله عنه- لم يعلن إسلامه إلا عام الفتح ، مما جعل بعض المؤرخين يعدونه ممن تأخر إسلامهم ، بيد أن روايات أخرى من التاريخ تنبيء أنه كان من المسلمين الأوائل ولكن كتم إسلامه ، فيقول أبو رافع خادم الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس ، وأسلمت أمُّ الفضل ، وأَسْلَمْتُ   وكان العباس يكتم إسلامه ) فكان العباس إذا مسلماً قبل غزوة بدر ، وكان مقامه بمكة بعد هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-وصحبه خُطَّة أدت غايتها على خير نسق ، وكانت قريش دوما تشك في نوايا العباس ، ولكنها لم تجد عليه سبيلا وظاهره على مايرضون من منهج ودين  

بيعة العقبة

في بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحج وفد الأنصار ، ثلاثة وسبعون رجلا وسيدتان ، ليعطوا الله ورسوله بيعتهم ، وليتفقوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الهجرة الى المدينة ، أنهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- نبأ هذا الوفد الى عمه العباس فقد كان يثق بعمه في رأيه كله ، فلما اجتمعوا كان العباس أول المتحدثين فقال :( يا معشر الخزرج ، إن محمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ، ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده ) وكان العباس يلقـي بكلماتـه وعيناه تحدقـان في وجـوه الأنصار وترصـد ردود فعلهم كما تابع الحديث بذكاء فقال :( صفوا لي الحـرب ، كيف تقاتلون عدوكم ؟) فهو يعلم أن الحرب قادمة لا محالة بين الإسلام والشرك ، فأراد أن يعلم هل سيصمد الأنصار حين تقوم الحرب ، وأجابه على الفور عبد الله بن عمرو بن حرام :( نحن والله أهل الحرب ، غُذينا بها ومُرِنّا عليها ، وورِثناها عن آبائنا كابرا فكابرا ، نرمي بالنبل حتى تفنى ، ثم نطاعن بالرماح حتى تُكسَر ، ثم نمشي بالسيوف فنُضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا ) وأجاب العباس :( أنتم أصحاب حرب إذن ، فهل فيكم دروع ؟) قالوا :( نعم ، لدينا دروع شاملة ) ثم دار الحديث الرائع مع رسول الله والأنصار كما نعلم من تفاصيل البيعة  

غزوة بدر

وفي غزوة بدر رأت قريش الفرصة سانحة لإختبار العباس وصدق نواياه ، فدفعته الى معركة لا يؤمن بها ولا يريدها ، والتقى الجمعان ببدر وحمي القتال ، ونادى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه قائلا :( إني عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخْرِجوا كرهاً ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البَخْتَري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله ، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها ) فقال أبو حذيفة :( أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس ، والله لئن لقيته لألحمنّه السيف ‍) فبلغ ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال لعمر بن الخطاب :( يا أبا حفص ، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟) فقال عمر :( يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق ) فكان أبو حذيفة يقول :( ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ، ولا أزال منها خائفا إلا ان تكفرّها عني الشهادة ) فقتل يوم اليمامة شهيدا  

الأسر

كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحب عمه العباس كثيرا ، حتر أنه لم ينم حين أسِرَ العباس في بدر ، وحين سُئِل عن سبب أرقه أجاب :( سمعت أنين العباس في وثاقه ) فأسرع أحد المسلمين الى الأسرى وحلّ وثاق العباس وعاد فأخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلا :( يا رسول الله إني أرخيت من وثاق العباس شيئا ) هنالك قال الرسول لصاحبه :( اذهب فافعل ذلك بالأسرى جميعا ) فحب الرسول للعباس لن يميزه على غيره  

الفداء

وحين تقرر أخذ الفدية قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- للعباس :( يا عباس ، افد نفسك ، وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحارث ، وحليفك عتبة بن عمرو وأخا بني الحارث بن فهر ، فإنك ذو مال ) وأراد العباس أن يغادر من دون فدية فقال :( يا رسول الله ، إني كنت مسلما ، ولكن القوم استكرهوني ) وأصر الرسول على الفدية ، ونزل القرآن بذلك

قال تعالى :( يا أيُّها النبي قُـل لِمَن في أيْديكم من الأسْرَى إن يَعْلَم اللهُ في قلوبكم خيراً يؤْتِكم خيراً مما أُخِذَ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم )  

وهكذا فدا العباس نفسه ومن معه وعاد الى مكة ، ولم تخدعه قريش بعد ذلك أبدا وبعد حين جمع ماله ومتاعه وأدرك الرسول الكريم بخيبر ، وأخذ مكانه بين المسلميـن وصار موضع حبهم وإجلالهم ، لاسيما وهم يرون حب الرسـول له وقوله :( إنما العباس صِنْوُ أبي فمن آذى العباس فقـد آذاني ) وأنجب العباس ذرية مباركة وكان ( حبر الأمة ) عبد الله بن العباس أحد هؤلاء الأبناء  

يوم حنين

حين كان المسلمون مجتمعين في أحد الأودية ينتظرون مجيء عدوهم ، كان المشركون قد سبقوهم الى الوادي وكمنوا لهم في شعابه ممسكين زمام الأمور بأيديهم ، وعلى حين غفلة انقضوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة جعلتهم يهرعون بعيدا ، ورأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما أحدثه الهجوم المفاجيء فعلا صهوة بغلته البيضاء وصاح :( إلي أيها الناس ، هلمّوا إلي ، أنا النبي لا كذِب ، أنا ابن عبد المطلب ) ولم يكن حول الرسول -صلى الله عليه وسلم- يومئذ إلا أبو بكر ،وعمر ،وعلي بن أبي طالب ،والعباس بن عبد المطلب ،وولده الفضل بن العباس ،وجعفر بن الحارث ،وربيعة بن الحارث ، وأسامة بن زيد ،وأيمن بن عبيد ،وقلة أخرى من الصحابة ،وسيدة أخذت مكانا عاليا بين الأبطال هي أم سليم بنت مِلْحان وكانت حاملا انتهت الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقالت :( اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك ، كما تقتل الذين يقاتلونك ، فإنهم لذلك أهل ) هناك كان العباس الى جوار النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحدى الموت والخطر ، أمره الرسول أن يصرخ في الناس فصرخ بصوته الجهوري :( يا معشر الأنصار ، يا أصحاب البيعة ) فأجابوه :( لبيك ، لبيك ) وانقلوا عائدين كالإعصار صوب العباس ، ودارت المعركة من جديد وغلبت خيل الله ، وتدحرج قتلى هَوَازن وثقيف  

عام الرمادة

في عام الرمادة حين أصاب العباد قحط ، خرج أمير المؤمنين عمر والمسلمون معه الى الفضاء الرحب يصلون صلاة الإستسقاء ، ويضرعون الى الله أن يرسل إليهم الغيث والمطر  ووقف عمر وقد أمسك يمين العباس بيمينه ، ورفعها صوب السماء وقال :( اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك وهو بيننا ، اللهم وإنا اليوم نستسقي بعمِّ نبيك ، فاسقنا ) ولم يغادر المسلمون مكانهم حتى جاءهم الغيث ، وهطل المطر ، وأقبل الأصحاب على العباس يعانقونه و يقبلونه ويقولون :( هنيئا لك ساقي الحرمين )  

وفاته

وفي يوم الجمعة ( 14 / رجب / 32 للهجرة ) سمع أهل العوالي بالمدينة مناديا ينادي :( رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب ) فأدركوا أن العباس قد مات ، وخرج الناس لتشييعه في أعداد هائلة لم تعهد المدينة مثلها ، وصلى عليه خليفة المسلمين عثمان بن عفان ، ووري الثرى في البقيع

المقداد بن عمرو

المقداد بن عمرو حالف في الجاهلية ( الأسود بن عبد يغوث ) فتبناه ، فصار يدعى المقداد بن الأسود حتى إذا نزلت الآية الكريمة التي تنسخ التبني ، نُسِبَ لأبيه (عمرو بن سعد )، وكان المقداد من المبكرين بالإسلام ، وسابع سبعة جاهروا بإسلامهم حاملا حظه من أذى المشركين   وقال عنه الصحابة :( أوَّل من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن الأسود ) وكان حسن الإسلام ليصبح أهلا لأن يقول عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( إن اللـه أمرنـي بحُبِّـك وأنبأني أنه يُحبك )  

غزوة بدر

استشار النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في استعدادهم لقتال قريش ، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال :( يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى :(  اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنـتا قاعدون  ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى بَرْك الغِمـاد لجالدنا معك من دونـه حتى تبلغه ) فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- خيرا ودعا له وكان فرسان المسلمين يومئذ ثلاثة لا غير ( المقداد بن عمرو ) ، ( مرثد بن أبي مرثد ) ، ( الزبير بن العوام ) ، بينما كان بقية المجاهدين مشاة أو راكبين إبلا  

الإمارة

ولاّه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إحدى الإمارات يوما ، فلما رجع سأله النبي :( كيف وجدت الإمارة ؟) فأجاب :( لقد جَعَلتني أنظر الى نفسي كما لو كنت فوق الناس ، وهم جميعا دوني   والذي بعثك بالحق ، لاأتأمرَّن على اثنين بعد اليوم أبداً )  

حكمته

لقد كان المقداد دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( إن السعيدَ لَمَن جُنِّبَ الفِتن ) ومن مظاهر حكمته طول أناته في الحكم على الرجال وحكمه الأخير على الرجال يبقيه الى لحظة الموت ، ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يحكم عليه لن يطرأ عليه أي تغيير ومن حكمته الموقـف التالي الذي يرويه أحد الرجال فيقول : جلسنا إلى المقداد يوما  فمرَّ به رجـل فقال مُخاطبا المقداد :( طوبى لهاتيـن العينيـن اللتين رَأَتَا رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- والله لَوَدِدْنا أنَّا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت ) فأقبل عليه المقداد وقال :( ما يَحْمِل أحدكم على أن يتمَنّى مشهداً غَيَّبَه الله عنه ، لا يدري لو شهدَه كيف كان يصير فيه ؟؟ والله لقد عاصَرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقوامٌ كَبَّهُمُ الله عز وجل على مناخِرِهم في جهنم ، أوَلاَ تحمدون الله الذي جَنَّبّكم مثل بلائهم ، وأخرجكم مؤمنين بربكم وبنبيكم )  

المسئولية

وحب المقداد -رضي الله عنه- للإسلام ملأ قلبه بمسئولياته عن حماية الإسلام ، ليس فقط من كيد أعدائه ، بل ومن خطأ أصدقائه ، فقد خرج يوما في سريَّة تمكن العدو فيها من حصارهم ، فأصدر أمير السرَّية أمره بألا يرعى أحد دابته ، ولكن أحد المسلمين لم يحِط بالأمر خُبْرا فخالفه ، فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق ، أو لا يستحقها على الإطلاق  فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح فسأله فأنبأه ما حدث ، فأخذ المقداد بيمينه ومضيا صوب الأمير ، وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له :( والآن أقِدْهُ من نفسك ، ومَكِّنْهُ من القصاص ) وأذعن الأمير ، بيد أن الجندي عفا وصفح وانتشى المقداد بعظمة الموقف وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة ، فراح يقول :( لأموتَنَّ والإسلام عزيز )  

خالد بن الوليد بن المغيرة ، المخزومي القرشي ، أبو سليمان كان اسلامه في شهر صفر سنة ثمان من الهجرة حيث قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :"( الحمد لله الذي هداك ، قد كنت أرى لك عقلا لا يسلمك الا الى الخير )  

اسلامه

و تعود قصة اسلام خالد الى ما بعد معاهدة الحديبية حيث أسلم أخوه الوليد بن الوليد ، ودخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة في عمرة القضاء فسأل الوليد عن أخيه خالد ، فقال :( أين خالد ؟) فقال الوليد :( يأتي به الله ) فقال النبي :-صلى الله عليه وسلم- :( ما مثله يجهل الاسلام ، ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيرا له ، ولقدمناه على غيره ) فخرج الوليد يبحث عن أخيه فلم يجده ، فترك له رسالة قال فيها :( بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فأني لم أرى أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام وعقلك عقلك ، ومثل الاسلام يجهله أحد ؟! وقد سألني عنك رسول الله، فقال أين خالد -- وذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه -- ثم قال له : فاستدرك يا أخي ما فاتك فيه ، فقد فاتتك مواطن صالحة )  وقد كان خالد -رضي اللـه عنه- يفكر في الاسلام ، فلما قرأ رسالة أخيـه سر بها سرورا كبيرا ، وأعجبه مقالة النبـي -صلى اللـه عليه وسلم-فيه ، فتشجع و أسلـم  

يقول خالد عن رحلته من مكة الى المدينة :( وددت لو أجد من أصاحب ، فلقيت عثمان بن طلحة فذكرت له الذي أريد فأسرع الإجابة ، وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرا ، فلما كنا بالسهل إذا عمرو بن العاص ، فقال :( مرحبا بالقوم ) قلنا :( وبك ) قال :( أين مسيركم ؟) فأخبرناه ، وأخبرنا أيضا أنه يريد النبي ليسلم ، فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان ، فلما اطلعت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سلمت عليه بالنبوة فرد على السلام بوجه طلق ، فأسلمت وشهدت شهادة الحق ، وحينها قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :(الحمد لله الذي هداك ، قد كنت أرى لك عقلا لا يسلمك الا الى الخير) وبايعت الرسـول وقلت :( استغفر لي كل ما أوضعـت فيه من صد عن سبيل اللـه ) فقال :( إن الإسلام يجـب ما كان قبله ) فقلت :( يا رسول الله على ذلك ) فقال :( اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك ) وتقدم عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ، فأسلما وبايعا رسول الله )  

غزوة مؤتة

كانت غزوة مؤتة أول غزوة شارك فيها خالد ، وقد قتل قادتها الثلاثة : زيد بن حارثة ، ثم جعفر بن أبي طالب ، ثم عبدالله بن رواحة -رضي الله عنهم- ، فسارع الى الراية ( ثابت بن أقرم ) فحملها عاليا وتوجه مسرعا الى خالد قائلا له :( خذ اللواء يا أبا سليمان ) فلم يجد خالد أن من حقه أخذها فاعتذر قائلا :( لا ، لا آخذ اللواء أنت أحق به ، لك سن وقد شهدت بدرا ) فأجابه ثابت :( خذه فأنت أدرى بالقتال مني ، ووالله ما أخذته إلا لك ) ثم نادى بالمسلمين :( أترضون إمرة خالد ؟)  قالوا :( نعم ) فأخذ الراية خالد وأنقذ جيش المسلمين ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما أخبر الصحابة بتلك الغزوة :( أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب ، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب ، وعيناه -صلى الله عليه وسلم- تذرفان   حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ، حتى فتح الله عليهم ) فسمي خالد من ذلك اليوم سيف الله  

جهاده

وشارك في فتح مكة وفي حروب الردة وبالذات في معركة اليمامة حين استطاع أن يضع حدا لمسيلمة الكذاب وأعوانه ، وفي فتح بلاد الفرس استهل خالد عمله بارسال كتب إلى جميع ولاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه :( بسم الله الرحمن الرحيم ، من خالد بن الوليد الى مرازبة فارس ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فالحمدلله الذي فض خدمكم ، وسلب ملككم ، ووهّن كيدكم ، من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم ، له ما لنا وعليه ما علينا ، إذا جاءكم كتابي فابعثوا إلي بالرّهُن واعتقدوا مني الذمة ، وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة !!) وعندما جاءته أخبار الفرس بأنهم يعدون جيوشهم لمواجهته لم ينتظر ، وإنما سارع ليقابلهم في كل مكان محققا للإسلام النصر تلو الآخر ولم ينس أن يوصي جنوده قبل الزحف :( لاتتعرضوا للفلاحين بسوء ، دعوهم في شغلهم آمنين ، إلا أن يخرج بعضهم لقتالكم ، فآنئذ قاتلوا المقاتلين )

معركة اليرموك وبطولاتها

إمرة الجيش

أولى أبوبكر الصديق إمرة جيش المسلمين لخالد بن الوليد ليواجهوا جيش الروم الذي بلغ مائتي ألف مقاتل وأربعين ألفا ، فوقف خالد بجيش المسلمين خاطباً :( إن هذا يوم من أيام الله ، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي ، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم ، وتعالوا نتعاور الإمارة ، فيكون أحدنا اليوم أميراً والآخر غداً ، والآخر بعد غد ، حتى يتأمر كلكم )

تأمين الجيش

وقبل أن يخوض خالد القتال ، كان يشغل باله احتمال أن يهرب بعض أفراد جيشه بالذات من هم حديثي عهد بالإسلام ، من أجل هذا ولأول مرة دعا نساء المسلمين وسلمهن السيوف ، وأمرهن بالوقوف خلف صفوف المسلمين وقال لهن :( من يولي هاربا  فاقتلنه )

خالد و ماهان الروماني

وقبيل بدء القتال طلب قائد الروم أن يبرز إليه خالد ، وبرز إليه خالد ، في الفراغ الفاصل بين الجيشين ، وقال (ماهان) قائد الروم :( قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع فإن شئتم أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما   وترجعون إلى بلادكم ، وفي العام القادم أبعث إليكم بمثلها !) وأدرك خالد ما في كلمات الرومي من سوء الأدب ورد قائلا :( إنه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت ، ولكننا قوم نشرب الدماء ، وقد علمنا أنه لا دم أشهى ولا أطيب من دم الروم ، فجئنا لذلك !) وعاد بجواده الى صفوف الجيش ورفع اللواء عاليا مؤذنا بالقتال :( الله أكبر ، هبي رياح الجنة )

من البطولات

ودار قتال قوي ، وبدا للروم من المسلمين مالم يكونوا يحتسبون ، ورسم المسلمون صورا تبهر الألباب من فدائيتهم وثباتهم فهاهو خالد غلى رأس مائة من جنده ينقضون على أربعين ألف من الروم ، يصيح بهم :( والذي نفسي بيده ما بقي من الروم من الصبر والجلد إلا ما رأيتم ، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم ) وبالفعل انتصر المائة على الأربعين ألف  

خالد وجرجه الروماني

وقد انبهر القادة الروم من عبقرية خالد في القتال ، مما حمل (جرجه) أحد قادتهم للحديث مع خالد ، حيث قال له :( يا خالد اصدقني ، ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب ، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاك إياه ، فلا تسله على أحد إلا هزمته ؟) قال خالد :( لا) قال الرجل :( فبم سميت سيف الله ؟) قال خالد :( إن الله بعث فينا رسوله ، فمنا من صدقه ومنا من كذب ، وكنت فيمن كذب حتى أخذ الله قلوبنا إلى الإسلام ، وهدانا برسوله فبايعناه ، فدعا لي الرسول ، وقال لي :( أنت سيف من سيوف الله ) فهكذا سميت سيف الله ) قال القائد الروماني :( وإلام تدعون ؟ )   قال خالد :( إلى توحيد الله وإلى الإسلام ) قال :( هل لمن يدخل في الإسلام اليوم مثل مالكم من المثوبة والأجر ؟)  قال خالد :( نعم وأفضل ) قال الرجل :( كيف وقد سبقتموه ؟) قال خالد :( لقد عشنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأى ما رأينا ، وسمع ما سمعنا أن يسلم في يسر ، أما أنتم يا من لم تروه ولم تسمعوه ثم آمنتم بالغيب ، فإن أجركم أجزل وأكبر إذا صدقتم الله سرائركم ونواياكم ) وصاح القائد الروماني وقد دفع جواده إلى ناحية خالد ووقف بجواره :( علمني الإسلام يا خالد !) وأسلم وصلى لله ركعتين لم يصل سواهما ، وقاتل جرجه الروماني في صفوف المسلمين مستميتا في طلب الشهادة حتى نالها وظفر بها  

وفاة أبوبكر

في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الامبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- ، وتولى الخلافة بعده عمر -رضي الله عنه- ، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد وصل الخطاب الى أبىعبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة ، ثم أخبر خالدا بالأمر فلم يغضب خالد -رضي الله عنه-، بل تنازل في رضى وسرور ، لأنه كان يقاتل لله وحده لايبغي من وراء جهاده أي أمر من أمور الدنيا

قلنسوته

سقطت منه قلنسوته يوم اليرموك ، فأضنى نفسه والناس في البحث عنها فلما عوتب في ذلك قال :( إن فيها بعضا من شعر ناصية رسول الله وإني أتفائل بها وأستنصر )  

وفاة خالد

استقر خالد في حمص -من بلاد الشام- فلما جاءه الموت ، وشعر بدنو أجله ، قال :( لقد شهدت مائة معركة أو زهاءها  وما في جسدي شبر الا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم ، أو طعنة برمح ، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير  ألا فلا نامت أعين الجبناء ) وكانت وفاته سنة احدى وعشرين من الهجرة النبوية  مات من قال عنه الصحابة :( الرجل الذي لا ينام ، ولا يترك أحدا ينام ) وأوصى بتركته لعمر بن الخطاب والتي كانت مكونة من فرسه وسلاحه وودعته أمه قائلة :
أنت خير من ألف ألف من القوم___إذا ما كبت وجوه الرجال
أشجاع ؟ فأنت أشجع من ليث___غضنفر يذود عن أشبال
أجواد ؟ فأنت أجود من سيل___غامر يسيل بين الجبال

خباب بن الأرت

 

اسلامه

لقد كان خباب سيافا ، يصنع السيوف ويبيعها لقريش ، وفي يوم اسلامه جاء الى عمله ، وكان هناك نفر ينتظرون فسألوه :( هل أتممت صنع السيوف يا خباب ؟) فقال وهو يناجي نفسه :( ان أمره لعجب ) فسألوه :( أي أمر ؟) فيقول :( هل رأيتموه ؟ وهل سمعتم كلامه ؟) وحينها صرح بما في نفسه :( أجل رأيته وسمعته ، رأيت الحق يتفجر من جوانبه ، والنور يتلألأ بين ثناياه ) وفهم القرشيون فصاح أحدهم:( من هذاالذي تتحدث عنه يا عبد أم أنمار ؟) فأجاب :( ومن سواه يا أخا العرب ، من سواه في قومك يتفجر من جوانبه الحق ، ويخرج النور من بين ثناياه ؟) فهب آخر مذعورا قائلا :(أراك تعني محمدا ) وهز خباب رأسه قائلا :( نعم انه هو رسول الله الينا ليخرجنا من الظلمات الى النور ) كلمات أفاق بعدها خباب من غيبوبته وجسمه وعظامه تعاني رضوضا وآلاما ودمه ينزف من جسده فكانت هذه هي البداية لعذاب وآلام جديدة قادمة  

الاضطهاد و الصبر

وفي استبسال عظيم حمل خباب تبعاته كرائد ، فقد صبر ولم يلن بأيدي الكفار على الرغم من أنهم كانوا يذيقونه أشد ألوان العذاب   فقد حولوا الحديد الذي بمنزله الى سلاسل وقيود يحمونها بالنار ويلفون جسده بها ، ولكنه صبر واحتسب ، فها هو يحدث :( شكونا الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة ، فقلنا : يا رسول الله ألا تستنصر لنا ؟؟ فجلس -صلى الله عليه وسلم- وقد احمر وجهه وقال :( قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل فيحفر له في الأرض ، ثم يجاء بالمنشار فيجعل فوق رأسه ، ما يصرفه ذلك عن دينه ! وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخشى إلا الله عز وجل ، والذئب على غنمه ، ولكنكم تعجلون ) وبعد أن سمع خباب ورفاقه هذه الكلمات ، ازدادوا إيمانا وإصرارا على الصبر والتضحية  

أم أنمار

واستنجد الكفار بأم أنمار ، السيدة التي كان خباب -رضي الله عنه- عبدا لها قبل أن تعتقه ، فأقبلت تأخذ الحديد المحمى وتضعه فوق رأسه ونافوخه ، وخباب يتلوى من الألم ، ولكنه يكظم أنفاسه حتى لايرضي غرور جلاديه ، ومر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- والحديد المحمى فوق رأسه ، فطار قلبه رحمة وأسى ، ولكن ماذا يملك أن يفعل له غير أن يثبته ويدعو له :( اللهم انصر خبابا ) وبعد أيام قليلة نزل بأم أنمار قصاص عاجل ، اذ أنها أصيبت بسعار عصيب وغريب جعلها -كما يقولون- تعوي مثل الكلاب ، وكان علاجها أن يكوى رأسها بالنار !!  

خدمة الدين

لم يكتف -رضي الله عنه- في الأيام الأولى بالعبادة والصلاة ، بل كان يقصد بيوت المسلمين الذين يكتمون إسلامهم خوفا من المشركين ، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم إياه ، فقد نبغ الخباب بدراسة القرآن أية أية ، حتى اعتبره الكثيرون ومنهم عبدالله بن مسعود مرجعا للقرآن حفظا ودراسة ، وهو الذي كان يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطاب متقلدا سيفه الذي خرج به ليصفي حسابه مع الإسلام ورسوله ، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى صاح صيحته المباركة :( دلوني على محمد ) وسمع خباب كلمات عمر ، فخرج من مخبئه وصاح :( يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، فإني سمعته بالأمس يقول :( اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك ، أبي الحكم بن هشام ، وعمر بن الخطاب ) فسأله عمر من فوره :( وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟) وأجاب خباب :( عند الصفا في دار الأرقم بن أبي الأرقم ) فمضى عمر الى مصيره العظيم  

جهاده

شهد خباب بن الأرت جميع الغزوات مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-وعاش عمره حفيظاً على إيمانه  

في عهد الخلافة

عندما فاض بيت مال المسلمين بالمال أيام عمر وعثمان -رضي الله عنهما- ، كان لخباب راتب كبير بوصفه من المهاجرين السابقين إلى الإسلام ، فبنى داراً بالكوفة ، وكان يضع ماله في مكان من البيت يعلمه أصحابه ورواده ، وكل من احتاج يذهب ويأخذ منه 

وفاته

قال له بعض عواده وهو في مرض الموت :( ابشر يا أبا عبدالله ، فإنك ملاق إخوانك غدا ) فأجابهم وهو يبكي :( أما إنه ليس بي جزع ، ولكنكم ذكرتموني أقواماً ، وإخواناً مضوا بأجورهم كلها لم ينالوا من الدنيا شيئا ، وإنا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعاإلا التراب ) وأشار الى داره المتواضعة التي بناها ، ثم أشار الى المكان الذي فيه أمواله وقال :( والله ما شددت عليها من خيط ، ولا منعتها عن سائل ) ثم التفت الى كفنه الذي كان قد أعد له ، وكان يراه ترفا وإسرافا وقال ودموعه تسيل :( انظروا هذا كفني ، لكن حمزة عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يوجد له كفن يوم استشهد إلا بردة ملحاء ، إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه ، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه )  

ومات -رضي الله عنه-في السنة السابعة والثلاثين للهجرة مات واحد ممن كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يكرمهم ويفرش لهم
رداءه ويقول :( أهلاً بمن أوصاني بهم ربي )

 

 

خبيب بن عدي

 

خبيب بن عدي من الأوس ، تردد على الرسول -صلى الله عليه وسلم- مذ هاجر إليهم وآمن بالله رب العالمين ، كان عذب الروح شفاف النفس وثيق الإيمان ، عابدا ناسكا  

غزوة بدر

شهد غزوة بدر ، وكان مقاتلا مقداما ، وممن صرع يوم بدر المشرك ( الحارث بن عامر بن نوفل ) وبعد إنتهاء المعركة   عرف بنو الحارث مصرع أبيهم ، وحفظوا اسم قاتله المسلم ( خبيب بن عدي)  

يوم الرجيع

في سنة ثلاث للهجرة ، قدم على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أحد نفر من عضل والقارة فقالوا :( يا رسول الله ، إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام ) فبعث معهم مرثد بن أبي مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبدالله بن طارق ، وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على القوم مرثد بن أبي مرثد ، فخرجوا حتى إذا أتوا على الرجيع ( وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة ) غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا ، ووجد المسلمون أنفسهم وقد أحاط بهم المشركين ، فأخذوا سيوفهم ليقاتلوهم فقالوا لهم :( إنا والله ما نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم ) فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا :( والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا ) ثم قاتلوا القوم وقتلوا وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبدالله بن طارق فلانوا ورقوا فأسروا وخرجوا بهم الى مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق يده من الأسر وأخذ سيفه وقاتلهم وقتل وفي مكة باعوا خبيب بن عدي لحجير بن أبي إهاب لعقبة بن الحارث ابن عامر ليقتله بأبيه ، وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف  

صلب خبيب

وبدأ المشركين بتعذيبهما -رضي الله عنهما- وقتل نسطاس زيدا ، أما خبيب فقد حبس وعذب وهو صابر ثابت النفس ، حتى أنه يروى بأن ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب قد دخلت عليه يوما فوجدته يأكل عنبا ، فخرجت تخبر الناس بذلك ، فلا يوجد في مكة عنبا يؤكل ثم خرجوا بخبيب إلى مكان يسمى التنعيم ، واستأذنهم ليصلي ركعتين ، فاذنوا له ، وصلى ركعتين وأحسنهما ثم قال لهم :( أما والله لولا أن تظنوا أني طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة ) فكان خبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين ثم رفعوه على خشبة وصلبوه ، فقال :( اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا !) ثم قال :( اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ، ولا تغادر منهم أحدا !) ورموه برماحهم وسيوفهم وقتل-رضي الله عنه-، وشعر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بمحنة أصحابه ، وترائى له جثمان أحدهم معلقا ، فبعث المقداد بن عمرو ، والزبير بن العوام ليستطلعا الأمر ، ووصلا المكان المنشود وأنزلا جثمان خبيب ودفنوه في بقعة طاهرة لانعرف اليوم مكانها

 

 

رافعة بن رافع بن مالك

 

رفاعة بن رافع بن مالك بن العَجْـلان ، وكنيته أبو معاذ الزُّرَقـيُّ ، شهد بدرا ، أبوه أول من أسلم من الأنصـار ، وشهد هو وابنه العقبـة ، كما شهد مع علي -كرم الله وجهه- الجمل وصِفّين ، ومات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين  

 

رُويفع بن ثابت

 

 

رُوَيفع بن ثابت بن السَّكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني ، صحابي سكن مصر ، وأمَّرَه معاوية على أطرابلس سنة ( 46 هجري ) فغزا إفريقية ، تُوفي في برقة وهو أمير عليها سنة ( 56 هجري )  
 

زيد بن ثابت

 

زيد بن ثابت أنصاري من المدينة ، يوم قدم الرسول -صلى الله عليه وسلم- للمدينة كان سنه لا يتجاوز إحدى عشرة سنة ، وأسلم مع أهله ، وباركه الرسول الكريم بالدعاء

بداية الجهاد

صحبه أباؤه معهم الى غزوة بدر ، لكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- رده لصغر سنه وجسمه ، وفي غزوة أحد ذهب مع جماعة من أترابه الى الرسول -صلى الله عليه وسلم-يرجون أن يضمهم للمجاهدين وأهلهم كانوا يرجون أكثر منهم ، ونظر إليهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- شاكرا وكأنه يريد الإعتذار ، ولكن ( رافع بن خديج ) وهو أحدهم تقدم الى الرسول الكريم وهو يحمل حربة ويستعرض بها قائلا :( إني كما ترى ، أجيد الرمي فأذن لي ) فأذن الرسول -صلى الله عليه وسلم- له ، وتقدم ( سمرة بن جندب ) وقال بعض أهله للرسول :( إن سمرة يصرع رافعا ) فحياه الرسول وأذن له ، وبقي ستة من الأشبال منهم زيد بن ثابت وعبدالله بن عمر ، وبذلوا جهدهم بالرجاء والدمع واستعراض العضلات ، لكن أعمارهم صغيرة   وأجسامهم غضة ، فوعدهم الرسول بالغزوة المقبلة ، وهكذا بدأ زيد مع إخوانه دوره كمقاتل في سبيل الله بدءا من غزوة الخندق ، سنة خمس من الهجرة  

شخصيته

لقد كان -رضي الله عنه- مثقف متنوع المزايا ، يتابع القرآن حفظا ، ويكتب الوحي لرسوله ، ويتفوق في العلم والحكمة ، وحين بدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- في إبلاغ دعوته للعالم الخارجي ، وإرسال كتبه لملوك الأرض وقياصرتها ، أمر زيدا أن يتعلم بعض لغاتهم فتعلمها في وقت وجيز ، فتألقت شخصيته وتبوأ في المجتمع الجديد مكانا عاليا ، وصار موضع احترام المسلمين وتوقيرهم فقد ذهب زيد ليركب ، فأمسك ابن عباس بالركاب ، فقال له زيد :( تنح يا بن عم رسول الله ) فأجابه ابن عباس :( لا ، فهكذا نصنع بعلمائنا ) كما قال ( ثابت بن عبيد ) عن زيد بن ثابت :( ما رأيت رجلا أفكه في بيته ، ولا أوقر في مجلسه من زيد )  

حفظه للقرآن

منذ بدأ الدعوة وخلال إحدى وعشرين سنة تقريبا كان الوحي يتنزل ، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يتلو ، وكان هناك ثلة مباركة تحفظ ما تستطيع ، والبعض الآخر ممن يجيدون الكتابة ، يحتفظون بالآيات مسطورة ، وكان منهم علي بن أبي طالب  وأبي بن كعب ، وعبدالله بن مسعود ، وعبدالله بن عباس ، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين وبعد أن تم النزول كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقرؤه على المسلمين مرتبا سوره وآياته  

بداية جمع القرآن

بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- شغل المسلمون بحروب الردة ، وفي معركة اليمامة كان عدد الشهداء من حفظة القرآن كبيرا ، فما أن هدأت نار الفتنة حتى فزع عمر بن الخطاب الى الخليفة أبو بكر الصديق راغبا في أن يجمع القرآن قبل أن يدرك الموت والشهادة بقية القراء والحفاظ واستخار الخليفة ربه ، وشاور صحبه ثم دعا زيد بن ثابت وقال له :( إنك شاب عاقل لانتهمك ) وأمره أن يبدأ جمع القرآن مستعينا بذوي الخبرة ونهض زيد -رضي الله عنه- بالمهمة وأبلى بلاء عظيما فيها ، يقابل ويعارض ويتحرى حتى جمع القرآن مرتبا منسقا وقال زيد في عظم المسئولية :( والله لو كلفوني نقل جبل من مكانه ، لكان أهون علي مما أمروني به من جمع القرآن ) وأنجز المهمة على أكمل وجه وجمع القرآن في أكثر من مصحف  

