|
|||
التوبة
وأحكامها
=========
التوبة تمحو ما قبلها
س- أنا شاب كنت فيما مضى من عمري غير مهتم بأمر الصلاة والدين لدرجة أنه كانت تمر
أيام بل أسابيع وأنا لم أصلِ ولكن الله هداني على يد أحد زملائي والآن أنا محافظ
على الصلاة وقائم بحق الله فما حكم ما مضى من تقصيري في حق الصلاة ؟
- عليك أن تشكر الله على ما أنعم عليك وتحمده على ما منَّ به من التوبة ، ولا شيء
عليك من القضاء لأن التوبة تمحو ما قبلها كما قال النبي ، فعليك بالتوبة الصادقة
ولزوم التوبة والاستقامة ، وسؤال الله التوفيق والهداية ، والإكثار من الأعمال
الصالحة ، وأبشر بالخير إن شاء الله . أما ما مضى فإنه يُمحى بالتوبة الصادقة
النصوح والتي مضمونها الندم على ما مضى ، والإقلاع عن المعاصي ، والعزم الصادق على
ألا تعود فيها . هذا هو الواجب عليك والحمد لله .
الشيخ ابن عثيمين
* * * *
محمد بن صالح العثيمين
=======================
حكم التائب من كبائر الذنوب
س- إنسان مدرس في شبابه بعض الكبائر التي تستحق اللعنة من الله عز وجل ، وقد تاب
الآن ، وله عدة نقاط يستفسر عنها :
- خوفه من جريرة الذنب أن تصيبه ولو بعد فترة .
2- خوفه من تأثيرها على توبته وثباته .
3- هل يحاسب على تلك الأفعال رغم أنه تاب عنها ؟
4- هل يقع العن في وقت المعصية ؟ !
5- فعل تلك الأشياء جاهلاً بعقوبتها فهل يعفى ذلك المرء لجهله بعظمة إثمها رغم
ممارسته لها في السر ؟
1ج- يجب أن يعلم السائل وغيره أن كل من تاب من ذنب فإن الله يتوب عليه ولو عظم ذلك
الذنب ، قال الله تعالى ; قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة
الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم . وهذه للتأئبين وقال الله
تعالى : " والذين لا يدعوة مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا
بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها
مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله
غفور رحيماً وثبت عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، أن التوبة تهدم ما قبلها ، وفي
قصة الرجل الذي كان من قبلنا والذي قتل تسعاً وتسعين نفساً وسأل عابداً هل له من
توبة ؟ فقال : لا أعلم لك توبة . فقتله وأتم به المائة ، فسأل فقال له : ومن يحول
بينك وبين التوبة ؟ ولكنه دله على قرية أهله صالحون وأمره أن يهاجر إليها ، وفي
أثناء الطريق أتاة الموت فتنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأرسل الله
إليهم ملكاً ليفصل بينهم فقال : قيسوا ما بين القريتين فإليى أيهما كان أقرب كان من
أهلها ، فقاسوه فإذا هو أقرب إلى القرية الصالحة ، فأخذته ملائكة الرحمة . وهذا
الرجل الذي ذكر أنه فعل ذنوباً تستوجب اللعنة ولكنه تاب منها أقول له أبشر فإن الله
سبحانه وتعالى إذا علم منك التوبة النصوح فإنه يتوب عليك كما فعل تعالى : ; إنما
التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله
عليهم ; . والمراد بقوله : ; ثم يتوبون من قريب 0; أي قبل الموت والدليل قوله بعدها
:; وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن
&#وليستمر على توبته وليثبت عليها ولا يوسوس له الشيطان بأن توبته غير مقبوله أو
أنه محاسب على ذنبه الذي تاب منه لكن إذا كانت التوبة تتعلق بحقوق المخلوقين فإنه
يجب عليه ردها إلى أهلها أو استحلالهم منها فإن كان لا يعلم أهلها ولا ورثتهم إن
كانوا قد ماتوا فإنه يتصدق بهم عنهم تخلصاً منها ، مثال ذلك إذا كان ذنبه أخذ مال
للغير ثم تاب ، فإنه يجب عليه أن يرد هذا المال لصاحبه إن كان حياً وإلى ورثته إن
كان ميتاً فإن لم يعلمه أو نسيه فإنه يتصدق بذلك ناوياً بالصدقة أن تكون عمن أخذ
ماله وإن شاء يقول عمن له المال لأنه يحتمل أنه مات فينتقل إلى ورثته ، فينوي
بالصدقة أن تكون عمن له هذا المال والله سبحانه وتعالى يعلم به وسيوصله إلى مستحقه
.
أما قوله : أنه يخاف أن توثر على توبته فلا خوف لأن الذنوب السابقة على التوبة
تهدمها التوبة هدماً ولا يكون لها تأثير إطلاقاً ، وربما يكون الإنسان بعد التوبة
خيراً منه قبل التوبة ، لأنه إذا حصل له بتوبته إنابة إلى الله سبحانه وتعالى وهيبة
منه فربما يحدث له من الأحوال القلبية والأعمال البدنية وما يرقيه إلى مرتبة فوق
مرتبته الأولى ، ألم تر إلى قول الله تبارك وتعالى عن آدم : وعصى آدم ربه فغوى ثم
اجتباه ربه فتاب عليه وهدى; أما قوله : هل يقع اللعن وقت وقع المعصية فنقول إن
اللعن قد يقع وقت وقوع المعصية وقد يتأخر موجب اللعنة حسب ما تقتضيه إرادة الله
وحكمته ولكن إذا مّن الله عليه بالتوبة علمنا أن هذا اللعن انتفى ، لأن اللعن معناه
الطرد والابعاد عن رحمة الله ، ومن تاب إلى الله فهو في رحمة الله .