المرحلة الثانية في جمع القرآن

في خلافة عثمان بن عفان كان الإسلام يستقبل كل يوم أناس جدد عليه ، مما أصبح جليا ما يمكن أن يفضي إليه تعدد المصاحف من خطر حين بدأت الألسنة تختلف على القرآن حتى بين الصحابة الأقدمين والأولين ، فقرر عثمان والصحابة وعلى رأسهم حذيفة بن اليمان ضرورة توحيد المصحف ، واستنجدوا بزيـد بن ثابت ، فجمع زيد أصحابه وأعوانه وجاءوا بالمصاحف من بيت حفصة بنت عمر -رضي الله عنها- وباشروا مهمتهم الجليلة ، وكانوا دوما يجعلون كلمة زيد هي الحجة والفيصل رحمهم الله أجمعين

 

زيد بن الخطاب

 

زيد بن الخطاب هو الأخ الأكبر لعمر بن الخطاب ، سبقه الى الإسلام ، وسبقه الى الشهادة ، كان إيمانه بالله تعالى إيمانا قويا ، ولم يتخلف عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مشهد ولا في غزاة  

غزوة أحد

في كل مشهد كان زيد -رضي الله عنه- يبحث عن الشهادة أكثر من النصر ، ففي يوم أحد وحين حمي القتال بين المسلمين والمشركين ، سقط درعه منه ، فرآه أخوه عمر فقال له :( خذ درعي يا زيد فقاتل بها )  فأجابه زيد :( إني أريد من الشهادة ما تريده يا عمر ) وظل يقاتل بغير درع في فدائية باهرة  

يوم اليمامة

لقد كان زيد بن الخطاب يتحرق شوقا للقاء ( الرّجال بن عنفوة ) وهو المسلم المرتد الذي تنبأ به الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوما حين كان جالسا مع نفر من المسلمين حيث قال :( إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من جبل أحد ) وتحققت النبوة حين ارتد ( الرّجال ) ولحق بمسيلمة الكذاب ، وكان خطره على الإسلام أكبر من مسيلمة نفسه ، لمعرفته الجيدة بالإسلام والقرآن والمسلمين  
وفي يوم اليمامة دفع خالد بن الوليد بلواء الجيش الى زيد بن الخطاب ، وقاتل أتباع مسيلمة قتالا مستميتا ، ومالت المعركة في بدايتها على المسلمين ، وسقط منهم شهداء كثيرون ، ورأى زيد مشاعر الخوف عند المسلمين فعلا ربوة وصاح :( أيها الناس ، عَضُوا على أضراسكم ، واضربوا في عدوكم ، وامضوا قدما ، والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله ، أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي ) ونزل من فوق الربوة عاضا على أضراسه ، زاما شفتيه لايحرك لسانه بهمس ، وتركز مصير المعركة لديه في مصير ( الرّجال )  وهناك راح يأتيه من يمين ومن شمال حتى أمسكه بخناقه وأطاح بسيفه رأسه المغرور ، وهذا أحدث دمارا كبيرا في نفوس أتباع مسيلمة ، وقوّى في الوقت ذاته عزائم المسلمين  

استشهاده

رفع زيد بن الخطاب يديه الى السماء مبتهلا لربه شاكرا نعمته ، ثم عاد الى سيفه وصمته ، وتابع القتال والنصر بات للمسلمين ، هنالك تمنى زيد-رضي الله عنه- أن يختم حياته بالشهادة ، وتم له ما أراد فقد رزقه الله بالشهادة وبينما وقف عمر بن الخطاب يستقبل مع أبوبكر العائدين الظافرين ، دنا منه المسلمون وعزّوه بزيد ، فقال عمر  ( رحم الله زيدا ، سبقني إلى الحسنين ، أسلم قبلي ، واستشهد قبلي )

 

زيد بن الدثنة

يوم الرجيع

في سنة ثلاث للهجرة ، قدم على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أحد نفر من عضل والقارة فقالوا :( يا رسول الله ، إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام ) فبعث معهم مرثد بن أبي مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبدالله بن طارق ، وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على القوم مرثد بن أبي مرثد  

فخرجوا حتى إذا أتوا على الرجيع ( وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة ) غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا ، ووجد المسلمون أنفسهم وقد أحاط بهم المشركين ، فأخذوا سيوفهم ليقاتلوهم فقالوا لهم :( إنا والله ما نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم ) فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا :( والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا ) ثم قاتلوا القوم وقتلوا  

وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبدالله بن طارق فلانوا ورقوا فأسروا وخرجوا بهم الى مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق يده من الأسر وأخذ سيفه وقاتلهم وقتل وفي مكة باعوا خبيب بن عدي لحجير بن أبي إهاب لعقبة بن الحارث ابن عامر ليقتله بأبيه ، وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف  

استشهاده

زيد بن الدثنة ابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف ، وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له يقال له نِسْطاس ، الى التنعيم -موضع بين مكة وسرف ،على فرسخيـن من مكة- وأخرجوه من الحرم ليقتلـوه واجتمع رهـط من قريش فيهم أبوسفيان بن حـرب ، فقال له أبو سفيان حين قـدم ليقتل :( أنشدك الله يا زيد ، أتُحبُّ أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟) قال :( والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي !) يقول أبو سفيان :( ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً !) ثم قتله نِسْطاس ، يرحمه الله

زيد بن حارثة

 

هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى ، وكان طفلا حين سبي ووقع بيد حكيم بن حزام بن خويلد حين اشتراه من سوق عكاظ مع الرقيق ، فأهداه الى عمته خديجة ، فرآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندها فاستوهبه منها فوهبته له ، فأعتقه وتبناه ، وصار يعرف في مكة كلها ( زيد بن محمد )  وذلك كله قبل الوحي

قصة التبني

منذ أن سلب زيدا -رضي الله عنه- ووالده يبحث عنه ، حتى التقى يوما نفر من حي ( حارثة ) بزيد في مكة ، فحملهم زيد سلامه وحنانه لأمه و أبيه ، وقال لقومه :( أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد ) فلم يكد يعلم والده بمكانه حتى أسرع اليه ، يبحث عن ( الأمين محمد )ولما لقيه قال له :( يا بن عبد المطلب ، يا بن سيد قومه ، أنتم أهل حرم ، تفكون العاني ، وتطعمون الأسير ، جئناك في ولدنا ، فامنن علينا وأحسن في فدائه ) فأجابهم -صلى الله عليه وسلم- :( ادعوا زيدا ، وخيروه ، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء ، وان اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء ) أقبل زيد
رضي الله عنه- وخيره الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فقال زيد :( ما أنا بالذي أختار عليك أحدا ، أنت الأب و العم ) ونديت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدموع شاكرة وحانية ، ثم أمسك بيد زيد ، وخرج به الى فناء الكعبة ، حيث قريش مجتمعة ونادى :( اشهدوا أن زيدا ابني   يرثني وأرثه )  وكاد يطير قلب ( حارثة ) من الفرح ، فابنه حرا ، وابنا للصادق الأمين ، سليل بني هاشم  

اسلام زيد

ما حمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- تبعة الرسالة حتى كان زيد ثاني المسلمين ، بل قيل أولهم  أحبه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حبا عظيما ، حتى أسماه الصحابة ( زيد الحب ) ، وقالت السيدة عائشة -رضي الله عنها- :( ما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة في جيش قط الا أمره عليهم ، ولو بقي حيا بعد الرسول لاستخلفه ) لقد كان زيد رجلا قصيرا ، أسمرا ، أفطس الأنف ، ولكن قلبه جميع ، وروحه حر  فتألق في رحاب هذا الدين العظيم  

زواج زيد

زوج الرسول -صلى الله عليه وسلم- زيدا من ابنة عمته ( زينب ) ، وقبلت زينب الزواج تحت وطأة حيائها من الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ولكن الحياة الزوجية أخذت تتعثر ، فانفصل زيد عن زينب ، وتزوجها الرسول -صلى الله عليه وسلم- واختار لزيد زوجة جديدة هي ( أم كلثوم بنت عقبة ) ، وانتشرت في المدينة تساؤلات كثيرة : كيف يتزوج محمد مطلقة ابنه زيد ؟ فأجابهم القرآن ملغيا عادة التبني ومفرقا بين الأدعياء والأبناء  

قال تعالى :" ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله ، وخاتم النبيين "  

وهكذا عاد زيد الى اسمه الأول ( زيد بن حارثة )

استشهاد زيد

في جمادي الأول من العام الثامن الهجري خرج جيش الاسلام الى أرض البلقاء بالشام ، ونزل جيش الاسلام بجوار بلدة تسمى ( مؤتة) حيث سميت الغزوة باسمها   ولادراك الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأهمية هذه الغزوة اختار لها ثلاثة من رهبان الليل وفرسان النهار ، فقال عندما ودع الجيش :( عليكم زيد بن حارثة ، فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب ، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ) أي أصبح زيد الأمير الأول لجيش المسلمين ، حمل راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، واقتحم رماح الروم ونبالهم وسيوفهم ، ففتح باب دار السلام وجنات الخلد بجوار ربه  
                     قال حسان بن ثابت :

عين جودي بدمعك المنزور___واذكري في الرخاء أهل القبور
واذكري مؤتة وما كان فيها ___ يوم راحوا في وقعة التغوير
حين راحوا وغادروا ثم زيدا___نعم مأوى الضريك و المأسور

 

سالم مولى أبي حذيفة

 

كان رقيقـا وأعتـق ، وآمن بالله وبرسوله إيمانا مبكرا ، وأخذ مكانه بين السابقيـن الأولين ، هذا هو الصحابي الذي عرف باسم سالم مولى أبى حذيفة ، لأنه كان رقيقـا ثم ابنا ثم أخاً ورفيقاً للذي تبناه وهو الصحابي الجليل أبو حذيفـة بن عتبة ، وتزوج سالم ابنة أخيه ( فاطمة بنت الوليد بن عتبة )، وكان إمامـاً للمهاجريـن من مكة الى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء وأوصى الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم أصحـابه قائلا :( خذواالقرآن من أربعة : عبدالله بن مسعود ، وسالم مولى أبى حذيفة وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل )  

الجهر بالحق

كانت الفضائل تزدحم حول سالم -رضي الله عنه- ولكن كان من أبرز مزاياه الجهر بما يراه حقا فلا يعرف الصمت ، وتجلى ذلك بعد فتح مكة ، حين أرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعض السرايا الى ما حول مكة من قرى وقبائل ، وأخبرهم أنهم دعاة لا مقاتلين ، فكان سالم -رضي الله عنه- في سرية خالد بن الوليد الذي استعمل السيف وأراق الدم ، فلم يكد يرى سالم ذلك حتى واجهه بشدة ، وعدد له الأخطاء التي ارتكبت ، وعندما سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- النبأ ، اعتذر الى ربه قائلا :( اللهم إني أبرأ مما صنع خالد ) كما سأل :( هل أنكر عليه أحد ؟) فقالوا له :( أجل ، راجعه سالم وعارضه ) فسكن غضب الرسول -صلى الله عليه وسلم-  

يوم اليمامة

تعانق الأخوان سالم و أبو حذيفة ، وتعاهدا على الشهادة وقذفا نفسيهما في الخضم الرهيب ، كان أبو حذيفة يصيح :( يا أهل القرآن ، زينوا القرآن بأعمالكم ) وسالم يصيح :( بئس حامل القرآن أنا لو هوجم المسلمون من قِبَلِي ) وسيفهما كانا يضربان كالعاصفة ، وحمل سالم الراية بعد أن سقط زيد بن الخطاب شهيدا ، فهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها ، فحمل الراية بيسراه وهو يصيح تاليا الآية الكريمة :(  وكأيّ من نبي قاتل معه ربيّون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين )  

 

الشهادة

وأحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل ، ولكن روحه ظلت في جسده حتى نهاية المعركة ، ووجده المسلمون في النزع الأخير ، وسألهم :( ما فعل أبو حذيفة ؟) قالوا :( استشهد ) قال :( فأضجعوني الى جواره ) قالوا :( إنه إلى جوارك يا سالم ، لقد استشهد في نفس المكان !) وابتسم ابتسامته الأخيرة وسكت ، فقد أدرك هو وصاحبه ما كانا يرجوان ، معا أسلما ، ومعا عاشا ، ومعا ا ستشهدا  

 

سعد بن أبي وقاص

 

سعد بن مالك بن أهيب الزهري القرشي أبو اسحاق فهو من بني زهرة أهل آمنة بنت وهب أم الرسول - صلى الله عليه وسلم-  فقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعتز بهذه الخؤولة فقد ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- كان جالسا مع نفر من أصحابه فرأى سعد بن أبي وقاص مقبلا فقال لمن معه :"هذا خالي فليرني أمرؤ خاله"  

اسلامه

كان سعد -رضي الله عنه- من النفر الذين دخلوا في الاسلام أول ما علموا به فلم يسبقه الا أبوبكر و علي وزيد و خديجة قال سعد :( بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعوا الى الاسلام مستخفيا فعلمت أن الله أراد بي خيرا وشاء أن يخرجني بسببه من الظلمات الى النور  فمضيت اليه مسرعا حتى لقيته في شعب جياد وقد صلى العصر فأسلمت فما سبقني أحد الا أبي بكر وعلي وزيد -رضي الله عنهم- ، وكان ابن سبع عشرة سنة كما يقول سعد -رضي الله عنه- :( لقد أسلمت يوم أسلمت وما فرض الله الصلوات )  

ثورة أمه

يقول سعد -رضي الله عنه- : (وما سمعت أمي بخبر اسلامي حتى ثارت ثائرتها وكنت فتى بارا بها محبا لها فأقبلت علي تقول :( يا سعد ما هذا الدين الذي اعتنقته فصرفك عن دين أمك و أبيك؟ والله لتدعن دينك الجديد أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فيتفطر فؤادك حزنا علي ويأكلك الندم على فعلتك التي فعلت وتعيرك الناس أبد الدهر ) فقلت : لاتفعلي يا أماه فأنا لا أدع ديني لأي شيء ) الا أن أمه اجتنبت الطعام ومكثت أياما على ذلك فهزل جسمها وخارت قواها فلما رأها سعد قال لها:( يا أماه اني على شديد حبي لك لأشد حبا لله ولرسوله ووالله لو كان ألف نفس فخرجت منك نفسا بعد نفس ما تركت ديني هذا بشيء ) فلما رأت الجد أذعنت للأمر وأكلت وشربت على كره منها  

ونزل قوله تعالى :"ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك الي المصير وأن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب الي ثم الي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون "  

 

أحد المبشرين بالجنة

كان الرسول -صلى الله عليه وسلم يجلس بين نفر من أصحابه ، فرنا ببصره الى الأفق في إصغاء من يتلقى همسا وسرا ، ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لهم :( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) وأخذ الصحاب يتلفتون ليروا هذا السعيد ، فإذا سعد بن أبي وقاص آت وقد سأله عبدالله بن عمرو بن العاص أن يدله على ما يتقرب به الى الله من عبادة وعمل فقال له :( لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد ، غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوءا )  

الدعوة المجابة

كان سعد بن أبي وقاص إذا رمى عدوا أصابه وإذا دعا الله دعاء أجابه ، وكان الصحابة يردون ذلك لدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- له :( اللهم سدد رميته ، وأجب دعوته ) ويروى أنه رأى رجلا يسب طلحة وعليا والزبير فنهاه فلم ينته فقال له :( إذن أدعو عليك ) فقال الرجل :( أراك تتهددني كأنك نبي !) فانصرف سعد وتوضأ وصلى ركعتين ثم رفع يديه قائلا :( اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما سبقت لهم منك الحسنى ، وأنه قد أسخطك سبه إياهم ، فاجعله آية وعبرة ) فلم يمض غير وقت قصير حتى خرجت من إحدى الدور ناقة نادّة لا يردها شيء ، حتى دخلت في زحام الناس ثم اقتحمت الرجل فأخذته بين قوائمها   ومازالت تتخبطه حتى مات  

أول دم هريق في الإسلام

في بداية الدعوة ، كان أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا صلوا ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من الصحابة في شعب من شعاب مكة ، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد -رضي الله عنه- يومئذ رجلاً من المشركين بلحي بعير فشجه ( العظم الذي فيه الأسنان ) ، فكان أول دم هريق في الإسلام  

أول سهم رمي في الإسلام

بعثه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في سرية عبيدة بن الحارث -رضي الله عنه- الى ماء بالحجاز أسفل ثنية المرة فلقوا جمعا من قريش ولم يكن بينهم قتال ألا أن سعد قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في الاسلام  

غزوة أحد

وشارك في أحد وتفرق الناس أول الأمر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووقف سعد يجاهد ويقاتل فلما رآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يرمي جعل يحرضه ويقول له :( يا سعد  ارم فداك أبي وأمي ) وظل سعد يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته ويقول :( ما جمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأحد أبويه الا لي ) وذلك حين فداه بهما  

إمرة الجيش

عندما احتدم القتال مع الفرس ، أراد أمير المؤمنين عمر أن يقود الجيش بنفسه ، ولكن رأى الصحابة أن تولى هذه الإمارة لرجل آخر واقترح عبدالرحمن بن عوف :( الأسد في براثنه ، سعد بن مالك الزهري )  وقد ولاه عمر -رضي الله عنه- امرة جيش المسلمين الذي حارب الفرس في القادسية وكتب الله النصر للمسلمين وقتلوا الكافرين وزعيمهم رستم وعبر مع المسلمين نهر دجلة حتى وصلوا المدائن وفتحوها ، وكان إعجازا عبور النهر بموسم فيضانه حتى أن سلمان الفارسي قد قال :( إن الإسلام جديد ، ذللت والله لهم البحار ، كما ذللت لهم البر ، والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا ، كما دخلوه أفواجا )  وبالفعل أمن القائد الفذ سعد مكان وصول الجيش بالضفة الأخرى بكتيبة الأهوال وكتيبة الخرساء ، ثم اقتحم النهر بجيشه ولم يخسر جنديا واحدا في مشهد رائع ، ونجاح باهر  ودخل سعد بن أبي وقاص ايوان كسرى وصلى فيه ثماني ركعات صلاة الفتح شكرا لله على نصرهم  

إمارة العراق

ولاه عمر -رضي الله عنهما- إمارة العراق ، فراح سعد يبني ويعمر في الكوفة ، وذات يوم اشتكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين فقالوا :( إن سعدا لا يحسن يصلي ) ويضحك سعدا قائلا :( والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله ، أطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الآخرين ) واستدعاه عمر الى المدينة فلبى مسرعا ، وحين أراد أن يعيده الى الكوفة ضحك سعدا قائلا :( أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة ؟!) ويؤثر البقاء في المدينة  

الستة أصحاب الشورى

و عندما حضرت عمر -رضي الله عنه- الوفاة بعد أن طعنه المجوسي جعل الأمر من بعده الى الستة الذين مات النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض و أحدهم سعد بن أبي وقاص ، وقال عمر :( إن وليها سعد فذاك ، وإن وليها غيره فليستعن بسعد )  

سعد والفتنة

اعتزل سعد الفتنة وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا له أخبارها ، وذات يوم ذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ويقول له :( يا عم ، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر ) فيجيبه سعد :( أريد من مائة ألف سيف ، سيفا واحدا ، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا ، وإذا ضربت به الكافر قطع ) فتركه ابن أخيه بسلام وحين انتهى الأمر لمعاوية سأل سعدا :( مالك لم تقاتل معنا ؟) فأجابه :( إني مررت بريح مظلمة فقلت : أخ أخ وأنخت راحلتي حتى انجلت عني ) فقال معاوية :( ليس في كتاب الله أخ أخ ولكن

قال الله تعالى :( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله )  

وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة ، ولا مع العادلة مع الباغية ) فأجاب سعد قائلا :( ما كنت لأقاتل رجلا -يعني علي بن أبي طالب- قال له الرسول : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي )  

 

سعد بن عامر

 

أسلم سعيد بن عامر قبل فتح خيبر ، ومنذ أسلم وبايع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أعطاهما كل حياته ، شهد مع الرسول الكريم جميع المشاهد والغزوات كان أشعث أغبر من فقراء المسلمين ، كما كان من أكبر أتقيائهم .

ولاية الشام

عندما عزل عمر بن الخطاب معاوية عن ولاية الشام ، تلفت حواليه يبحث عن بديل يوليه مكانه ، يكون زاهد عابد قانت أواب ، وصاح عمر :( قد وجدته ، إلي بسعيد بن عامر ) وعندما جاء وعرض عليه ولاية حمص اعتذر سعيد وقال :( لا تَفْتِنّي يا أمير المؤمنين ) فيصيح عمر به :( والله لا أدعك ، أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي ثم تتركونني ؟!) واقتنع سعيد بكلمات عمر ، وخرج الى حمص ومعه زوجه .

الزوجة الجميلة

خرج سعيد -رضي الله عنه- ومعه زوجته العروس الفائقة الجمال الى حمص ، ولما استقرا أرادت زوجته أن تستثمر المال الذي زوده به عمر ، فأشارت عليه بشراء ما تحتاج إليه من ثياب ومتاع ثم يدخر الباقي ، فقال لها سعيد :( ألا أدلك على خير من هذا ؟ نحن في بلاد تجارتها رابحة ، وسوقها رائجة ،فلنعط هذا المال من يتجر لنا فيه وينميه ) قالت :( فإن خسرت تجارته ؟) قال :( سأجعل ضمانها عليه !)  قالت :( فنعم إذن ) وخرج سعيد فاشترى بعض ضرورات عيشه المتقشف ، ثم فرق جميع المال على الفقراء والمحتاجين ومرت الأيام وكلما سألته زوجته عن تجارتهما يجيبها :( إنها تجارة موفقة ، وإن الأرباح تنمو وتزيد ) وعندما شكت وارتابت بالأمر ألحت عليه لتعرف ، فأخبرها الحقيقة ، فبكت وأسفت على المال ، ونظر إليها سعيد وقد زادت جمالا ثم قال :( لقد كان لي أصحاب سبقوني الى الله ، وما أحب أن انحرف عن طريقهم ولو كانت لي الدنيا بما فيها ) وقال لها :( تعلمين أن في الجنة من الحور العين والخيرات الحسان ، ما لو أطلت واحدة منهن على الأرض لأضاءتها جميعا ، ولقهر نورها نور الشمس والقمر معا ، فلأن أضحي بك من أجلهن ، أحرى وأولى من أن أضحي بهن من أجلك ) وأنهى الحديث هادئا مبتسما وسكنت زوجته وأدركت أنه لا شيء أفضل من السير مع سعيد في طريقه التقي الزاهد .

شكوى أهل حمص

عندا زار عمر -رضي الله عنه- حمص تحدث مع أهلها فسمع شكواهم ، فقد قالوا :( نشكو منه أربعا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار ، ولا يجيب أحد بليل ، وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما إلينا ولا نراه ، وأخرى لا حيلة له فيها ولكنها تضايقنا وهي أنه تأخذه الغشية بين الحين والحين ) فقال عمر همسا :( اللهم إني أعرفه من خير عبادك ، اللهم لا تخيب فيه فراستي ) ودعا سعيد للدفاع عن نفسه فقال سعيد :( أما قولهم :إني لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار ، فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب ، إنه ليس لأهلي خادم ، فأنا أعجن عجيني ، ثم أدعه حتى يختمر ، ثم أخبز خبزي ، ثم أتوضأ للضحى ، ثم أخرج إليهم) وتهلل وجه عمر وقال :( الحمدلله ، والثانية ؟!)  قال سعيد :( وأما قولهم : لاأجيب أحدا بليل ، فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب ، إني جعلت النهار لهم ، والليل لربي  
وأما قولهم : إن لي يومين في الشهر لا أخرج فيهما ، فليس لي خادم يغسل ثوبي ، وليس لي ثياب أبدلها ، فأنا أغسل ثوبي ثم أنتظر حتى يجف بعد حين وفي آخر النهار أخرج إليهم وأما قولهم : إن الغشية تأخذني بين الحين والحين ، فقد شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة ، وقد بضعت قريش لحمه ، وحملوه على جذعة ، وهم يقولون له : أتحب أن محمدا مكانك ، وأنت سليم معافى ؟ فيجيبهم قائلا : والله ما أحب أني في أهلي وولدي ، معي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة فكلما ذكرت ذلك المشهد الذي رأيته ، وأنا يومئذ من المشركين ، ثم تذكرت تركي نصرة خبيب يومها ، أرتجف خوفا من عذاب الله ويغشاني الذي يغشاني ) وانتهت كلمات سعيد المبللة بدموعه الطاهرة ولم يتمالك عمر نفسه وصاح :( الحمد لله الذي لم يخيب فراستي ) وعانق سعيدا.

زهده

لقد كان سعيد بن عامر صاحب عطاء وراتب كبير بحكم عمله ووظيفته ، ولكنه كان يأخذ ما يكفيه وزوجه ويوزع الباقي على البيوت الفقيرة ، وقد قيل له :( توسع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك )  فأجاب :( ولماذا أهلي وأصهاري ؟ لا والله ما أنا ببائع رضا الله بقرابة ) كما كان يجيب سائله :( ما أنا بالمتخلف عن الرعيل الأول ، بعد أن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( يجمع الله عز وجل الناس للحساب فيجيء فقراء المؤمنين يزفون كما تزف الحمام فيقال لهم : قفوا للحساب فيقولون : ماكان لنا شيء نحاسب عليه فيقول الله : صدق عبادي فيدخلون الجنة قبل الناس ) .

وفاته

وفي العام العشرين من الهجرة ، لقي سعيد -رضي الله عنه- ربه نقيا طاهرا .

 

سلمان الفارسي

 

سلمان الفارسي رجلا من أصبهان من قرية ( جي ) ، غادر ثراء والده بحثا عن خلاص عقله وروحه ، كان مجوسيا ثم نصرانيا ثم أسلم لله رب العالمين .

قبل الإسلام

لقداجتهد سلمان -رضي الله عنه- في المجوسية ، حتى كان قاطن النار التي يوقدها ولا يتركها تخبو ، وكان لأبيه ضيعة ، أرسله إليها يوما ، فمر بكنيسة للنصارى ، فسمعهم يصلون وأعجبه ما رأى في دينهم وسألهم عن أصل دينهم فأجابوه في الشام ، وحين عاد أخبر والده وحاوره ، فجعل في رجليه حديدا وحبسه ، فأرسل سلمان الى النصارى بأنه دخل في دينهم ويريد مصاحبة أي ركب لهم الى الشام ، وحطم قيوده ورحل الى الشام .

وهناك ذهب الى الأسقف صاحب الكنيسة ، وعاش يخدم ويتعلم دينهم ، ولكن كان هذا الأسقف من أسوء الناس فقد كان يكتنز مال الصدقات لنفسه ثم مات ، وجاء آخر أحبه سلمان كثيرا لزهده في الدنيا ودأبه على العبادة ، فلما حضره الموت أوصى سلمان قائلا :( أي بني ، ما أعرف أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل ) .
فلما توفي رحل سلمان الى الموصل وعاش مع الرجل الى أن حضرته الوفاة فدله على عابد في نصيبين فأتاه ، وأقام عنده حتى إذا حضرته الوفاة أمره أن يلحق برجل في عمورية .
فرحل إليه ، واصطنع لمعاشه بقرات وغنيمات ، ثم أتته الوفاة فقال لسليمان :( يا بني ما أعرف أحدا على مثل ما كنا عليه ، آمرك أن تأتيه ، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفا ، يهاجر الى أرض ذات نخل بين جرّتين فإن استطعت أن تخلص إليه فافعل ، وإن له آيات لا تخفى ، فهو لا يأكل الصدقة ، ويقبل الهدية ، وإن بين كتفيه خاتم النبوة ، إذا رأيته عرفته )  

لقاء الرسول

مر بسليمان ذات يوم ركب من جزيرة العرب ، فاتفق معهم على أن يحملوه الى أرضهم مقابل أن يعطيهم بقراته وغنمه ، فذهب معهم ولكن ظلموه فباعوه ليهودي في وادي القرى ، وأقام عنده حتى اشتراه رجل من يهود بني قريظة ، أخذه الى المدينة التي ما أن رأها حتى أيقن أنها البلد التي وصفت له ، وأقام معه حتى بعث الله رسوله وقدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف ، فما أن سمع بخبره حتى سارع اليه ، فدخل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحوله نفر من أصحابه ، فقال لهم :( إنكم أهل حاجة وغربة ، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة ، فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به )  فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه :( كلوا باسم الله ) وأمسك هو فلم يبسط إليه يدا فقال سليمان لنفسه :( هذه والله واحدة ، إنه لا يأكل الصدقة )  
ثم عاد في الغداة الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحمل طعاما وقال :( أني رأيتك لا تأكل الصدقة ، وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية ) فقال الرسول لأصحابه :( كلوا باسم الله ) وأكل معهم فقال سليمان لنفسه :( هذه والله الثانية ، إنه يأكل الهدية )
ثم عاد سليمان بعد مرور زمن فوجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في البقيع قد تبع جنازة ، وعليه شملتان مؤتزرا بواحدة ، مرتديا الأخرى ، فسلم عليه ثم حاول النظر أعلى ظهره فعرف الرسول ذلك ، فألقى بردته عن كاهله فاذا العلامة بين كتفيه ، خاتم النبوة كما وصفت لسليمان فأكب سليمان على الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقبله ويبكي ، فدعاه الرسول وجلس بين يديه ، فأخبره خبره ، ثم أسلم .

عتـقه

وحال الرق بين سليمان -رضي الله عنه- وبين شهود بدر وأحد ، وذات يوم أمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يكاتب سيده حتى يعتقه ، فكاتبه ، وأمر الرسول الكريم الصحابة كي يعينوه ، وحرر الله رقبته ، وعاد رجلا مسلما حرا ، وشهد مع الرسول غزوة الخندق والمشاهد كلها .

غزوة الخندق

في غزوة الخندق جاءت جيوش الكفر الى المدينة مقاتلة تحت قيادة أبي سفيان ، ورأى المسلمون أنفسهم في موقف عصيب ، وجمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ليشاورهم في الأمر ، فتقدم سلمان وألقى من فوق هضبة عالية نظرة فاحصة على المدينة ، فوجدها محصنة بالجبال والصخور محيطة بها ، بيد أن هناك فجوة واسعة يستطيع الأعداء اقتحامها بسهولة ، وكان سلمان -رضي الله عنه- قد خبر في بلاد فارس الكثير من وسائل الحرب وخدعها ، فتقدم من الرسول -صلى الله عليه وسلم- واقترح أن يتم حفر خندق يغطي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة ، وبالفعل بدأ المسلمين في بناء هذا الخندق الذي صعق قريش حين رأته ، وعجزت عن اقتحام المدينة ، وأرسل الله عليهم ريح صرصر عاتية لم يستطيعوا معها الا الرحيل والعودة الى ديارهم خائبين .

 
وخلال حفر الخندق اعترضت معاول المسلمين صخرة عاتية لم يستطيعوا فلقها ، فذهب سلمان الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مستأذنا بتغيير مسار الحفر ليتجنبوا هذه الصخرة ، فأتى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع سلمان وأخذ المعول بيديه الكريمتين ، وسمى الله وهوى على الصخرة فاذا بها تنفلق ويخرج منها وهجا عاليا مضيئا وهتف الرسول مكبرا :( الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس ، ولقد أضاء الله لي منها قصور الحيرة ، ومدائن كسرى ، وإن أمتي ظاهرة عليها )  ثم رفع المعول ثانية وهوى على الصخرة ، فتكررت الظاهرة وبرقت الصخرة ، وهتف الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( الله أكبر أعطيت مفاتيح الروم ، ولقد أضاء لي منها قصور الحمراء ، وإن أمتي ظاهرة عليها ) ثم ضرب ضربته الثالثة فاستسلمت الصخرة وأضاء برقها الشديد ، وهلل الرسول والمسلمون معه وأنبأهم أنه يبصر قصور سورية وصنعاء وسواها من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية الله يوما ، وصاح المسلمون :( هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ) .

سلمان والصحابة

لقد كان إيمان سلمان الفارسي قويا ، فقد كان تقي زاهد فطن وورع ، أقام أياما مع أبو الدرداء في دار واحدة ، وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقوم الليل ويصوم النهار، وكان سلمان يرى مبالغته في هذا فحاول أن يثنيه عن صومه هذا فقال له أبو الدرداء :( أتمنعني أن أصوم لربي، وأصلي له؟)  فأجاب سلمان :( إن لعينيك عليك حقا ، وإن لأهلك عليك حقا ، صم وافطر ، وصلّ ونام ) فبلغ ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( لقد أشبع سلمان علما )  
وفي غزوة الخندق وقف الأنصار يقولون :( سلمان منا ) ووقف المهاجرون يقولون :( بل سلمان منا )  وناداهم الرسول قائلا :( سلمان منا آل البيت )  
في خلافة عمر بن الخطاب جاء سلمان الى المدينة زائرا ، فجمع عمر الصحابة وقال لهم :( هيا بنا نخرخ لاستقبال سلمان ) وخرج بهم لإستقباله عند مشارف المدينة  
وكان علي بن أبي طالب يلقبه بلقمان الحكيم ، وسئل عنه بعد موته فقال :( ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت ، من لكم بمثل لقمان الحكيم ؟ أوتي العلم الأول والعلم الآخر ، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر ، وكان بحرا لا ينزف ) .

عطاؤه

لقد كان -رضي الله عنه- في كبره شيخا مهيبا ، يضفر الخوص ويجدله ، ويصنع منه أوعية ومكاتل ، ولقد كان عطاؤه وفيرا بين أربعة آلاف و ستة آلاف في العام ، بيد أنه كان يوزعه كله ويرفض أن ينال منه درهما ، ويقول :( أشتري خوصا بدرهم ، فأعمله ثم أبيعه بثلاثة دراهم ، فأعيد درهما فيه ، وأنفق درهما على عيالي ، وأتصدق بالثالث ، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عن ذلك ما انتهيت ) .

الإمارة

لقد كان سلمان الفارسي يرفض الإمارة ويقول :( إن استطعت أن تأكل التراب ولا تكونن أميرا على اثنين فافعل )  في الأيام التي كان فيها أميرا على المدائن وهو سائر بالطريق ، لقيه رجل قادم من الشام ومعه حمل من التين والتمر ، وكان الحمل يتعب الشامي ، فلم يكد يرى أمامه رجلا يبدو عليه من عامة الناس وفقرائهم حتى قال له :( احمل عني هذا ) فحمله سلمان ومضيا ، وعندما بلغا جماعة من الناس فسلم عليهم فأجابوا :( وعلى الأمير السلام ) فسأل الشامي نفسه :( أي أمير يعنون ؟!) ودهش عندما رأى بعضهم يتسارعون ليحملوا عن سلمان الحمل ويقولون :( عنك أيها الأمير ) فعلم الشامي أنه أمير المدائن سلمان الفارسي فسقط يعتذر ويأسف واقترب ليأخذ الحمل ، ولكن رفض سلمان وقال :( لا حتى أبلغك منزلك )  
سئل سلمان يوما :( ماذا يبغضك في الإمارة ؟) فأجاب :( حلاوة رضاعها ، ومرارة فطامها ) .

زهده وورعه

هم سلمان ببناء بيتا فسأل البناء :( كيف ستبنيه ؟) وكان البناء ذكيا يعرف زهد سلمان وورعه فأجاب قائلا :( لا تخف ، إنها بناية تستظل بها من الحر ، وتسكن فيها من البرد ، إذا وقفت فيها أصابت رأسك ، وإذا اضطجعت فيها أصابت رجلك ) فقال سلمان :( نعم ، هكذا فاصنع ) .

عهده لسعد

جاء سعد بن أبي وقاص يعود سلمان في مرضه ، فبكى سلمان ، فقال سعد :( ما يبكيك يا أبا عبدالله ؟ لقد توفي رسول الله وهو عنك راض ) فأجاب سلمان :( والله ما أبكي جزعا من الموت ، ولا حرصا على الدنيا ، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهد إلينا عهدا ، فقال :( ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب ) وهأنذا حولي هذه الأساود-الأشياء الكثيرة- !) فنظر سعد فلم ير إلا جفنة ومطهرة قال سعد :( يا أبا عبد الله اعهد إلينا بعهد نأخذه عنك ) فقال :( يا سعد : اذكر الله عند همك إذا هممت ، وعند حكمك إذا حكمت ، وعند يدك إذا قسمت ) .

وفاته

كان سلمان يملك شيئا يحرص عليه كثيرا ، ائتمن زوجته عليه ، وفي صبيحة اليوم الذي قبض فيه ناداها :( هلمي خبيك الذي استخبأتك ) فجاءت بها فإذا هي صرة مسك أصابها يوم فتح جلولاء ، احتفظ بها لتكون عطره يوم مماته ، ثم دعا بقدح ماء نثر به المسك وقال لزوجته :( انضحيه حولي ، فإنه يحضرني الآن خلق من خلق الله ، لايأكلون الطعام وإنما يحبون الطيب ) فلما فعلت قال لها :( اجفئي علي الباب وانزلي ) ففعلت ما أمر ، وبعد حين عادت فإذا روحه المباركة قد فارقت جسده ، وكان ذلك في عهد عثمان بن عفان .

 

سلمة بن الأكوع

 

كان سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي من رماة العرب المعدودين ، ومن أصحاب بيعة الرضوان وحين أسلم أسلم نفسه للإسلام صادقا منيبا يقول :( غزوت مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات )  .

بيعة الرضوان

حين خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه عام ست من الهجرة ، قاصدين زيارة البيت الحرام ومنعتهم قريش ، وسرت شائعة أن عثمان بن عفان مبعوث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى قريش قد قتـله المشركون بايع الصحابة الرسـول -صلى الله عليه وسلم- على الموت ، يقول سلـمة :( بايعـت رسول الله على الموت تحت الشجرة ، ثم تنحيت ، فلما خـف الناس ، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( يا سلمة ، مالك لا تبايع ؟) قلت :( قد بايعت يا رسول الله ) قال :( وأيضا ) فبايعته ) .

غزوة ذي قرد

أغار عُيينة بن حصن في خيل من غطفان على لقاح لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالغابة ، وفيها رجل من بني غفار وامرأة له ، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح ، وكان أول من نذر بهم سلمة بن الأكوع غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله ، معه فرس له يقوده ، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر الى بعض خيولهم ، فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ :( واصباحاه !)  ثم خرج يشتد في أثار القوم وكان مثل السبع ، حتى لحقهم ، فجعل يردهم بالنبل ويقول إذ رمى :( خذها وأنا ابن الأكوع ، اليوم يوم الرضع ) فيقول قائلهم :( أويكعنا هو أول النهار ) وبقي سلمى كذلك حتى أدركه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قوة وافرة من الصحابة ، وفي هذا اليوم قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( خير رجّالتنا -أي مُشاتنا- سلمة بن الأكوع ) .

مصرع أخيه

لم يعرف سلمة الأسى والجزع إلا عند مصرع أخيه عامر بن الأكوع في حرب خيبر ، في تلك المعركة انثنى سيف عامر في يده وأصابت دؤابته منه مقتلا ، فقال بعض المسلمين :( مسكين عامر حرم الشهادة )  فحزن سلمة وذهب الى الرسول -صلى الله عليه وسلم سائلا :( أصحيح يا رسول الله أن عامرا حبط عمله ؟) فأجاب الرسول :( إنه قتل مجاهدا ، وإن له لأجرين ، وإنه الآن ليسبح في أنهار الجنة ) .

جوده

كان سلمة على جوده المفيض أكثر ما يكون جوداً إذا سئل بوجه الله ، ولقد عرف الناس منه ذلك ، فإذا أرادوا أن يظفروا منه بشيء قالوا :( نسألك بوجه الله ) وكان يقول :( من لم يعط بوجه الله فبم يعط ؟) .

وفاته

حين قتل عثمان بن عفان أدرك سلمى بن الأكوع أن الفتنة قد بدأت ، فرفض المشاركة بها ، وغادر المدينة الى الربذة ، حيث عاش بقية حياته ، وفي يوم من العام أربع وسبعين من الهجرة سافر الى المدينة زائرا ، وقضى فيها يومان ، وفي اليوم الثالث مات ، فضمه ثراها الحبيب مع الشهداء والرفاق الصالحين .

سهيل بن عمرو

 

في غزوة بدر وقع سهيل بن عمرو أسيرا بأيدي المسلمين فقال عمر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو حتى لا يقوم عليك خطيبا بعد اليوم ) فأجابه الرسول العظيم :( لا أمثل بأحد ، فيمثل الله بي  وإن كنت نبيا ) ثم أدنى عمر منه وقال :( يا عمر لعل سهيلاً يقف غدا موقفاً يسرك !!)  وتحققت النبـوءة وتحول أعظم خطباء قريش سهيـل بن عمرو الى خطيب باهر من خطباء الإسلام .

صلح الحديبية

خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب يريد العمرة ، فمنعتهم قريش من ذلك ، فنزل الرسول الكريم ومن معه في الحديبية ، وأرسلت قريش رسلها للمسلمين ، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يجيبهم جميعا بأنه لم يأت للحرب وإنما لزيارة البيت العتيق ، حتى بعث الرسول ( عثمان بن عفان ) لقريش فسرت شائعة بأنه قتل ، فبايع المسلمون الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الموت في بيعة الرضوان  فبعثت قريش سهيل بن عمرو الى الرسول مفاوضا ، فلما رآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال :( قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل ) فلما انتهى سهيل الى الرسول تكلما وأطالا حتى تم الصلح الذي أظهر التسامح الكبير والنبيل للرسول -صلى الله عليه وسلم- ودعا الرسول علي بن أبي طالب ليكتب الصلح فقال :( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال سهيل :( لا أعرف هذا ، ولكن اكتب باسمك اللهم ) فكتبها ثم قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو ) فقال سهيل :( لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك ) فقال الرسول :( اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو ) وهكذا حتى تم ما قد اتفق عليه .

فتح مكة وإسلامه

وفي يوم الفتح الكبير فتح مكة ، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأهل مكة :( يا معشر قريش ، ما تظنون أني فاعل بكم ؟) هنالك تقدم سهيل بن عمرو وقال :( نظن خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم ) وتألقت الإبتسامة على وجه الرسول الكريم وقال :( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) وفي هذه اللحظة التي سبقها الخوف والرهبة ثم تلاها الخجل والندم تألقت مشاعر سهيل بن عمرو وامتلأت عظمة وأسلم لرب العالمين فأصبح من الذين نقلهم الرسول بعفوه من الشرك الى الإيمان .

قوة إيمانه

لقد أصبح سهيل -رضي الله عنه- بعد إسلامه في عام الفتح سمحاً كثير الجود ، كثير الصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن والبكاء خشية الله ، وأخذ على نفسه عهداً فقد قال :( والله لا أدع موقفا مع المشركين ، إلا وقفت مع المسلمين مثله ، ولا نفقة أنفقتها مـع المشركيـن ، إلا أنفقـت مع المسلمـين مثلها ، لعل أمـري أن يتلـو بعضه بعضا ) .

وفاة الرسول

عندما توفي الرسول -صلى الله عليه وسلم- هم أكثر أهل مكة بالرجوع عن الإسلام حتى خافهم والي مكة آنذاك ( عتاب بن أسيد) فقام سهيل بن عمرو وقد كان مقيما بمكة آنذاك ، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال :( إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة ، فمن رابنا ضربنا عنقه ) فتراجع الناس وكفوا عما هموا به ، وتحققت نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين قال لعمر :( إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه ) وحين بلغ ذلك أهل المدينة تذكر عمر حديث الرسول الكريم له فضحك طويلا .

وفاة سهيل

أخذ سهيل بن عمرو مكانه في جيش المسلمين مقاتلا شجاعا ، وخرج معهم الى الشام مقاتلا ، وأبى أن يرجع الى مكة وطنه الحبيب وقال :( سمعت الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول :( مقام أحدكم في سبيل الله ساعة خير له من عمله طوال عمره ) وإني لمرابط في سبيل الله حتى أموت ، ولن أرجع مكة )  وظل مرابطاً حتى وافته المنية وانتقل الى رحمة الله تعالى .

 

وفاته

وعمر سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- كثيرا وأفاء الله عليه من المال الخير الكثير  لكنه حين أدركته الوفاة دعا بجبة من صوف بالية وقال : ( كفنوني بها فاني لقيت بها المشركين يوم بدر واني أريد أن ألقى بها الله عز وجل أيضا )  وكان رأسه بحجر ابنه الباكي فقال له :( ما يبكيك يا بني ؟ إن الله لا يعذبني أبدا ، وإني من أهل الجنة ) فقد كان إيمانه بصدق بشارة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كبيرا وكانت وفاته سنة خمس وخمسين من الهجرة النبوية وكان آخر المهاجرين وفاة ، ودفن في البقيع  

 

سعد بن الربيع

 

غزوة أحد

بعد أن فرغ الناس لقتلاهم قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع ؟ أفي الأحياء هو أم الأموات ؟) فقال محمد بن مسلمة الأنصاري : ( أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد ) فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رَمَق فقال له : ( إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرني أن أنظر ، أفي الأحياء أنت أم الأموات ؟) قال : ( أنا في الأموات ، فأبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عني السلام وقل له : إن سعد بن الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته ، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله ان خُلِص إلى نبيكم -صلى الله عليه وسلم- ومنكم عين تطرف ) قال : ( ثم لم أبرح حتى مات ، فجئت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته خبره) .

سعد بن عبادة

 

هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة سيد الخزرج ، أسلم مبكرا وشهد بيعة العقبة والمشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، سخر أمواله في خدمة الإسلام وكان يسأل الله قائلا :( اللهم إنه لا يصلحني القليل ، ولا أصلح عليه ) حتى أصبح مثلا بالجود والكرم .  

تعذيب قريش له

علمت قريش بأمر الأنصار ولقائهم مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فلحقت بهم وأدركت سعد بن عبادة أحد الاثنى عشر نقيبا ، وأخذوه وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ، وأدخلوه مكة وهم يضربونه ، يقول سعد :( فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش ، فيهم رجل وضيء أبيض ، شعشاع حلو من الرجال ، فقلت في نفسي : إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي : والله ما عندهم بعد هذا من خير ! فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممن كان معهم فقال :( ويحك ! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد ؟) فقلت :( بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجّاره ، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي ، وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ) قال :( ويحك فاهتف باسم الرجلين ،واذكر ما بينك وبينهما) قال : ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما ، فوجدهما في المسجد عند الكعبة ، فقال لهما :( إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ويهتف بكما ويذكر أن بينه وبينكما جوار) قالا :( ومن هو ؟)  قال :( سعد بن عبادة) قالا :( صدق والله ، إن كان ليجير لنا تجارنا ، ويمنعهم أن يظلموا ببلده)  فجاءا فخلصا سعد من أيديهم ، فانطلق ، وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو العامري ، وكان الرجل الذي آوى إليه أبا البختري بن هشام  .

راية الأنصار

يقول ابن عباس -رضي الله عنهما- :( كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المواطن كلها رايتان ، مع علي بن أبي طالب راية المهاجرين ، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار ) .

يوم الفتح

كانت شخصية سعد تتسم بالشدة والقوة ، ففي يوم فتح مكة جعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- أميرا على فيلق من جيش المسلمين ، ولم يكد يصل الى مشارف مكة حتى صاح :( اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ) فكأنه عندما رأى مكة مستسلمة لجيش الفتح ، تذكر كل صور العذاب الذي صبته على المؤمنين وكان ذنبهم أن يقولوا : لا إله إلا الله ، فدفعه الى توعدهم فسمعه عمر بن الخطاب وسارع الى النبي قائلا :( يا رسول الله ، اسمع ما قال سعد بن عبادة ، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة ) فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عليا كرم الله وجهه أن يدركه ، ويأخذ الراية منه ، ويتأمر مكانه .

يوم حنين

أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى من العطايا ولم يكن للأنصار منها شيء ، حتى كثرت منهم القالة ، وقال قائلهم : ( لقي والله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قومه ) وقال سعد للرسول :( يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء ) فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( فأين أنت من ذلك يا سعد ؟) قال : ( يا رسول الله ما أنا إلا من قومي ) قال : ( فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ) فلما اجتمعوا أتاهم الرسول -صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه وقال : ( يا معشر الأنصار ، ما قالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ! ألم آتكم ضُـلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ! ) فقالوا : ( بلى ، الله ورسوله أمـن وأفضـل ) ثم قال :( ألا تجيبونني يا معشر الأنصار ؟) قالوا :( بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المن والفضل !) قال -صلى الله عليه وسلم- :( أما والله لو شئتم لقلتم   فلصَدقتم ولصُدّقتم : أتيتنا مكذبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك ، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لُعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكَلْتكم الى إسلامكم ! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله الى رحـالكم ؟   فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجـرة لكنت أمرأ من الأنصـار ، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ! اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار ) فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا وسعد معهم :( رضينا برسول الله قسما وحظا )  .

يوم السقيفة

ولما قبض الرسول -صلى الله عليه وسلم- انحاز بعض الأنصار الى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة منادين بأن يكون خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وخطب فيهم سعد -رضي الله عنه- موضحا أحقية الأنصار بذلك ،ولكن لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد استخلف أبا بكر على الصلاة أثناء مرضه ، فهم الصحابة أن هذا الاستخلاف مؤيدا لخلافة أبي بكر وتزعم عمر بن الخطاب هذا الرأي وسارع أبوبكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح -رضي الله عنهم- إلى الأنصار ، واشتد النقاش حول أحقية الخلافة ، وخطب أبوبكر الصديق خطبة بين فيها فضل المهاجرين والأنصار وقال في خاتمتها:( هذا عمر وهذا أبوعبيدة فأيهما شئتم فبايعوا)  فقال الاثنان:(لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك )  ثم قال عمر:(ابسط يدك نبايعك ) فسبقهما بشير بن سعد -رضي الله عنه- وهو من كبار الأنصار وبايع أبا بكر وتلاه عمر وأبو عبيدة ، فقام الحاضرون من الأنصار والمهاجرين فبايعوه وفي اليوم التالي اجتمع المسلمون في المسجد وبايعوه بيعة عامة  

خلافة عمر

في الأيام الأولى من خلافة عمر -رضي الله عنه- ، ذهب سعد الى أمير المؤمنين ، وقال بصراحته المتطرفة :( كان صاحبك أبو بكر -والله- أحب إلينا منك ، وقد -والله- أصبحتُ كارهاً لجوارك ) فأجاب عمر بهدوء :( إن من كره جوار جاره ، تحول عنه )وعاد سعد فقال :( إني متحول إلى جوار من هو خير عنك ) وبهذا أراد سعد ألا ينتظر ظروفا قد تطرأ بخلاف بينه وبين أمير المؤمنين ، خلاف لا يريده ولا يرضاه .

وفاته

شد سعد بن عبادة -رضي الله عنه- الرحال إلى الشام ، وما كاد أن يبلغها وينزل أرض حوران حتى دعاه أجله وأفضى إلى جوار ربه الرحيم

 

سعد بن معاذ

 

في العام الواحد والثلاثين من عمره أسلم ، واستشهد في عامه السابع والثلاثين وبينهما قضى سعد بن معاذ زعيم الأنصار أياما شاهقة في خدمة الله ورسوله  .

إسلامه

ذهب سعد بن معاذ إلى دار أسعد بن زرارة ليدفع مصعب بن عمير مبعوث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى المدينة خارج حدودها ، ولكنه ما أن اقترب وألقى بسمعه على كلمات مصعب ، حتى أضاء الله بصيرته فألقى حربته بعيدا وبسط يمينه مبايعا   وأسلم لرب العالمين .

غزوة بدر

جمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه المهاجرين والأنصار ليشاورهم في الأمر ، وكان يريد معرفة موقف الأنصار من الحرب ، فقال سعد بن معاذ :( يا رسول الله ، لقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لصبر في الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله ) فسر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال :( سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآن أنظر الى مصارع القوم ) .

غزوة الخندق

في غزوة الخندق اهتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- برأي الأنصار بكل خطوة يخطيها لأن الأمر يجري كله بالمدينة ، فكان يستشير سعد بن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج بكل الأمور التي تجد .
لقد سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين بأن بني قريظة قد نقضوا عهدهم ، فبعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وقال لهم :( انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فان كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ، ولا تفتوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس ) فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ، وقالوا :( من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد ) فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه فقال له سعد بن عبادة :( دع عنك مشاتمتهم ، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ) ثم أقبلا على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فسلموا وقالوا :( عضل والقارة ) أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين )  .
تفاوض الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع زعماء غطفان فأخبر سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في ذلك فقالا له :( يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ؟) قال الرسول :( بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ) فقال له سعد بن معاذ :( يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان   لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرىً أو بيعاً ، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم )  قال الرسول-صلى الله عليه وسلم- :( فأنت و ذاك ) فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال :( ليجهدوا علينا ) .

إصابته

وشهدت المدينة حصارا رهيبا ، ولبس المسلمون لباس الحرب وخرج سعد بن معاذ حاملا سيفه ورمحه ، وفي إحدى الجولات أصابه سهم في ذراعه من المشركين ، وتفجر الدم من وريده وأسعف سريعا ، وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يحمل الى المسجد وأن تنصب له خيمة ليكون قريبا منه أثناء تمريضه ، ورفع سعد بصره للسماء وقال :( اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجهادهم من قوم أذوا رسولك ، وكذبوه وأخرجوه ، وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فاجعل ما أصابني اليوم طريقا للشهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.

الرسول يحكم سعد في بني قريظة

حكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- سعد بن معاذ ببني قريظة ، فأتاه قومه ( الأوس ) فحملوه وأقبلوا معه الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهم يقولون :( يا أبا عمرو ، أحسن في مواليك فإن الرسول إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم ) فلما أتوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال الرسول :( قوموا إلى سيدكم ) فقاموا إليه فقالوا :( يا أبا عمرو ، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم ) فقال سعد :( عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت ؟)  قالوا :( نعم ) قال :( وعلى من هاهنا ؟)-في الناحية التي فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وهو معرض عن رسول الله إجلالا له- فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( نعم ) قال سعد :( فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتسبى الذراري والنساء ) قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ) ونفذ الرسول الكريم حكم سعد بن معاذ فيهم .

وفاته

فلما انقضى أمر بني قريظة انفجر بسعد جرحه فمات منه شهيدا بعد شهر من إصابته ، ويروى أن سعدا كان رجلا بادنا ، فلما حمله الناس وجدوا له خفة فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال :( إن له حملة غيركم ، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد ، واهتز له العرش ) كما يقول ( أبو سعيـد الخدري )-رضي اللـه عنه- :( كنت ممـن حفر لسعـد قبره ، وكنا كلما حفرنا طبقة مـن تراب ، شممنا ريح المسك حتى انتهينا الى اللحد ) .

سعد بن زيد

 

سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل العدوي القرشي ، أبو الأعور ، من خيار الصحابة ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته ، ولد بمكة عام ( 22 قبل الهجرة ) وهاجر الى المدينـة ، شهد المشاهد كلها إلا بدرا لقيامه مع طلحة بتجسس خبر العير ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، كان من السابقين الى الإسلام هو وزوجته أم جميل ( فاطمة بنت الخطـاب ) .

والده

وأبوه -رضي الله عنه- ( زيـد بن عمرو ) اعتزل الجاهليـة وحالاتها ووحّـد اللـه تعالى بغيـر واسطـة حنيفيـاً ، وقد سأل سعيـد بن زيـد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( يا رسـول الله ، إن أبـي زيـد بن عمرو بن نفيل كان كما رأيت وكما بَلَغَك ، ولو أدركك آمن بـك ، فاستغفر له ؟)  قال :( نعم ) واستغفر له وقال :( إنه يجيءَ يوم القيامة أمّةً وحدَهُ ) .

المبشرين بالجنة

روي عن سعيد بن زيد أنه قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( عشرة من قريش في الجنة ، أبو بكر ، وعمر  وعثمان ، وعليّ ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن مالك ( بن أبي وقاص ) ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل ، و أبو عبيدة بن الجراح ) رضي الله عنهم أجمعين .

الدعوة المجابة

كان -رضي الله عنه- مُجاب الدعوة ، وقصته مشهورة مع أروى بنت أوس ، فقد شكته الى مروان بن الحكم ، وادَّعت عليه أنّه غصب شيئاً من دارها ، فقال :( اللهم إن كانت كاذبة فاعْمِ بصرها ، واقتلها في دارها ) فعميت ثم تردّت في بئر دارها ، فكانت منيّتُها  .

الولاية

كان سعيد بن زيد موصوفاً بالزهد محترماً عند الوُلاة ، ولمّا فتح أبو عبيدة بن الجراح دمشق ولاّه إيّاها ، ثم نهض مع مَنْ معه للجهاد ، فكتب إليه سعيد :( أما بعد ، فإني ما كنت لأُوثرَك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يُدْنيني من مرضاة ربّي ، وإذا جاءك كتابي فابعث إلى عملِكَ مَنْ هو أرغب إليه مني ، فإني قادم عليك وشيكاً إن شاء الله والسلام ) .

البيعة

كتب معاوية إلى مروان بالمدينة يبايع لإبنه يزيد ، فقال رجل من أهل الشام لمروان :( ما يحبسُك ؟) قال مروان :( حتى يجيء سعيد بن زيد يبايع ، فإنه سيـد أهل البلد ، إذا بايع بايع الناس ) قال :( أفلا أذهب فآتيك به ؟) وجاء الشامـي وسعيد مع أُبيّ في الدار ، قال :( انطلق فبايع ) قال :( انطلق فسأجيء فأبايع ) فقال :( لتنطلقنَّ أو لأضربنّ عنقك ) قال :( تضرب عنقي ؟ فوالله إنك لتدعوني إلى قوم وأنا قاتلتهم على الإسلام ) فرجع إلى مروان فأخبره ، فقال له مروان :( اسكت ) وماتت أم المؤمنين ( أظنّها زينب ) فأوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد ، فقال الشامي لمروان :( ما يحبسُك أن تصلي على أم المؤمنيـن ؟) قال مروان :( أنتظر الذي أردت أن تضرب عنقـه ، فإنها أوصت أن يُصلي عليها ) فقال الشامي :( أستغفر الله ) .

وفاته

توفي بالمدينة سنة ( 51 هـ ) ودخل قبره سعد بن أبي الوقاص وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهم أجمعين .

 

صهيب بن سنان

 

لقد كان والده حاكم ( الأبله ) ووليا عليهـا لكسرى ، فهو من العرب الذين نزحوا الى العراق قبل الاسلام بعهد طويل ، وله قصـر كبير على شاطئ الفرات ، فعاش صهيب طفولة ناعمة سعيدة ، الى أن سبي بهجوم رومي ، وقضى طفولته وصدر شبابه في بلاد الروم ، وأخذ لسانهم ولهجتهم ، وباعه تجار الرقيق أخيرا لعبد اللـه بن جدعان في مكة وأعجب سيده الجديد بذكائه ونشاطه واخلاصه ، فاعتقه وحرره ، وسمح له بالاتجار معه  .

اسلامه

يقول عمار بن ياسر -رضي الله عنه- :( لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها  
فقلت له : ماذا تريد ؟  
فأجابني : ماذا تريد أنت ؟  
قلت له : أريد أن أدخل على محمد ، فأسمع ما يقول  
قال : وأنا أريد ذلك  
فدخلنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعرض علينا الاسلام ، فأسلمنا
ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا ، ثم خرجنا ، ونحن مستخفيان ) .

هجرته الى المدينة

عندما هم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة ، علم صهيب بها ، وكان من المفروض ان يكون ثالث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر ، ولكن أعاقه الكافرون ، فسبقه الرسول -صلى الله عليه وسلم-وأبو بكر ، وحين استطاع الانطلاق في الصحراء ، أدركه قناصة قريش ، فصاح فيهم:( يا معشر قريش ، لقد علمتم أني من أرماكم رجلا ، وأيم الله لا تصلون الي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي ، حتى لا يبقى في يدي منه شيء ، فأقدموا ان شئتم ، وان شئتم دللتكم على مالي وتتركوني وشأني ) فقبل المشركين المال وتركوه قائلين :( أتيتنا صعلوكا فقيرا ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت بيننا ما بلغت ، والآن تنطلق بنفسك و بمالك ؟؟) فدلهم على ماله وانطلق الى المدينة ، فأدرك الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قباء ، ولم يكد يراه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى ناداه متهللا :" ربح البيع أبا يحيى ربح البيع أبا يحيى " .

فنزل فيه قوله تعالى :"( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ، والله رءوف بالعباد ")  

صورة ايمانه

يتحدث صهيب -رضي الله عنه- عن ولائه للاسلام فيقول :( لم يشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشهدا قط ، الا كنت حاضره ، ولم يبايع بيعة قط الا كنت حاضرها ، ولم يسر سرية قط الا كنت حاضرها ، ولا غزا غزاة قط ، أول الزمان وآخره ، الا كنت فيها عن يمينه أو شماله ، وما خاف -المسلمون- أمامهم قط ، الا كنت أمامهم ، ولا خافوا وراءهم ، الا كنت وراءهم ، وما جعلت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيني وبين العدو أبدا حتى لقي ربه )  
وكان الى جانب ورعه خفيف الروح ، حاضر النكتة ، فقد رآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يأكل رطبا ، وكان باحدى عينيه رمد ، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- ضاحكا :( أتأكل الرطب وفي عينيك رمد ) فأجاب قائلا :( وأي بأس ؟ اني آكله بعيني الأخرى !!) .

وكان جوادا معطاء ، ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله ، حتى قال له عمر -رضي الله عنه- :( أراك تطعم كثيرا حتى انك لتسرف ؟) فأجابه صهيب :( لقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :" خياركم من أطعم الطعام ") .

وعندما اعتدي على أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- وصى الأمير أصحابه بأن يصل بالناس صهيبا ، حتى يتم اختيار الخليفة الجديد ، فكان هذا الاختيار من تمام نعم الله على هذا العبد .

 

طلحة بن عبيد الله

 

طلحة بن عبيـد اللـه بن عثمان التيمـي القرشي المكي المدني ، أبو محمـد  لقد كان في تجارة له بأرض بصرى ، حين لقي راهبا من خيار رهبانها ، وأنبأه أن النبي الذي سيخرج من أرض الحرم ، قد أهل عصره ، ونصحه باتباعه وعاد الى مكـة ليسمع نبأ الوحي الذي يأتي الصادق الأميـن ، والرسالة التي يحملها ، فسارع الى أبي بكر فوجـده الى جانب محمد مؤمنا ، فتيقن أن الاثنان لن يجتمعا الا علـى الحق ، فصحبه أبـو بكر الى الرسـول -صلى الله عليه وسلم- حيث أسلم وكان من المسلمين الأوائل .

ايمانه

لقد كان طلحة -رضي الله عنه- من أثرياء قومه ومع هذا نال حظه من اضطهاد المشركين ، وهاجر الى المدينة وشهد المشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- الا غزوة بدر ، فقد ندبه النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه سعيد بن زيد الى خارج المدينة ، وعند عودتهما عاد المسلمون من بدر ، فحزنا الا يكونا مع المسلمين ، فطمأنهما النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن لهما أجر المقاتلين تماما ، وقسم لهما من غنائم بدر كمن شهدها  وقد سماه الرسول الكريم يوم أحُد ( طلحة الخير ) وفي غزوة العشيرة ( طلحة الفياض ) ويوم حنين ( طلحة الجود ) .

بطولته يوم أحد

في أحد أبصر طلحة -رضي الله عنه- جانب المعركة الذي يقف فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلقيه هدفا للمشركين ، فسارع وسط زحام السيوف والرماح الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرآه والدم يسيل من وجنتيه ، فجن جنونه وقفز أمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- يضرب المشركين بيمينه ويساره ، وسند الرسول -صلى الله عليه وسلم وحمله بعيدا عن الحفرة التي زلت فيها قدمه ، ويقول أبو بكر -رضي الله عنه- عندما يذكر أحدا :( ذلك كله كان يوم طلحة ، كنت أول من جاء الى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لي الرسول ولأبي عبيدة بن الجراح :"دونكم أخاكم " ونظرنا ، واذا به بضع وسبعون بين طعنة وضربة ورمية ، واذا أصبعه مقطوعة ، فأصلحنا من شأنه ) .

وقد نزل قوله تعالى :" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى
نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا "

تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية أمام الصحابة الكرام ، ثم أشار الى طلحة قائلا :( من سره أن ينظر الى رجل يمشي على الأرض ، وقد قضى نحبه ، فلينظر الى طلحة )  ما أجملها من بشرى لطلحة -رضي الله عنه- ، فقد علم أن الله سيحميه من الفتنة طوال حياته وسيدخله الجنة فما أجمله من ثواب .

عطائه وجوده

وهكذا عاش طلحة -رضي الله عنه- وسط المسلمين مرسيا لقواعد الدين ، مؤديا لحقوقه ، واذا أدى حق ربه اتجه لتجارته ينميها ، فقد كان من أثرى المسلمين ، وثروته كانت دوما في خدمة الدين ، فكلما أخرج منها الشيء الكثير ، أعاده الله اليه مضاعفا ، تقول زوجته سعدى بنت عوف :( دخلت على طلحة يوما فرأيته مهموما ، فسألته : ما شأنك ؟ فقال : المال الذي عندي ، قد كثر حتى أهمني وأكربني وقلت له : ما عليك ، اقسمه فقام ودعا الناس ، وأخذ يقسمه عليهم حتى ما بقي منه درهما )  
وفي احدى الأيام باع أرضا له بثمن عال ، فلما رأى المال أمامه فاضت عيناه من الدمع وقال :( ان رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري مايطرق من أمر ، لمغرور بالله ) فدعا بعض أصحابه وحملوا المال معه ومضى في الشوارع يوزعها حتى أسحر وما عنده منها درهما  
وكان -رضي الله عنه- من أكثر الناس برا بأهله وأقاربه ، وكان يعولهم جميعا ، لقد قيل :( كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا الا كفاه مئونته ، ومئونة عياله ) ( وكان يزوج أياماهم ، ويخدم عائلهم ، ويقضي دين غارمهم ) ويقول السائب بن زيد :( صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر و الحضر فما وجدت أحدا ، أعم سخاء على الدرهم ، والثوب ، والطعام من طلحة ) .

طلحة والفتنة

عندما نشبت الفتنة في زمن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أيد طلحة حجة المعارضين لعثمان ، وزكى معظمهم فيما ينشدون من اصلاح ، ولكن أن يصل الأمر الى قتل عثمان -رضي الله عنه- ، لا لكان قاوم الفتنة ، وما أيدها بأي صورة ، ولكن ماكان كان ، أتم المبايعة هو والزبير لعلي -رضي الله عنهم جميعا- وخرجوا الى مكة معتمرين ، ومن هناك الى البصرة للأخذ بثأر عثمان  وكانت ( وقعة الجمل ) عام 36 هجري  طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع علي -رضي الله عنه- عندما رأى أم المؤمنين ( عائشة ) في هودجها بأرض المعركة ، وصاح بطلحة :( يا طلحة ، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها ، وخبأت عرسك في البيت ؟) ثم قال للزبير :( يا زبير : نشدتك الله ، أتذكر يوم مر بك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، الا تحب عليا ؟؟ فقلت : ألا أحب ابن خالي ، وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟؟ فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم )  فقال الزبير :( نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لاأقاتلك ) .

الشهادة

وأقلع طلحـة و الزبيـر -رضي الله عنهما- عن الاشتراك في هذه الحرب ، ولكن دفعـا حياتهما ثمنا لانسحابهما ، و لكن لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا ، فالزبير تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي ، وطلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته  
وبعد أن انتهى علي -رضي الله عنه- من دفنهما ودعهما بكلمات أنهاها قائلا :( اني لأرجو أن أكون أنا وطلحـة والزبيـر وعثمـان من الذين قال الله فيهم :( ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين ) ثم نظر الى قبريهما وقال :( سمعت أذناي هاتان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( طلحة و الزبير ، جاراي في الجنة ) .

قبر طلحة

لمّا قُتِلَ طلحة دُفِنَ الى جانب الفرات ، فرآه حلماً بعض أهله فقال :( ألاّ تُريحوني من هذا الماء فإني قد غرقت ) قالها ثلاثاً ، فأخبر من رآه ابن عباس ، فاستخرجوه بعد بضعة وثلاثين سنة ، فإذا هو أخضر كأنه السِّلْق ، ولم يتغير منه إلا عُقْصته ، فاشتروا له داراً بعشرة آلاف ودفنوه فيها ، وقبره معروف بالبصرة ، وكان عمره يوم قُتِلَ ستين سنة وقيل أكثر من ذلك .