وأما قوله : إن كان جاهلاً بعقوبة هذه الأشياء ، فالجهل بالعقوبة مع العلم بالتحريم
لا يرفع العقوبة سواء كانت دنيوية أو أخروية ، وإذا كان الإنسان يقول في نفسه لو
علمت أن هذه العقوبة ما فعلت فإن هذا ليس عذراً ، لأن الانتهاك للحرمات حصل بفعله
المحرم الذي يعلم أنه محرم ، ولهذا لو أن شخصاً زنى وهو يعلم تحريم الزنى ( وكل
مسلم عاقل فإنه يعرف تحريم الزنى ) ولكنه يجهل العقوبة المترتبة عليه مثل أن يكون
محصناً ومعلوم أن حد المحصن الرجم ، فيزنى ولم يخطر بباله أن عقوبته الرجم فهنا
يرجم وإن كان يجهل عقوبة الرجم ، وكذلك لو أن أحداً جامع زوجته في نهار رمضان وهو
صائم ، والصوم واجب عليه ، ثم قال أنا لا أعلم أن كفارة الجماع هي الكفارة المغلظة
، وهى عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فإطعام ستين
مسكيناً ، فإن هذا الجهل بالكفارة لا ينفى وجوبها عليه بل تجب عليه ولو كان لا يدري
، ودليل ذلك أن الرجل الذي سأل النبي ، عن جماعه زوجته في نهار رمضان وهو لا يدري
ماذا يجب عليه فأفتاه النبي ، ، بأنه يجب عليه عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين
متتابعين ، فإن لم يستطع ، فإطعام ستين مسكيناً ، المهم أن الجهل بالعقوبة لا
يرفعها عمن علم بتحريم سببها .
الشيخ ابن عثيمين
* * * *
محمد بن صالح العثيمين
=============
من قال : صلى الله عليه وسلم استغفر الله العظيم; بنية خالصة غفر الله له
س- هل صحيح أن كل شخص يقول استغفر الله يغفر له ؟
ج- إذا قال الإنسان استغفر الله بنية خالصة وصدق في طلب المغفرة وتمت شروط التوبة
في حقه فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه بل يحب ذلك منه كما قال تعالى :; إن الله
يحب التوابين ويحب المتطهرين سورة البقرة . الآية 222 وأخبر النبي ، أن فرح الله
بتوبة عبده كفرح الإنسان بوجود ناقته التي ضلت عنه وعليها طعامه وشرابه فالتمسها
فلم يجدها فاضطجع تحت الشجرة ينتظر الموت فإذا بخطام ناقته متعلقاً بالشجرة فأخذ
بخطام الناقة وقال اللهم أنت عبدي وأنا وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ولا أحد يقدر
قدر هذا الفرح إلا من اصيب بمثل هذه المصيبة .
فالله تعالى يحب من عبده أن يتوب إليه ويحب من عبده أن يستغفره وقد أمر الله تعالى
بالاستغفار في كتابه في عدة آيات ، والاستغفار هو طلب المغفرة ، والمغفرة هي ستر
الذنب والتجاوز عنه لأنها مأخوذة من المغفر يغطى به الإنسان رأسه في القتال يتقي به
السهام ففيه ستر ووقاية وهكذا ستر الذنوب ووقاية من عقوبتاتها .
الشيخ ابن عثيمين
* * * *
محمد بن صالح العثيمين
===================
التوبة وصحبة الأخيار
س- أنا شاب أبلغ من العمر 21 سنة وتعرفت منذ أربع سنوات على بعض الشباب المتدينين
وهداني الله على أيديهم والحمد لله ، واستمرت أخوتي لهم حوالي العام والنصف ، أصبحت
خلالها أتحلى بالأخلاق الإسلامية الحميدة ، واجهتني خلال هذه المدة بعض السخريات
والاحباطات من الأهل والأقرباء ، وتحملت كل هذا وبعد فترة من الزمن تركت هؤلاء
الشباب ورجعت إلى ما كنت عليه في السابق وأخذت أتهاون في حقوق الله وأعمل المنكرات
ولعل الندم أخذ مني مأخذاً كبيراً على فعل تلك الكبائر وتركي لإخواني في الله وأنا
الآن أعيش في حسرة وندم .
أرجو من سماحتكم أن تبينوا لي سبيل الخروج مما أنا فيه وما الكتب التي تنصحوني
بقراءتها ؟
ج- الواجب عليك التوبة إلى الله سبحانه وحقيقتها الندم من سلف منك من المعاصي
والإقلاع منها والحذر منها والعزيمة الصادقة ألا تعود إليها خوفاً من الله سبحانه
ورغبة في ثوابه .
ويشرع لك الاستكثار من الاستغفار والأعمال الصالحة مع وجوب المحافظة على ما أوجب
اله وترك ما حرم الله .
ومن تمام التوبة رد المظالم إلى أهلها إن كان عندك لأحد مظلمة أو حق . لقول الله
سبحانه : وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون " وقوله سبحانه : "
يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكطم ويدخلكم
جنات تجري من تحتها الأنهار. الآية . وقول النبي ، صلى الله عليه وسلم: من كانت
عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم ،
إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه
فحمل عليه ; رواه البخاري في صحيحه ، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .
ونوصيك بصحبه الأخيار وملازمتهم والحذر من صحبة الأشرار كما أوصيك بالعناية بكتاب
الله القرآن الكريم والعمل به والإكثار من تلاوته والتدبر والتعقل لآياته فهو أشرف
كتاب وأعظم كتاب وأصدق كتاب فهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه تنزيل من حكيم حميد وهو أنفع الكتب وأكملها في علاج أمراض القلوب والمجتمعات
كما قال الله عز وجل : إن هذا القرآن يهدي للتي هو أقوم وقال تعالى يا أيها الناس
قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ; وقال سبحانه :
; كتاب انزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألبات0;
وأوصيك أيضا بالعناية بكتب أهل السنة ومن ذلك كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد
الوهاب رحمه الله ، والعقيدة الواسطة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وإغاثة اللهفان
للعلامة ابن القيم ، والأربعين النووية وتتمتها للحافظ ابن رجب ، وعمدة الحديث
للشيخ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر ، فهذه الكتب
من أنفع الكتب للطلبة وغيرها من كتب أهل السنة في العقيدة والحديث والفقه
.
****من أسماء
رسولنا محمد صلي الله عليه و سلم ****

كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي أكرمه الله بها
واختصه بها عمن سواه، تلك الأسماء العديدة، والصفات الحميدة، ذات المعاني الفريدة،
فكانت أسمائه صلى الله عليه وسلم دالة كل الدلالة على معانيها، ومتجسدة حقيقة في
سلوكه وشؤونه... فمن أسمائه صلى الله عليه وسلم :
أولا :محمد : وهو أشهرها، قد ورد في القرآن الكريم في
عدة مواضع منها قوله تعالى: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء
بينهم } (الفتح:29)، وبه سُمّيَ في التوراة صريحاً كما ذكره ابن القيم في: جلاء
الإفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام.
ثانيا : أحمد : وهو الاسم الذي سمّاه بهِ المسيح،
وجاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: { وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني
رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد
} (الصف:6).
والفرق بين محمد وأحمد من وجهين:
الوجه الأول : أن محمداً هو المحمود حمداً بعد حمد فهو دال على كثرة حمد الحامدين
له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه ، وأحمد تفضيل من الحمد يدل على أنه الحمد
الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره ، فمحمد زيادة حمد في الكمية وأحمد زيادة في
الكيفية ، فيُحمد صلى الله عليه وسلم أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر .
والوجه الثاني : أن محمداً هو المحمود حمداً متكرراً كما تقدم، وأحمد هو الذي حمده
لربه أفضل من حمد الحامدين غيره، فدلَّ أحد الاسمين وهو محمد على كونه محموداً ودل
الاسم الثاني وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه .
ثالثا : الحاشر : وهو الذي يحشر الناس على قدمه،
فكأنه بُعِثَ ليحشر الناس .
رابعا : الماحي : وهو الذي محا الله به الكفر .
خامسا : العاقب : وهو الذي يَخْـلُفُ من كان قبله فـي
الـخَيْرِ، وهو قد عقب الأنبياء، وكان آخرهم عليهم الصلاة والسلام. وقد جاء الحديث
الصحيح على تلك الأسماء الخمسة، فعن جبير بن مطعم قال : سمّي لنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم نفسه أسماء فقال : ( أنا محمد وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو
الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يُحشَرُ الناس على قدمي ، وأنا العاقب الذي ليس
بعده نبي ) رواه البخاري و مسلم .
سادسا : المتوكل : وهو الذي يتوكل على ربه في كل
حالة، وفي البخاري عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنهما، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل،
والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: { يا أيها النبي إنا أرسلناك
شاهدا ومبشرا ونذيرا } وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا
غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة...
سابعا : نبي التوبة : وهو الذي فتح الله به باب
التوبة على أهل الأرض.
ثامنا : نبي الرحمة : فهو الذي أرسله الله رحمة
للعالمين، فرحم به أهل الأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله
عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: أنا محمد
وأحمد والمقفى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة ) رواه مسلم .
تاسعا : نبي الملاحم : وهو الذي بعث بجهاد أعداء
الله، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: ( بينما أنا أمشي في طريق المدينة قال : إذا
رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى، فسمعته يقول: أنا محمد، وأنا أحمد، ونبي
الرحمة، ونبي التوبة، والحاشر، والمقفى، ونبي الملاحم ) رواه أحمد .
عاشرا : الرؤوف الرحيم: قال تعالى:{ لقد جاءكم رسول
من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } (التوبة:128)، وعن
محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لي
أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر،
الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، الذي ليس بعده أحد، وقد سماه الله رؤفا
رحيما ) رواه مسلم .
الحادي عشر : الفاتح : وهو الذي فتح الله بهِ باب
الهدى، وفتح بهِ الأعين العمي والآذان الصم والقلوب الغلف، وفتح الله بهِ أمصار
الكفار وأبواب الجنة وطرق العلم والعمل الصالح.
ويلحق بهذه الأسماء :
**********
سيد ولد آدم : فقد روى مسلم في صحيحه أنه قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا سيد ولد
آدم يوم القيامة )
الضحوك القتّال : وهما اسمان مزدوجان لايفرد أحدهما عن الآخر فإنه ضحوك في وجوه
المؤمنين غير عابس ولا مقطب ، ولا غضوب ، ولا فظ ، قتّال لأعداء الله ، لا تأخذه
فيهم لومة لائم، وقد ورد هذان الاسمان في التوراة على ما ذكره ابن القيم وغيره.
وأسماؤه صلى الله عليه وسلم نوعان :
****************
النوع الأول : خاص به لا يشاركه فيه أحد غيره من
الرسل كمحمد وأحمد والعاقب والحاشر والمقفي ونبي الملحمة .