عاصم بن ثابت

 

هو عاصـم بن ثابـت بن أبي الأقْلَح في يـوم أحد أبلى بلاء عظيما فقتل مُسَافع ابن طلحة وأخاه الجُلاس بن طلحة كلاهما يُشعـره سهماً فيأتي أمه سُلافة فيضع رأسه في حجرها فتقول :( يا بني من أصابك ؟) فيقول :( سمعت رجلا حين رمانـي وهو يقول : خذهـا وأنا ابن أبي الأقلـح ) فنذرت أن أمكنها اللـه من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر  

يوم الرجيع

في سنة ثلاث للهجرة ، قدم على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد غزوة أحد نفر من عَضَل والقَارَة فقالوا :( يا رسول الله  إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام ) فبعث معهم مرثد بن أبي مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبدالله بن طارق ، وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على القوم مرثد بن أبي مرثد  
فخرجوا حتى إذا أتوا على الرجيع ( وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة ) غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا ، ووجد المسلمون أنفسهم وقد أحاط بهم المشركين ، فأخذوا سيوفهم ليقاتلوهم فقالوا لهم :( إنا والله ما نريد قتلـكم ، ولكنا نريد أن نصيـب بكم شيئا من أهل مكـة ، ولكم عهد الله وميثاقـه ألا نقتلكم ) فأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقّوا فأعطوا بأيديهم فأسروهم (وإن استشهدوا لاحقا بمواقف مختلفة) وأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا :( والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا ) وقال عاصم :  
ما علّتي وأنا جَلـدٌ نابل___والقوس فيها وَتَرٌ عُنابل
تزلُّ عن صفحتها المعابل___الموتُ حقٌّ والحياةُ باطلُ
وكل ما حَـمُّ الإلهُ نازل___بالمرء والمرء إليه آئـل
إن لم أقاتلكم فأمي هابلُ

عهد الله

ثم قاتلوا القوم وقتلوا فلما قُتِلَ عاصم أرادت هُذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سُلافة بنت سعد بن شُهَيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد : لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر ، فمنعتْه الدَّبْر فلما حالت بينه وبينهم الدَّبْرُ قالوا :( دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه ) فبعث الله الوادي فاحتمل عاصماً فذهب به ، وقد كان عاصم قد أعطى الله عهداً ألاَّ يمسّه مشركٌ ولا يمسَّ مشركاً أبداً تنجُّساً ، فكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول حين بلغه أن الدَّبْرَ منعته :( يحفظ الله العبد المؤمن ، كان عاصم نذر ألا يمسّه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً في حياته ، فمنعه تالله بعد وفاته ، كما امتنع منه في حياته ) .

 

عاصم بن ثابت بن قيس

كنيته

يكنى أبا سليمان شهد بدرا وأحد ، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمئذ حين ولى الناس وبايعه على الموت .كان من الرماة المذكورين وقتل يوم أحد من أصحاب لواء المشركين مسافعا والحارث فنذرت أمهما سلافة بنت سعد أن تشرب في قحف عاصم الخمر ، وجعلت لمن جاءها برأسه مائة ناقة .

وفاته

قدم ناس من هذيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يوجه معهم من يعلمهم فوجه عاصما في جماعة ، فقال لهم المشركون أستأ سروا فأنا لا نريد قتلكم وإنما نريد أن ندخلكم مكة فنصيب بكم ثمنا . فقال عاصم : لا أقبل جوار مشرك  وجعل يقاتلهم حتى فنيت نبله ، ثم طاعنهم حتى أنكسر رمحه ، فقال : اللهم إني حميت دينك أول النهار فاحم لحمي آخره . فجرح رجلين وقتل واحداً . وقتلوه فأرادوا أن يحتزوا رأسه فبعث الله الدبابير فحمته ، ثم بعث الله إليه سيلا في الليل فحمله  وذلك يوم الرجيع .

 

عباد بن بشر

 

عباد بن بشر رجل من المدينة أقبل على مجلس مصعب بن عمير مُوفد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصغى إليه ثم بسط يمينـه مبايعا على الإسـلام ، وأخذ مكانه بين الأنصار وفي الصفوف الأولى للجهاد في سبيل الله .

غزوة ذات الرّقاع

بعد أن فرغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعه المسلمون من غزوة ( ذات الرقاع ) نزلوا مكانا يبيتون فيه ، واختار الرسول الكريم للحراسة نفر من الصحابة يتناوبـون وكان منهم ( عمّار بن ياسـر ) و ( عباد بن بشـر )  فقال عباد لعمّار :( أي الليل تحب أن أكفيكـه أوله أم آخره ؟) قال عمار :( بل اكفني أوله ) فاضطجع عمّار ونام ، وقام عباد يصلي ، وإذا هو قائم يقرأ القرآن اخترم عَضُده سهم فنزعه واستمر في صلاته ، ثم رماه المهاجم بسهم آخر ، نزعه ، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه ، فنزعه وركع وسجد ثم مدّ يمينه وهو ساجد الى صاحبه عمّار وظل يهزه حتى استيقظ ثم أتم صلاته ، ووثب عمّار مُحدِثا ضجة وهرولة أخافت المتسللين وفرّوا ، ولما رأى عمّار دماء عباد قال له :( سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك ؟) قال :( كنـت في سورة أقرؤها فلم أحـب أن أقطعها حتى أنفذها ، فلما تابـع علي الرمي ركعت فآذنتـك ، وايم الله لولا أن أضيع ثغـرا أمرني رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- بحفظه لقطع نَفْسي قبل أن أقطعها أو أنفذها ) .

نوره وولاؤه

كان عباد -رضي الله عنه- شديد الولاء لله و لرسوله ولدينه ، فمنذ أن سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول :( يا مَعْشر الأنصار أنتم الشعار ، والناس الدثار ، فلا أوتينّ مِن قِبَلكم ) وكان هو من الأنصار فسمعها ولم يتوانى عن بذل حياته وماله وروحه في سبيل الله ورسوله ، فكان عابد تستغرقه العبادة ، بطل تستغرقـه البطولة ، جواد يستغرقـه الجود ، وعرفه المسلمين بهذا الإيمان القـوي ، وقد قالت عنه السيدة عائشـة -رضي الله عنها - :( ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم في الفضل أحد ، سعد بن معاذ ، وأسَيْد بن حُضَير ، وعبّاد بن بشر ) وبات يُعْرَف بأنه الرجل الذي معه من الله نور بل أجمع بعض إخوانه على أنه إذا مشى في الظلام ينبعث منه أطياف ونور يضيء له الطريق .

معركة اليمامة والشهادة

وفي حروب الردة حمل عبّاد مسئولياته في استبسال كبير ، وفي يوم اليمامة أدرك الخطر المحيط بالمسلمين فأصبح فدائيا لا يحرص إلا على الموت والشهادة ، ويقول أبو سعيد الخدْري -رضي الله عنه- :( قال لي عبّاد بن بشر :( يا أبا سعيد رأيت الليلة كأن السماء قد فُرِجَت لي ثم أطْبَقَت علي ، وإني لأراها إن شاء الله الشهـادة ) فقلت له :( خيرا والله رأيـت ) وإني لأنظر إليه يوم اليمامة وإنه ليصيح بالأنصار :( احطموا جُفون السيوف ، وتميزوا بين الناس ) فسارع إليه أربعمائة رجل كلهم من الأنصار ، حتى انتهوا الى باب الحديقة فقاتلوا أشـد القتال ، واستشهـد عبّاد بن بشـر رحمه الله ، ورأيت في وجهه ضربا كثيرا ، وما عرفته إلا بعلامة كانت في جسده ) .

 

عبادة بن الصامت

 

وهو أنصاري خزرجي من أوائل من أسلم بالمدينة المنورة وبايع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيعتي العقبة الأولى والثانية واختاره النبي -صلى الله عليه وسلم- ضمن الاثنى عشر نقيبا الذين قاموا بنشرالاسلام بين الأوس و الخزرج  .

بني قينقاع

كانت عائلة عبادة -رضي الله عنه- مرتبطة مع يهود بني قينقاع بحلف قديم ، حتى كانت الأيام التي تلت غزوة بدر وسبقت غزوة أحد ، فشرع اليهود يتنمرون ، وافتعلوا أسبابا للفتنة على المسلمين ، فينبذ عبادة عهدهم وحلفهم قائلا :( إنما أتولى الله ورسوله والمؤمنين ) فيتنزل القرآن محييا موقفه وولائه قائلا في آياته :(  ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )  

إيمانه

كان له شرف الجهاد في بدر الكبرى و ما تلاها من غزوات وفي عهد أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- كان أحد الذين شاركوا في جمع القرآن الكريم وفي عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أقام في حمص يعلم الناس القرآن الكريم ويفقههم في أمور دينهم وعهد اليه أمير المؤمنين عمر بولاية القضاء في فلسطين فسار اليها و أقام العدل بين الناس .

موقفه من معاوية

كان -رضي الله عنه- يقول :( بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ألا نخاف في الله لومة لائم ) لذا كان يعارض سياسة معاوية في الحكم والسلطان ، فعبادة بن الصامت كان من الرعيل الأول الذي تربى على يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وكانت أنباء هذه المعارضة تصل قدوة الى كافة أرجاء الدولة الإسلامية ، ولما زادت الهوة بينهما قال عبادة لمعاوية :( والله لا أساكنك أرضا واحدة أبدا ) وغادر فلسطين الى المدينة ، ولكن الخليفة عمر -رضي الله عنه- كان حريصا على أن يبقى رجل مثل عبادة الى جانب معاوية ليكبح طموحه ورغبته في السلطان ، لذا ما كاد يرى عبادة قادما الى المدينة حتى قال له :( ما الذي جاء بك يا عبادة ؟) فلما أقص عليه ما كان بينه وبين معاوية قال عمر :( ارجع الى مكانك ، فقبح الله أرضاً ليس فيها مثلك ) ثم أرسل عمر الى معاوية كتابا يقول فيه :( لا إمرة لك على عبادة ) فعبادة أمير نفسه .

بطولته

أما بطولته العسكرية فقد تجلت في مواطن كثيرة فعندما طلب عمرو بن العاص مددا من الخليفة لاتمام فتح مصر أرسل اليه أربعة آلاف رجل على رأس كل منهم قائد حكيم وصفهم الخليفة قائلا: (اني أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل بألف رجل) وكان عبادة بن الصامت واحدا من هؤلاء الأربعة الأبطال .

فتح مصر

وقد تجلت مهارته كذلك في مفاوضاته للمقوقس حاكم مصر ولم يتزحزح عن شروطه التي عرضها عليه بالاسلام أو الجزية أو القتال فحاول المقوقس أن يطلب من الوفد المفاوض أن يختاروا واحدا غيره فلم يرضوا بغيره بديلا واستؤنف القتال وتم فتح مصر وكان فتح الاسكندرية على يديه اذ أنها عاصمة مصر آنذاك .

فتح قبرص

وعندما توجهت جيوش المسلمين بحرا لفتح جزيرة قبرص عام ( 28هجري \ 648م ) كان عبادة بن الصامت و زوجته أم حرام بنت ملحان من بينهم وتحقق للمسلمين النصر وظفر عدد غير قليل من المسلمين بالشهادة ومن بينهم أم حرام التي استشهدت فور نزولها على البر فدفنت في الجزيرة ولايزال قبرها حتى الآن يعرف بقبر المرأة الصالحة .

وفاته

في العام الرابع والثلاثين من الهجرة توفي عبادة -رضي الله عنه- في فلسطين بمدينة الرملة ، تاركا في الحياة عبيره وشذاه .

 

عبدالرحمن بن أبي بكر

 

بينما كان أبو بكر أول المؤمنين والصدّيق الذي آمن بالله ورسولـه وثاني اثنين إذ هما في الغار ، كان ابنه عبد الرحمن صامدا كالصخر مع دين قومه وأصنامهم .

ما قبل الإسلام

يوم بدر خرج عبد الرحمن مقاتلا مع جيش المشركين ، وفي غزوة أحد كان مع الرماة الذين جنّدتهم قريش لمحاربة المسلمين   وعند بدأ القتال بالمبارزة وقف عبد الرحمـن يدعو إليه من المسلميـن من يبارزه ، ونهـض أبوه أبو بكر الصديق ليبارزه لكن الرسـول الكـريم حال بينه وبين مبارزة ابنـه ، وحين أذن الله للهدى أن ينزل على عبد الرحمن ، رأى الحقيقة واضحة أمامه منيرة له دربه فسافر الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبايعاً معوضاً باذلاً أقصى جهد في سبيل الله .

ما بعد الإسلام

منذ أن أسلم عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما- لم يتخلف عن غزو أو جهاد أو طاعة ، ويوم اليمامة أبلى فيه بلاء لا مثيل له فهو الذي أجهز على حياة ( محكم بن الطفيل ) العقل المدبر لمسيلمة الكذاب ، وصمد مع المسلمين حتى قضوا على جيش الردة والكفر .

قوة شخصيته

لقد كان جوهر شخصيته -رضي الله عنه- الولاء المطلق لما يقتنع به ، ورفضه للمداهنة في أي ظرف كان ، ففي يوم أن قرر معاوية أخذ البيعة لابنه يزيد بحد السيف ، كتب الى مروان عامله على المدينة كتاب البيعة وأمره أن يقرأه على المسلمين في المسجد ، وفعل مروان ولم يكد يفرغ من القراءة حتى نهض عبد الرحمن محتجا قائلا :( والله ما الخيار أردتم لأمة محمد ، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هَرَقِليَّة ، كلما مات هِرقْل قام هِرَقْل ) وأيده على الفور فريق من المسلمين من بينهم الحسين بن علي ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، ولكن الظروف القاهرة جعلتهم يصمتون على البيعة فيما بعد ، لكن عبد الرحمن بن أبي بكر بقي معارضا لها جاهرا برأيه ، فأراد معاوية أن يرضيه بمائة ألف درهم بعثها له مع أحد رجاله ، فألقاها عبد الرحمن بعيدا وقال لرسول معاوية :( ارجع إليه وقل له : إن عبد الرحمن لا يبيع دينه بدنياه ) ولما علم أن معاوية يشد الرحال قادما الى المدينة غادرها من فوره الى مكة .

وفاته

وأراد الله أن يكفي عبد الرحمن فتنة هذا الموقف وسوء عقباه ، فلم يكد يبلغ مشارف مكة ويستقر بها قليلا حتى فاضت إلى الله روحه ، وحمله الرجال إلى أعالي مكة حيث دُفِن هناك .

 

عبدالله بن الزبير

 

كان عبـد الله بن الزبيـر جنينا في بطن أمه أسماء بنت أبي بكر ، وهي تقطع الصحراء اللاهبة مغادرة مكة الى المدينة على طريق الهجرة العظيم ، وما كادت تبلغ ( قباء ) عند مشارف المدينة حتى جاءها المخاض ونزل المهاجر الجنين أرض
المدينة في نفس الوقت الذي كان ينزلها المهاجرون من الصحابة ، وحُمِل المولود الأول الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقبّله وحنّكه ، فكان أول ما دخل جوف عبـد اللـه ريق الرسول الكريم ، وحمله المسلمون في المدينة وطافوا به المدينة
مهلليـن مكبرين فقد كَذَب اليهـود وكهنتهم عندما أشاعـوا أنهم سحروا المسلمين وسلّطوا عليهم العقـم ، فلن تشهد المدينة منهم وليدا جديدا ، فأبطل عبـد الله إفك اليهـود وكيدهـم .

الطفل

على الرغم من أن عبد الله لم يبلغ مبلغ الرجال في عهد الرسـول -صلى الله عليه وسلـم- إلا أن الطفل نما ونشـأ في البيئة المسلمـة  وتلقّى من عهد الرسـول -صلى الله عليه وسـلم- كل خامات رجولتـه ومباديء حياته ، فكان خارقا في حيويتـه وفطنتـه وصلابته وكان شبابه طهرا وعفـة وبطولة ، وأصبح رجلا يعرف طريقه ويقطعه بعزيمة جبارة .

إيمانه

قال عمر بن عبد العزيز يوماً لابن أبي مُلَيْكة :( صِفْ لنا عبد الله بن الزبير ) فقال :( والله ، ما رأيت نفساً رُكّبت بين جَنْبين مثل نفسه ، ولقد كان يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء إليها ، وكان يركع أو يسجد فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله ، لا تحسبه من طول ركوعه و سجوده إلا جداراً أو ثوباً مطروحاً ، ولقد مرَّت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي ، فوالله ما أحسَّ بها ولا اهتزّ لها ، ولا قطع من أجلها قراءته ولا تعجل ركوعه )  
وسئل عنه ابن عباس فقال على الرغم ما بينهم من خلاف :( كان قارئاً لكتاب الله ، مُتَّبِعاً سنة رسوله ، قانتاً لله ، صائماً في الهواجر من مخافة الله ، ابن حواريّ رسول الله ، وأمه أسماء بنت الصديق ، وخالته عائشة زوجة رسول الله ، فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله ) .

جهاده

كان عبد الله بن الزبير وهو لم يجاوز السابعة والعشرين بطلا من أبطال الفتوح الإسلامية ، في فتح إفريقية والأندلس والقسطنطينية ففي فتح إفريقية وقف المسلمون في عشرين ألف جندي أمام عدو قوام جيشه مائة وعشرون ألفا ، وألقى عبد الله نظرة على قوات العدو فعرف مصدر قوته التي تكمن في ملك البربر وقائـد الجيش ، الذي يصيح بجنده ويحرضـهم على الموت بطريقة عجيبـة ، فأدرك عبـد الله أنه لابد من سقوط هذا القائد العنيـد ، ولكن كيف ؟ نادى عبد الله بعض إخوانه وقال لهم :( احموا ظهري واهجموا معي ) وشق الصفوف المتلاحمة كالسهم نحو القائد حتى إذا بلغه هوى عليه في كرَّة واحـدة فهوى ، ثم استدار بمن معه الى الجنود الذين كانوا يحيطـون بملكهم فصرعوهـم ثم صاحوا :( اللـه أكبـر ) وعندما رأى المسلمون رايتهم ترتفع حيث كان قائد البربر يقف ، أدركوا أنه النصر فشدّوا شدَّة رجل واحد وانتهى الأمر بنصر المسلمين وكانت مكافأة الزبير من قائد جيش المسلمين ( عبد الله بن أبي سَرح ) بأن جعله يحمل بشرى النصر الى خليفة المسلمين ( عثمان بن عفان ) في المدينة بنفسه

ابن معاوية

لقد كان عبد الله بن الزبير يرى أن ( يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ) آخر رجل يصلح لخلافة المسلمين إن كان يصلح على الإطلاق ، لقد كان ( يزيد ) فاسدا في كل شيء ولم تكن له فضيلة واحدة تشفع له ، فكيف يبايعه الزبير ، لقد قال كلمة الرفض قوية صادعة لمعاوية وهو حيّ ، وها هو يقولها ليزيد بعد أن أصبح خليفة ، وأرسل إلى ابن الزبير يتوعّده بشر مصير ، هنالك قال ابن الزبير :( لا أبايع السَّكير أبدا ) ثم أنشد
ولا ألين لغير الحق أسأله ___حتى يلين لِضِرْس الماضِغ الحَجر

الإمارة

ظل ابن الزبير أميرا للمؤمنين مُتَّخِذا من مكة المكرمة عاصمة خلافته ، باسطا حكمه على الحجاز و اليمن والبصرة و الكوفة وخُرسان والشام كلها عدا دمشق بعد أن بايعه أهل هذه الأمصار جميعا ، ولكن الأمويين لا يقرُّ قرارهم ولا يهدأ بالهم ، فيشنون عليه حروبا موصولة ، حتى جاء عهد ( عبد الملك بن مروان ) حين ندب لمهاجمة عبد الله في مكة واحدا من أشقى بني آدم وأكثرهم قسوة وإجراما ، ذلكم هو ( الحجاج الثقفي ) الذي قال عنه الإمام العادل عمر بن عبد العزيز :( لو جاءت كل أمَّة بخطاياها ، وجئنا نحن بالحجّاج وحده ، لرجحناهم جميعا ) .

الحجّاج

ذهب الحجّاج على رأس جيشه ومرتزقته لغزو مكة عاصمة ابن الزبير ، وحاصرها وأهلها قُرابة ستة أشهر مانعا عن الناس الماء والطعام ، كي يحملهم على ترك عبد الله بن الزبير وحيداً بلا جيش ولا أعوان ، وتحت وطأة الجوع القاتل استسلم الأكثرون   ووجد عبد الله نفسه وحيدا ، وعلى الرغم من أن فُرص النجاة بنفسه وبحياته كانت لا تزال مُهَيّأة له ، فقد قرر أن يحمل مسئوليته الى النهاية وراح يقاتل جيش الحجّاج في شجاعة أسطورية وهو يومئذ في السبعين من عمره  
لقد كان وضوح عبد الله -رضي الله عنه- مع نفسه وصدقه مع عقيدته ومبادئه ملازما له في أشد ساعات المحنة مع الحجّاج ، فهاهو يسمع فرقة من الأحباش ، وكانوا من أمهر الرماة والمقاتلين في جيش ابن الزبير ، يتحدثون عن الخليفة الراحل عثمان بحديث لا ورع فيه ولا إنصاف ، فعنَّفَهم وقال لهم ( والله ما أحبُّ أن أستظهر على عَدوي بمن يُبغض عثمان ) ثم صرفهم ابن الزبير عنه ، ولم يبالي أن يخسر مائتين من أكفأ الرماة عنده  .

الساعات الأخيرة

وفي الساعات الأخيرة من حياة عبد الله -رضي الله عنه- جرى هذا الحوار بينه وبين أمه العظيمة ( أسماء بنت أبي بكر ) فقد ذهب إليها ووضع أمامها الصورة الدقيقة لموقفه ومصيره الذي ينتظره ، فقالت له أمه :( يا بني أنت أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق ، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله ، ولا تمكّن من رقبتك غِلمَان بني أمية ، وإن كنت تعلم أنك أردت الدنيا فلبِئس العبد أنت ، أهلكت نفسك وأهلكت من قُتِلَ معك ) قال عبد الله :( والله يا أماه ما أردت الدنيا ولا رَكنْتُ إليها ، وما جُرْتُ في حكم الله أبداً ولا ظلمت ولا غَدَرْت ) قالت أمه أسماء :( إني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن سبَقْتَني الى الله أو سَبقْتُك ، اللهم ارحم طول قيامه في الليل ، وظمأه في الهواجر ، وبِرّه بأبيه وبي ، اللهم إني أسلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثِبْني في عبد الله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين ) وتبادلا معا عناق الوداع وتحيته .

الشهيد

وبعد ساعة من الزمان انقضت في قتال مرير غير متكافيء ، تلقّى الشهيد ضربة الموت ، وأبى الحجّاج إلا أن يصلب الجثمان الهامد تشفياً وخِسة ، وقامت أم البطل وعمرها سبع وتسعون سنة لترى ولدها المصلوب ، وبكل قوة وقفت تجاهه لا تريم   واقترب الحجّاج منها قائلا :( يا أماه إن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد أوصاني بك خيرا ، فهل لك من حاجة ؟) فصاحت به قائلة :( لست لك بأم ، إنما أنا أمُّ هذا المصلوب على الثّنِيّة ، وما بي إليكم حاجة ، ولكني أحدّثك حديثا سمعته من رسول الله  صلى الله عليه وسلم- قال :( يخرج من ثقيف كذّاب ومُبير ) فأما الكذّاب فقد رأيناه ، وأما المُبير فلا أراه إلا أنت )  
وتقدم عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- من أسماء مُعزِّيا وداعيا إياها الى الصبر، فأجابته قائلة :(وماذا يمنعني من الصبر وقد أُهْدِيَ رأس يحيى بن زكريا إلى بَغيٍّ من بغايا بني إسرائيل )  يا لعظمتك يا ابنة الصدّيق ، أهناك كلمات أروع من هذه تقال للذين فصلوا رأس عبد الله بن الزبير عن جسده قبل أن يصلبوه ؟؟ أجل إن يكن رأس ابن الزبير قد قُدم هدية للحجاج ولعبد الملك ، فإن رأس نبي كريم هو يحيى عليه السلام قد قدم من قبل هدية ل ( سالومي ) بَغيّ حقيرة من بني إسرائيل ، ما أروع التشبيه وما أصدق الكلمات
.

 

عبدالله بن العباس

 

يُشبه ابن عباس ( عبد الله بن الزبير ) في أنه أدرك الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعاصره وهو غلام ، ومات الرسول الكريم قبل أن يبلغ ابن عباس سن الرجولة لكنه هو الآخر تلقى في حداثته كلّ خامات رجولته ومباديء حياته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي علّمه الحكمة الخالصة ، وبقوة إيمانه وخُلُقه وغزارة عِلمه اقْتعَد ابن عباس مكانا عاليا بين الرجال حول . الرسول  

طفولته

هو ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ، عم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ولقبه ( الحَبْر ) حَبْر هذه الأمة ، فعلى الرغم من أنه لم يجاوز الثالثة عشر من عمره يوم مات الرسول الكريم ، فأنه لم يُضيُّـع من طفولته الواعيـة يوما دون أن يشهد مجالس الرسـول ويحفظ عنه ما يقول ، فقد أدناه الرسول -صلى الله عليه وسلم- منه وهو طفل ودعا له :( اللهم فقّهْه في الدين وعَلّمه التأويل ) فأدرك ابن عباس أنه خُلِق للعلم والمعرفة .

عِلْمه

وبعد ذهاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى الرفيق الأعلى ، حرص ابن عباس على أن يتعلم من أصحاب الرسول السابقين ما فاته سماعه وتعلمه من الرسول نفسه ، فهو يقول عن نفسه :( أن كُنتُ لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) ، كما يصور لنا اجتهاده بطلب العلم فيقول :( لما قُبِض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت لفتى من الأنصار :( هَلُـمَّ فَلْنَسأل أصحاب رسول الله فإنهم اليوم كثيـر ) فقال :( يا عَجَبا لك يا ابن عباس !! أترى الناس يفتقرون إليك وفيهم من أصحاب رسول الله ما ترى ؟) فترك ذلك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله ، فإن كان لَيَبْلُغني الحديث عن الرجل ، فآتي إليه وهو قائل في الظهيرة ، فأتوسَّد ردائي على بابه ، يسْفي الريح عليّ من التراب ، حتى ينتهي من مَقيله ويخرج فيراني فيقول :( يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ؟ هلا أرسلت إليّ فآتيك ؟)  فأقول :( لا ، أنت أحق بأن أسعى إليك ) فأسأله عن الحديث وأتعلم منه ) وهكذا نمت معرفته وحكمته وأصبح يملك حكمة الشيوخ وأناتهم ، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يحرص على مشورته ، وكان يلقبه ( فتى الكهول ) وقد سئل يوما :( أنَّى أصَبْت هذا العلم ؟) فأجاب :( بلسان سئول ، وقلب عقول ) .

مما قيل بابن عباس

وصفه سعد بن أبي وقاص فقال :( ما رأيت أحدا أحْضَر فهما ، ولا أكبر لُبّا ، ولا أكثر علما ، ولا أوسع حِلْما من ابن عباس  ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ، وحوله أهل بدْر من المهاجرين والأنصار فيتحدث ابن عباس ولا يُجاوز عمر قوله )
وقال عنه عُبيد الله بن عتبة :( ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ابن عباس ، ولا رأيت أحدا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه ، ولا أفْقَه في رأي منه ، ولا أعْلم بشعر ولا عَربية ، ولا تفسير للقرآن ولا بحساب وفريضة منه ، ولقد كان يجلس يوما للفقه ، ويوما للتأويل ، ويوما للمغازي ، ويوما للشعر ، ويوما لأيام العرب وأخبارها ، وما رأيت عالما جلس إليه إلا خضع له ، ولا سائلا سأله إلا وجد عنده عِلما )  
ووصفه مسلم من البصرة :( إنه آخذ بثلاث ، تارك لثلاث ، آخذ بقلوب الرجال إذا حدّث ، وبحُسْن الإستماع إذا حُدِّث وبأيسر الأمرين إذا خُولِف ، وتارك المِراء ومُصادقة اللئام وما يُعْتَذر منه ) .

تنوع ثقافته

حدَّث أحد أصحابه ومعاصريه فقال : لقد رأيت من ابن عباس مجلسا ، لو أن جميع قريش فخُرَت به لكان لها به الفخر ، رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق ، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب ، فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه ، فقال لي :( ضَعْ لي وضوءاً ) فتوضأ وجلس ، و قال :( اخرج إليهم ، فادْعُ من يريد أن يسأل عن القرآن وتأويله ) فخرجت فآذَنْتُهم ، فدخلوا حتى ملئُوا البيت ، فما سألوا عن شيء إلا أخبرهم وزادهم ، ثم قال لهم :( إخوانكم ) فخرجوا ليُفسِحوا لغيرهم ، ثم قال لي :( اخرج فادْعُ من يريد أن يسأل عن الحلال والحرام ) فخرجت فآذَنْتُهم ، فدخلوا حتى ملئُوا البيت ، فما سألوا عن شيء إلا أخبرهم وزادهم ، ثم قال :( إخوانكم ) فخرجوا ثم قال لي :( ادْعُ من يريد أن يسأل عن الفرائض ) فخرجت فآذَنْتُهم ، فدخلوا حتى ملئُوا البيت ، فما سألوا عن شيء إلا أخبرهم وزادهم ، ثم قال لي :( ادْعُ من يريد أن يسأل عن العربيّة والشّعر ) فآذَنْتُهم ، فدخلوا حتى ملئُوا البيت ، فما سألوا عن شيء إلا أخبرهم وزادهم  .

المنطق والحُجّة

بعث الإمام علي -كرم الله وجهه- ابن عباس ذات يوم الى طائفة من الخوارج ، فدار بينه وبينهم حوار طويل ، ساق فيه الحجة بشكل يبهر الألباب فقد سألهم ابن عباس :( ماذا تنقمون من علي ؟)  قالوا :( ـ نَنْقِم منه ثلاثا : أولاهُن أنه حكَّم الرجال في دين الله ، والله يقول : إن الحكْمُ إلا لله ، والثانية أنه قاتل ثم لم يأخذ من مقاتليه سَبْيا ولا غنائم ، فلئن كانوا كفارا فقد حلّت له أموالهم ، وإن كانوا مؤمنين فقد حُرِّمَت عليه دماؤهم ، والثالثة رضي عند التحكيم أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين استجابة لأعدائه ، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين )  
وأخذ ابن عباس يُفَنّد أهواءهم فقال :( أمّا قولكم إنه حَكّم الرجال في دين الله فأي بأس ؟  

إن الله يقول :( يا أيها الذين آمنوا لا تقتُلوا الصَّيْد وأنتم حُرُم ، ومن قتَله منكم مُتَعمدا فجزاء مِثلُ ما قَتَل من النعم يحكم به ذوا عَدْل منكم )  

فَنَبئوني بالله أتحكيم الرجال في حَقْن دماء المسلمين أحق وأوْلى ، أم تحكيمهم في أرنب ثمنها درهم ؟!  وأما قولكم إنه قاتل فلم يسْبُ ولم يغنم ، فهل كنتم تريدون أن يأخذ عائشة زوج الرسول وأم المؤمنين سَبْياً ويأخذ أسلابها غنائم ؟؟ وأما قولكم أنه رضى أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين حتى يتم التحكيم ، فاسمعوا ما فعله رسول الله يوم الحديبية ، إذ راح يُملي الكتاب الذي يقوم بينه وبين قريش فقال للكاتب :( اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) فقال مبعوث قريش :( والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صَدَدْناك عن البيت ولا قاتلناك ، فاكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله )  فقال لهم الرسول :( والله إني لرسول الله وإن كَذَّبْتُم ) ثم قال لكاتب الصحيفة :( اكتب ما يشاءون ، اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله )  
واستمر الحوار بين ابن عباس والخوارج على هذا النسق الباهر المعجز ، وما كاد ينتهي النقاش حتى نهض منهم عشرون ألفا معلنين اقتناعهم ، وخروجهم من خُصومة الإمام علي  .

أخلاق العلماء

لقد كان ابن عباس -رضي الله عنه- حَبْر هذه الأمة يمتلك ثروة كبيرة من العلم ومن أخلاق العلماء ، وكان يفيض على الناس بماله بنفس السماح الذي يفيض به علمه ، وكان معاصروه يقولون :( ما رأينا بيتا أكثر طعاما ، ولا شرابا ولا فاكهة ولا عِلْما من بيت ابن عباس ) وكان قلبه طاهر لا يحمل الضغينة لأحد ويتمنى الخير للجميع ، فهو يقول عن نفسه :( إني لآتي على الآية من كتاب الله فأود لو أن الناس جميعا علموا مثل الذي أعلم ، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل ويحكم بالقسط فأفرح به وأدعو له ، ومالي عنده قضية ، وإني لأسمع بالغيث يصيب للمسلمين أرضا فأفرح به ومالي بتلك الأرض سائِمَة ) وهو عابد قانت يقوم الليل ويصوم الأيام وكان كثير البكاء كلما صلى وقرأ القرآن .

موقفه من الفتنة

لقد كان لابن عباس أراء في الفتنة بين علي ومعاوية ، أراء ترجو السلام لا الحرب ، والمنطق لا القَسْر ، على الرغم من أنه خاض المعركة مع الإمام علي ضد معاوية ، لأنه في البداية كان لابد من ردع الشقاق الذي هدد وحدة المسلمين ، وعندما هَمّ الحسين -رضي الله عنه- بالخروج الى العراق ليقاتل زيادا ويزيد ، تعلّق ابن عباس به واستماتَ في محاولة منعه ، فلما بلغه نبأ استشهاده ، حزِنَ عليه ولزم داره .

وفاته

وفي عامه الحادي والسبعين دُعِي للقاء ربه العظيم ، ودُفِنَ في مدينة الطائف

 

عبدالله بن رواحة

 

عبد الله بن رواحة كان كاتبا وشاعرا من أهل المدينة ، منذ أسلم وضع كل مقدرته في خدمة الإسلام ، بايع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بيعة العقبة الأولى والثانية ، وكان واحدا من النقباء الذين اختارهم الرسول الكريم  .

الشعر

جلس الرسـول -صلى الله عليه وسلم- مع نفر من أصحابه فأقبل عبد الله بن رواحة ، فقال له الرسـول الكريـم :( كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول ؟) فأجاب عبد الله :( أنظُر في ذاك ثم أقول ) ومضى على البديهة ينشد :  
يا هاشم الخير إن الله فضلكم___على البرية فضلاً ما له غير
إني تفرَّستُ فيك الخير أعرفـه___فِراسة خالَفتهم في الذي نظروا
ولو سألت أو استنصرت بعضهمو___في حلِّ أمرك ما ردُّوا ولا نصروا
فثَّبـت اللـه ما آتـاك من حَسـَنٍ___تثبيت موسى ونصرا كالذي نُصِرُوا

فسُرّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ورضي وقال :( وإياك فثبَّت الله ) ولكن حزن الشاعر عندما نزل قوله تعالى :  

والشّعراء يتبعهم الغاوون  

ولكنه عاد وفرح عندما نزلت آية أخرى :  

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وذكروا الله كثيرا ، وانتصروا من بعد ما ظُلموا  

 

جهاده

كان يحمل عبد الله بن رواحة سيفه في كل الغزوات وشعاره :( يا نفْسُ إلا تُقْتَلي تموتي ) وصائحا في المشركين :  
خلُّوا بني الكفار عن سبيله خلوا ، فكل الخير في رسوله

غزوة مؤتة

كان عبد الله -رضي الله عنه- ثالث الأمراء فيها ، زيد بن حارثة ، جعفر بن أبي طالب ، والثالث عبد الله بن رواحة ، وقف ينشد وهو مغادر المدينة
لكننـي أسـأل الرحمـن مغفرة___وضَرْبة ذات فَرْع تَقْذف الزَبدا
أو طعنة بيديْ حرَّان مُجهزة___بحربة تنفذ الأحشاء والكَبدا
حتى يُقال إذا مرُّوا على جَدَثـي___يا أرشَدَ اللهُ من غازٍ وقد رَشَدا

وتحرك الجيش الى مؤتة ، وهناك وجدوا جيش الروم يقرب من مائتي ألف مقاتل ، فنظر المسلمون الى عددهم القليل فوَجموا وقال بعضهم :( فلنبعث الى رسول الله نخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بالزحف فنطيع ) ولكن نهض ابن رواحة وسط الصفوف وقال :( يا قوم ، إنا واللـه ما نقاتل أعداءنا بعَـدَد ولا قـوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهـذا الديـن الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا ، فإنما هي إحدى الحُسنَيَيـن ، النصر أو الشهادة ) فهتف المسلمون :( قد والله صدق ابن رواحة ) .

الشهادة

والتقى الجيشان بقتال قوي ، فسقط الأمير الأول شهيدا ، ثم سقط الأمير الثاني شهيدا ، وحمل عبد الله بن رواحة الراية فهو الأمير الثالث وسط هيبة رددته فقال لنفسه :  
أقْسَمتُ يا نَفـْسُ لَتَنْزلنَّـه___مالي أراك تكرهين الجنة ؟
يا نفسُ إلا تُقتلي تموتـي___هذا حمَام الموتِ قد صَلِيتِ
وما تمنَّيتِ فقد أُعطيتِ___إن تفعلي فعلهما هُدِيتِ

وانطلق يعصف بالروم عصفا ، وهوى جسده شهيدا وتحققت أمنيته ، وفي هذا الوقت كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة مع أصحابه ، فصمت فجأة ورفـع عينيه ليظهر عليه الأسـى وقال :( أخذ الراية زيـد بن حارثة فقاتل بها حتى قُتِل شهيـدا ، ثم أخذها جعفـر فقاتل بها حتى قُتِل شهيـدا ) وصمت قليلا ثم استأنف قائلا :( ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قُتِل شهيدا ) ثم صمت قليلا ثم تألقت عيناه بومض متهلل مطمئن فقال :( لقد رُفِعُوا إليَّ في الجنَّة )
.

عبدالله بن زيد بن ثعلبة

الآذان

رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة أخو بلحارث بن الخزرج النداء ، فأتى الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال له :( يا رسول الله  إنه طاف بي هذه الليلة طائف ، مر بي رجل عليه ثوبان أخضران ، يحمل ناقوسا في يده فقلت له :( يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس ؟) قال :( وما تصنع به ؟)  قلت :( ندعو به الى الصلاة ) قال :( أفلا أدلك على خير من ذلك ؟) قلت :( وما هو ؟) قال :( تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة حي على الصلاة ، حي على الفلاح حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله )  
فلما أخبر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :( إنها لرؤيا حق إن شاء الله ، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها ، فإنه أندى صوتا منك ) فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب وهو في بيته ، فخرج الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وهو يجر ردائه ، وهو يقول :( يا نبي الله ، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى ) فقال رسول الله :( فلله الحمد على ذلك )  

 

عبدالله بن طارق

 

يوم الرجيع

في سنة ثلاث للهجرة ، قدم على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أحد نفر من عضل والقارة فقالوا :( يا رسول الله ، إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام ) فبعث معهم مرثد بن أبي مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبدالله بن طارق ، وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على القوم مرثد بن أبي مرثد ، فخرجوا حتى إذا أتوا على الرجيع ( وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة ) غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا ، ووجد المسلمون أنفسهم وقد أحاط بهم المشركين ، فأخذوا سيوفهم ليقاتلوهم فقالوا لهم :( إنا والله ما نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم ) فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا :( والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا ) ثم قاتلوا القوم وقتلوا وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبدالله بن طارق فلانوا ورقوا فأسروا وخرجوا بهم الى مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق يده من القِران وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، فقبره رحمه الله بالظهران وفي مكة باعوا خبيب بن عدي لحجير بن أبي إهاب لعقبة بن الحارث ابن عامر ليقتله بأبيه ، وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف .

 

عبدالله بن عمرو بن العاص

 

لقد سبق عبد الله أباه عمرو بن العاص الى الإسلام ، ومنذ أن بايع الرسول -صلى الله عليه وسلم - لم يعد الليل والنهار يتّسعان لتعبّده ونسكه ، فعكـف على القرآن يحفظه ويفهمه ، وجلس في المسجد متعبدا ، وفي داره صائما و قائما ، لا ينقطع عن الذكر أبدا ، وإذا خرج المسلمون لقتال المشركين خرج معهم طالبا للشهادة .

تَعَبُّدِه

كان عبد الله -رضي الله عنه- إذا لم يكن هناك خروج لغزو يقضي أيامه من الفجر الى الفجر في عبادة موصولة ، صيام وصلاة وتلاوة القرآن ، ولسانه لا يعرف إلا ذكر الله وتسبيحه واستغفاره ، فعلم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بإيغال عبد الله بالعبادة ، فاستدعاه وراح يدعوه الى القصد في العبادة فقال الرسول الكريم :( ألَم أخْبَر أنك تصوم النهار لا تفطر ، وتصلي الليل لا تنام ؟ فحَسْبُك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ) فقال عبد الله :( إني أطيق أكثر من ذلك ) قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :( فحسبك أن تصوم من كل جمعة يومين ) قال عبد الله :( فإني أطيق أكثر من ذلك ) قال رسول الله :( فهل لك إذن في خير الصيام ، صيام داود ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً )  
وعاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- يسأله قائلا :( وعلمت أنك تجمع القرآن في ليلة ، وإني أخشى أن يطول بك العمر وأن تملَّ قراءته اقرأه في كل شهر مرة اقرأه في كل عشرة أيام مرة اقرأه في كل ثلاثٍ مرة ) ثم قال له :( إني أصوم وأفطر   وأصلي وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغِبَ عن سُنَّتي فليس مني )  
ولقد عَمَّـرَ عبد الله بن عمـرو طويلا ، ولمّا تقدمـت به السـن ووَهَـن منه العظـم ، كان يتذكر دائما نُصْـحَ الرسول فيقول :( يا ليتني قبلـت رُخصـة رسـول اللـه )  .

الوصية الغالية

رأينا كيف كان عبد الله بن عمرو مقبلا على العبادة إقبالا كبيرا ، الأمر الذي كان يشغل بال أبيه عمرو بن العاص دائما ، فيشكوه الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثيرا ، وفي المرة الأخيرة التي أمره الرسول فيها بالقصد في العبادة وحدّد له مواقيتها كان عمرو حاضرا ، فأخذ الرسول يد عبد الله ووضعها في يد عمرو بن العاص أبيه وقال الرسول له : ( افعل ما أمرتك  وأطِعْ أباك ) فكان لهذا العبارة تأثيرا خاصا على نفس عبد الله -رضي الله عنه- وعاش عمره الطويل لا ينسى لحظة تلك العبارة الموجزة .

موقعة صِفّين

عندما قامت الحرب بين طائفتين من المسلمين ، علي بن أبي طالب ، ومعاوية بن أبي سفيان اختار عمرو بن العاص طريقه الى جوار معاوية ، وكان يدرك مدى حب المسلمين وثقتهم بابنه عبد الله ، فحين همّ بالخروج الى صِفّين دعاه إليه ليحمله على الخروج الى جانب معاوية فقال له :( يا عبد الله تهيأ للخروج ، فإنك ستقاتل معنا ) وأجاب عبد الله :( كيف ؟ وقد عهد إليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا أضع سيفا على عنق مسلم أبدا ) وحاول عمرو أن يقنعه بأنهم إنما يريدون الخروج ليصلوا الى قتلة عثمان وأن يثأروا لدمه الطاهر ثم ألقى مفاجأته على ابنه قائلا :( أتذكر يا عبد الله آخر عهد عهده إليك النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال لك : أطِعْ أباك ؟ فإني أعزم عليك الآن أن تخرج معنا وتقاتل ) وخرج عبد الله بن عمرو طاعة لأبيه ، وفي عزمه ألا يحمل سيفا ولا يقاتل مسلما ، ونشب القتال حاميا ويختلف المؤرخون فيما إذا كان عبد الله قد اشترك في بداية القتال أم لا ، ونقول ذلك لأنه ما لبث أن حدث شيء عظيم جعل عبد الله يغير موقفه ويصبح ضد معاوية  .

مقتل عمّار

لقد قاتل عمّار بن ياسر مع علي بن أبي طالب وقُتِلَ على يد جند معاوية ، ومن المعلوم لعبد الله بن عمرو بن العاص أن عمّارا ستقتله الفئة الباغية ، فقد تنبأ بذلك الرسول الكريم حينما كانوا يبنون مسجد الرسول في المدينة ، وكان عمّار يحمل الحجارة فرحا فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعيناه تدمعان :( ويْحُ ابن سُميّة ، تقتله الفئة الباغية ) وسمع ذلك الصحابة وعبد الله معهم ، وهاهو عمّار تواصى بقتله جماعة من جيش معاوية فسدّدوا نحوه رمية آثمة ، استشهد منها عمّار بن ياسر ، وسرى خبر مقتله كالريح ، فانتفض عبد الله بن عمرو ثائرا مُهْتاجا :( أوَ قد قُتِلَ عمّار ؟ وأنتم قاتلوه ؟ إذن أنتم الفئة الباغية ، أنتم المقاتلون على ضلالة !!) وانطلق في جيش معاوية كالنذير ، يُثيِط عزائمهم ، ويهتف بأنهم بغاة لأنهم قتلوا عمّاراً ، وتحققت نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم .

عبد الله و معاوية

وحُمِلَت مقالة عبد الله الى معاوية ، فدعا عمرو وابنه عبد الله وقال لعمرو :( ألا تكُفَّ عنا مجنونك هذا ؟)  قال عبد الله :( ما أنا بمجنون ، ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لعمار تَقْـتُـلُكَ الفئة الباغية ) قال له معاوية :( فلم خَرَجْت معنا ؟) قال عبد الله :( لأن رسول الله أمرني أن أطيع أبي ، وقد أطعتُه في الخروج ، ولكني لا أقاتل معكم ) وإذ هُما يتحاوران دخل على معاوية من يستأذن لقاتل عمّار في الدخول ، فصاح عبد الله بن عمرو :( ائذن له ، وبشّره بالنار ) وأفلتت مغايظ معاوية على الرغم من طول أناته وسعة حِلُمه وصاح بعمرو :( أوتَسْمَع ما يقول ) وعاد عبد الله الى هدوء المتقين مؤكدا لمعاوية أنه لم يقل إلا الحق ، والتفت صوب أبيه وقال :( لولا أن رسول الله أمرني بطاعتك ما سرت معك هذا المسير ) وعاد عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- الى مسجده وعبادته ، ونجح معاوية وعمرو من السيطرة على الجيش وإفهامه أن من قتل عمّارا هم من خرجوا به الى القتال ، واستأنف الفريقان القتال  

الندم

وعاش عبد الله -رضي الله عنه- حياته لا يملؤها بغير مناسكه وتعبُّده ، غير أن خروجه الى صفّين ظل مبعث قلق له على الدوام ، وكلما تذكر يبكي ويقول :( مالي ولِصِفّين ؟ مالي ولقِتال المسلمين ؟)  
ذات يوم ، وهو جالس في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع بعض أصحابه مر بهم ( الحسين بن علي ) فتبادلا السلام ، ولما مضى عنهم قال عبد الله لمن معه :( أتحبون أن أخبركم بأحب أهل الأرض الى أهل السماء ؟ إنه هذا الذي مرَّ بنا الآن ، وإنه ما كلمني منذ صفّين ، ولأن يرضى عني ، أحب إلي من حُمر النَّعَم )  
واتفق مع أبي سعيد الخدري على زيارة الحسين ، وهناك تم لقاء الأكرمين ، وعندما ذُكِرَت صفّين ، سأله الحسين معاتبا :( ما الذي حملك على الخروج مع معاوية ؟) قال عبد الله :( ذات يوم شكاني عمرو بن العاص الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال له :( إن عبد الله يصوم النهار كله ، ويقوم الليل كله ، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( يا عبد الله صلّ ونم ، وصُم وأفطر ، وأطِع أباك ) ، ولما كان يوم صفّين أقسم علي أبي أن أخرج معهم ، فخرجت و لكن والله ، ما اختَرَطْت سيفا ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت بسهم )  

وفاته

وحين بلوغه الثانية والسبعين من عمره المبارك ، وإذ هو في مُصلاّه ، يتضرع الى ربه ، ويسبح بحمده ، دُعيَ الى رحلة الأبد ، فذهبت روحه تسعى وتطير الى لقاء الأحبة .

 

عبدالله بن عمر

 

عبد الله بن عمر بن الخطاب بدأت علاقته مع الإسلام منذ أن هاجر مع والده الى المدينة وهو غلام صغير ، ثم وهو في الثالثة عشر من عمره حين صحبه والده لغزوة بدر لولا أن رده الرسـول -صلى الله عليه وسلم- لصغر سنه ، تعلم من والده عمر بن الخطاب خيرا كثيرا ، وتعلم مع أبيه من الرسول العظيم الخير كله ، فأحسنا الإيمان  .

محاكاة الرسول

كان عبد الله بن عمر حريصا كل الحرص على أن يفعل ما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعله ، فيصلي في ذات المكان ، ويدعو قائما كالرسول الكريم ، بل يذكر أدق التفاصيل ففي مكة دارت ناقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- دورتين قبل أن ينزل الرسول من على ظهرها ويصلي ركعتين ، وقد تكون الناقة فعلت ذلك بدون سبب لكن عبد الله لا يكاد يبلغ نفس المكان في مكة حتى يدور بناقته ثم ينيخها ثم يصلي لله ركعتين تماما كما رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعل ، وتقول في ذلك أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها -:( ما كان أحد يتبع آثار النبي -صلى الله عليه وسلم- في منازله كما كان يتبعه ابن عمر ) .

قيام الليل

يحدثنا ابن عمر -رضي الله عنهما- :( رأيت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأن بيدي قطعة إستبرق ، وكأنني لا أريد مكانا من الجنة إلا طارت بي إليه ، ورأيت كأن اثنين أتياني وأرادا أن يذهبا بي إلى النار فتلقاهما ملك فقال : لا تُرَع فخليا عني فقصت حفصة أختي على النبي -صلى الله عليه سلم- رؤياي فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فيكثر ) ومنذ ذلك اليوم الى أن لقي ربه لم يدع قيام الليل في حلِّه أو ترحاله .

بكائه

كان عبدالله مثل أبيه -رضي الله عنهما- تهطل دموعه حين يسمع آيات النذير في القرآن ، فقد جلس يوما بين إخوانه فقرأ

 ( ويل للمُطَفِّفين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وَزَنوهم يُخسرون ، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ، يوم يقوم الناس لرب العالمين )  

ثم مضى يردد :( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) ودموعه تسيل كالمطر ، حتى وقع من كثرة وجده وبكائه .

حذره

كان -رضي الله عنه- شديد الحذر في روايته عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فقد قال معاصروه :( لم يكن من أصحاب رسول الله أحد أشد حذرا من ألا يزيد في حديث رسول الله أو ينقص منه من عبد الله بن عمر ) كما كان شديد الحذر والحرص في الفُتيا ، فقد جاءه يوما سائل يستفتيه في سؤال فأجابه قائلا :( لا علم لي بما تسأل ) وذهب الرجل الى سبيله ، ولا يكاد يبتعد بضع خطوات عن ابن عمر حتى يفرك ابن عمر كفيه فرحا ويقول لنفسه :( سئل ابن عمر عما لا يعلم ، فقال لا يعلم )  .

القضاء

دعاه يوما الخليفـة عثمـان -رضي اللـه عنهما- وطلب منه أن يشغل منصـب القضـاء ، فاعتذر وألح عليه عثمـان فثابر على اعتذاره ، وسأله عثمان :( أتعصيني ؟) فأجاب ابن عمر :( كلا ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة ، قاض يقضي بجهل فهو في النار ، وقاض يقضي بهوى فهو في النار ، وقاض يجتهد ويصيب فهو كفاف لا وزر ولا أجر ، وإني لسائلك بالله أن تعفيني ) وأعفاه عثمان بعد أن أخذ عليه عهدا ألا يخبر أحدا ، لأنه خشي إذا عرف الأتقياء الصالحون أن يتبعوه وينهجوا نهجه .

جوده

كان ابن عمر -رضي الله عنه- من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة ، إذ كان تاجراً أميناً ناجحاً ، وكان راتبه من بيت مال المسلمين وفيرا ، ولكنه لم يدخر هذا العطاء لنفسه قط ، إنما كان يرسله على الفقراء والمساكين والسائلين ، فقد رآه ( أيوب بن وائل الراسبي ) وقد جاءه أربعة آلاف درهم وقطيفة ، وفي اليوم التالي رآه في السوق يشتري لراحلته علفاً ديناً ، فذهب أيوب بن وائل الى أهل بيت عبد الله وسألهم ، فأخبروه :( إنه لم يبت بالأمس حتى فرقها جميعا ، ثم أخذ القطيفة وألقاها على ظهره و خرج ، ثم عاد وليست معه ، فسألناه عنها فقال إنه وهبها لفقير ) فخرج ابن وائل يضرب كفا بكف ، حتى أتـى السوق وصاح بالناس :( يا معشر التجار ، ما تصنعون بالدنيا ، وهذا ابن عمر تأتيه آلاف الدراهم فيوزعها ، ثم يصبح فيستـدين علفاً لراحلته !!) كما كان عبد الله بن عمر يلوم أبناءه حين يولمون للأغنياء ولا يأتون معهم بالفقراء ويقول لهم :( تَدْعون الشِّباع وتَدَعون الجياع ) .

زهده

أهداه أحد إخوانه القادمين من خُراسان حُلة ناعمة أنيقة وقال له :( لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان ، وإنه لتقر عيناي إذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه ، وترتدي هذا الثوب الجميل ) قال له ابن عمر : ( أرِنيه إذن ) ثم لمسه وقال : ( أحرير هذا ؟) قال صاحبه : ( لا ، إنه قطن ) وتملاه عبد الله قليلا ، ثم دفعه بيمينه وهو يقول :( لا إني أخاف على نفسي ، أخاف أن يجعلني مختالا فخورا ، والله لا يحب كل مختال فخور ) .

وأهداه يوما صديق وعا مملوءاً ، وسأله ابن عمر :( ما هذا ؟) قال :( هذا دواء عظيم جئتك به من العراق ) قال ابن عمر : ( وماذا يُطَبِّب هذا الدواء ؟) قال :( يهضم الطعام ) فابتسم ابن عمر وقال لصاحبه :( يهضم الطعام ؟  إني لم أشبع من طعام قط منذ أربعين عاما )  

لقد كان عبد الله -رضي الله عنه- خائفا من أن يقال له يوم القيامة :( أَذْهَبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) كما كان يقول عن نفسه :( ما وضعت لَبِنَة على لَبِنَة ولا غرست نخلة منذ توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) ويقول ميمون بن مهران :( دخلت على ابن عمر ، فقوّمت كل شيء في بيته من فراش ولحاف وبساط ، ومن كل شيء فيه ، فما وجدته يساوي مائة درهم )  

خوفه

كان إذا ذُكِّر عبد الله بن عمر بالدنيا ومتاعها التي يهرب منها يقول :( لقد اجتمعت وأصحابي على أمر ، وإني لأخاف إن خالفتهم ألا ألحق بهم ) ثم يخبر الآخرين أنه لم يترك الدنيا عجزا ، فيرفع يديه الى السماء ويقول :( اللهم إنك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشاً في هذه الدنيا ) .

الخلافة

عرضت الخلافة على ابن عمر -رضي الله عنه- عدة مرات فلم يقبلها ، فهاهو الحسن -رضي الله عنه- يقول :( لما قُتِل عثمان بن عفان ، قالوا لعبد الله بن عمر :( إنك سيد الناس وابن سيد الناس ، فاخرج نبايع لك الناس ) قال :( إني والله لئن استطعت ، لا يُهـْرَاق بسببي مِحْجَمَـة من دم ) قالوا :( لَتَخْرُجَنّ أو لنقتُلك على فراشك ) فأعاد عليهم قوله الأول فأطمعوه وخوفوه فما استقبلوا منه شيئاً )  
فقد كان ابن عمر يأبى أن يسعى الى الخلافة إلا إذا بايعه المسلمون جميعا طائعين وليس بالسيف ، فقد لقيه رجلا فقال له :( ما أحد شر لأمة محمـد منك ) قال ابن عمر :( ولم ؟ فوالله ما سفكت دماءهـم ولا فرقـت جماعتهم ولا شققت عصاهـم ) قال الرجل :( إنك لو شئت ما اختلف فيك اثنـان ) قال ابن عمر :( ما أحب أنها أتتني ، ورجل يقول : لا ، وآخر يقول : نعم )  
واستقر الأمر لمعاوية ومن بعده لابنه يزيد ثم ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة زاهدا فيها بعد أيام من توليها ، وكان عبد الله بن عمر شيخا مسناً كبيراً فذهب إليه مروان وقال له :( هَلُمّ يدك نبايع لك ، فإنك سيد العرب وابن سيدها ) قال له ابن عمر :( كيف نصنع بأهل المشرق ؟) قال مروان :( نضربهم حتى يبايـعوا ) قال ابن عمـر :( والله ما أحـب أنها تكون لي سبعيـن عاما ، ويقتـل بسببـي رجل واحد ) فانصـرف عنه مـروان .

موقفه من الفتنة

رفض -رضي الله عنه- استعمال القوة والسيف في الفتنة المسلحة بين علي ومعاوية ، وكان الحياد شعاره ونهجه :( من قال حيّ على الصلاة أجبته ، ومن قال حيّ على الفلاح أجبته ، ومن قال حيّ على قَتْل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت : لا ) يقول أبو العالية البراء :( كنت أمشي يوما خلف ابن عمر وهو لا يشعر بي فسمعته يقول :( واضعين سيوفهم على عَوَاتِقِهم يقتل بعضهم بعضا يقولون : ياعبد الله بن عمر أَعْطِ يدك ))  
وقد سأله نافع :( يا أبا عبد الرحمن ، أنت ابن عمر ، وأنت صاحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وأنت وأنت فما يمنعك من هذا الأمر -يعني نصرة علي- ؟) فأجابه قائلا :( يمنعني أن الله تعالى حرّم عليّ دم المسلم ، لقد قال عزّ وجل :( قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) ولقد فعلنا وقاتلنا المشركين حتى كان الدين لله ، أما اليوم ففيم نُقاتل ؟ لقد قاتلت والأوثان تملأ الحرم من الركن الى الباب ، حتى نضاها الله من أرض العرب ، أفأُقاتل اليوم من يقول : لا إله إلا الله ؟!) .

وفاته

وفي العام الثالث والسبعين للهجرة توفي عبد الله بن عمر -رضي الله عنه .  

عبدالله بن عمرو بن حرام

 

هو عبدالله بن عمرو بن حرام أحد السبعين الذين بايعوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة الثانية ، جعله الرسول الكريم نقيبا على قومه من بني سلمة ولما عاد الى المدينة وضع نفسه وماله في خدمة الاسلام ، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- ليلا نهارا بعد هجرته الى المدينة .

احساس الشهادة

في غزوة أحد ، غمره احساسا رائعا بأنه لن يعود ، فدعا ابنه جابر بن عبدالله وقال له :( اني لا أراني الا مقتولا في هذه الغزوة  بل لعلي سأكون أول شهدائها من المسلمين ، واني والله ، لا أدع أحدا بعدي أحب الي منك بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  وان علي دينا فاقض عني ديني ، واستوص باخوتك خيرا ) .

أحد والشهادة

وفي غزوة أحد ، دارت معركة قوية بين المسلمين والمشركين ، كاد أن يكون النصر للمسلمين لولا انكشاف ظهرهم ، عندما انشغل الرماة بجمع الغنائم ، ففاجأهم العدو بهجوم خاطف حول النصر الى هزيمة   ولما ذهب المسلمون بعد المعركة ينظرون شهدائهم ، ذهب جابر بن عبدالله يبحث عن أبيه ، حتى وجده شهيدا ، وقد مثل به المشركون ، ووقف جابر وبعض أهله يبكون الشهيد عبدالله بن عمرو بن حرام فمر بهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( ابكوه أو لا تبكوه فان الملائكة لتظله بأجنحتها ) وعندما جاء دور عبدالله ليدفن نادى الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ادفنوا عبدالله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد ، فانهما كانا في الدنيا متحابين ، متصافيين )  

الرسول ينبأ بشغف أبوجابر للشهادة

كان حبه-رضي الله عنه- بل شغفه للموت في سبيل الله منتهى أطماحه وأمانيه ، ولقد أنبأ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- عنه فيما بعد نبأ عظيم يصور شغفه بالشهادة ، فقال -عليه الصلاة و السلام- لولده جابر يوما :( يا جابر : ما كلم الله أحدا قط الا من وراء حجاب ، ولقد كلم كفاحا -أي مواجهة-  

 فقال له :" يا عبدي ، سلني أعطيك "  
فقال :( يا رب ، أسألك أن تردني الى الدنيا ، لأقتل في سبيلك ثانية )  
 قال الله له :" انه قد سبق القول مني : أنهم اليها لا يرجعون "  
 قال :( يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة )  

فانزل الله تعالى :" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما أتاهم الله من فضله ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنزن "

 

عبدالله بن مسعود

 

هو عبدالله بن مسعود بن غافل الهذلي وكنيته أبوعبدالرحمن   مات أبوه في الجاهلية وأسلمت أمه وصحبت النبي -صلى الله عليه وسلم- لذلك كان ينسب الى أمه أحيانا فيقال:ابن أم عبد وأم عبد كنية أمه -رضي الله عنهما  .

أول لقاء مع الرسول

يقول -رضي الله عنه- عن أول لقاء له مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي مُعَيْط ، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكـر فقالا :( يا غلام ، هل عندك من لبن تسقينـا ؟) فقلت :( إني مؤتمـن ولست ساقيكما ) فقال النبـي -صلى الله عليه وسلم- :( هل عندك من شاة حائل ، لم يَنْزُ عليها الفحل ؟) قلت :( نعم ) فأتيتهما بها ، فاعتقلها النبي ومسح الضرع ودعا ربه فحفل الضرع ، ثم أتاه أبو بكر بصخرة متقعّرة ، فاحتلب فيها فشرب أبوبكر ، ثم شربت ثم قال للضرع :( اقْلِص ) فقلص ، فأتيت النبي بعد ذلك فقلت :( علمني من هذا القول ) فقال :( إنك غلام مُعَلّم )  

جهره بالقرآن

لقد كان عبدالله بن مسعود من السابقين في الاسلام   فهو سادس ستة دخلوا في الاسلام وأول من جهر بالقرآن الكريم عند الكعبة ، فأمام ساداتها رفع صوته الحلو المثير بقوله تعالى :(الرحمن ، علم القرآن ، خلق الإنسان ، علمه البيان ) حتى وصل فيها الى ما شاء الله فضربه كفار قريش حتى غشي عليه ولما أفاق استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعود لما كان منه الليلة التالية وقد هاجر هجرةالحبشة وهجرة المدينة وشهد بدرا والمشاهد مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان نحيل الجسم دقيق الساق ولكنه الايمان القوي بالله الذي يدفع صاحبه الى مكارم الأخلاق وقد شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن ساقه الدقيقة أثقل في ميزان الله من جبل أحد وقد بشره الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالجنة .

حفظ القرآن

ان ابن مسعود كان من علماء الصحابة -رضي الله عنهم- وحفظة القرآن الكريم البارعين فيه انتشر علمه وفضله في الآفاق بكثرة أصحابه والآخذين عنه الذين تتلمذوا على يديه وتربوا وقد كان يقول :( أخذت من فم رسول الله -صلى الله عليه- سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد ) وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (استقرئـوا القرآن من أربعة من عبـدالله بن مسعود وسـالم مولى أبى حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل ) كمـا كان يقول :( من أحب أن يسمع القرآن غضاً كما أُنزل فليسمعه من ابن أم عبد ) أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقرأ عليه فقال :(اقرأ علي)  قال :(يا رسول الله أقرأعليك وعليك أنزل ؟) فقال -صلى الله عليه وسلم-:(إني أحب أن أسمعه من غيري)  قال ابن مسعود فقرأت عليه من سورة النسـاء حتى وصلت الى قوله تعالى :( فكيف اذا جئنـا من كل أمة بشهيـد وجئنـا بك على هـؤلاء شهيـدا) فقال له النبـي -صلـىاللـه عليه وسلـم- :( حسبـك)  قال ابن مسعود :( فالتفت اليه فاذا عيناه تذرفان ) .

قربه من الرسول

وابن مسعود صاحب نعلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدخلهما في يديه عندما يخلعهما النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو كذلك صاحب وسادة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومطهرته  أجاره الله من الشيطان فليس له سبيل عليه وابن مسعود صاحب سر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يعلمه غيره ، لذا كان اسمه ( صاحب السَّواد ) حتى قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:( لو كنت مؤمرا أحدا دون شورى المسلمين لأمَّرت ابن أُم عبد ) كما أعطي مالم يعط لغيره حين قال له الرسول :( إذْنُكَ علي أن ترفع الحجاب ) فكان له الحق بأن يطرق باب الرسول الكريم في أي وقت من الليل أو النهار يقول أبو موسى الأشعري :( لقد رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وما أرى إلا ابن مسعود من أهله ) .

مكانته عند الصحابة

قال عنه أمير المؤمنين عمر :( لقد مُليء فِقْهاً ) وقال أبو موسى الأشعري :( لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحَبْرُ فيكم ) ويقول عنه حذيفة :( ما أعرف أحدا أقرب سمتا ولا هديا ودلا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من ابن أم عبد )  
واجتمع نفر من الصحابة عند علي بن أبي طالب فقالوا له :( يا أمير المؤمنين ، ما رأينا رجلا كان أحسن خُلُقا ولا أرفق تعليما ، ولا أحسن مُجالسة ولا أشد وَرَعا من عبد الله بن مسعود ) قال علي :( نشدتكم الله ، أهو صدق من قلوبكم ؟) قالوا : ( نعم ) قال :( اللهم إني أُشهدك ، اللهم إني أقول فيه مثل ما قالوا ، أو أفضل ، لقد قرأ القرآن فأحل حلاله ، وحرم حرامه  فقيه في الدين عالم بالسنة ) .

ورعه

كان أشد ما يخشاه ابن مسعود -رضي الله عنه- هو أن يحدث بشيء عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيغير شيئا أو حرفا يقول عمرو بن ميمون :( اختلفت الى عبد الله بن مسعود سنة ، ما سمعته يحدث فيها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، إلا أنه حدّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه : قال رسول الله ، فعلاه الكـرب حتى رأيت العـرق يتحدر عن جبهتـه ، ثم قال مستدركا : قريبا من هذا قال الرسـول ) ويقول علقمـة بن قيـس :( كان عبد الله بن مسعود يقوم عشية كل خميس متحدثا ، فما سمعته في عشية منها يقول : قال رسول الله غير مرة واحدة ، فنظرت إليه وهو معتمد على عصا ، فإذا عصاه ترتجف وتتزعزع ) .

حكمته

كان يملك عبدالله بن مسعود قدرة كبيرة على التعبير والنظر بعمق للأمور فهو يقول عما نسميه نِسبية الزمان :( إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار ، نور السموات والأرض من نور وجهه ) كما يقول عن العمل :( إني لأمقت الرجل إذ أراه فارغا ، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة ) ومن كلماته الجامعة : ( خير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، وشر العمى عمى القلب ، وأعظم الخطايا الكذب ، وشر المكاسب الربا ، وشر المأكل مال اليتيم ، ومن يعف يعف الله عنه ، ومن يغفر يغفر الله له)

أمنيته

يقول ابن مسعود :( قمت من جوف الليل وأنا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك ، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها ، فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر ، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات ، وإذا هم قد حفروا له ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حفرته وأبو بكر وعمر يدلِّيَانه إليه ، والرسول يقول : أدنيا إلي أخاكما فدلياه إليه ، فلما هيأه للحده قال : اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه فيا ليتني كنت صاحب هذه الحفرة .