والنوع الثاني : ما يشاركه في معناه غيره من الرسل، ولكن له منه كماله فهو
مختص منه بأكمل الأوصاف، كرسول الله ونبيه وعبده والشاهد والمبشر والنذير، ونبي
الرحمة ونبي التوبة.
كنيتـــه :
كان صلى الله عليه وسلم يكنّى أبا القاسم بولده القاسم وكان أكبر أولاده .
فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فقال رجل
يا أبا القاسم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( سمّوا باسمي ولا تكنوا
بكنيتي ) رواه البخاري .
هذا هو النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وتلك هي بعض أسمائه الطيبة الحسنة، الدالة
على معانيها العظيمة الرائعة، فهو صلى الله عليه وسلم عظيم مكرم في أسمائه وصفاته
وخلقه وكل شمائله، فهل يعي ذلك أتباعه، ويتدبر الأمر أعداؤه وحساده.
وصايا لقمان الحكيم لابنه
لقمان الحكيم من الشخصيات القرآنية التي لم يبح القرآن عن بيان نسبه ، وزمنه ،
وتوصيف معالم شخصيته ، ولم يذكر القرآن اسم ابنه الذي وعظه .
و ذكر المفسرون ـ أن لقمان كان عبداً صالحاً ولم يكن نبياً ، ولكن الله آتاه الحكمة
، فقال تعالى : { ولقد آتينا لقمان الحكمة أن أشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه
ومن كفر فإن الله غني حميد } 12 / لقمان .
والحكمة التي آتاها الله لقمان هي : الإصابة في القول ، والسداد في الرأي ، والنطق
بما يوافق الحق .. وليس المقصود بها النبوة .
وقد أشاد الله في كتابه الكريم بفضل من يؤتى الحكمة فقال الله تعالى :
{ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو
الألباب } آية 269 / البقرة .
وقد أشاد الله في كتابه الكريم بفضل من يؤتى الحكمة فقال الله تعالى :
{ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو
الألباب } آية 269 / البقرة .
وقد ذكر الله تعالى على لسان لقمان من حكمه وصاياه لابنه ، وهي :
وصايا ومواعظ جامعة تفيض بالحكمة ، تتعلق بالعقيدة والعبادة والسلوك والأخلاق والذي
يعنينا من تلك الوصايا ـ بعد دراستها ـ هو تبصر ملامح التربية الإيمانية والسلوكية
فيها ، لأنه الغرض من سياق القصة القرآنية عموماً ، وهو الوقوف على مواطن العبرة
والعظة فيها لتكون هداية للناس ومنهاجاً يحذوه الآباء والمربون في تربية أبنائهم .
قال الله تعالى : { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } 111 / يوسف .
هذه الوصايا هي في واقع الأمر [ مواعظ ] كما جاء التعبير القرآني عنها قال الله
تعالى : { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه } 13 / لقمان .
والوعظ هو : ( الزجر المقترن بالتخويف ) .
وهو الواجب الذي أغفله بل أسقطه كثير من الآباء من حساباتهم اليوم تجاه أولادهم
يقول الحق سبحانه وتعالى مؤكداً هذا الواجب : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم
وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة … } 6 / التحريم .
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )متفق عليه
ولا يخفى على احد أن منشأ البر هو قيام هذه الرابطة بين الآباء والأبناء والتي
لحمتها حرص الآباء على رعاية أبنائهم وتوجيههم ونصحهم .
وكذلك نجد لقمان ـ من خلال مواعظه ـ يضع ابنه أمام واجباته ، ومسؤولياته ، ويعرفه
بها ، ويحفزه ـ وعظاً ـ على الاهتمام بها ، والقيام بشأنها وذلك لينمي فيه حس
المسؤولية والاضطلاع بها .
وغير خافٍ على الآباء أهمية تربية حس المسؤولية لدى الأبناء ، إذا أردنا لهم تسجيل
نجاحات في حياتهم .
وإذا كان الله وهب لقمان الحكمة وهي : ( الإصابة في الأمور ) فإن مجموع المواعظ
التي اختارها لقمان في وعظ ابنه هي من فيض الحكمة لأنها قول الحكيم وأثر حكمته .
وإذا كانت من الحكمة فيجب الأخذ بها وتنشئة الأبناء عليها .
قال الله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي
أحسن } 125 / النحل .
دلالات المواعظ :
أول جانب في وصية لقمان لابنه هو ( قضية التوحيد ) حفاظاً على فطرته الإيمانية التي
فطره الله عليها { فطرة الله التي فطر الناس عليها }3 / الروم.
فحذره أن يلوث هذه الفطرة النقية بالشرك مع الله فقال له:{ يا بني لا تشرك بالله }
وبين له خطورة الشرك وعاقبته { إن الشرك لظلم عظيم } لما فيه من التعدي ومجانبة
الحق . وهكذا نجد لقمان بحكمته قرن النهي بعلته وحكمته ليكون أدعى إلى الاستجابة في
نفس ابنه فيبتعد عن الشرك وعمله لما يدرك خطورته وعواقبه.
واتبع أسلوب التلطف والتودد من لقمان لابنه وهو يخاطبه [ يا بني ] شفقة به ومحبة له
وهو ما يحفز الابن على الاستجابة .
كما في هذا الأسلوب من الخطاب استمالة للابن لاستماع ما يلقى إليه على أنه يخصه
ويعينه وفيه إشعار الابن بالاهتمام به .
وكذلك فإن النصيحة حيث جاءت من الأب لابنه فهي نصيحة غير متهمة مبرأة من كل شائبة
لا يقصد بها إلا الخير ومصلحة الابن وهذا مؤثر نفسي كبير يحمل الابن على قبول
النصيحة والعناية بها .