أهل الكوفة

ولاه أمير المؤمنين عمر بيت مال المسلمين بالكوفة ، وقال لأهلها حين أرسله إليهم :( إني والله الذي لا إله إلا هو قد آثرتكم به على نفسي ، فخذوا منه وتعلموا ) ولقد أحبه أهل الكوفة حبا لم يظفر بمثله أحد قبله حتى قالوا له حين أراد الخليفة عثمان بن عفان عزله عن الكوفة :( أقم معنا ولا تخرج ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه منه ) ولكنه أجاب : ( إن له علي الطاعة ، وإنها ستكون أمور وفتن ، ولا أحب أن أكون أول من يفتح أبوابها )  

وفاته

وفي أواخر عمره -رضي الله عنه- قدم الى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة و أتم التسليم توفي سنة اثنتين و ثلاثين للهجرة في أواخر خلافة عثمان رضي الله عن ابن أم عبد و أمه صاحبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعلهما رفيقيه في الجنة مع الخالدين .

عتبة بن غزوان

 

عتبة بن غزوان هو سابع سبعـة أسلموا وبايعوا وتحـدوا قريشا ، ولما أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة الى الحبشة خرج مع إخوانه مهاجرا ولكن عاد مجددا الى مكة ، وصمد مع الرسول الكريم والمسلمين الى أن سُمِحَ لهم بالهجـرة الى المدينـة فكان من الرماة الأفـذاذ الذين أبلـوا في سبيـل اللـه بـلاء حسنـا في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته  .

فتـح الأبُـلّـة

أرسله أمير المؤمنين الى الأبُلّة ليفتحها ويطهرها من الفرس ، وقال له عمر وهو يودّعه وجيشه :( انطلق أنت ومن معك حتى تأتوا أقصى بلاد العرب وأدنى بلاد العجـم ، وسر على بركة الله ويُمنـه ، ادْعُ إلى الله من أجابـك ، ومن أبى فالجزيـة ، وإلا فالسيف في غير هوادة ، كابِـد العدو ، واتق الله ربـك ) ومضى عُتبة على رأس جيشهم الذي لم يكن كبيرا حتى قدِمَ الأبُلّة ، وكان الفرس يحشدون جيشا من أقوى جيوشهم ، فنظم عتبة جيشه ووقف في المقدمة حاملا رُمْحَه بيده ، وصاح بالجيش :( الله أكبر ، صدق وعده ) فما هي إلا جولات ميمونة حتى استسلمت الأبُلّة وتحرر أهلها من جنود الفرس .

البصرة والإمارة

اختطّ عتبة -رضي الله عنه- مكان الأبُلّة مدينة البصرة ، وعمّرها وبنى مسجدها العظيم ، وأراد العودة الى المدينة هروبا من الإمارة ، لكن أمره أمير المؤمنين عمر بالبقاء ، فبقي عُتبة يصلي بالناس ويفقههم في دينهم ، ويحكم بينهم بالعدل زاهدا ورِعا بسيطا ووقف يحارب الترف والسِّرف فقد كان يخاف الدنيا على نفسه وعلى المسلمين ، وقف خاطبا يوما :( والله لقد رأيتني مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سابع سبعة وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقُـنا ، ولقد رزقت يوما بُرْدَة فشققتها نصفين ، أعطيت نصفها سعد بن مالك ولبست نصفها الآخر ) وحاول المترفون ممن تعودوا على المظاهر المتعالية تغير عتبة وزهده فكان يجيبهم :( إني أعوذ بالله أن أكون في دنياكم عظيما ، وعند الله صغيرا ) ولما شعر بضيق من حوله قال :( غدا ترون الأمراء من بعدي ) .

موسم الحج

وجاء موسم الحج ، فاستخلف عتبة على البصرة أحد إخوانه وخرج حاجّاً ، ولمّا قضى حجّه توجه الى المدينة ، وحاول أن يعتذر عن الإمارة ، ولكن لم يرضى عمر أن يعفيه عن الإمارة وبالذات أن عتبة مـن الزاهدين الورعيـن ، وكان يقـول عمر لولاتـه :( تضعون أماناتكم فوق عنقي ، ثم تتركوني وحدي ؟ لا والله لا أعفيكم أبداً ) .

وفاته

أطاع عتبة أمير المؤمنين واستقبل راحلته ليركبها راجعا الى البصرة ، ولكن قبل ركوبها دعا ربه ضارعا ألا يرُدَّه الى البصرة ولا إلى الإمارة ، واستجيب دعاؤه فبينما هو في طريق عودته أدركه الموت ، وفاضت روحه الى بارئها .

عثمان بن عفان

 

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ، يجتمع نسبه مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في عبد مناف ، ولد في السنـة السادسة بعد عام الفيـل ، نشأ في بيت كريم ذي مال وجاه ، وشب على حسن السيرة والعفة والحياء فكان محبوبا في قومه أثيـرا لديهم .

إسلامه

كان -رضي الله عنه- من السابقين الى الاسلام اذ أسلم بدعوة من أبي بكر الصديق وتحمل في سبيل ذلك أذى كثيرا وظل ثابتا على عقيدته ، فقد أخذه عمّه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً وقال :( أترغب عن ملّـة آبائك إلى دين محدث ؟ والله لا أحلّكَ أبداً حتى تدَعَ ما أنت عليه من هذا الديـن ) فقال عثمان :( والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه ) فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه  
فكان عثمان بن عفان ممن صلى الى القبلتين ، و هاجر الهجرتين : الأولى الى الحبشة والثانية الى المدينة المنورة ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة واختصه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكتابة الوحي .

حياءه

قالت السيدة عائشة : استأذن أبو بكر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مضطجع على فراش عليه مِرْطٌ لي ، فأذن له وهو على حاله ، فقضى الله حاجته ثم انصرف ، ثم استأذن عمر ، فأذن له وهو على تلك الحال ، فقضى الله حاجته ثم انصرف ، ثم استأذن عثمان ، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصلح عليه ثيابه وقال :( اجمعي عليك ثيابك ) فأذن له ، فقضى الله حاجته ثم انصرف قالت : فقلت :( يا رسول الله ، لم أرك فزِعْتُ لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان !) فقال :( يا عائشة إن عثمان رجل حيي ، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يُبَلّغ إليّ حاجته ) وقد قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ) .

ذو النورين

تزوج عثمان -رضي الله عنه- من رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما توفيـت تزوج أختها أم كلثوم ولذلك سمي (ذي النورين) ، وعندما ماتت أم كلثوم تأسّف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مصاهرته وقال :( والذي نفسي بيده لو كان عندي ثالثة لزوَّجتُكَها يا عثمان ) .

مناقبه

رويَ عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحاديث عدّة في ذِكْر مناقب عثمان منها ( إن عثمان لأول من هاجر الى الله بأهله بعد لوط) ( إن الله عز وجل أوحى إليّ أن أزوج كريمتي من عثمان ) ( من يُبغضُ عثمان أبغضه الله )  
دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- على ابنته وهي تغسل رأس عثمان فقال :( يا بنيّة أحْسِني إلى أبي عبد الله فإنه أشبه أصحابي بي خُلُقاً ) .

أوائل

كان -رضي الله عنه- أوّل من هاجر الى الحبشة مع زوجته رقيّة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وأول من شيَّد المسجد ، وأول من خطَّ المفصَّل ، وأول من ختم القرآن في ركعة .

بئر رومة

أنفق الكثير من ماله الوفير لخدمة الاسلام والمسلمين ومن ذلك شرائه لبئر رومة ، فقد كانت هذه البئر لرجل يهودي في المدينة وكان يبيع ماءها ، فلما هاجر المسلمون الى المدينة تمنى الرسول -صلى الله عليه وسلم- لو يجد من بين أصحابه من يشتريها ليفيض ماؤها على المسلمين بغير ثمن وله الجنة ، فسارع عثمان -رضي الله عنه- الى اليهودي فاشتراها منه ووهبها للمسلمين .

يوم الحديبية

بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عثمان الى قريش يوم الحديبية ، فقد بعثه الى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب ، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته ، فخرج عثمان الى مكة فلقيه أبَان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة ، أو قبل أن يدخلها ، فحمله بين يديه ، ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش ، فبلغهم عن رسول الله ما أرسله به ، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم :( إن شئت أن تطوف بالبيت فطف ) فقال :( ما كنت لأفعـل حتى يطوف به رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- ) واحتبسته قريش عندها ، فبلغ رسول الله والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل ، فدعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- الناس الى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، وفيها ضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشماله على يمينه وقال :( هذه يدُ عثمان ) فقال الناس :( هنيئاً لعثمان )  .

جيش العسرة

ولما حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على تجهيز جيش غزوة تبوك الذي سمي بجيش العسرة ، سارع عثمان -رضي الله عنه- بتقديـم تسعمائة وأربعين بعيرا وستين فرسا أتم بها الألف فدعا له قائلا :( غفـر اللـه لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائـن الى يوم القيامة ) كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم ) .

الخلافة

لقد كان عثمان بن عفان أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لخلافته  فقد أوصى بأن يتم اختيار أحد ستة :(علي بن أبي طالب ، عثمان بن عفان ، طلحة بن عبيد الله ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبي وقاص ، عبد الرحمن بن عوف ) في مدة أقصاها ثلاثة أيام من وفاته حرصا على وحدة المسلميـن ، فتشاور الصحابـة فيما بينهم ثم أجمعوا على اختيار عثمان -رضي الله عنه- وبايعـه المسلمون في المسجد بيعة عامة سنة ( 23 هـ ) ، فأصبح ثالث الخلفاء الراشدين .

انجازاته

استمرت خلافته نحو اثني عشر عاما تم خلالها الكثير من الأعمال نَسْخ القرآن الكريم وتوزيعه على الأمصار توسيع المسجد الحرام وقد انبسطت الأموال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها ، وفرس بمائة ألف ، ونخلة بألف درهم ، وحجّ بالناس عشر حجج متوالية .

الفتوحات

فتح الله في أيام خلافة عثمان -رضي الله عنه- الإسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبرص ، ثم إصطخر الآخرة وفارس الأولى ، ثم خو وفارس الآخرة ثم طبرستان ودرُبُجرْد وكرمان وسجستان ثم الأساورة في البحر ثم ساحل الأردن وقد أنشأ أول أسطول إسلامي لحماية الشواطيء الإسلامية من هجمات البيزنطيين .

الفتنة

في أواخر عهده ومع اتساع الفتوحات الاسلامية ووجود عناصر حديثة العهد بالاسلام لم تتشرب روح النظام والطاعة ، أراد بعض الحاقدين على الاسلام وفي مقدمتهم اليهود اثارة الفتنة للنيل من وحدة المسلمين ودولتهم ، فأخذوا يثيرون الشبهات حول سياسة عثمان -رضي الله عنه- وحرضوا الناس في مصر والكوفة والبصرة على الثورة ، فانخدع بقولهم بعض من غرر به ، وساروا معهم نحو المدينة لتنفيذ مخططهم ، وقابلوا الخليفة وطالبوه بالتنازل ، فدعاهم الى الاجتماع بالمسجد مع كبار الصحابة وغيرهم من أهل المدينة ، وفند مفترياتهم وأجاب على أسئلتهم وعفى عنهم ، فرجعوا الى بلادهم لكنهم أضمروا شرا وتواعدوا على الحضور ثانية الى المدينة لتنفيذ مؤامراتهم التي زينها لهم عبدالله بن سبأ اليهودي الأصل والذي تظاهر بالاسلام .

استشهاده

وفي شـوال سنة ( 35 ) من الهجرة النبوية ، رجعت الفرقة التي أتت من مصر وادعوا أن كتابا بقتل زعماء أهل مصر وجدوه مع البريد ، وأنكر عثمان -رضي الله عنه- الكتاب لكنهم حاصروه في داره ( عشرين أو أربعين يوماً ) ومنعوه من الصلاة بالمسجد بل ومن الماء ، ولما رأى بعض الصحابة ذلك استعـدوا لقتالهم وردهم لكن الخليفة منعهم اذ لم يرد أن تسيل من أجله قطرة دم لمسلم ، ولكن المتآمريـن اقتحموا داره من الخلف ( من دار أبي حَزْم الأنصاري ) وهجموا عليه وهو يقـرأ القـرآن وأكبت عليه زوجـه نائلـة لتحميه بنفسها لكنهم ضربوها بالسيف فقطعت أصابعها ، وتمكنوا منه -رضي الله عنه- فسال دمه على المصحف ومات شهيدا في صبيحة عيد الأضحى سنة ( 35 هـ ) ، ودفن بالبقيع وكان مقتله بداية الفتنة بين المسلمين الى يومنا هذا .

 

عثمان بن مظعون

 

عثمان بن مظعون من أوائل المسلمين وأغلب الظن الرابع عشر ترتيبا وناله ما ينال المسلمين من أذى المشركين وصبر ، وكان أمير المهاجرين الأوائل الى الحبشة مصطحبا ابنه السائب معه ، وكان أول المهاجرين وفاة بالمدينة ، وأولهم دفنا بالبقيع .

جوار الله

بلغ أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذين خرجوا الى الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا ، فغادروا الحبشة عائدين ، ولكن حين دنو من مكة علموا بأن هذا النبأ خاطيء ، فلم يدخل أحد منهم الى مكة إلا بجوار أو مستخفيا وكانوا ثلاثة وثلاثون منهم عثمان بن مظعون الذي دخل بجوار من الوليد بن المغيرة  
ولكن لما رأى -رضي الله عنه- ما فيه أصحـاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-من البلاء وهو يغـدو ويروح في أمـان من الوليد بن المغيرة قال :( والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي ) فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له :( يا أبا عبد شمس ، وَفَت ذمتك ، قد رددت إليك جوارك ) فقال له :( يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي ) قال :( لا ، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره ) فقال :( فانطلق الى المسجد فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية ) فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد :( هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري ) قال عثمان :( صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره )  
ثم انصرف عثمان ، ولبيـد بن ربيعة في مجلس من قريش يُنشـدهم ، فجلس معهم عثمان ، فقل لبيـد :( ألا كل شيء ما خلا الله باطـل ) قال عثمان :( صدقت ) قال لبيد :( وكل نعيم لا محالة زائل ) قال عثمان :( كذبت ، نعيم الجنة لا يزول ) قال لبيد :( يا معشر قريش ، والله ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ؟) فقال رجل من القوم :( إن هذا سفيه من سفهاء معه ، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله ) فرد عثمان عليه حتى شري أمرهم ، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان ، فقال :( أما والله يا ابن أخي ، إن كانت عينك عما أصابها لغنية ، لقد كنت في ذمة منيعة ) فقال عثمان :( بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس ) فقال الوليد :( هلم يا ابن أخي ، إن شئت فعد الى جوارك ) فقال عثمان : ( لا )

الراهب الجليل

وهاجر عثمان بن مظعـون الى المدينة مع الرسـول -صلى الله عليه وسلم- والمسلميـن ، وظهرت حقيقته الطاهرة ، فهو راهـب الليل والنهار وفارسهمـا معا ، تفرغ للعبادة وانقطع عن مناعم الحياة فلا يلبس إلا الخشـن ولا يأكل إلا الطعام الجشِب ، فقد دخل يوما المسجد ، وكان يرتدي لباسا تمزق ، فرقعه بقطعة من فروة ، فرق له قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- ودمعت عيون الصحابة فقال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حُلّة ، ويروح في أخرى ، وتوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى ، وسَتَرتم بيوتكم كما تستر الكعبة ؟) قال الأصحاب :( وَدِدْنا أن ذلك يكون يا رسول الله ، فنُصيب الرخاء والعيش ) فأجابهم الرسول الكريم :( إن ذلك لكائن ، وأنتم اليوم خير منكم يومئـذ ) وحين سمع ابـن مظعـون ذلك زاد هربا من النعيم ، بل حتى الرفث الى زوجته نأى عنه وانتهى لولا أن علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك فناداه وقال له :( إن لأهلك عليك حقا ) .

وفاته

وحين كانت روحه تتأهب للقاء ربها وليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة ، كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى جانبه يقبل جبينه ويعطره بدموعه وودعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلا :( رحمك الله أبا السائب ، خرجت من الدنيا وما أصبت منها ولا أصابت منك ) ولم ينسه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك أبدا حتى حين ودع ابنته رقية حين فاضت روحها قال لها :( الحقي بسلفنا الخيِّر ، عثمان بن مظعون ) .

 

علي بن أبي طالب

 

هو ابـن عم النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولد قبل البعثة النبوية بعشـر سنين وأقام في بيت النبوة فكان أول من أجاب الى الاسلام من الصبيان ، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وزوجته فاطمة الزهراء ابنة النبي -صلى الله عليه وسلم-  ووالد الحسن والحسين سيدي شباب الجنة .

الرسول يضمه إليه

كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصدق بما جاءه من الله تعالى : علي بن أبي طالب رضوان الله وسلامه عليه ، وهو يومئذ ابن عشر سنين ، فقد أصابت قريشاً أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال الرسول الكريم للعباس عمه : يا عباس ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمـة ، فانطلق بنا إليه فلنخفـف عنه من عياله ، آخذ من بنيـه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه ) فقال العباس :( نعم ) فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له :( إنا نريد أن نخفف من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه ) فقال لهما أبو طالب :( إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما ) فأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- علياً فضمه إليه ، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه ، فلم يزل علي مع رسول الله حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبياً ، فاتبعه علي -رضي الله عنه- وآمن به وصدقه ، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا حضرت الصلاة خرج الى شعاب مكة ، وخرج علي معه مستخفياً من أبيه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات معا ، فإذا أمسيا رجعا .

منزلته من الرسول

لمّا آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه قال لعلي :( أنت أخي )  وكان يكتب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-  وشهد الغزوات كلها ما عدا غزوة تبوك حيث استخلفه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أهله وقال له :( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى )  
وكان مثالا في الشجاعة و الفروسية ما بارز أحد الا صرعه ، وكان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- :( من أحب عليا فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله ) دعاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزوجته فاطمة وابنيه ( الحسن والحسين ) وجلَّلهم بكساء وقال :( اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهِّرْهُم تطهيراً ) وذلك عندما نزلت الآية الكريمة  

قال تعالى :( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكم الرِّجسَ أهلَ البيت )

 

ليلة الهجرة

في ليلة الهجرة ، اجتمع رأي المشركين في دار الندوة على أن يقتلوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في فراشه ، فأتى جبريل -عليه السلام- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال :( لا تبيت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه ) فلما كانت عتمة من الليل اجتمع المشركون على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه ، فلما رأى رسول الله مكانهم قال لعلي :( نم على فراشي ، وتَسَجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فإنه لن يَخْلُصَ إليك شيء تكرهه منهم ) ونام علي -رضي الله عنه- تلك الليلة بفراش رسول الله ، واستطاع الرسول -صلى الله عليه سلم- من الخروج من الدار ومن مكة ، وفي الصباح تفاجأ المشركون بعلي في فراش الرسول الكريم وأقام علي -كرّم الله وجهه- بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الودائع التي كانت عنده للناس ، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله في قباء .

يوم خيبر

في غزوة خيبـر قال الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- :( لأُعْطينّ الرايةَ غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويُحبه الله ورسوله ، يفتح الله عليه ، أو على يديه ) فكان رضي الله عنه هو المُعْطَى وفُتِحَت على يديه .

خلافته

لما استشهد عثمان -رضي الله عنه- سنة ( 35 هـ ) بايعه الصحابة والمهاجرين و الأنصار وأصبح رابع الخلفاء الراشدين يعمل جاهدا على توحيد كلمة المسلمين واطفاء نار الفتنة ، وعزل الولاة الذين كانوا مصدر الشكوى .

ذهبت السيدة عائشة زوجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى مكة المكرمة لتأدية العمرة في شهر محرم عام 36 هجري ، ولما فرغت من ذلك عادت الى المدينة ، وفي الطريق علمت باستشهاد عثمان واختيار علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين ، فعادت ثانية الى مكة حيث لحق بها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهما- وطالب الثلاثة الخليفة بتوقيع القصاص على الذين شاركوا في الخروج على الخليفة عثمان -رضي الله عنه- ، وكان من رأي الخليفة الجديد عدم التسرع في ذلك ، والانتظار حتى تهدأ نفوس المسلمين ،وتستقر الأوضاع في الدولة الاسلامية ، غير أنهم لم يوافقوا على ذلك واستقر رأيهم على التوجه الى البصرة ، فساروا اليها مع أتباعهم .

معركة الجمل

خرج الخليفة من المدينة المنورة على رأس قوة من المسلمين على أمل أن يدرك السيدة عائشة -رضي الله عنها- ، ويعيدها ومن معها الى مكة المكرمة ، ولكنه لم يلحق بهم ، فعسكر بقواته في ( ذي قار ) قرب البصرة ، وجرت محاولات للتفاهم بين الطرفين ولكن الأمر لم يتم ، ونشب القتال بينهم وبذلك بدأت موقعة الجمل في شهر جمادي الآخرة عام 36 هجري ، وسميت بذلك نسبة الى الجمل الذي كانت تركبه السيدة عائشة -رضي الله عنها- خلال الموقعة ، التي انتهت بانتصار قوات الخليفة ، وقد أحسن علي -رضي الله عنه- استقبال السيدة عائشة وأعادها الى المدينة المنورة معززة مكرمة ، بعد أن جهزها بكل ما تحتاج اليه ، ثم توجه بعد ذلك الى الكوفة في العراق ، واستقر بها ، وبذلك أصبحت عاصمة الدولة الاسلامية .

مواجهة معاوية

قرر علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ( بعد توليه الخلافة ) عزل معاوية بن أبي سفيان عن ولاية الشام ، غير أن معاوية رفض ذلك ، كما امتنع عن مبايعته بالخلافة ، وطالب بتسليم قتلة عثمان -رضي الله عنه- ليقوم معاوية باقامة الحد عليهم ، فأرسل الخليفة الى أهل الشام يدعوهم الى مبايعته ، وحقن دماء المسلمين ، ولكنهم رفضوا   فقرر المسير بقواته اليهم وحملهم على الطاعة ، وعدم الخروج على جماعة المسلمين ، والتقت قوات الطرفين عند ( صفين ) بالقرب من الضفة الغربية لنهر الفرات ، وبدأ بينهما القتال يوم الأربعاء (1 صفر عام 37 هجري ) .

وحينما رأى معاوية أن تطور القتال يسير لصالح علي وجنده ، أمر جيشه فرفعوا المصاحف على ألسنة الرماح ، وقد أدرك الخليفة خدعتهم وحذر جنوده منها وأمرهم بالاستمرار في القتال ، لكن فريقا من رجاله ، اضطروه للموافقة على وقف القتال وقبول التحكيم ، بينما رفضه فريق آخر   وفي رمضان عام 37 هجري اجتمع عمر بن العاص ممثلا عن معاوية وأهل الشام ، وأبو موسى الأشعري عن علي وأهل العراق ، واتفقا على أن يتدارسا الأمر ويعودا للاجتماع في شهر رمضان من نفس العام ، وعادت قوات الطرفين الى دمشق والكوفة ، فلما حان الموعد المتفق عليه اجتمعا ثانية ، وكانت نتيجة التحكيم لصالح معاوية  .

الخوارج

أعلن فريق من جند علي رفضهم للتحكيم بعد أن اجبروا عليا -رضي الله عنه- على قبوله ، وخرجوا على طاعته ، فعرفوا لذلك باسم الخوارج ، وكان عددهم آنذاك حوالي اثني عشر ألفا ، حاربهم الخليفة وهزمهم في معركة (النهروان) عام 38 هجري ، وقضى على معظمهم ، ولكن تمكن بعضهم من النجاة والهرب   وأصبحوا منذ ذلك الحين مصدر كثير من القلاقل في الدولة الاسلامية  .

استشهاده

لم يسلم الخليفة من شر هؤلاء الخوارج اذ اتفقوا فيما بينهم على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص في ليلة واحدة ، ظنا منهم أن ذلك يحسم الخلاف ويوحد كلمة المسلمين على خليفة جديد ترتضيه كل الأمة ، وحددوا لذلك ثلاثة من بينهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه ، ونجح عبد الرحمن بن ملجم فيما كلف به ، اذ تمكن من طعن علي -رضي الله عنه- بالسيف وهو خارج لصلاة الفجر من يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان عام أربعين هجرية بينما أخفق الآخران ، وعندما هجم المسلمون على ابن ملجم ليقتلوه نهاهم علي قائلا :( ان أعش فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا ، وان مت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين ، ولا تقتلوا بي سواه ، ان الله لا يحب المعتدين ) وحينما طلبوا منه أن يستخلف عليهم وهو في لحظاته الأخيرة قال لهم :( لا آمركم ولا أنهاكم ، أنتم بأموركم أبصر )  واختلف في مكان قبره وباستشهاده -رضي الله عنه- انتهى عهد الخلفاء الراشدين .

 

عمار بن ياسر

 

خرج والد عمار بن ياسر من بلده اليمن يريد أخا له ، يبحث عنه ، وفي مكة طاب له المقام فحالف أبا حذيفة بن المغيرة ، وزوجه أبو حذيفة إحدى إمائه ( سمية بنت خياط ) ورزقا بابنهما ( عمار ) ، وكان إسلامهم مبكرا .

العذاب

وشأن الأبرار المُبَكّرين أخذوا نصيبهم الأوفى من عذاب قريش وأهوالها ، ووُكل أمر تعذيبهم إلى بني مخزوم ، يخرجون بهم جميعا ياسر و سمية وعمار كل يوم الى رمضاء مكة الملتهبة ويصبون عليهم من جحيم العذاب ، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يخرج كل يوم الى أسرة ياسر مُحييا صمودها وقلبه الكبير يذوب رحمة وحنانا لمشهدهم ، وذات يوم ناداه عمار :( يا رسول الله ، لقد بلغ منا العذاب كُلَّ مبلغ ) فناداه الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( صبرا أبا اليَقْظان ، صبرا آل ياسر فإن موعـدكم الجنة )  
ولقد وصـف أصحاب عمار العذاب الذي نزل به  فيقول عمـرو بن ميمون :( أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار ، فكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يمر به ، ويُمر يده على رأسه ويقول : يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت بردا وسلاما على إبراهيم ) و يقول عمرو بن الحكم :( كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول ) وقد فقد وعيه يوما فقالوا له :( اذكر آلهتنا بخير ) وأخذوا يقولون له وهو يردد وراءهم من غيـر شعور وبعد أن أفاق من غيبوبتـه وتذكر ما كان طار صوابـه ، فألفاه الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- يبكي فجعل يمسح دموعه بيده ويقول له :( أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت : كذا وكذا ؟) أجاب عمار وهو ينتحب :( نعم يا رسول الله ) فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يبتسم :( إن عادوا فقل لهم مثل قولك هذا ) ثم تلا عليه الآية الكريمة

قال تعالى :( إلا من أُكرِه وقلبه مطمئنٌ بالإيمان )  

واسترد عمار سكينة نفسه ، وصمد أمام المشركين  

 

حب الرسول لعمّار

استقر المسلمون بعد الهجرة في المدينة ، وأخذ عمار مكانه عاليا بين المسلمين ، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحبه حبا عظيما ، يقول عنه -صلى الله عليه وسلم- ( إن عمّارا مُلِىء إيمانا إلى مُشاشه -تحت عظامه- ) وحين كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يبنون المسجد بالمدينة إثر نزولهم ، إرتجز علي بن أبي طالب أنشودة راح يرددها ويرددها المسلمون معه ،وأخذ عمار يرددها ويرفع صوته ،وظن بعض أصحابه أن عمارا يعرض به ، فغاضبه ببعض القول فغضب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال :( ما لهم ولعمّار ؟ يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار ، إن عمّارا جِلْدَة ما بين عيني وأنفي ) وحين وقع خلاف عابر بين خالد بن الوليد وعمّار قال الرسول :( من عادى عمّارا عاداه الله ، ومن أبغض عمّارا أبغضه الله ) فسارع خالد إلى عمار معتذرا وطامعا بالصفح .

إيمانه

لقد بلغ عمار في درجات الهدى واليقين ما جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُزَكي إيمانه فيقول :( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عَمّار )  كما أن حذيفة بن اليمان وهو يعالج سكرات الموت سأله أصحابه :( بمن تأمرنا إذا اختلف الناس ) فأجابهم :( عليكم بابن سمية ، فإنه لا يفارق الحق حتى يموت ) .

نبوءة الرسول

أثناء بناء مسجد الرسـول -صلى الله عليه وسلم- أخذ الحنان الرسـول الكريـم الى عمار ، فاقترب منه ونفض بيده الغُبار الذي كسـى رأسه ، وتأمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجه عمار الوديع المؤمن ثم قال على ملأ من أصحابه :( وَيْحَ ابن سمية ، تقتله الفئة الباغية ) وتتكرر النبوءة حين يسقط الجدار على رأس عمار فيظن بعض إخوانه أنه مات ، فيذهب الى الرسول ينعاه ، فيقول الرسول -صلى الله عليه سلم- بطُمأنينة وثقة :( ما مات عمار ، تقتل عماراَ الفئة الباغية ) .

يوم اليمامة

بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واصل عمار تألقه في مواجهة جيوش الردة والفرس والروم ، وكان دوما في الصفوف الأولى ، وفي يوم اليمامة انطلق البطل في استبسـال عاصف ، وإذا يرى فتـور المسلمين يرسل بين صفوفـهم صياحه المزلزل فيندفعون كالسهام ، يقول عبـد الله بن عمـر :( رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخـرة ، وقد أشرف يصيح :( يا معشر المسلمين أمِـن الجنة تفـرّون ؟ أنا عمار بن ياسر هلُمّـوا إلي) فنظرت إليه فإذا أذنه مقطوعة تتأرجح ، وهو يقاتل أشد القتال ) .  

ولاية الكوفة

لفضائله -رضي الله عنه- سارع عمر بن الخطاب واختاره والياً للكوفة وجعل ابن مسعود معه على بيت المال ، وكتب الى أهلها مبشرا :( إني أبعث إليكم عمَّار بن ياسر أميرا ، وابن مسعود مُعَلما ووزيرا ، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد ومن أهل بدر ) يقول ابن أبي الهُذَيْل وهو من معاصري عمار في الكوفـة :( رأيت عمار بن ياسر وهو أميـر الكوفة يشتري من قِثائها ، ثم يربطها بحبـل ويحملها فوق ظهـره ويمضي بها الى داره ) كما ناداه أحد العامة يوما :( يا أجدع الأذن ) فيجيبه الأمير :( خَيْر أذنيّ سببت ، لقد أصيبت في سبيل الله ) .

عمار والفتنة

وجاءت الفتنة ووقع الخلاف بين علي -كرم الله وجهه- ومعاوية ، فوقف عمار الى جانب علي بن أبي طالب مُذعنا للحق وحافظا للعهد ، وفي يوم صِفِّين عام 37 هجري خرج عمار مع علي بن أبي طالب وكان عمره ثلاثا وتسعين عاما ، وقال للناس :( أيها الناس سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يثأرن لعثمان ، ووالله ما قصدهم الأخذ بثأره ، ولكنهم ذاقوا الدنيا ، واستمرءوها وعلموا أن الحق يحول بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من شهواتهم ودنياهم ، وما كان لهؤلاء سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة المسلمين لهم ولا الولاية عليهم ، ولا عرفت قلوبهم من خشية الله ما يحملهم على اتباع الحق ، وإنهم ليخدعون الناس بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان ، وما يريدون إلا أن يكونوا جبابرة وملوكا ) ثم أخذ الرايـة بيده ورفعهـا عاليا وصـاح في الناس :( والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهأنذا أقاتل بها اليوم ، والذي نفسي بيده لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هَجَر ، لعلمت أننا على الحق وأنهم على الباطل ) .

تحقق نبوءة الرسول

كان عمار بن ياسر وهو يجول في المعركة يؤمن أنه واحد من شهدائها ، وكانت نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمام عينيه :( تقتل عماراَ الفئة الباغية ) من أجل هذا كان يغرد قائلا :( اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه ) ولقد حاول رجال معاوية أن يتجنبوا عمَّارا ما استطاعوا ، حتى لا تقتله سيوفهم فيتبين للناس أنهم الفئة الباغية ، ولكن شجاعة عمار ابن الثالث والتسعين وقتاله كجيش لوحده أفقدهم صوابهم حتى إذا تمكنوا منه أصابوه ، وانتشر الخبر ، وتذكر الناس نبوءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فزادت فريق علي بن أبي طالب إيمانا بأنهم على الحق ، وحدثت بلبلة في صفوف معاوية ، وتهيأ الكثير منهم للتمرد والإنضمام الى علي ، فخرج معاوية خاطبا فيهم :( إنما قتله الذين خرجوا به من داره ، وجاءوا به الى القتال ) وانخدع الناس واستأنفت المعركة .

الشهيد

حمل الإمام علي عماراً فوق صدره الى حيث صلى عليه والمسلمـون معه ، ثم دفنه في ثيابه ، ووقف المسلمون على قبـره يعجبون ، فقبل قليـل كان يغـرد :( اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه ) وتذكروا قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( اشتاقت الجنة لعمّار ) .

 

عمر بن الخطاب

 

الفاروق أبو حفص ، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي ، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ( 40 عام قبل الهجرة ) ، عرف في شبابه بالشـدة والقـوة ، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات وأول من لقب بأمير المؤمنين .

اسلامه

أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية المشرفة ، فقد كان الخباب بن الأرت يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطـاب متقلـدا سيفه الذي خـرج به ليصفـي حسابه مع الإسـلام ورسوله ، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى صاح صيحته المباركة :( دلوني على محمد ) وسمع خباب كلمات عمر ، فخرج من مخبئه وصاح :( يا عمـر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصـك بدعـوة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، فإني سمعته بالأمس يقول :( اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك ، أبي الحكم بن هشام ، وعمر بن الخطاب ) فسأله عمر من فوره :( وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟) وأجاب خباب :( عند الصفـا في دار الأرقـم بن أبي الأرقـم )  
ومضى عمر الى مصيره العظيم ففي دار الأرقم خرج إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال :( أما أنت منتهيا يا عمر حتى يُنزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب ، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب ) فقال عمر :( أشهد أنّك رسول الله )  
وباسلامه ظهر الاسلام في مكة اذ قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في دار الأرقم :( والذي بعثك بالحق لتخرجن ولنخرجن معك ) وخرج المسلمون ومعهم عمر ودخلوا المسجد الحرام وصلوا حول الكعبة دون أن تجـرؤ قريش على اعتراضهم أو منعهم ، لذلك سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( الفاروق ) لأن الله فرق بين الحق والباطل  .