جاء الأسلوب القرآني بعد ذلك ليوجه الاهتمام نحو أمر عظيم وهو من أوجب الواجبات
علينا بعد توحيد الله تعالى وطاعته وهو شكر الوالدين والإحسان إليهما قال الله
تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه } .
ولفت الأسلوب القرآني نظر الأبناء إلى ما تعانيه وتقاسيه الأم أثناء الحمل والولادة
{ حملته أمه وهناً على وهن } أي ضعفاً على ضعف إذ الأم تبقى متعبة ضعيفة طيلة مدة
الحمل إلى الولادة .
وقد لفت الأسلوب القرآني نظر الأبناء إلى ما تقاسيه الأم أثناء الحمل ليستدر عطفهم
نحو أمهاتهم .
ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من إيجابية في إثارة العاطفة وتوجيه السلوك وما أروع
الأسلوب القرآني بعد هذا وهو يعلمنا قيمة أخلاقية راقية وهي :
الشكر على النعمة والوفاء بالجميل قال الله تعالى موجهاً { أن اشكر لي ولوالديك }
فأوجب علينا شكر الله على نعمه وشكر الوالدين على الرعاية والتربية .
ثم بين الله لنا بعد ذلك منزلة الوالدين ووجوب الإحسان إليهما ـ وإن كانا كافرين
جزاء وفاقاً لأيام الرعاية في الطفولة ـ بشرط عدم الاستجابة إلى مطالبهما وإن أجهدا
نفسيهما ليحملا الابن على الإشراك بالله تعالى ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق على أن طاعة الوالدين تأتي بعد تحقيق طاعة الله تعالى .
لكن عدم الاستجابة لمطلبهما لا يلزم عنه ترك صحبتهما بالمعروف بالبر والإحسان
والصلة ويصور الله لنا هذا الخط الفارق بين الحالتين في قوله تعالى :{وإن جاهداك
على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبها في الدنيا معروفاً} .
وفي هذا الأسلوب تقرير لمبدأ الطاعة بالمعروف لا لمطلق الطاعة العمياء ، وفيه تعليم
للأبناء الموازنة بين الأمور وترجيح المصلحة العليا منها .
3 ـ ثم وجه الأسلوب القرآني نظرنا بعد ذلك إلى التزام الصحبة الطيبة واتباع سبيل
المؤمنين الذين رجعوا إلى الله تعالى بالتوبة والعمل الصالح قال الله تعالى : {
واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } ولا يخفى أثر
الصحبة الطيبة في شخصية الأبناء إذ الطبع يسرق من الطبع ، والمرء على دين خليله ،
يقلد تصرفاته ، ويسلك مسالكه .
وفي الأمر باتباع سبيل المؤمنين نهي وتحذير عن تقليد الكافرين والفاسقين وسلوك
طريقتهم إذ هناك فرق بين الاتباع والتقليد ، فالاتباع يكون على بصيرة ونور بدليل أن
الله بصر المتبع سبيل الاتباع فقال الله تعالى : { واتبع سبيل من أناب إلي } .
أما التقليد فغالباً ما يكون أعمى على غير هدى وتبصر . والتقليد الأعمى لآبائية أو
قومية أو جماعة .. هو من أخطر الإصابات العقلية التي تصيب الشخصية وتعطل آلية
التفكير فيها ، وهو ما يجب الانتباه إليه وتحذير الأبناء منه .
هذا وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه التوجيهات من قوله تعالى { ووصينا الإنسان
بوالديه إلى قوله تعالى بما كنتم تعملون } هي ليست من وصية لقمان وإنما هي من الله
تعالى أحكم الحاكمين جاءت لمناسبة لعلها لتكمل الصورة أمام الآباء في تربية أبنائهم
.
4 ـ رأى لقمان أن السبيل الأوحد ليحافظ ابنه على تلك المواعظ ويعمل بها هو أن يغرس
في نفسه مراقبة الله تعالى لتبقى هذه الرقابة الحية في ذاته حارساً لإيمانه ورقيباً
على أعماله ، توقظه عند الغفلة ، وتحميه من الزلة .
ولكن كيف ربى لقمان في ابنه هذا الوازع الديني ؟ لنستمع إلى لقمان وهو يعظ ابنه {
يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت
بها الله إن الله لطيف خبير } .
ومن خلال هذا التمثيل الرائع وجه لقمان ابنه إلى أن الله مطلع عليك يراك ويعلم كل
أحوالك وما يجرى منك من صغيرة أو كبيرة لا تخفى عليه خافية في السموات والأرض ،
فالله يعلم حبة الخردل الصغيرة ـ وهي من أصغر الحبوب ـ سواء كانت مخبوءة داخل صخرة
أو في أيِّ موضع من السموات والأرض يعلم الله مكانها ويقدر على الإتيان بها .
وعن طريق هذا التمثيل البلاغي من خلال هذه الصورة المادية المحسوسة التي صورها الأب
لابنه استطاع لقمان أن يغرس في ابنه الشعور برقابة الله تعالى ويربي في نفسه وازعاً
قوياً يبقى الرقيب الدائم والواعظ المصاحب في ذاته .