مناقبه

هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ومن علماء الصحابة وزهادهم ، وضع الله الحق على لسانه اذ كان القرآن ينزل موافقا لرأيه ، يقول علي بن أبي طالب :( إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه )  كما قال عبد الله بن عمر :( مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر ، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر )  
وكان قويا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم ، قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط الا سلك فجا غير فجك )  
ومن شجاعته وهيبته أنه أعلن على مسامع قريش أنه مهاجر بينما كان المسلمون يخرجون سرا ، وقال متحديا لهم :( من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ) فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه .

عمر في الأحاديث النبوية

رُويَ عن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- العديد من الأحاديث التي تبين فضل عمـر بن الخطاب نذكر منها ( إن الله سبحانـه جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) ( الحق بعدي مع عمـر حيث كان ) ( لو كان بعدي نبيّ لكان عمـر بن الخطاب ) ( إن الشيطان لم يلق عمـر منذ أسلم إلا خرَّ لوجهه ) ( ما في السماء ملك إلا وهو يوقّر عمر ، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر)  
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأةِ أبي طلحة وسمعت خشفاً أمامي ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا بلال ، ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية ، فقلت : لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر بن الخطاب ، فأردت أن أدخله فأنظر إليه ، فذكرت غيْرتك ) فقال عمر :( بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار !)  
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بيْنا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبنٍ ، فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري ، ثم أعطيت فضْلي عمر بن الخطاب ) قالوا :( فما أوّلته يا رسول الله ؟)  قال :( العلم )  
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك ، وعُرِضَ عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه ) قالوا :( فما أوَّلته يا رسول الله ؟) قال :( الدين )

خلافة عمر

رغب أبو بكر -رضي الله عنه- في شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية من بعده ، واتجه رأيه نحو عمر بن الخطاب فاستشار في ذلك عدد من الصحابة مهاجرين وأنصارا فأثنوا عليه خيرا ومما قاله عثمان بن عفان :( اللهم علمي به أن سريرته أفضل من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله )  وبناء على تلك المشورة وحرصا على وحدة المسلمين ورعاية مصلحتهم أوصى أبو بكر الصديق بخلافة عمر من بعده ، وأوضح سبب اختياره قائلا :(اللهم اني لم أرد بذلك الا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم ، واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم ) ثم أخذ البيعة العامة له بالمسجد اذ خاطب المسلمين قائلا :(أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فوالله ما آليت من جهد الرأي ، ولا وليت ذا قربى ، واني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ) فرد المسلمون :(سمعنا وأطعنا) وبايعوه سنة ( 13 هـ ) .

انجازاته

استمرت خلافته عشر سنين تم فيها كثير من الانجازات المهمة لهذا وصفه ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال :( كان اسلام عمر فتحا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت إمامته رحمه ، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي الى البيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا)  
فهو أول من جمع الناس لقيام رمضان في شهر رمضان سنة ( 14 هـ ) ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة في شهر ربيع الأول سنة ( 16 هـ ) ، وأول من عسّ في عمله ، يتفقد رعيته في الليل وهو واضع الخراج ، كما أنه مصّـر الأمصار ، واستقضـى القضـاة ، ودون الدواويـن ، وفرض الأعطيـة ، وحج بالناس عشر حِجَـجٍ متواليـة ، وحج بأمهات المؤمنين في آخر حجة حجها  
وهدم مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزاد فيه ، وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد ، ووسّعه وبناه لمّا كثر الناس بالمدينة ، وهو أول من ألقى الحصى في المسجد النبوي ، فقد كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم ، فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق ، فبُسِط في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-  
وعمر -رضي الله عنه- هو أول من أخرج اليهود وأجلاهم من جزيرة العرب الى الشام ، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة .

الفتوحات الإسلامية

لقد فتح الله عليه في خلافته دمشق ثم القادسية حتى انتهى الفتح الى حمص ، وجلولاء والرقة والرّهاء وحرّان ورأس العين والخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبَيْسان واليرموك والجابية والأهواز والبربر والبُرلُسّ وقد ذلّ لوطأته ملوك الفرس والروم وعُتاة العرب حتى قال بعضهم :( كانت درَّة عمر أهيب من سيف الحجاج )  .

هَيْـبَتِـه و تواضعه

وبلغ -رضي الله عنه- من هيبته أن الناس تركوا الجلوس في الأفنية ، وكان الصبيان إذا رأوه وهم يلعبون فرّوا ، مع أنه لم يكن جبّارا ولا متكبّرا ، بل كان حاله بعد الولاية كما كان قبلها بل زاد تواضعه ، وكان يسير منفردا من غير حرس ولا حُجّاب ، ولم يغرّه الأمر ولم تبطره النعمة .

استشهاده

كان عمر -رضي الله عنه- يتمنى الشهادة في سبيل الله ويدعو ربه لينال شرفها :( اللهم أرزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك) وفي ذات يوم وبينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد طعنه أبو لؤلؤة المجوسي ( غلاما للمغيرة بن شعبة ) عدة طعنات في ظهره أدت الى استشهاده ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة  ولما علم قبل وفاته أن الذي طعنه ذلك المجوسي حمد الله تعالى أن لم يقتله رجل سجد لله تعالى سجدة ودفن الى جوار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الحجرة النبوية الشريفة الموجودة الآن في المسجد النبوي في المدينة المنورة .

 

عمران بن حصين

 

أسلم عِمْران بن حصين في عام خَيْبر ، ومنذ وضع يمينه بيمين الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصبحت يده اليمين موضع تكريم كبير ، فآلى على نفسه ألا يستخدمها إلا في كل عمل طيب وكريم .

إيمانه

إيمان عمران بن حصين صورة من صور الصدق والزهد والورع والتفاني وحب الله وطاعته ، ومع هذا فهو يبكي و يقول :( يا ليتني كنت رمادا ، تذْروه الرياح ) ذلك أن هؤلاء الرجال كانوا يخافون الله لإدراكهم لعظمته وجلاله ، ولإدراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته ، ولقد سأل الصحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوما فقالوا :( يا رسول الله ، ما لنا إذا كنا عندك رقّت قلوبنا ، وزهدنا دنيانا ، وكأننا نرى الآخرة رأي العين ، حتى إذا خرجنا من عندك ، ولقينا أهلنا وأولادنا ودنيانا أنكرنا أنفسنا ؟) فأجابهم عليه السلام :( والذي نفسي بيده ، لو تدومون على حالكم عندي ، لصافحتكم الملائكة عِياناً ، ولكن ساعة وساعة ) وسمع عمران هذا الحديث وأبى أن يعيش حياته ساعة وساعة وإنما ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتُّل لله رب العالمين .

البصرة

في خلافة عمر بن الخطاب أرسله الخليفة الى البصرة ليُفَقّه أهلها ويعلمهم ، وفي البصرة حطّ الرحال ، وأقبل عليه أهلها مُذ عرفوه يتبركون به ويستضيئـون بتقواه ، قال الحسن البصـري وابن سيرين :( ما قدم البصـرة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد يَفضـل عمران بن حصين ) فقد كان عمران يرفض أن يشغله عن العبادة شاغل ، فاستغرق في العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا وإنما ملك يحيا مع الملائكة يحادثهم ويحادثونه ، ويصافحهم ويصافحونه .

الفتنة

لما وقع النزاع الكبير بين علي بن أبي طالب ومعاوية ، وقف عمران بن حصين موقف الحياد ، ورفع صوته بين الناس داعيا إياهم أن يكفوا عن الإشتراك في تلك الحروب ويقول :( لأن أرْعى أعنزا حَضنيّات في رأس جبل حتى يدركني الموت ، أحب إليَّ من أن أرمي في أحدِ الفريقين بسهم ، أخطأ أم أصاب ) كما كان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا :( الْزم مسجدك ، فإن دُخِلَ عليك فالزم بيتك ، فإن دَخَل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتِلْه ) .

مرضه ووفاته

حقق إيمان عمران بن حصين أعظم نجاح حين أصابه مرض موجع لبث معه ثلاثين عاما ، ما ضَجِر منه ولا قال أُفّ ، بل كان مثابرا على عبادته ، وإذا هوّن عليه عواده أمر علته بكلمات مشجعة ابتسم لهم وقال :( إن أحب الأشياء الى نفسي ، أحبها الى الله ) وكانت وصيته لأهله وإخوانه حين أدركه الموت :( إذا رجعتم من دفني ، فانحروا وأطعموا ) أجل فموت مؤمن مثل عمران بن الحصين هو حفل زفاف عظيم ، تزفّ فيه روح عالية راضية الى جنة عرضها السموات والأرض  .

 

عمرو بن الجموح

 

عمرو بن الجموح هو صهر عبد الله بن عمرو بن حرام إذ كان زوج لأخته هند بنت عمرو وكان ابن جمـوح واحدا من زعماء المدينة وسيد من سادات بني سلمـة ، سبقه ابنـه معاذ ابن عمرو للإسلام فكان أحد السبعين في بيعة العقبة الثانية وكان له الفضل بإسلام أبيه .

إسلامه

كان عمرو بن الجموح قد اصطنع صنما أقامه في داره وأسماه ( منافا ) ، فاتفق ولده معاذ بن عمرو وصديقه معاذ بن جبل على أن يجعلا من هذا الصنم سُخرية ولعبا ، فكانا يدلُجان عليه ليلا فيحملانه ويطرحانه في حفرة يطرح الناس فيها فضلاتهم ، ويصبح عمرو فلا يجد ( منافا ) في مكانه فيبحث عنه حتى يجده طريح تلك الحفرة ، فيثور ويقول :( ويلكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة ؟) ثم يغسله ويطهره ويطيبه ، فإذا جاء الليل من جديد صنع الصديقان بالصنم مثل ما صنعا من قبل ، حتى إذا سئم عمرو جاء بسيفه ووضعه في عنق ( مناف ) وقال له :( إن كان فيك خير فدافع عن نفسك ) فلما أصبح لم يجده مكانه بل وجده بالحفرة نفسها ، ولم يكن وحيدا بل كان مشدودا مع كلب ميت في حبل وثيق ، وإذا هو في غضبه وأسفه ، اقترب منه بعض أشراف المدينة الذين سبقوا إلى الإسلام ، وراحوا وهم يشيرون الى الصنم يخاطبون عقل ( عمرو بن الجموح )، محدِّثينه عن الإله الحق الذي ليس كمثله شيء ، وعن محمد الصادق الأمين وعن الإسلام الذي جاء بالنور ، وفي لحظات ذهب عمرو فطهر ثوبه وبدنه ، وتطيب وتألق وذهب ليبايع خاتم المرسلين  

جوده

أسلم عمرو بن الجموح قلبه وحياته لله رب العالمين ، وعلى الرغم من أنه مفطور على الجود والكرم ، فإن الإسلام زاد من جوده وعطائه في خدمة الدين والأصحاب ، فقد سأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- جماعة من بني سلمة قبيلة عمرو :( من سيِّدكم يا بني سلمة ؟) قالوا :( الجد بن قيس ، على بخـل فيـه ) فقال عليه السـلام :( وأيُّ داء أدْوَى من البخـل ، بل سيدكم الجعـد الأبيـض عمرو بن الجمـوح ) فكانت هذه الشهـادة تكريما لابن الجموح .

جهاده

مثلما كان عمرو -رضي الله عنه- يجود بماله أراد أن يجود بروحه في سبيل الله ولكن كيف ذلك وفي ساقه عرجا شديدا يجعله غير صالح للاشتراك في قتال ، وله أربعة أولاد مسلمون ، وكلهم كالأسود كانوا يخرجون مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الغزو ، وحاول عمرو بن الجموح الخروج يوم بدر فتوسّل أبناؤه للرسول الكريم كي يقنعه بعدم الخروج ، وبالفعل أخبره الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه معفي من الجهاد لعجزه الماثل بعرجه ، وعلى الرغم من إلحاحه ورجائه ، أمره الرسول بالبقاء في المدينة .

الشهادة

وفي غزوة أحُد ذهب عمرو الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتوسل إليه أن يأذن له وقال :( يارسول الله إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك الى الجهاد ، ووالله إني لأرجو أن أخْطِرَ بعرجتي هذه في الجنة ) وأمام إصراره الكبير أذن له الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالخروج فأخذ سلاحه ودعا ربه :( اللهم ارزقني الشهادة ولا تردّني الى أهلي ) والتقى الجمعان وانطلق عمرو يضرب بسيفه جيش الظلام والشرك ، وجاء ما كان ينتظر ، ضربة سيف كـُتِبَت له بها الشهادة ، وعندما دفن المسلمون شهداءهم أمرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلا :( انظروا فاجعلوا عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد ، فإنهما كانا في الدنيا متحابين متصافيين )  

السيل

وبعد مرور ست وأربعين سنة على دفنهما ، نزل سيل شديد غطّى أرض القبور ، بسبب عين ماء أجراها هناك معاوية ، فسارع المسلمون الى نقل رُفات الشهداء ، فإذا هم :( ليّنة أجسادهم ، تتثنى أطرافهم ) وكان جابر بن عبد الله لا يزال حيا ، فذهب مع أهله لينقل رُفات أبيه عبد الله بن عمرو بن حرام ورُفات زوج عمته عمرو بن الجموح ، فوجدهما في قبرهما كأنهما نائمان ، لم تأكل الأرض منهما شيئا ، أتَعْجَبون ؟!  كلا ، لا تَعْجَبوا .

عمرو بن العاص

 

كان عمـرو بن العاص أحد ثلاثة في قريش أتعبوا الرسـول -صلى الله عليه
وسلم- بعنف مقاومتهم وإيذائهم لأصحابه ، وراح الرسول يدعو عليهم ويبتهل
لينزل العقاب بهم فنزل الوحي بقوله تعالى :
" لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ مِنْ شيء أوْ يتوبَ عليهم أو يُعَذِّبهم فإنهم ظالمون "

وكـف الرسول الكريم عن الدعاء عليهم وترك أمرهـم الى الله ، واختار اللـه
لعمرو بن العاص طريق التوبة والرحمة ، فأسلم وأصبح مسلم مناضل وقائد فذ

 

إسلامه

أسلم عمرو بن العاص -رضي الله عنه- مع ( خالد بن الوليد ) قُبيل فتح مكة بقليل ( شهر صفر سنة ثمان للهجرة ) وبدأ إسلامه على يد النجاشي بالحبشة ففي زيارته الأخيرة للحبشة جاء ذكر النبي الجديد ودعوته وما يدعو له من مكارم الأخلاق ، وسأل النجاشي عمرا كيف لم يؤمن به ويتبعه وهو رسول الله حقاً ، فسأل عمرو النجاشي :( أهو كذلك ؟) وأجابه النجاشي :( نعم ، فأطِعْني يا عمرو واتبعه ، فإنه والله لعلى الحق ، ولَيَظْهرنّ على من خالفه ) وركب عمرو من فوره عائدا لبلاده ومتجها الى المدينة ليسلم لله رب العالمين ، وفي طريق المدينة التقى ( خالد بن الوليد ) الساعي الى الرسول ليعلن إسلامه أيضا ، وما كاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يراهم حتى تهلل وجهه و قال لأصحابه:( لقد رَمَتْكم مكة بفَلَذات أكبادها ) وتقدم خالد فبايع ، وتقدم عمرو فقال :( إني أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدّم من ذنبي ) فأجابه الرسول الكريم :( يا عمرو بايع   فإن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله )  وبايع عمرو ووضع كل ما يملك في خدمة الدين الجديد  

مُحَرِّر مِصْر

كانت مصر من أهم ولايات الإمبراطورية الرومانية ، وقد استغل الروم ثرواتها وحرموا منها السكان واستباحوا أهلها حتى أصبح الناس في ضيق لأن الروم فرضوا عليهم مذهبهم الديني قسرا ، فلما بلغ المصريون أنباء الفتوحات الإسلامية وعدالة المسلمين وسماحتهم تطلعت أنظارهم إليهم لتخليصهم مما هم فيه ،واتجه عمرو بن العاص سنة ( 18 هجري ) على رأس جيش من أربعة آلاف مقاتل متجها الى مصر ، وأمام شدة المقاومة طلب عمرو المدد من أمير المؤمنين فأرسل إليه أربعة آلاف جندي وتقدّم المسلمون وحاصروا حصن بابليون لمدة سبعة أشهر وتمكنوا من فتحه  
ثم اتجهوا الى الإسكندرية فوجدوا مقاومة من حاميتها فامتد حصارها الى أربعة أشهر وأخيرا فتحت الإسكندرية وعقدت معاهدة الإسكندرية ، ولقد كان -رضي الله عنه- حريصا على أن يباعد أهل مصر وأقباطها عن المعركة ، ليظل القتال محصورا بينه وبين جنود الرومان ، وتحدث عمرو مع زعماء الأنصار وكبار أساقفتهم فقال :( إن الله بعث محمدا بالحق وأمره به ، وإنه -عليه الصلاة والسلام- قد أدّى رسالته ، ومضى بعد أن تركنا على الواضِحَة ، وكان مما أمرنا به الإعذار الى الناس ، فنحن ندعوكم الى الإسلام ، فمن أجابنا فهو مِنّا له مالنا وعليه ما علينا ، ومن لم يُجِبنا الى الإسلام عرضنا عليه الجزْية وبذلنا له الحماية والمنعة ، ولقد أخبرنا نبينا أن مصر ستفتح علينا ، وأوصانا بأهلها خيرا فقال :( ستُفْتَح عليكم بعدي مصر ، فاسْتَوصوا بِقِبْطها خيرا ، فإن لهم ذِمّة ورَحِما ) فإن أجبتمونا الى ما ندعوكم إليه كانت لكم ذِمّة الى ذِمّة )  
وفرغ عمرو من كلماته فصاح بعض الأساقفة والرهبان قائلا :( إن الرّحِم التي أوصاكم بها نبيكم لهي قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء ) .

حُبِّ الإمارة

مما امتاز به عمرو بن العاص حُبّه للإمارة ، فشكله الخارجي ومشيته وحديثه كلها تدل على أنه خُلِق للإمارة ، حتى أن في أحد الأيام رآه أمير المؤمنين عمر وهو مقبل فابتسم لِمَشْيَته وقال :( ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا ) والحق أن عمرو لم يُبْخِس نفسه هذا الحق ، فمع كل الأحداث الخطرة التي اجتاحت المسلمين ، كان عمرو يتعامل معها بأسلوب أمير معه من الذكاء والدهاء ما يجعله واثقا بنفسه مُعْتَزا بتفوقه ، وقد أولاه عمر بن الخطاب ولاية فلسطين والأردن ، ثم على مصر طوال حياة أمير المؤمنين ، وعندما علم ابن الخطاب أن عمراً قد اجتاز حد الرخاء في معيشته أرسل إليه ( محمد بن مَسْلمة ) وأمره أن يقاسم عمراً جميع أمواله وأشيائه ، فيبقى له نصفها ويحمل معه الى بيت مال المسلمين بالمدينة النصف الآخر ، ولو علم أمير المؤمنين عمر أن حب عمرو للإمارة سيحمله على التفريط في مسئولياته لما أبقاه في الولاية لحظة واحدة .

ذكاؤه ودهاؤه

كان عمـرو بن العاص حاد الذكاء ، قوي البديهة عميق الرؤية ، حتى أن أمير المؤمنين عمـر كان إذا رأى إنسانا عاجز الحيلة ، صـكّ كفيه عَجبا وقال :( سبحان الله ! إن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص إله واحد ) كما كان عمرو بن العاص جريئا مِقْداما ، يمزج ذكائه بدهائه فيُظَنّ أنه جبان ، بيد أنها سعة حيلة يُخرج بها نفسه من المآزق المهلكة ، وكان عمر بن الخطاب يعرف ذلك فيه ، وعندما أرسله الى الشام قيل له :( إن على رأس جيوش الروم بالشام أرطبونا ) أي قائدا وأميرا من الشجعان الدُّهاة ، فكان جواب أمير المؤمنين :( لقد رمينا أرْطَبون الروم بأرْطَبون العرب ، فلننظر عمَّ تنفَرج الأمور ) ولقد انفرجت عن غلبة ساحقة لأرطبون العرب وداهيتهم عمرو بن العاص على أرطبون الروم الذي ترك جيشه للهزيمة وولى هاربا الى مصر ولعل من أشهر المواقف التي يظهر فيها دهاء عمرو موقف التحكيم بين عليا ومعاوية ، وموقفه من قائد حصن بابليون .

التحكيم

في الخلاف بين علي ومعاوية نصل الى أكثر المواقف شهرة في حياة عمرو ، وهو موقفه في التحكيم وكانت فكرة أبو موسى الأشعري ( المُمَثِّل لعلي ) الأساسية هي أن الخلاف بينهما وصل الى نقطة حرجة ، راح ضحيتها الآلاف ، فلابد من نقطة بدء جديدة ، تعطي المسلمين فرصة للاختيار بعد تنحية أطراف النزاع ، وأبوموسى الأشعري على الرغم من فقهه وعلمه فهو يعامل الناس بصدقه ويكره الخداع والمناورة التي لجأ اليها الطرف الآخر ممثلا في عمرو بن العاص ( مُمَثِّل معاوية )الذي لجأ الى الذكاء والحيلة الواسعة في أخذ الراية لمعاوية  
ففي اليوم التالي لاتفاقهم على تنحية علي ومعاوية وجعل الأمر شورى بين المسلمين  دعا أبوموسى عمرا ليتحدث فأبى عمرو قائلا :( ما كنت لأتقدمك وأنت أكثر مني فضلا وأقدم هجرة وأكبر سنا ) وتقدم أبوموسى وقال :( يا أيها الناس ، انا قد نظرنا فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمة ويصلح أمرها ، فلم نر شيئا أبلغ من خلع الرجلين - علي ومعاوية - وجعلها شورى يختار الناس لأنفسهم من يرونه لها ، واني قد خلعت عليا ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من أحببتم ) وجاء دور عمرو بن العاص ليعلن خلع معاوية كما تم الاتفاق عليه بالأمس ، فصعد المنبر وقال :( أيها الناس ، ان أباموسى قد قال ما سمعتم ، وخلع صاحبه ، ألا واني قد خلعت صاحبه كما خلعه ، وأثْبِت صاحبي معاوية ، فانه ولي أمير المؤمنين عثمان والمطالب بدمه ، وأحق الناس بمقامه !!)  
ولم يحتمل أبوموسى المفاجأة ، فلفح عمرا بكلمات غاضبة ثائرة فقد أنفذ أبو موسى الإتفاق وقَعَد عمرو عن إنفاذه .

حصن نابليون

أثناء حربه مع الرومان في مصر ، ( وفي بعض الروايات التاريخية أنها وقعت في اليرموك ) ، دعاه أرطبون الروم وقائدهم لمحادثته ، وكان قد أعطى أوامره لرجاله بإلقاء صخرة فوق عمرو إثر إنصرافه من الحصن ، ودخل عمرو على القائد لا يريبه منه شيء ، وانفض اللقاء ، وبينما هو في طريق الخروج لمح فوق أسوار الحصن حركة مريبة حركّت فيه الحرص والحذر ، وعلى الفور تصرف بشكل باهر ، لقد عاد الى قائد الحصن في خطوات آمنة مطمئنة ولم يثر شكوكه أمر ، وقال للقائد :( لقد بادرني خاطر أردت أن أطلعك عليه ، إن معي حيث يقيم أصحابي جماعة من أصحاب الرسول السابقين الى الإسلام ، لا يقطع أمير المؤمنين أمرا دون مشورتهم ، ولا يرسل جيشا من جيوش الإسلام إلا جعلهم على رأس مقاتلته وجنوده ، وقد رأيت أن آتيك بهم حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت ، ويكونوا من الأمر على مثل ما أنا عليه من بيّنة ) وأدرك قائد الروم أن عمرا بسذاجة قد منحه فرصة العمر ، فليوافقه الآن الرأي ، وإذا عاد ومعه هذا العدد من زعماء المسلمين وخيرة رجالهم ، أجهز عليهم جميعا ، بدلا من أن يجهز على عمرو وحده ، وألغيت خطة اغتيال عمرو ، وودّع عمرو بحرارة ، وابتسم داهية العرب وهو يغادر الحصن ، وفي الصباح عاد عمرو على رأس جيشه الى الحصن ممتطيا صهوة فرسه .

وفاته

وفي السنة الثالثة والأربعين من الهجرة ، أدركت الوفاة عمرو بن العاص بمصر حيث كان واليا عليها ، وراح يستعرض في لحظات الرحيل حياته فقال :( كنت أول أمري كافرا ، وكنت أشد الناس على رسول الله ، فلو مِتّ يومئذ لوجَبَت لي النار ، ثم بايعت رسول الله ، فما كان في الناس أحد أحبّ إلي منه ، ولا أجلّ في عيني منه ، ولو سُئِلْتُ أن أنْعَتَه ما استطعت ، لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه إجلالا له ، فلو مِتّ يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة ، ثم بُليت بعد ذلك بالسلطان ، وبأشياء لا أدري أهي لي أم عليّ )  
ثم رفـع بصره الى السماء في ضَراعـة مناجيا ربه الرحيم قائلا :( اللهم لا بريء فأعْتـذِر ، ولا عزيز فأنْتَصر ، وإلا تُدْركني رحمتك أكن من الهالكين ) وظل في ضراعاته حتى صعدت الى الله روحه وكانت آخر كلماته : لا إله إلا الله000وتحت ثَرَى مصر ثَوَى رُفاتُه .

 

عمرو بن ثابت بن وقش

 

استشهاده

كان أبو هريرة يقول : حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يُصلِّ قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه : من هو ؟ فيقول : أصيرم بني عبد الأشهل ، عمرو بن ثابت بن وقش وكان يأبى الإسلام على قومه ، فلما كان يوم خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى أحد بدا له في الإسلام فأسلم ، ثم أخذ سيفه فعدا حتى دخل في عرض الناس ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة ، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به ، فقالوا :( والله إن هذا للأصيرم ، ما جاء به ؟) فقالوا :( ما جاء بك يا عمرو ؟ أحَدَبٌ على قومك أم رغبة في الإسلام ؟) قال :( بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ثم أخذت سيفـي فغدوت على رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- ثم قاتلت حتى أصابنـي ما أصابني ) ثم لم يلبـث أن مات في أيديهم ، فذكروه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال :( إنه من أهل الجنة) .

 

عمير بن الحمام

 

استشهاده

في غزوة بدر ، خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- مُحرِّضا للمسلمين قائلا :( والذي نفس محمد بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً ، مقبلاً غير مدبر ، إلا أدخله الله الجنة ) فقال عمير ابن الحُمام أخو بني سلمة ، وفي يده تمرات يأكلهن :( بخ بخ ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء !) ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم المشركين حتى قُتِل.

 

عمير بن سعد

 

عمير بن سعد أبوه سعد القارئ -رضي الله عنه- شهد المشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-حتى استشهد في معركة القادسية ، اصطحب ابنه عمير الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فبايع النبي وأسلم ، ومنذ ذلك الوقـت وعمير عابد مقيم في محـراب الله ، ودائما في الصفوف الأولى للمسلمين ، وكان المسلمون يلقبونه ( بنسيج وحده ) .

قوة إيمانه

لقد كان له -رضي الله عنه-في قلوب الأصحاب مكانا وَوُداً فكان قرة أعينهم ، كما أن قوة إيمانه وصفاء سنه وعبير خصاله كان يجعله فرحة لكل من يجالسه ، ولم يكن يؤثر على دينه أحد ولا شيئا ، فقد سمع قريبا له ( جُلاس بن سويد بن الصامت ) يقول :( لئن كان الرجل صادقا ، لنحن شرٌّ من الحُمُر !) وكان يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وكان جُلاس دخل الإسلام رَهَبا ، سمع عمير بن سعد هذه العبارة فاغتاظ و احتار ، الغيظ أتى من واحد يزعم أنه من المسلمين ويقول ذلك عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-بلهجة رديئة ، والحيرة أتت من مسئوليته تجاه هذا الذي سمع وأنكر ، أينقل ما سمع للرسول ؟ كيف والمجالس بالأمانة ؟ أيسكت عما سمع ؟ ولكن حيرته لم تطل ، وعلى الفور تصرف عمير كرجل قوي وكمؤمن تقي ، فقال لجُلاس :( والله يا جُلاس إنك لمن أحب الناس إلي ، وأحسنهم عندي يدا ، واعَزهم عليّ أن يُصيبه شيء يكرهه ، ولقد قلت الآن مقالة لو أذَعْتها عنك لآذتك ، ولو صمَتّ عليها ليهلكن ديني وإن حق الدين لأولى بالوفاء ، وإني مُبلغ رسول الله ما قلت ) وهكذا أدى عمير لأمانة المجالس حقها ، وأدى لدينه حقه ، كما أعطى لجُلاس الفرصة للرجوع الى الحق بيد أن جُلاس أخذته العزة بالإثم ، وغادر عمير المجلس وهو يقول :( لأبلغن رسول الله قبل أن ينزل وحي يُشركني في إثمك ) وبعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- في طلب جُلاس فأنكر وحلف بالله كاذبا ، فنزلت آية تفصل بين الحق والباطل .  

قال تعالى :( يحلفون بالله ما قالوا ، ولقد قالوا كلمة الكفر ، وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا ، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ، فإن يتوبوا يَكُ خيرا له ، وإن يتولّوْا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير )  

فاعترف جُلاس بمقاله واعتذر عن خطيئته ، وأخذ النبي بأُذُن عمير وقال له :( يا غُلام ، وَفَت أذُنك ، وصَدّقت ربّك )  

 

الولاية

اختار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عمير واليا على حمص ، وحاول أن يعتذر عمير ولكن ألزمه أمير المؤمنين بذلك ، فاستخار عمير ربه ومضى الى واجبه ، وفي حمص مضى عليه عام كامل ، لم يصل الى المدينة منه خراج بل ولم يَبْلُغ أمير المؤمنين منه كتاب ، فبعث عمر الى عمير -رضي الله عنهما- ليأتيه الى المدينة ،فأتى الى المدينة أشعث أغبر يكاد يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعا من طول مالاقى من عناء ، على كتفه اليمنى جراب وقَصْعة ، وعلى كتفه اليسرى قِرْبة صغيرة فيها ماء ، وإنه ليتوكأ على عصا ، لا يئودها حمله الضامر الوهنان000
ودخل عمير على مجلس عمر وقال :( السلام عليك يا أمير المؤمنين ) ويرد عمر السلام ثم يسأله وقد آلمه ما رآه عليه من جهد وإعياء :( ما شأنك يا عمير ؟) فقال :( شأني ما ترى ، ألست تراني صحيح البدن ، طاهر الدم ، معي الدنيا أجُرُّها بقَرْنيها ؟) قال عمر :( وما معك ؟) قال عمير :( معي جرابي أحمل فيه زادي ، وقَصْعَتي آكل فيها ، وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ، وعصاي أتوكأ عليها ، وأجاهد بها عدوّا إن عَرَض فوالله ما الدنيا إلا تَبعٌ لمتاعي !) قال عمر :( أجئت ماشيا ؟) قال عمير :( نعم ) قال عمر :( أو لم تجد من يعطيك دابة تركبها ؟)  قال عمير :( إنهم لم يفعلوا ، وإني لم أسألهم ) قال عمر :( فماذا عملت فيما عهدنا إليك به ؟) قال عمير :( أتيت البلد الذي بعثتني إليه ، فجمعت صُلَحَاء أهله ، وولّيتهم جِباية فَيْـئهـم وأموالهم ، حتى إذا جمعوها وضعتها في مواضعها ، ولو بقـي لك منها شيء لأتيتـك به ) فقال عمر :(فما جئتنا بشيء ؟) قال عميـر :( لا ) فصاح عمر وهو سعيد :( جدِّدوا لعمير عهدا ) وأجابه عمير :( تلك أيام قد خلت ، لا عَمِلتُ لك ولا لأحد بعدك )  

فضله

وبقي عمر بن الخطاب يتمنى ويقول :( وَدِدْتُ لو أن لي رجالا مثل عُمير أستعين بهم على أعمال المسلمين ) فقد كان عمير بحق ( نسيج وحده ) ، فقد كان يقول من فوق المنبر في حمص :( ألا إن الإسلام حائـط منيع ، وباب وثيـق ، فحائط الإسـلام العدل ، وبابه الحق ، فإذا نُقِـضَ الحائط وحُطّـم الباب استُفْتِـح الإسـلام ، ولا يزال الإسـلام منيعا ما اشتد السلطان ، وليست شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط ، ولكن قضاء بالحـق ، وأخذاً بالعـدل ) .

 

عمير بن وهب

عمير بن وهب الجُمَحي كان يلقبه أهل مكة بشيطان قريش ، وبعد إسلامه أصبح حواريّ باسل من حواريِّ الإسلام ولاءه الدائم للرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين .

يوم بدر

وفي يوم بدر كان واحدا من قادة المشركين الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على الإسلام ، كان حديد البصر محكم التقدير ، ندبه فومه ليستطلع لهم عدد المسلميـن ، وإذا كان من ورائهم كميـن أو مـدد ، فعاد من معسكـر المسلميـن قائلا لقومه :( إنهم ثلاثمائة رجل ، يزيدون قليلا أو ينقصون ) وسألوه :( هل وراءهم أمداد لهم ) فقال :( لم أجد وراءهم شيئا ، ولكن يا معشر قريش رأيت المطايا تحمل الموت الناقع ، قوم ليس معهم مَنَعة ولا ملجـأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجـل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم ، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فانظروا رأيكم ) وتأثر الرجال بقوله وكادوا يعودون الى مكة ، لولا أبو جهل الذي أضرم نار الحقد في نفوسهم فكان هو أول قتلاها  وعادت قريش مهزومة ، كما خلّف عمير وراءه ابنه في الأسر .

المؤامرة

وذات يوم جلس عمير بن وهب مع ابن عمه صفوان بن أمية ، وكان حقد صفوان على المسلمين كبيرا فقد قتل أباه أمية بن خلف في بدر ،فقال صفوان وهو يتذكر قتلى بدر :( والله ما في العيش بعدهم خير ) فقال له عمير :( صدقت ، ووالله لولا دَيْن عليّ لا أملك قضاءه ، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت الى محمد حتى أقتله ، فإن لي عنده عِلّة أعتَلّ بها عليه : أقول قدمت من أجل ابني هذا الأسير ) فاغتنمها صفوان وقال :( عليّ دَيْنك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالُك مع عيالي أواسيهم ما بقوا ) فقال له عمير :( إذن فاكتم شأني وشأنك ) ثم أمر عمير بسيفه فشُحذ له وسُمَّ ، ثم انطلق حتى قدم المدينة .