من حكم ووصايا لقمان لابنه أشكم ( وقيل اسمه أنعم)
وهى جوهر الحكمة:
يا بنى اذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة
يابنى لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا جعلت فى الضمير أن ذلك خير لك
يابنى جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة كما يحيى
الله الأرض الميتة بوابل السماء
يابنى تعلم من العلم ما جهلت ،وعلم ما علمت ، واذا رأيت قوماً يذكرون الله فاجلس
لعل أن يطلع عليهم برحمته فيرحمك معهم
يابنى اتخذ تقوى الله تعالى تجارتك يأتيك الربح من غير بضاعة
يابنى احضر الجنائز ولا تحضر العرس فإن الجنائز تذكرك الآخرة ، والعرس يشهيك الدنيا
يابنى لا تتعلم مالاتعلم حتى تعمل بما تعلم
يابنى انك منذ نزلت الى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار انت اليها تسير أقرب
من دار انت عنها ترحل
يابنى لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسيطاً تكن أحب الى الناس ممن يعطيهم العطاء
يابنى عود لسانك أن يقول : اللهم اغفر لى فان لله ساعات لا ترد
يا بنى اذا أردت أن تؤاخى رجلاً فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره
يابنى لا تكن أعجز من هذا الديك الذى يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك
قيل للقمان :
- أى الناس أعلم ؟
- من ازداد من علم الناس الى علمه
- فأى الناس أغنى؟
- الذى يرضى بما أوتى
- فأى الناس خير؟
- المؤمن الغنى
- من المال؟
- لا بل من العلم فان احتاجوا اليه وجدوا عنده علماً وان لم يحتاج اليه أغنى نفسه
يابنى انى موصيك بثمانية أمور:
احفظ قلبك فى الصلاة
واحفظ نظرك فى بيوت الناس
واحفظ لسانك فى مجالس الناس
واحفظ بطنك من حلقومك
واذكر اثنين وانس اثنين : اذكر الله والموت، وانس احسانك الى الناس واساءتهم اليك
دار يوماً هذا الحوار بين أشكم وأباه لقمان :
- ياأبت أى الخصال من الانسان خير؟
- الدين
- فاذا كانت اثنتين ؟
- الدين والمال
- فاذا كانت ثلاثاً ؟
- الدين والمال والحياء
- فاذا كانت أربعاً ؟
- الدين والمال والحياء وحسن الخلق
- فاذا كانت خمساً ؟
- الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء
- فاذا كانت ستاً؟
- يابنى اذا اجتمعت فيه الخمس خصال فهو نقى تقى ولله ولى ومن الشيطان برى
لقــــاء على حوض
النبي
إهـــــــداء:
إلى المشتاقين فقط ،، إلى الظمأى وحدهم ،، إلى الذين كلما ذكر اسمه (صلى الله عليه
وسلم) ،، ذابت قلوبهم تحرقاً لرؤيته ،، وضجت عيونهم أملاً فى مشاهدته ،، إلى هؤلاء
جميعاً .. نقول لهم:
مرحباً بكم حيث حوض نبيكم صلى الله عليه وسلم ..
1- العودة:
مازلت أكتب إليك أيها الأخ الحبيب يومياتى وأنا أنعم فى جنة ربي وقد توقفت معك فى
المرة السابقة عند نومي الهادىء المطمئن بعد أن ثبتني الله عز وجل بالجواب عند
السؤال.
واليوم أتحدث معك عما حدث لي عند البعث ها هي روحي تعود إلى جسدي من جديد ،، و ها
هو جسدي يعود كما كان ليعلم كل من يجادل فى الله بغير علم أن وعده حق وكلامه حق جل
وعلا وتذكرت أناس كانو فى الدنيا يجادلون فى البعث والحساب والجنة والنار ..
بل أذكر أناساً كانوا يسخرون ممن يقول ذلك ويؤمن به ،، ترى كيف حالهم الآن وهم
يعودون إلى ربهم ،، كيف حالهم الآن وهم يساقون إلى الحساب ..
ماذا سيكون ردهم ،، أين عنادهم واستكبارهم ،، وقد مضت الدنيا وانقضت وهاقد أقبل
الخلق كل الخلق على ربهم كلهم يرجو رحمته ،، كلهم يخشى عذابه ،، ساعتها تذكرت الآيه
الكريمة { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ
تَارَةً أُخْرَى } [طه: 55]
و ها هو موعد الله يتحقق ،، خرجت من القبر ونظرت حولي ما هذا ..!
أين المباني الشاهقة ،، والعمارات السامقة ،، أين القصور والسيارات الفارهة ،،
لايوجد شيء من هذا على الإطلاق وإنما أرض غير الأرض وسماء غير السماء وصدق الله
العظيم:{ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ
للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [إبراهيم: 482]
يوم بخمسين ألف سنة:
اجتمع الناس كل الناس ،، بل الخلق كل الخلق ،، حتى الجن والطير والحيوان ،، الكل فى
نفس المكان مجموع ،، مسئؤول وبرغم الزحام الشديد لا أحد يتحدث مع أحد لا أحد ينظر
إلى أحد ،، الكل حفاة ،، عراة ،، وتذكرت حديث عائشة رضى الله عنها لرسوله صلى الله
عليه وسلم حينما قال: « يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا »قالت : كيف بالرجال
والنساء يا رسول الله وكان جوابه « الكل مشغول بنفسه » ،، وصدق رسولنا الكل مشغول
بنفسه ،، الكل مهموم بحاله لا أب يهتم بولده ولا ولد يحنو على أمه ،، ولا أم ترأف
بولدها ..وإنما { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }
[عبس: 34-37]
كل امرىء لا يرى إلا عمله ولا يسمع إلا صوت الحق ينادى: { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ } [غافر: 17]
عندئذ نظرت فى الوجوه فإذا بي أميز أهل الحق وأهل الباطل ..
رأيت فرعون ،، وهامان ،، وقارون ،، ورأيت أبا جهل ،، والوليد بن المغيره رأيت كل
ظالم متكبر جبار ،، وجوههم مسودة ،، نفوسهم ذليلة ،، وعيوناً تبكي دماً لا دموعاً
،، ولكن هيهات قد فات ما فات ..