قدوم المدينة

وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم الله به ، إذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب قد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا سيفه ، فقال :( هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ، والله ما جاء إلا لشر ، فهو الذي حرّش بيننا وحَزَرنا للقوم يوم بدر ) ثم دخل عمر على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء مُتَوشحا سيفه ) قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أدخله علي ) فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عُنُقه ، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار :( ادخلوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث ، فإنه غير مأمون ) .

إسلامه

ودخل به عمر على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بحمالة سيفه في عُنقه ، فلما رآه الرسول قال :( دعه يا عمر ، ادْنُ يا عمير ) فدنا عمير وقال :( انعموا صباحا ) وهي تحية الجاهلية فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، بالسلام تحية أهل الجنة ) فقال عمير :( أما والله يا محمد إن كُنتُ بها لَحديث عهد ) قال الرسول :( فما جاء بك يا عمير ؟) قال :( جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم ) قال النبي :( فما بال السيف في عُنُقك ؟) قال عمير :( قبَّحها الله من سيوف ، وهل أغنت عنّا شيئا ؟!) قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أصدقني يا عمير ، ما الذي جئت له ؟) قال :( ما جئت إلا لذلك ) قال الرسول الكريم :( بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت   لولا دَيْن علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا ، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له ، والله حائل بينك وبين ذلك ) وعندئذ صاح عمير :( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله ، هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فوالله ما أنبأك به إلا الله ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام ) فقال الرسول لأصحابه :( فَقِّهوا أخاكم في الدين وأقرئوه القرآن ، وأطلقوا له أسيره ) .

النبأ المنتظر

ومنذ غادر عمير بن وهب مكة الى المدينة راح صفوان ينتظر وهو فرحا مختالا ، وكلما سئل عن سبب فرحه يقول :( أبشروا بوقعة يأتيكم نبأها بعد أيام تُنسيكم بدر ) وكان يخرج كل صباح الى مشارف مكة ويسأل القوافل والركبان :( ألم يحدث بالمدينة أمر ؟) حتى لقي مسافر أجابه :( بلى حدث أمر عظيم ) وتهلَّلت أسارير صفوان وعاد يسأل الرجل :( ماذا حدث اقصص علي ؟) فأجابه الرجل :( لقد أسلم عمير بن وهب ، وهو هناك يتفقه في الدين ويتعلم القرآن ) ودارت الأرض بصفوان وأصبح حُطاما بهذا النبأ العظيم .

العودة الى مكة

أقبل عمير على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وقال :( يا رسول الله ، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل ، وإني لأحب أن تأذن لي فأقدُم مكة فأدعوهم الى الله تعالى ، والى رسوله والى الإسلام ، لعل الله يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم ) وبالفعل عاد عمير -رضي الله عنه- الى مكة وأول من لقيه كان صفوان بن أمية ، وما كاد يراه حتى هم بمهاجمته ، ولكن السيف المتحفز في يد عمير ردَّه الى صوابه ، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه ومضى في سبيله ، ودخل عمير مكة مسلما في روعة صورة عمر بن الخطاب يوم إسلامه ، وهكذا راح يعوض ما فاته ، فيبشر بالإسلام ليلا نهارا ، علانية وجهرا ، يدعو الى العدل والإحسان والخير ، وفي يمينه سيفه يُرهب به قطاع الطرق الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به ، وفي بضعة أسابيع كان عدد الذين أسلموا على يد عمير يفوق عددهم كل تقدير ، وخرج بهم عمير -رضي الله عنه- الى المدينة بموكب مُهلل مُكبر .

فتح مكة

وفي يوم الفتح العظيم ، لم ينس عمير صاحبه وقريبه صفوان ، فراح إليه يُناشده الإسلام ويدعوه إليه ، بيد أن صفوان شدّ رحاله صوب جدّة ليبحر منها الى اليمن ، فذهب عمير الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال له :( يا نبي الله ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر ، فأمِّـنه صلى الله عليك ) فقال النبي :( هو آمن ) قال :( يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك ) فأعطاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عمامته التي دخل فيها مكة  
فخرج بها عمير حتى أدرك صفوان فقال :( يا صفوان فِداك أبي وأمي ، الله الله في نفسك أن تُهلكها ، هذا أمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جئتك به ) قال له صفوان :( وَيْحَك ، اغْرُب عني فلا تكلمني ) قال :( أيْ صفوان فداك أبي وأمي ، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضـل الناس وأبـر الناس ، وأحلـم الناس وخيـر الناس ، عِزَّه عِزَّك ، وشَرَفه شَرَفـك ) قال :( إنـي أخاف على نفسـي )  قال :( هو أحلم من ذاك وأكرم )  
فرجع معه حتى وقف به على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال صفوان للنبي الكريم :( إن هذا يزعم أنك قـد أمَّـنْتَنـي ) قال الرسـول -صلى الله عليه وسلم- :( صـدق ) قال صفـوان :( فاجعلني فيها بالخيار شهريـن ) فقـال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( أنت بالخيار فيه أربعة أشهر ) وفيما بعد أسلم صفوان ، وسَعِدَ عمير بإسلامه أيما سعادة .

 

قيس بن سعد بن عبادة

 

انه الأنصاري الخزرجي ابن سعد بن عبادة زعيم الخزرج ، حين أسلم والده أخذ بيده الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلا :( هذا خادمك يا رسول الله ) رأى الرسول صلى الله عليه وسلم- فيه سمات التفوق والصلاح ، فأدناه منه حتى أصبح بمكان صاحب الشرطة من الأمير كما قال أنس -رضي الله عنه- ، وكان يعامله الأنصار على حداثة سنه كزعيم ويقولون :( لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا " فلم ينقصه شيء من الزعامة سوى اللحية ، فقد كان أجرد .

دهاء قيس

لقد كان قيس بن سعد ذكيا ، يعامل الناس بفطنة ، لذا كان أهل المدينة يحسبون لدهائه ألف حساب ، ولكن بعد اسلامه أخذ يعامل الناس باخلاصه لا دهائه ولم يعد ينسج المناورات القاتلة ، وعندما يتذكر ماضيه يضحك قائلا :( لولا الاسلام ، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب )  

جوده وكرمه

وكان الشيء الوحيد الذي يفوق ذكاءه هو كرمه وجوده ، فهو من بيت جود وكرم ، وكان لأسرته مناد يقف فوق مرتفع لهم ينادي الضيفان الى طعامهم نهارا ، أو يوقد النار لتهدي الغريب ليلا ، وكان الناس يقولون :( من أحب الشحم ، واللحم ، فليأت أطم دليم بن حارثة ) ودليم هو الجد الثاني لقيس ، ويقول أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- :( لو تركنا هذا الفتى لسخائه ، لأهلك مال أبيه ) فلما سمعهما والده سعد صاح قائلا :( من يعذرني من أبي قحافة وابن الخطاب ، يبخلان علي ابني ) كما كان قيس اذا جاءه من يرد له دينه يقول :( انا لا نعود في شيء أعطيناه )  .

شجاعته

تألقت شجاعة قيس -رضي الله عنه- في جميع المشاهد التي صاحب فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو حي ، شجاعة نابعة من الصدق مع النفس والاخلاص للحق ، تألقت حتى بعد رحيل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وحين حدث الخلاف بين علي و معاوية بحث قيس -رضي الله عنه- عن الحق مع نفسه حتى وجده مصاحبا لعلي -رضي الله عنه- ، فنهض الى جانبه قويا شامخا ، فقد تألق في معارك صفين ، والجمل ، والنهروان ، وكان يحمل لواء الأنصار ويصيح قائلا
هذا اللواء الذي كنا نحف به مع النبي ، وجبريل لنا مدد
ما ضر من كانت الأنصار عيبته ألا يكون له من غيرهم أحد
وقد ولاه علي حكم مصر ، وكانت عين معاوية عليها دوما ، فأخذ معاوية يدس الحيل عند علي ضد قيس ، حتى استدعاه الأمير ، فادرك قيس بذكائه حيلة معاوية ضده ، فلم يكترث لعزله من الولاية ، وانما زاد ولاء لعلي -كرم الله وجهه    
وبعد استشهاد علي -رضي الله عنه- بايع قيس الحسن -رضي الله عنه- مقتنعا بأنه الوارث الشرعي للامامة ، وحينما حملوا السيوف أمام معاوية يقود قيس خمسة آلاف ممن حلقوا رءوسهم حدادا على علي ، ولكن يؤثر الحسن أن يحقن دماء المسلمين ، فيبايع معاوية -رضي الله عنه- ، وهنا يجد قيس -رضي الله عنه- نفسه أمام جيشه الذي من حقه الشورى في مبايعة معاوية أو الاستمرار في القتال ، فاختاروا المبايعة  

موته

وفي عام تسع وخمسين للهجرة مات الداهية في المدينة المنورة ، بعد أن روض الاسلام دهاءه ، مات الرجل الذي يقول :( لولا سمعت الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول :" المكر والخديعة في النار " لكنت من أمكر هذه الأمة) .

كعب بن مالك

 

قال كعب بن مالك -رضي الله عنه- يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك  

تخلفه عن بدر

لم أتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزاة غزاها قط الا غزاة تبوك ، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ، ولم يعاتب أحد تخلف عنها ، وانما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد عير قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وان كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر .

حاله في تبوك

وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك ، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها في تلك الغزاة .

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلما يريد غزوة يغزوها الا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، فغزاها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز ، واستقبل عددا كثيرا ، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثير ، لا يجمعهم كتاب حافظ ( الديوان )  قال كعب : فقل رجل يريد أن يتغيب الا ظن أن ذلك سيخفى عليه ، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل  .

تباطؤه في التجهيز

وغزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال ، وأنا والله أصعر (أميل للبقاء) ، فتجهز اليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون معه ، فطفقت أغدو لكي اتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا ، فأقول لنفسي : أنا قادر على ذلك ان أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس بالجد ، فأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غاديا والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، وقلت : أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه ! فغدوت بعدما فصلوا (خرجوا) لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ، ثم غدوت فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو (فات وقته) ، فهممت أن ارتحل فألحقهم ، وليت اني فعلت ، ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت اذا خرجت في الناس بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحزنني أني لا أرى الا رجلا مغموصا (متهما) في النفاق ، أو رجلا ممن عذره الله عز وجل  .

الرسول يسأل عنه

ولم يذكرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك :( ما فعل كعب بن مالك ؟!) فقال رجل من بني سلمة :( حبسه يا رسول الله براده والنظر في عطفيه ) فقال معاذ بن جبل :( بئسما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه الا خيرا )  فسكت الرسول -صلى الله عليه وسلم  .

عودة الرسل من تبوك

قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي ، وطفقت أتذكر الكذب وأقول :( بماذا أخرج من سخطه غدا ؟!) وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أظل قادما زاح عني الباطل ، عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه .

صدقه مع الرسول

فأصبح الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان اذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون ، فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فيقبل منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علانيتهم ، ويستغفر لهم ، ويكل سرائرهم الى الله تعالى ، حتى جئت  فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ، ثم قال لي :( تعال !) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ،فقال لي :( ما خلفك ! ألم تكن قد اشتريت ظهرا ؟!) فقلت :( يا رسول الله ، اني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ، لقد أعطيت جدلا ، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك اليوم بحديث تجد علي فيه اني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل   ما كان لي عذر ، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ) قال : فقال الرسـول -صلى اللـه عليـه وسلم- :( أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك ) .

فقمت وقام الي رجال من بني سلمة وأتبعوني فقالوا لي :( والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما اعتذر به المتخلفون ، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لك ) قال : فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ، قال : ثم قلت لهم :( هل لقي هذا معي أحد ؟) قالوا :( نعم ، لقيه معك رجلان ، قالا مثل ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك ) فقلت :( فمن هما ؟) قالوا :( مرارة بن الربيع العامري ، وهلال بن أمية الواقفي )  فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ، لي فيهما أسوة   قال : فمضيت حين ذكروهما لي

النهي عن كلامه

قال : ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس ، وتغيروا لنا ، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم : فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم ، وأقول في نفسي أحرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟!  ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر ، فاذا أقبلت على صلاتي نظر الي فاذا التفت نحوه أعرض عني حتى اذا طال علي ذلك من هجر المسلمين ، مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحب الناس الي ، فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام فقلت له :( يا أبا قتادة ، أنشدك الله ، هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟) قال : فسكت قال : فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فسكت  فقال :( الله ورسوله أعلم ) قال : ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار ، فبينما أنا أمشي بسوق المدينة اذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول :( من يدل على كعب بن مالك ؟) قال :فطفق الناس يشيرون له الي ، حتى جاء فدفع الي كتابا من ملك غسـان فاذا فيه :( أما بعد ، فقد بلغنا أن صاحبـك قد جفاك ، وأن اللـه لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعـة ، فالحق بنا نواسك ) قال : فقلت حين قرأته وهذا أيضا من البلاء قال : فيممت به التنور فسجرته به (أحرقته فيه) .

الأمر بالاعتزال

حتى اذا ما مضت أربعون ليلة من الخمسين ، اذا برسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتيني يقول :( يأمرك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تعتزل امرأتك ) قال : فقلت :( أطلقها أم ماذا أفعل ؟) فقال :( بل اعتزلها ولا تقرنها ) قال : وأرسل الى صاحبي بمثل ذلك  قال : فلبثنا عشر ليال ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال : ثم صليت صلاةالصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا :قد ضاقت علي نفسي ، وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته :( أبشر يا كعب بن مالك )  قال : فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا  فأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض الي رجل فرسا ، وسعى ساع من "أسلم" وأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جائني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما اياه ببشارته ، والله ما أملك يومئذ غيرهما  .

البشارة والفرج

واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت أؤم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله   يقولون :( ليهنك توبة الله عليك )  حتى اذا دخلت المسجد ، فاذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد والناس حوله ، فقام الي طلحة بن عبدالله يهرول حتى صافحني وهنأنـي ، فلما سلمت على رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- قال (وهو يبرق وجهه من السرور) :( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) قال : قلت :( أمن عندك يا رسول الله ، أم من عند الله ؟) قال :( لا، من عند الله ) .

قال : وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، حتى يعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه قلت :( يا رسول الله ، ان من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة الى الله والى رسوله) قال :( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) قال : فقلت :( فاني أمسك سهمي الذي بخيبر )  وقلت :( يا رسول الله انما نجاني الله بالصدق ، وان من توبتي ألا أحدث الا صدقا ما بقيت )  قال :( فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن مما أبلاني الله تعالى ، ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى يومي هذا ، واني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقى )  

وأنزل الله تعالى :( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم انه بهم رءوف رحيم ، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى اذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله الا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم ، يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين )   سورة التوبة(117-119)

 

مصعب بن عمير

 

غُرّة فتيان قريش وأوفاهم بهاءً وجمالا وشباباً ، كان مصعب بن عمير أعطر أهل مكة لم يظفر بالتدليل مثله أي فتى من قريش ، فكان المدَلّل المُنَعّم أو كما يصفه المسلمين مصعب الخير ، والى جانب أناقة مظهره كان زينة المجالس والندوات على الرغم من
حداثة سنه ، سمع بالنبي الجديد ومن تبعه من المسلمين ، وعَلِم باجتماعهم في دار الأرقم فلم يتردد وسارع ليسمع الآيات تتلى والرسول -صلى الله عليه وسلم- يصلي بالمسلمين فكان له مع الإسلام موعدا ، فبسط يده مبايعا ، ولامست اليد اليمنى لرسول الله صدره المتوهّج فنزلت السكينة عليه وبدا وكأنه يملك من الحكمة مايفوق عمره  .

أمه

كانت أم مصعب ( خُنَاس بنت مالك ) تتمتع بقوة فذة في شخصيتها وكانت تُهاب الى حد الرهبة ، وحين أسلم مصعب خاف أمه وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمراً ، ولكن أبصره ( عثمان بن طلحة ) وهو يدخل الى دار الأرقم ثم مرة ثانية وهو يصلي صلاة محمد ، فأسرع عثمان الى أم مصعب ينقل لها النبأ الذي أفقدها صوابها ، ووقف مصعب أمام أمه وعشيرته وأشراف مكة المجتمعين يتلو عليهم القرآن الذي يطهر القلوب ، فهمَّت أمه أن تُسْكِتُه بلطمة ولكنها لم تفعل ، وإنما حبسته في أحد أركان دارها وأحكمت عليه الغلق ، حتى عَلِم أن هناك من المسلمين من يخرج الى الحبشة ، فاحتال على أمه ومضى الى الحبشة وعاد الى مكة ثم هاجر الهجرة الثانية الى الحبشة ولقد منعته أمه حين يئست من رِدَّته كل ما كانت تفيض عليه من النعم وحاولت حبسه مرة ثانية بعد رجوعه من الحبشة ، فآلى على نفسه لئن فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه ، وإنها لتعلم صدق عزمه فودعته باكية مصرّة على الكفر ، وودعها باكيا مصرّا على الإيمان ، فقالت له :( اذهب لشأنك ، لم أعد لك أما ) فاقترب منها وقال :( يا أمَّه ، إني لكِ ناصح وعليك شفوق ، فاشهدي أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ) أجابته غاضبة :( قسماً بالثّواقب لا أدخل في دينك فَيُزْرى برأيي ويضعف عقلي ) .

تَرْك نعيم الدنيا

وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الفاقة ، وأصبح الفتى المُعَطّر المتأنق لا يُرى إلا مرتديا أخشن الثياب ، يأكل يوما ويجوع أيام ، وقد بصره بعض الصحابة يرتدي جلبابا مرقعا باليا ، فحنوا رءوسهم وذرفت عيونهم دمعا شجيا ، ورآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتألقت على شفتيه ابتسامة جليلة وقال :( لقد رأيت مُصعبا هذا وما بمكة فتى أنْعَمُ عند أبويه منه ، ثم ترك ذلك كله حُبّا لله ورسوله ) .

أول سفير

اختار الرسول -صلى الله عليه وسلم- مصعب بن عمير ليكون سفيره الى المدينة ، يفقه الأنصار ويعلمهم دينهم ، ويدعو الجميع الى الإسلام ، ويهيأ المدينة ليوم الهجرة العظيم ، مع أنه كان هناك من يكبره سنا وأقرب للرسول منه ، وحمل مصعب -رضي الله عنه- الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من عقل راجح وخلق كريم ، فنجح بمهمته ودخل أهل المدينة بالإسلام ، واستجابوا لله ولرسوله ، وعاد الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في موسم الحج التالي لبيعة العقبة الأولىعلى رأس وفد عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة ، بايعوا الرسول الكريم ببيعة العقبة الثانية .

إسلام سادة المدينة

فقد أقام مصعب بن عمير في المدينة في منزل ( أسعد بن زرارة ) ونهضا معا يغشيان القبائل والمجالس ، تاليا على الناس ما معه من كتاب الله ، وتعرض لبعض المواقف التي كان من الممكن أن تودي به لولا فطنة عقله وعظمة روحه ، فقد فاجأه يوما ( أُسَيْد بن حضير ) سيد بني عبد الأشهل بالمدينة شاهِراً حربته ، يتوهج غضبا على الذي جاء يفتن قومه عن دينهم ، وقال ( أُسَيْد ) لمصعب وأسعد بن زرارة :( ما جاء بكما إلى حَيِّنَا تُسَفِّهان ضعفائنا ؟ اعتزلانا إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة ) .
وبمنتهى الهـدوء تحرك لسان مصعب الخيـر بالحديث الطيب فقال :( أولا تجلس فتستمـع ؟ فإن رضيت أمْرنا قَبِلته ، وإن كرهته كَفَفْنا عنك ما تكره ) وكان أُسَيْد رجلا أريبا عاقلا ، هنالك أجاب أسَيْد :( أنصَفْت ) وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي ، ولم يكد مصعب يقرأ القرآن ويفسر الدعوة حتى أخذت أسارير ( أُسَيْـد ) تشرق ، ولم يكد ينتهي مصعـب حتى هتف ( أسَيْـد ) :( ما أحسن هذا القول وأصدقـه ، كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين ؟) وأجابوه بتهليلـة رجت الأرض رجّـاً ثم قال له مصعب :( يطهر ثوبه وبدنه ، ويشهد أن لا إله إلا الله ) فأسلم أُسَيْد وسرى الخبر كالضوء ، وجاء ( سعد بن معاذ ) فأصغى لمصعب واقتنع وأسلم ، ثم تلاه ( سعد بن عبادة ) وأسلم ، وأقبل أهل المدينة يتساءلون : إذا أسلم ساداتهم جميعا ففيم التخلَّف ؟ هيا الى مصعب فلنؤمن معه فإن الحق يخرج من بين ثناياه .

غزوة أحد

وفي غزوة أحد يُحتدم القتال ، ويخالف الرماة أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويغادرون مواقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين ، لكن عملهم هذا حول النصر الى هزيمة ، ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل ، ومزقت الفوضى والذعر صفوف المسلمين ، فركَّز المشركون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريدون أن ينالوا منه ، وأدرك مصعب بن عمير ذلك ، فحمل اللواء عاليا ، وكبَّر ومضى يصول ويجول ، وكل همِّه أن يشغل المشركين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم .

الشهادة

حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد ، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب ، فأقبل ابن قميئة وهو فارس ، فضربه على يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول :( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) وأخذ اللواء بيده اليسرى وحَنَا عليه ، فضرب يده اليسرى فقطعها ، فَحَنَا على اللواء وضَمَّه بعَضُدَيْه الى صدره وهو يقول :( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) ثم حمَلَ عليه الثالثة بالرُّمح فأَنْفَذه وانْدَقَّ الرُّمح ، ووقع مصعب وسقط اللواء واستشهد مصعب الخير .

وداع الشهيد

وبعد انتهاء المعركة جاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهدائها يقول خبّاب بن الأرَتّ :( هاجرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في سبيل الله ، نبتغي وَجْه الله ، فوجب أجْرَنا على الله ، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا ، منهم مصعب بن عمير قُتِلَ يوم أُحُد ، فلم يُوجد له شيء يكفن فيه إلا نَمِرَة ، فكنا إذا وضعناها على رأسه تَعَرَّت رجلاه ، وإذا وضعناها على رِجْلَيْه برزت رأسه ، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( اجْعَلوها مما يلي رَأْسَه ، واجعلوا على رجليه من نبات الإذْخِر )  
وقد مثّل المشركون بجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام وأوجع فؤاده ، وقال وهو يقف عنده :( من المؤمنين رجال صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه ) ثم ألقى بأسـى نظرة على بردته التي كُفِّن فيها وقال :( لقد رأيت بمكـة وما بها أرق حُلَّة ولا أحسن لِمَّة منك ، ثم هأنتـذا شَعِث الرأس في بُرْدَة ) وهتف الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب وقال :( إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة ) ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال :( أيها الناس زوروهم ، وأتوهم وسلِّموا عليهم ، فوالذي نفسي بيده لا يُسلم عليهم مُسَلِّم الى يوم القيامة ، إلا ردّوا عليه السلام ) .

 

معاذ بن جبل

 

معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي الأنصاري وكنيته أبو عبدالرحمن أسلم وعمره ثماني عشرة سنـة عندما أسلم سعد بن معاذ -رضي الله عنه - سيد الخزرج الذي طلب من قومه أن يسلمـوا فأسلم الخزرج ومعهم معاذ -رضي اللـه عنه- وقدم من المدينةالى مكة لمبايعة الرسـول -صلى الله عليه وسلم- ليلـة العقبـة الثانية فبايعه معهم وحضر المشاهـد كلها وروى عن النبـي -صلى الله عليه وسلم- الشيء الكثير من الأحاديث النبوية . 

قربه من الرسول

لزم معاذ بن جبل النبي -صلى الله عليه وسلم- منذ هجرته الى المدينة فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الاسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحسبه شهادة له قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( استقرئـوا القرآن من أربعـة :( من ابن مسعـود وسالم مولى أبي حذيفـة وأبي ومعاذ بن جبل )  وقوله - صلى الله عليه وسلم- :( وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل)  
قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( يا مُعاذ ، والله إني لأُحِبّك فلا تنْسَ أن تقول في عَقِب كل صلاة : اللهم أعِنّي على ذِكْرك وشكرك وحُسْن عبادتك ) ولقد حَـذِق معاذ الدرس وأجاد التطبيـق فقد لقيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذات صباح فسأله :( كيف أصبحت يا معاذ ؟) قال :( أصبحت مؤمنا حقّا يا رسول الله ) قال النبي :( إن لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟) قال معاذ :( ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمْسي ، ولا أمْسَيت مساء إلا ظننت أني لا أُصْبح ، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتْبِعُها غيرها ، وكأني أنظر الى كل أمّة جاثية تُدْعى الى كتابها ، وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنَعَّمون ، وأهل النار في النار يُعَذّبون ) فقال له الرسول :( عرفتَ فالزم)  

ارساله الى اليمن

وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذ مع رسل ملوك اليمن يعلم الناس دينهم وأوصاه بأمور عدة  
فقد سأله النبي -صلى الله عليه وسلم-:( بما تحكم يا معاذ ؟) قال معاذ :( بكتاب الله )  
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( فان لم تجد ؟) قال معاذ :( بسنة رسول الله )  
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( فان لم تجد ؟) قال معاذ :( أجتهد رأي ولا آلو )  
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله )  

فضله

لقد كان عمـر بن الخطـاب -رضي اللـه عنه- يستشيـره كثيرا وكان يقول في بعـض المواطـن التي يستعيـن فيها برأي مُعاذ وفقهـه :( لولا معاذ بن جبـل لهلك عمـر )  
ولقد أجاد ابـن مسعـود وصفه حيـن قال :( إن معـاذاً كان أمِّـةً قانتـاً للـهِ حَنيفـاً ، ولقد كنّـا نُشَبِّـه معاذا بإبراهيـم عليـه السـلام )  
دخل ( عائذ الله بن عبد الله ) المسجد يوما مع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول خلافة عمر فيحدثنا ويقول :( فجلست مجلسا فيه بضعٌ وثلاثون كلهم يَذْكرون حديثا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وفي الحلقة شاب شديد الأُدْمَة حلو المنطق وضيء ، وهو أشَبُّ القوم سِنّا ، فإذا اشتبـه عليهم من الحديـث شيء رَدّوه إليه فَأفْتاهم ، ولا يحدثهم إلا حين يسألونه ، ولما قُضيَ مجلسهم دَنَـوْتُ منه وسَألْتُه :( من أنت يا عبد الله ؟) قال :( أنا معاذ بن جبل )  ويقول ( أبو مسلم الخولاني ) :(دخلت مسجد حمص فإذا جماعة من الكهول يتوسّطهم شاب برّاق الثنايا صامت لا يتكلم ، فإذا امْتَرَى القوم في شيء تَوَجَّهوا إليه يسألونه ، فقلت لجليس لي :( من هذا ؟)  قال :( مُعاذ بن جبل ) فوقع في نفسي حُبُّه )  
ما قال ( شهر بن حَوْشَب ):( كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل ، نظروا إليه هيبة له ) .

حُبّ العلم

كان معاذا -رضي الله عنه- دائب الدعوة الى العلم والى ذكر الله ، فقد كان يقول :( احذروا زيْغ الحكيم ، واعرفوا الحق بالحق ، فإن للحق نوراً ) وكان يرى العبادة قصداُ وعدلا ، قال له يوما أحد المسلمين :( علّمني ) فسأله معاذ :( وهل أنت مطيعي إذا علمتك ؟) قال الرجل :( إني على طاعتك لحريص ) فقال له معاذ :( صُمْ وأفْطِر ، وصَلِّ ونَمْ ، واكْتَسِب ولا تأثَمْ ، ولا تموتنَّ إلا مُسْلِما ، وإياك ودَعْوَة المظلوم ) وكان يرى العلم معرفة وعملا فيقول :( تعلموا ماشئتـم أن تتعلموا ، فلن ينفعـكم الله بالعلم حتى تعْمَلوا ) وكان يرى الإيمان بالله وذكره استحضارا دائما لعظمته ومراجعة دائمة لسلوك النفس ، يقول الأسود بن هلال :( كُنّا نمشي مع مُعاذ ، فقال لنا : اجلسوا بنا نُؤْمِنْ ساعة ) .

طهارته

مات الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعاذ بن جبل في اليمن ، وفي خلافة أبي بكر رجِع معاذ الى اليمن ، وكان عمر بن الخطاب قد علِمَ أن معاذاً أثرى فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله ، ولم ينتظر عمر بل نهض مسرعا الى معاذ وأخبره ، وقد كان معاذ -رضي الله عنه- طاهر الكف والذمّة ، ولئن كان قد أثرى فإنه لم يكتسب إثما ومن ثم فقد رفض عرض عمر وناقشه رأيه ، وتركه عمر وانصرف ، وفي الغداة سارع معاذ الى عمر يلقاه ولا يكاد يراه حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول :( لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حَوْمَة ماء ، أخشى على نفسي الغرق ، حتى جئت فخلصتني يا عمر ) وذهبا معا الى أبي بكر وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله فقال أبو بكر :( لا آخذ منك شيئاً ) فنظر عمر الى معاذ وقال له :( الآن حَلَّ وطاب ) فما كان أبو بكر الورع ليترك لمعاذ درهما واحدا ، لو علم أنه أخذه بغير حق .

أمانته وورعه

كما أرسله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم فقام بواجبه خير قيام وعاد الى زوجـه بحلسه (ما يوضع على ظهر الدابة) الذي خرج به فقاـلت له امرأته :( أين ما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهـم ؟) فقال معاذ :( لقد كان معي رقيب يقظ يحصي علي ) فقالت امرأته :( لقد كنت أمينا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا يحصي عليك ) وشاعت ذلك عند نساء عمر وشكته لهن فبلغ عمر فأرسل الى معاذ وسأله :(أنا أرسلت معك رقيبا) فقال :( يا أمير المؤمنين لم أجد ما اعتذر به الا هذا وقصدت بالرقيب الله عزوجل ) فأعطاه عمر شيئا وقال :( أرضها به) .

معلما ثم واليا للشام

وفي خلافة عمر -رضي الله عنه- أرسل اليه واليه على الشام يقول :( يا أمير المؤمنين ان أهل الشام قد كثروا وملأوا المدائن واحتاجوا الى من يعلمهم القرآن،ويفقههم في الدين، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم) فأرسل اليه عمر من يعلمهم وكان أحدهم معاذ بن جبل -رضي الله عنه- فلما مات أمير الشام ( أبو عبيدة ) استخلفه أمير المؤمنين على الشام ، ولم يمضِ عليه في الإمارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربه منيبا ، وكان عمر بن الخطاب يقول :( لو اسْتَخْلفْت معاذ بن جبل فسألني ربي : لماذا استخلفته ؟ لقلت : سمعت نبيك يقول : إن العلماء إذا حضروا ربهم عزَّ وجل كان معاذ بين أيديهم ) وهذا رأيه على خلافة المسلمين جميعا  

طاعون عمواس

أصيب معاذ -رضي الله عنه- بالطاعون ، فلما حضرته الوفاة قال :( مرحبا بالموت مرحبا ، زائر بعد غياب وحبيب وفد على شوق ) ثم جعل ينظر الى السماء ويقول :( اللهم إني كنتُ أخافك ، لكنني اليوم أرجوك ، اللهم انك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار ، وجري الأنهار ، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات ، ومزاحمة العلماء عند حلق الذكر ، اللهم فتقبل نفسي بخير ما تتقبل به نفسا مؤمنة ) ثم فاضت روحه بعيدا عن الأهل داعيا الى الله مهاجرا في سبيله وكانت وفاته في السنة السابعة عشرة من الهجرة النبوية في طاعون عمواس وعمره ثلاث وثلاثون سنة .

 

معاذ بن عفراء

نسبه

 وعفراء أمه نسب أليها . وأبوه : الحارث بن رفاعة بن الحارث . شهد العقبتين وبدراً . وعن عبدالرحمن بن أبي ليلى ، قال : كان معاذ بن عفراء لا يدع شيئا إلا تصدق به ، فلما ولد له استشفعت إليه امرأته بأخواله فكلموه وقالوا له : إنك قد أعلت ، فلو جمعت لولدك . قال أبت نفسي إلا أن أستتر بكل شئ أجده من النار .فلما مات ترك أرضا إلى جنب ارض لرجل . قال عبد الرحمن وعليه ملاءة صفراء ما تساوي ثلاثة دراهم : ما يسرني الأرض بملاءتي هذه . فامتنع ولي الصبيان . فاحتاج إليها جار الأرض فباعها بثلاثمائة ألف .

صفاته

وروي عن عمر بن شبة قال : حدثنا وهب بن جرير قال : نا أبي قال : سمعت محمد بن سيرين يحدث عن أفلح مولى أبي أيوب قال : كان عمر يأمر بحلل تنسج لأهل بدر يتنوق فيها . فبعث إلى معاذ بن عفراء حلة فقال لي معاذ : يا أفلح بع هذه الحلة . فبعتها له بألف وخمسمائة درهم . ثم قال : أذهب فابتع لي بها رقابا . فاشترت له خمس رقاب ثم قال : والله إن امرأً اختار قشرين يلبسهما على خمس رقاب يعتقها لغبين الرأي ، أذهبوا فأنتم أحرار .
فبلغ عمر أنه لا يلبس ما يبعث به أليه فاتخذ له حلة غليظة أنفق عليها مائة درهم . فلما أتاه بها الرسول قال : ما أراه بعثك بها إلي . قال : بلى والله . فأخذ الحلة فأتى بها عمر فقال : يا أمير المؤمنين بعثت إلي بهذه الحلة ؟ قال: نعم إن كنا لنبعث إليك بحلة مما نتخذ لك ولإخوانك فبلغني انك لا تلبسها . فقال : يا أمير المؤمنين إني وإن كنت لا ألبسها فأني أحب أن يأتيني من صالح ما عندك فأعاد له حلته . توفي معاذ بعد مقتل عثمان رضي الله عنهما .

 

معي بن عدي

 

شهد العقبة وبدراً والمشاهد كلها . قال عروة : بلغنا أن الناس بكوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين مات ، وقالوا : والله لوددنا أنا متنا قبله نخشى ان نفتتن بعده . فقال معي : لكني والله ما أحب أني مت قبله حتى اصدقه ميتا كما صدقته حيا.

 

 

المصدر : موقع الجامعة على الانترنت