وبرغم أنهم كانوا أصحاباً وإخلاء فى الدنيا إلا أني رأيت بينهم عداوة شديدة ،،
وبغضاً أشد وصدق الله العظيم : { الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } [الزخرف: 67]
وها هم المتقون أراهم ،، وجوهاً مضيئة ،، قلوباً مطمئنة ،، عليهم السرور بادياً ،،
بينهم الود ظاهراً واضحاً ،، وجوه يومئذ ناضرة ضاحكة مستبشرة برحمة ربها ،، وجنة
ربها ومصاحبة نبيها صلى الله عليه وسلم ..
2- العرق:
وأصبح الناس فى هم عظيم ،، وكرب شديد حتى تمنوا أن ينصرفوا ولو إلى النار من شدة ما
يلاقون ويعانون واقتربت الشمس من رؤوس العباد ،، اقتراباً شديداً حتى غرق الناس فى
عرقهم كل على حسب عمله فمنهم من بلغ به العرق إلى كعبيه ومنهم إلى ركبتيه ومنهم إلى
صدره ،، ومنهم من ألجمه عرقه ..
وأنا فى ذلك كله ،، أدعو ربي أن يتفضل علي برحمته وعفوه وأقول يا أرحم الراحمين وقد
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : " إن القبر أول منازل الآخره فإن كان يسيراً فما
بعده أيسر وإن كان شديداً فما بعده أشد ".
بدايتي في قبري كان فيها الخير كله فأتمم على فضلك ونعمتك يا أرحم الراحمين ،، قلت
ذلك وأنا أرى الناس قد تقطعت قلوبهم وحلوقهم من شدة العطش والظمأ ،، منتهى غايتهم
أن يجدوا ولو قطرة واحدة من المياه ،، وتذكرت ساعتها موعظة لأحد الصالحين مع هارون
الرشيد حينما أخر صلاة العصر عن وقتها ،، قال له الرجل الصالح ،، يا أمير المؤمنين
،، ترى لو أنك ستموت عطشاً ولا يوجد ماء إلا هذا الكوب الذي في يدك فبكم تشتريه
فقال الخليفة أشتريه بنصف ملكي قال فإن شربته ثم حبس بداخلك فلم تستطع إخراجه
وأحضروا الطبيب لك فكم تعطيه؟ فقال : أعطيه نصف ملكي الآخر.. فقال : الرجل يا سبحان
الله دفعت ملكك كله فى كوب من الماء وإخراجه والله يسقيك ويخرجه منك بلا مقابل ومع
ذلك تؤخر له صلاة العصر .. قلت : هذا أخر الصلاة فقط ..
فكيــــف يا ترى حـــــــال تاركي الصلاة اليــــوم ..!؟؟
من الذي يسقيهم اليوم ،، من الذي يروي ظمأهم الآن ،، ومن أين ..؟ وكيف ..؟ لأن
المقاييس اختلفت الآن فلن يشبع ،، ولن يروي ظمأه إلا من قدره الله عز وجل
لقاء الحبيب:
ظل الناس فى حالهم هذا ،، ما بين خوف ،، ورجاء ،، وتضرع ،، ودعاء ،، الحر يشويهم ،،
والظمأ يقتلهم ،، لا يدرون إلى أين يذهبون ،، ولا ماذا يفعلون ،، غايه آمالهم أن
يصرفوا من هذا المكان ،، وماهم بمصرفين .. إلا أن يأذن رب العزة جل وعلا ،، ثم فجأة
تصايح الناس نعم إنه هو ..!
لا ينقذنا إلا هو .. (( محمد ))
وتنادي الناس جميعاً أين رسول الله ..؟
أين رسول الله صلى الله عليه وسلم ..؟
ثم كان الأمل وكان الرجاء ،، ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى من بعيد ..
وأنا لا أصدق عيني ،، أنا أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،، ولم أتمالك نفسي إلا
وأنا أصرخ ،، يا حبيبى يا رسول الله صلى الله عليك وسلم ما هذا الضياء وهذا النور
وتلك الرحمة التي بين يديك ،، ما هذه السكينة التي تسبقك ،، رسول الله أراه الآن كم
تمنيت ذلك وكم ذاب قلبي وأنا في الدنيا لرؤيتك كنت كلما أقوم بعمل سنة من سنتك
وتنفيذ أمر من أوامرك أمني نفسي بأنها ستكون زخراً لي وستنفعني في يوم كهذا ..
كنت كلما أقول لزوجتي ارتدى الحجاب ولابنتى لا تتبرجي ،، أقول في نفسي سيأتي يوم
أحتاج هذا ،، كنت كلما أحسنت إلى جاري ،، وأتقنت عملي ،، وشاركت المسلمين فى كل
مكان أحزانهم وأفراحهم أحدث نفسي أنه حتماً ولابد سيأتي يوم ألقى نتيجة هذا العمل
،، وها قد جاء اليوم ،، وها أنا ذا أراك يا رسول الله ...
ومن هؤلاء الذين حولك كالنجوم وأنت كالقمر ..؟ إنهم الصحابة الكرام هاهو ذا أبو بكر
.. وعمر .. وعثمان .. وعلى .. وطلحة .. والزبير .. وزيد .. و .. و ... الخ .. ما
هذا النور الذي يخرج من ثناياهم ،، لم أطق صبراً فأسرعت نحوه صلى الله عليه وسلم
وفجأه توقفت ،، كيف سيعرفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
إنه لم يراني أبداً إن هؤلاء الكرام صحابته وهو يعرفهم ،، أما أنا فلم يرني النبى
صلى الله عليه وسلم من قبل واحتار عقلي وبلغ الحزن بي مبلغه وخاصة بعد أن وقف النبي
الكريم على حوض الكوثر وحوله صحبه الكرام والنبي يسقيهم بيده الشريفة فلا يشعرون
بظمأ بعدها أبداً ،، وتذكرت ظمئي ساعتها وقلت كيف سيعرفني رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى يسقيني من يده الكريمة وفجأة وجدت أعضاء الوضوء مني تضيء وتشرق عندئذ أشرق
وجهي نعم إن النبي سيعرفنى من أعضاء الوضوء التي أضاءت ألم يسئل عن ذلك فى الدنيا
فأجاب أننا سنكون غراً محجلين من أثر الوضوء عندئذ تقدمت ناحية الحوض ،، ماؤه أبيض
من اللبن وأحلى من العسل والشوق يقتلني وها أنا أرى أبو بكر يمد له النبي صلى الله
عليه وسلم يده الكريمة ليشرب ثم جاء عمر وعلي وباقي الصحابة الكرام ثم تقدمت ولا
أستطيع أن أصف حالتي الآن فوجه النبى الآن أمامي ،، ثم مد يده ليسقيني ..
يا إلهى العظيم من الذى يسقيني ..؟ رسول الله ..؟؟
من أنا حتى يسقيني أشرف الخلق وأكرمهم ،، ومن أنا حتى أقف بين هذه الوجوه الكريمة
لكنها رحمة ربي وإرادته ،، وشربت من الحوض |.. حوض الكوثر ..| تسألني عن طعم هذه
الشربة فلن أستطيع أن أصف لك أبداً ،، لكني سأتركك حتى تشربها أنت بنفسك إن شاء
الله ثم سمعنا صوت الحق جل وعلا ينادي :
أين المتحابين في ؟؟؟
أين المتزاورين في ؟؟؟
« اليوم أظلهم بظلي يوم لا ظل إلا ظلي »
و وجدت كثيرون يظلهم الله عز وجل بظل عرشه الكريم ويحميهم من هذا الحر الشديد ..
3- عتاب وستر وحياء :
ثم أقبل الناس على ربهم ،، ووضع الميزان وطارت الصحف لتقع في أيدي أصحابها فبين أخذ
باليمين وبين أخذ بالشمال وتذكرت وأنا فى الدنيا حينما كنت أنتظر نتيجة نهاية العام
وقلبي يكاد يخرج من صدرى من شدة خفقانه ،، و توتري وخوفي وقلقي يكاد يفقدني الوعي
..
بل إن منا من كان يفقد وعيه فعلاً ،، تذكرت هذا ونحن فى الدنيا وحسابنا مع بشر
مثلنا لا يملكون ضراً ولا نفعاً حتى وإن فشلنا فهناك فرصة ثانية ..
أما اليوم ،، أما هنا.. فإن المحاسب هو الله ،، والنتيجة لا رجعة فيها فلا إعاده
ولا فرصة ثانية والجزاء خلود فى النار أو خلود فى الجنة ياله من موقف ،، وياله من
حساب والأمر الأشد أن كل منا سيقف أمام ربه وحده بلا وسيط ولا ترجمان { وَكُلُّهُمْ
آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً } [مريم: 95] ،، { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 94]
هذا وعد ربنا يتحقق ،، ووقفت أمام ربي عبداً ذليلاً ضعيفاً أرجو رحمته وأخشى عذابه
ويسألني ربي ما حملك على فعل كذا يوم كذا وما حملك على فعل كذا يوم ،، ويقتلني
حيائي وخجلي ،، إلهي سيدي ومولاي يا نوركل النور يا غافر كل ذنب ما عصيتك اجتراء أو
تعرضاً وإنما غرني سترك وعفوك فاغفر لي وارحمني ...
ويتفضل الرب العظيم بالعفو الكريم ،، يا عبدي سترتها عليك في الدنيا واليوم أغفرها
لك فى الآخرة ،، وعندئذ ناديت بأعلى صوتي على كل الخلائق : { هَاؤُمُ اقْرَؤُوا
كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ } [الحاقة: 19-20]
ها هي صحيفتي أيها الخلق جميعاً بيضاء وناصعة البياض من مثلي اليوم ،، من فاز مثلي
اليوم ..؟
فى الطريق إلى الجنة :
ثم جائت اللحظة الحاسمة ،، لحظة المرور على الصراط ،، وشفاعة الرسول ..
تعريف الصراط : أدق من الشعرة ،، وأحد من السيف والناس تمر عليه فبين ناج وبين ناج
مخدوش وبين مجندل فى النار والعياذ بالله ،، كل يعطي نوراً حسب طاعته وطاعته لله عز
وجل .. { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } [الحديد: 12]
والملائكة شعارها فى ذلك : ( رب سلم سلم ) وجاء دوري وأكرمني الله عز وجل بالمرور
على صراطه المستقيم حتى إذا ما انتهينا من المرور جاء النبي صلى الله عليه وسلم
وأمسك بحلق باب الجنة فحركت ففتحت الأبواب وأصبحت على باب الجنة ،، والحمد لله رب
العالمين ..
لقاء على الحوض:
وماذا بعد ..
هل شعرت يا أخي بلذة لقاء الحبيب ،، هل تمنيت ذلك ،، هل حاولت أن تزين صورتك ساعتها
أو بمعنى أدق صورة وجهك وهو يقبل على وجه النبي صلى الله عليه وسلم ليشرب تلك
الشربة اللذيذة ،، بل هل تذكرت نبيك الآن وأنت مازلت فى الدنيا ..؟
هل تحبه؟